English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

القمة الأفرو أوربية الأولى .. صراع الأولويات

د.حمدي عبد الرحمن حسن

أستاذ مساعد العلوم السياسية- جامعة القاهرة

 إن القول الإفريقي المأثور الذي ينص على أنه "في حالة تصارع فيلين كبيرين فإن الحشائش من تحت أقدامهما هي وحدها التي تعاني"، يؤكد على معنى ومدلول الوضعية الهامشية التي تحتلها إفريقيا على الصعيد الدولي منذ نهاية القرن التاسع عشر، إذ لا يخفى أن إفريقيا كانت ولا تزال بمثابة نظام إقليمي تابع في المنظومة الكونية، ومن المرجح أن تظل كذلك في الألفية الثالثة من الميلاد. وقد شهدت مرحلة ما بعد الحرب الباردة تبدلاً في أوضاع ومقتضيات التفاعلات الخارجية لإفريقيا؛ حيث أضحى التنافس من أجل الأسواق والنفوذ وتحقيق المصالح مفتوحًا أمام الدول الكبرى كافة، بل أن دولاً ذات تاريخ استعماري مثل: البرتغال وإيطاليا وبلجيكا بعد أن خرجت خلال حقبة تصفية الاستعمار عادت إلى القارة مرة أخرى. ولم يقف الأمر عند هذا الحد حيث إن دولاً آسيوية مثل: كوريا وتايوان واليابان والصين والهند بدأت تنظر صوب إفريقيا لتوسيع نشاطها التجاري والاستثماري.

وفي هذا السياق يأتي انعقاد أول قمة إفريقية-أوروبية والتي يفتتح أعمالها الرئيس المصري محمد حسني مبارك في القاهرة يوم الثالث من أبريل عام 2000 وذلك بحضور 67 رئيس دولة وحكومة؛ على رأسهم كل من الرئيس البرتغالي باعتباره الرئيس الحالي للاتحاد الأوروبي، والرئيس الجزائري بصفته رئيسًا لمنظمة الوحدة الإفريقية. فما هي أهداف هذه القمة؟ وما هي الأبعاد والدلالات الحقيقية التي تفصح عنها القراءة الفاحصة لجدول أعمالها؟.

 أهداف القمة والطموحات الإفريقية بشأنها

طبقًا للتصريحات الرسمية المُعلنة فإن القمة الإفريقية-الأوروبية تسعى إلى التوصل لاتفاق حول الخطوط العريضة للتعاون المشترك، والعلاقات بين دول القارتين، وأساليب مواجهة مشكلات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، أضف إلى ذلك فإن القمة ترمي إلى مناقشة القضايا السياسية بشكل عام بما في ذلك مشكلات الأمن والاستقرار. ويسعى الاتحاد الأوروبي جاهدًا إلى الاستفادة من تجاربه السابقة التي اكتسبها من قمة أوروبا-أمريكا اللاتينية، والقمة الأوروبية-الآسيوية.

واللافت للنظر حقًا أن ثمة إعداد جيد للقمة؛ يتمثل في انعقاد مجلس وزراء خارجية دول منظمة الوحدة الأفريقية ومجلس وزراء دول المجموعة الأوروبية كل على حدة، ثم يلي ذلك اجتماع مشترك لوزراء خارجية دول المنظمتين للإعداد لأعمال القمة. ومن الجلي أن الأفارقة يحاولون إدراج مجموعة من المطالب الملحة على جدول أعمال القمة، ولعل من أبرز هذه المطالب ما يلي:

-الموافقة على شطب جزء كبير من المديونية الخارجية المستحقة على إفريقيا؛ والتي تبلغ نحو [280] مليار دولار، وهي تشكل عبئًا ثقيلاً على مشروعات النهضة والتنمية الأفريقية.

-المساعدة في عمليات تسوية المنازعات الأفريقية، وحفظ السلام وإضفاء الطابع الديمقراطي في عدد من الدول الأفريقية.

-تقديم يد العون للدول الأفريقية من أجل مكافحة الفقر ومحاربة الأمراض ولا سيما الإيدز والملاريا؛ والتي تؤثر سلبًا على جهود التنمية الأفريقية.

 شراكة أفريقية-أوروبية جديدة!!

ليس بخافٍ أن أوروبا لها تاريخ استعماري في أفريقيا، وأنها حافظت على علاقات وثيقة بمستعمراتها السابقة، وذلك في سياق تجمعات مثل: الفرنكفونية ( الناطقة بالفرنسية) والإنجلوفونية (الناطقة بالإنجليزية) واللوزيفونية ( الناطقة بالبرتغالية). كما تم صياغة اتفاقية "لومي" عام 1975 لتحكم علاقات المساعدات والتجارة بين أعضاء الاتحاد الأوروبي ومستعمراتهم السابقة في أفريقيا والكاريبي والمحيط الهادي. وخلال سنوات الحرب الباردة انشغلت الولايات المتحدة باعتبارات ومقتضيات حالة الاستقطاب الدولي الأمر الذي ترك الميدان الأفريقي وكأنه شأن أوروبي خالص.

على أن السياسة الأفريقية لأوروبا خضعت لعملية تمحيص وتقويم في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، وذلك لإعادة ترتيب أولوياتها وأهدافها. ولا يخفى أن عملية التمحيص والتقويم تلك دفعت إليها مجموعة من العوامل والمتغيرات لعل من أبرزها:

-من الواضح أن الإطار المؤسس للعلاقات الأوروبية-الأفريقية المترتب على اتفاقية "لومي" قد تم صياغته ليتلاءم مع المصالح البريطانية والفرنسية على وجه الخصوص. برز ذلك مع دخول أطراف أوروبية جديدة مثل: اليونان وأسبانيا والبرتغال في الثمانينيات، والسويد والنمسا وفنلندة في التسعينيات. لقد شعرت إسبانيا على وجه التحديد بأن إطار "لومي" لم يراعِ مصالحها وروابطها التقليدية في أمريكا اللاتينية.

وأيا كان الأمر فإن تطور الاتحاد الأوروبي نفسه وازدياد عدد أعضائه دفع إلى ضرورة إعادة التفكير حول منظومة علاقاته بالدول النامية، فمع بداية أعوام التسعينيات ارتفعت نسبة المساعدات الأوروبية الموجهة إلى أوروبا الشرقية ودول الاتحاد السوفيتي السابق لتصل إلى نحو (25%) من إجمال المساعدات الأوروبية الخارجية، في نفس الوقت انخفضت نسبة المساعدات الموجهة إلى أفريقيا جنوب الصحراء لتصل إلى أقل من (40%) بعدما كانت تشكل نحو (70%) في أعوام السبعينات. [على الرغم من المزايا التجارية الذي تحدث عنها اتفاق لومي Lome فإنها لم تطبق على أرض الواقع كثيرًا، وليس أدل على ذلك من أن نصيب أفريقيا والكاريبي والباسفيكي من التجارة الأوروبية قد انخفض من (7%) عام 1980 ليصل إلى (3%) فقط عام 1997].

-لقد تعرضت السياسة الاقتصادية لمجموعة لومي لمخاطر حقيقية بفعل متغيرين أساسيين أولهما: توقيع اتفاقية الغات وظهور منظمة التجارة العالمية. وثانيهما: توقيع اتفاقية "ماسترخت" عام 1992 والتي تضمنت النص على ملامح سياسة التنمية الكونية لدول الاتحاد الأوروبي [طبقاً للمادة (1304) من اتفاقية ماسترخت Maastricht فإن السياسة التنموية للاتحاد الأوروبي ينبغي أن تدعم جهود التنمية المستدامة في الدول الأكثر تضررًا في العالم، وتشن حربًا على الفقر، وتعمل على ادماج الدول النامية بشكل تدريجي في منظومة الاقتصاد العالمي].

وعليه لم تعد اتفاقية "لومي" بمثابة الإطار الملائم لتنمية علاقات التعاون بين أوروبا ومناطق أفريقيا وأمريكا اللاتينية والباسيفيكي بفعل المتغيرات الداخلية في أوروبا، ناهيك عن التغيرات التي شهدها النظام الدولي منذ انهيار حائط برلين عام 1989 وأقول حقبة الحرب الباردة والتي أفسحت المجال واسعًا أمام هيمنة نموذج الديمقراطية اللبرالية على الصعيد الكوني، وظهور ما يسمى بالمشروطية السياسية عند منح المساعدات للدول النامية.

-منذ بداية التسعينيات وحتى جولة الرئيس كلينتون الأفريقية عام 1998 وإعلان الشراكة الأمريكية الأفريقية شهدت أفريقيا مدًا أمريكيا واسعًا وسريعًا، إذ لا يخفى أن المتغيرات الدولية الجديدة التي سارت باتجاه العولمة الأمريكية أفضت إلى إعادة توجيه السياسة الأمريكية نحو أفريقيا من خلال التركيز على دبلوماسية التجارة كأداة للاختراق، بالإضافة إلى دعم جيل جديد من القادة الأفارقة الجدد مثل: "ميليس زناوي" و"أسياس أفورقي" في القرن الأفريقي و"يوري موسيفني" و"بول كاجامي" في منطقة البحيرات العظمى.

وليس بخافٍ أن بعض القوى الاستعمارية الأوروبية السابقة -وعلى رأسها فرنسا- قد شعرت بالقلق إزاء التغلغل الأمريكي الجديد في القارة الأفريقية، وهو الأمر الذي دفع إلى إعادة تقويم السياسات الأوروبية تجاه أفريقيا، فالحكومة الفرنسية مثلا تسعى إلى انتهاج سياسة أكثر قارية وهو ما تمثل في اجتماعات القمة الفرنسية-الأفريقية التي أضحت تضم دولاً غير ناطقة بالفرنسية. وإذا أُخذ بعين الاعتبار مساندة الاتحاد الأوروبي لفرنسا وغيرها من الدول الأوروبية التي لها مصالح مباشرة في أفريقيا من خلال التنسيق بين السياسات الخارجية والأمنية للدول الأعضاء يتّضح لنا بجلاء أننا أصبحنا أمام منافسة أمريكية أوروبية جديدة على مناطق النفوذ والتجارة في أفريقيا.

 مضامين ودلالات القمة الإفرو-أوروبية

علينا-إذن- أن نفهم اجتماع القاهرة الذي يدشن القمة الإفرو-أوروبية الأولى في هذا السياق التاريخي وفي إطار منظومة العلاقات الدولية المتغيرة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. فما الذي تريده أوروبا من أفريقيا؟ وهل هي راغبة في نفس الوقت في تلبية المطالب الأفريقية الملحة؟ باعتقادي أن الإجابة على مثل هذه التساؤلات تقتضي تجاوز لغة الخطاب السياسي المعلن لتتعرف على الأبعاد الحقيقية للسياسة الأوروبية الجديدة تجاه أفريقيا.

ويمكن من خلال متابعة السياسات الأوروبية طيلة عقد التسعينيات الإشارة إلى عدد من الملاحظات الهامة التي تعبر عن كنه ودلالات القمة الإفرو-أوروبية ومن ذلك ما يلي:

أولا: أن انعقاد هذه القمة يعني في حقيقته تنسيق المواقف والسياسات الخاصة بدول الاتحاد الأوروبي تجاه القارة الأفريقية؛ بحيث يمكن أن نتحدث عن سياسة أفريقية لدول الاتحاد الأوروبي، ففي عام 1997 ومع تفجر النزاع في منطقة البحيرات العظمى اتهمت فرنسا التجمع الإنجلو سكسوني (بزعامة الولايات المتحدة) بالتسلل إلى مناطق نفوذها في جمهورية الكونغو الديمقراطية (زائير سابقًا)، على أن التفاهم البريطاني الفرنسي هو الذي أدى مرة أخرى إلى توحيد المواقف الأوروبية تجاه أفريقيا. ولنتذكر في هذا السياق أن اتفاق "لومي" جاء بعد تحقيق نوع من التفاهم الإنجلو فرنسي عام 1972 بين رئيس الوزراء البريطاني "أدورد هيث"   Heath  والرئيس الفرنسي "جورج بومبيدو" Pompidou.

ثانيًا: إن إقرار الاتحاد الأوروبي بضرورة تبني سياسية خارجية وأمنية مشتركة بين الدول الأعضاء يعكس مدى أهمية الربط بين القوة الاقتصادية المتزايدة للمجموعة الأوروبية وبين البعد السياسي لها، فثمة مصالح أوروبية في القارة الأفريقية تتمثل في:

-البحث عن أسواق لتصريف السلع الأوروبية المصنعة.

-الحصول على المواد الأولية اللازمة لتنمية الصناعات الأوروبية.

-الوصول إلى الموارد الطبيعية الاستراتيجية التي تمتلكها أفريقيا، ولا سيما اليورانيوم والذهب والماس. ومن المعروف أن المخزون الإفريقي من هذه المواد كبير مقارنة بالمخزون العالمي.

ثالثًا: ثمة مخاوف أوروبية من التواجد المتصاعد للولايات المتحدة في أفريقيا منذ التسعينيات، وعليه يمكن تفسير الشراكة الأفريقية -الأمريكية عام 1998 والقمة الإفرو أوروبية عام 2000 في سياق ازدياد حدة التنافس الأوروبي الأمريكي في أفريقيا على مستوى التجارة والاستثمار وبيع السلاح واللغة والثقافة .. الخ. وقد أدى ذلك بدوره إلى إعادة النظر في السياسات الأوروبية والأمريكية وترتيب أولوياتها في القارة الأفريقية ومن ثم ترتيب أدوار وتنظيمات سياسة وعسكرية جديدة.

وعلى أية حال فإن قائمة الأولويات الأوروبية المطروحة على جدول أعمال القمة ليست هي بالضرورة الأولويات والمطالب الإفريقية التي يطرحها القادة الأفارقة بإلحاح شديد، فأوروبا تحاول جاهدة الحفاظ على مصالحها الاقتصادية في أفريقيا وتولي أهمية كبيرة لمشكلات الأمن والاستقرار؛ ولا سيما الإسلام السياسي الذي أخذ يتزايد على أطراف الصحراء الكبرى وفي القرن الأفريقي، ناهيك عن قضايا الهجرة الأفريقية إلى أوروبا. واللافت للنظر حقًا أن القوى الأوروبية والأمريكية تحاول أن تغلف أهدافها الحقيقية بلحاف العولمة والاندماج في الاقتصاد الدولي، فهل يمكن لأفريقيا أن تبني نهضتها في القرن الحادي والعشرين استناداً إلى شراكة أوروبية أو أمريكية قد تفضي بها ـ كما حدث من قبل أبان عصر الاسترقاق ـ إلى هاوية التهميش في عصر العولمة الجديدة ؟ تلك هي المسألة.

اقرأ أيضًا:

- 145 مليون دولار لإنقاذ 13 بلدًا فقيرًا

- قمة أوروبية أفريقية بالقاهرة أبريل المقبل

-  مطالب أفريقية من أوروبا أبريل المقبل

- تنمية الفقراء للأغنياء.. تدفق الثروات من الجنوب للشمال

- إفريقيا وتحديات الألفية الثالثة

- جولة أولبرايت والسياسة الجديدة تجاه إفريقيا

- إفريقيا حصاد عام مضى حروب.. انقلابات.. انتخابات

 

قضايا سياسية

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

بث مباشر: 26/11

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع