بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

 الأزمة السنغالية - الموريتانية

حروب المياه تتصاعد

محمد عاشور- مدرس مساعد - 
معهد الدراسات الإفريقية جامعة القاهرة


منذ الثلث الأخير من القرن العشرين تواترت الكتابات السياسية بصفة عامة - ومن جانب المهتمين بالعلاقات الدولية بصفة خاصة - منذرة ومحذرة من مخاطر الفقر المائي الذي تعاني منه العديد من مناطق العالم، مُقاسًا بتراجع نصيب الفرد من المياه، وأكَّد العديد من هذه الكتابات على أن القرن الحادي والعشرين سوف يكون قرن الصراع من أجل المياه.

وتثير الأحداث الأخيرة التي شهدتها العلاقات الموريتانية - السنغالية من جرَّاء الأزمة الناشبة بين البلدين حول مياه النهر الفاصل بينهما التساؤل حول مغزى تلك الأزمة وأبعادها واحتمالات تطورها في ضوء خبرة علاقات البلدين السابقة.

المعلوم والمجهول من نهر السنغال

يعتبر إقليم نهر السنغال جزءاً من حوض نهر السنغال الذي يمتد عبر أقاليم أربع دول هي: غينيا حيث ينبع النهر من مرتفعات "فوتا جالون" ومالي وموريتانيا والسنغال، حيث مصبه بالقرب من مدينة "سانت لويس"، وتقدر مساحة الحوض بنحو 340.000كم، ويبلغ طول نهر السنغال 1790كم.

وعلى الرغم من الحقائق الجغرافية سالفة البيان، فإن الشائع أن نهر السنغال يمتد بين السنغال وموريتانيا دونما ذكر للدولتين الأخريين، ولعل ذلك يرجع في جانب منه إلى أن موريتانيا والسنغال هما الأكثر اعتمادًا على مياه النهر، فضلاً عمَّا اقترن بهذا الجزء من النهر من شهرة؛ لتمتعه بأسباب الرخاء والحضارة مقارنة بما حول، حيث أتاح النهر إمكانية إنتاج محصولَيْن في السنة، كما أفسح إقليم النهر منطقة مراعي طبيعية علاوة على الثروة السمكية التي تزخر بها مياهه.

واقتصارًا على الجزء المعلوم من نهر السنغال بجانبيه السنغالي والموريتاني يمكن القول أن النهر لم يمثل حاجزًا بين البلدين على أي من الأصعدة الرسمية أو الشعبية، بل مثلت ضفَّتاه مجالاً للتواصل الذي اتخذ مظاهر عدة.

فمن الناحية البشرية نجد أن السكان على ضفتي النهر ينتمون إلى نفس الأجناس، بل وأحيانًا نفس العائلات التي انشطرت إلى شطرين أحدهما سنغالي والآخر موريتاني، حيث تنتشر شعوب الولوف، والبول، والتوكولور، والسراكولا، والمور على ضفتي النهر، على تفاوت في نسبة كل جماعة إلى الأخرى بالإقليم. أكثر من ذلك فإنه وإن اختلفت تلك الجماعات فيما بينها من حيث اللغة وبعض العادات والتقاليد والوعي بالأصل المشترك أو المتميز، فإنه يجمعها قاسم مشترك هام هو وحدة العقيدة، حيث تدين كلها بالإسلام وإن اختلفت الطريقة الصوفية التي تتبعها كل جماعة.

ومن الناحية الاقتصادية يتميز نهر السنغال بالتواصل أيضًا بين جانبيه وتتعدد أيضًا مظاهر ذلك التواصل، حيث تتشابه أنماط وأساليب الإنتاج بين الجماعات القاطنة على ضفتي النهر، لا سيما تلك التي تخصصت في الزراعة كالتوكولور والسراكولا والولوف.

ومثلما كانت الزراعة مجالاً للتداخل والتشابه بين الجانبين كان الرعي أيضًا ساحة للتعاون، حيث اعتاد الرعاة من جماعات المور التنقل بقطعانهم إلى الجانب السنغالي بحثًا عن الماء والشعب.

وقد تدعَّمَ التوصل بين جانبي النهر بفعل الهجرة المتبادلة التي شملت أراضي الدولتين بما في ذلك إقليم النهر، وهي الهجرة التي بدأت في ظل الاستعمار الفرنسي الذي خضعت له أقاليم الدولتين قبل استقلالهما.

مشروعات للشقاق

لم تَخْلُ العلاقات بين السنغال وموريتانيا منذ حصولها على الاستقلال عام 1960م من أسباب للاحتكاك والخلاف، بسبب ما يُولِّده تجاور المزارعين السنغاليين والرعاة الموريتانيين من مشكلات، إلا أن الشاهد هو عدم حدوث تصعيد لتلك المشكلات الفرعية كي تتحول إلى أزمة أو مشكلة رئيسة بين الدولتين، وربما الفضل في ذلك يعود إلى حرص الحكومات المختلفة التي تعاقبت على حكم الدولتين على احتواء تلك المشكلات وعدم السماح لها بالتفاقم من خلال الحرص على عدم تسليط الأضواء عليها ومعالجتها في إطار ثنائي بعيدًا عن الضغوط الإعلامية والرأي العام.

إلا أنه منذ أواخر الثمانينيات من القرن العشرين بدا أن ثَمَّة تحولاً في طبيعة إدارة تلك المشكلات الدورية، حيث طغى طابع التصعيد والمزايدة السياسية بشأن تلك المشكلات، الأمر الذي أسفر في نهاية المطاف عن مواجهات دامية عام 1989م راح ضحيتها آلاف الأبرياء من رعايا كل دولة لدى الدولة الأخرى فضلاً عن تزوج مئات الآلاف عبر حدود البلدين.

ومن بين الأسباب العديدة التي طرحت لتفسير أسباب التحول في أسلوب إدارة العلاقات أو الأزمات بين البلدين؛ التغيرات التي أحدثتها مشروعات استغلال نهر السنغال لا سيما اكتمال إنشاء سدَّيْن على النهر هما سَدُّ "دياما" Diama ويقع بالقرب من "سانت لويس" بالسنغال عام 1986م وسَدُّ "ماننتالي" Manantali في مالي على أحد روافد النهر عام 1988م، حيث أتاح هذان السَّدَّان إمكانية التحكم في مياه نهر السنغال بغرض استغلالها في العديد من المشروعات كالزراعة وتوليد الطاقة الكهربائية والملاحة، حيث قدرت المساحة التي سيسمح السدان بزراعتها بنحو 375.000 هكتار يتم توزيعها بين الدول المستفيدة وهي السنغال – مالي – موريتانيا. وقُدِّرَت المساحة القابلة للزراعة التي يتيحها المشروع للسنغال بنحو 240.000 هكتار، في حين تُقَدَّر المساحة بالنسبة لموريتانيا بنحو 110.000 هكتار.

وعلى الرغم من أن مشروع استغلال نهر السنغال قد قام بالأساس على فكرة دعم التعاون بين دول النهر وتحقيق الاستفادة القصوى من موارده، إلا أنه سرعان ما اتضح أنه أحد العوامل الفاعلة في تصعيد الخلافات بين السنغال وموريتانيا، ذلك أن تعاظم الاعتماد على مياه النهر في إقامة مشروعات زراعية دائمة أدى إلى تضييق المساحة المتاحة للرعي أمام قطعان الإبل والماشية والأغنام التي كانت تنتقل من الجانب الموريتاني إلى الجانب السنغالي فيما يُعْرَف برعي الانتجاع؛ أكثر من ذلك أن مصالح الرعاة أصبحت تتعارض مع مصالح المزارعين الذين رأوا في تدفق تلك القطعان تهديدًا لزراعتهم. يضاف إلى ذلك أن مساعي كل من السنغال وموريتانيا لزراعة أكبر مساحة ممكنة من الأراضي أدى إلى ضغط متزايد على إيرادات النهر من المياه وتصاعد نظرات الشك والتوجس تُجاه أيٍّ من المشروعات التي تَمَسُّ تلك الإيرادات. الأمر الذي أدى – مع عوامل أخرى سياسية وثقافية - إلى سهولة تحول مشكلة صغيرة بين جماعتين حدوديتين إلى أزمة شاملة تهدد بمواجهة عسكرية عام 1989م.

الأزمة الراهنة واحتمالات تطورها

في ضوء الرصد التاريخي الموجز لسوابق الأزمات السنغالية - الموريتانية، يسهل تفهم طبيعة الأزمة السياسية الراهنة في العلاقات السنغالية الموريتانية التي يَكْمُن السبب المباشر لها في استئناف حكومة السنغال العمل في مشروع يستهدف سحب مياه نهر السنغال إلى مجموعة من الوديان والأحواض الجافة من خلال شق قنوات موصلة بين النهر وتلك الأحواض والبحيرات التي يشكلها النهر خلال فترة الفيضان، وتجف عند انحساره عنها.

وتبلغ مساحة تلك الأحواض نحو 3500كم وحال إتمام المشروع فإنها ستسمح باستزراع مساحات كبيرة حولها وهناك مشروع آخر يتمثل في شق قناة من بحيرة نهر السنغال (شمال شرق داكار) بطول 190كم؛ لتزويد العاصمة السنغالية باحتياجاتها من المياه واستزراع الأراضي حول تلك القناة.

وترى موريتانيا أن تنفيذ هذين المشروعين سوف يؤدي إلى الانتقاص من حصتها من مياه نهر السنغال، الذي يُعَدُّ أهم مصادر المياه لموريتانيا ذات الطبيعة الصحراوية القاحلة. أكثر من ذلك فإن موريتانيا تخشى من أن تسعى السنغال للتحكم في مياه النهر، خاصة مع تمسك حكومة السنغال بمبدأ إقليمية النهر الذي يعني حق الدولة التي يمر النهر بإقليمها في استغلاله كيف شاءت مع مراعاة فقط بعض القواعد المتعلقة باستغلال موارده المائية في الأغراض المختلفة، وذلك في إطار المطالب السنغالية باعتبار نهر السنغال بضفَّتَيْه السنغالية والموريتانية أرضًا سنغالية، استنادًا إلى مراسيم استعمارية فرنسية، وهو ما ترفضه بشدة موريتانيا متمسكة بقرارات منظمة الوحدة الإفريقية بشأن الحفاظ على الحدود الموروثة عن الاستعمار عند الاستقلال.

ويذكر أن المشروع السنغالي لاستغلال مياه النهر في إحياء الأحواض الجافة وشق القناة سالفة البيان يحظى بدعم فني وتكنولوجي إسرائيلي ومن خلال الخبراء والمعدات التي أمدت إسرائيل بها السنغال، في إطار التعاون المشترك الذي جَسَّدته على هذه الصعيد إقامة مزرعة نموذجية على مساحة 150 هكتارًا في منطقة "لوجا" الواقعة على مسافة 205كم شمال شرق العاصمة داكار، وهي المنطقة التي شهدت بالفعل تنفيذ المرحلة الأولى من مشروع إعادة الحياة للأحواض الجافة عبر توصيل مياه بحيرة نهر السنغال إلى 150 كم من هذه الوديان خلال النصف الثاني من التسعينيات.

وعلى الرغم من اندفاع المئات من المواطنين الموريتانيين المقيمين بالسنغال إلى العودة إلى موريتانيا خشية من تفاقم الأحداث على نحو مشابه لما جرى عام 1989م من تصفية متبادلة لرعايا كل دولة لدى الدولة الأخرى، وعلى الرغم من قيام حكومة موريتانيا بمنح مهلة أسبوعين للسنغاليين المقيمين بموريتانيا لمغادرة البلاد، فإن الشواهد تشير إلى صعوبة تكرار نموذج ما حدث عام 1989م؛ وذلك لاختلاف السياق الدولي والإقليمي والداخلي عبر السنوات العشر الماضية. فعلى حين اتسم المناخ الدولي والإقليمي بالسيولة والتشوش في نهاية التسعينيات، فإنه يميل حاليًا نحو المحافظة والاستقرار والسعي إلى ضبط الصراعات الإقليمية ومنع تصاعدها، لا سيما وأن تلك المنطقة من أكثر مناطق تركز النفوذ الفرنسي ومن أكثر المناطق المستهدفة للتغلغل الأمريكي. وعلى الصعيد الداخلي ما زالت مرارات وقسوة تجربة 1989م ماثلة في الأذهان على مستوى النخب الحاكمة والشعوب، الأمر الذي يصعب معه الإقدام على تكرار التجربة واستغلال مخاوف ومطامع تلك الجماهير؛ لتحقيق مكاسب سياسية على حساب أرواح الشعبين، لا سيما في ظل وجود نظام منتخب شعبيًّا في السنغال بعد سنوات طوال في صفوف المعارضة. وفي ظل صعوبة التنبؤ بمسار الصراع حال الدخول فيه وذلك لاستحالة التحكم المنفرد في ذلك المسار.

ولعله مما يدعم التصور سالف البيان حرص قيادة كل دولة على التعامل الهادئ مع الأزمة وعدم اللجوء إلى التصعيد ومسارعة السنغال بإرسال رئيس وزرائها مصطفى نياس إلى نواكشوط برسالة من الرئيس السنغالي إلى نظيره الموريتاني، وتأكيد رئيس وزراء السنغال على عمق الروابط بين البلدين، علاوة على إشارة وزير الطاقة السنغالي إلى أن أي مشروع يتعلق بالمياه لا يمكن أن يجري دون مشاورة الدول الأعضاء في منظمة استغلال نهر السنغال التي تضم إلى جانب السنغال موريتانيا ومالي. وهو الأمر الذي يمثل خطوة تهدئة في اتجاه موريتانيا، وتحولاً في الموقف السنغالي من الحق الإقليمي لاستغلال النهر إلى الحق الدولي وتقديم الأخير على الأول..

على أن ما سبق كله ينطلق بالأساس من رؤية عقلانية ورشيدة للعلاقات تأخذ في الاعتبار صالح الشعوب واستقرار المنطقة، إلا أن تلك القراءة لا تمنع القراءات "الرشيدة" الأخرى التي قد ترى أنه من "الغباء" ترك الأزمة تتفرج دون محاولة تحقيق مكاسب مادية أو سياسية سواء من خلال تصعيد الأزمة لإحداث تماسك داخلي من جانب النظم أم لإحراج الأخيرة من جانب قوى المعارضة. وهو أمر لن يخلو من استعانة بهذا الطرف أو ذاك من القوى الإقليمية والدولية ذات المصالح الخاصة بالمنطقة.

وأيًّا ما كان الأمر، فإن الدول العربية والإسلامية مُطالَبَة بدور فاعل وموحَّد بشأن الأزمة يسعى لاحتوائها ويحفظ لكل من الدولتين حقوقها. وتأتي أهمية التركيز على وحدة الجهود من واقع خبرة الصراعات الدولية الذي يكشف حقيقة أن تعدد الوساطات والوسطاء يُقَلِّل فاعلية الوساطة ويغري الأطراف المتنازعة على انتظار وساطة أفضل شروطًا. وخبرة الحرب الإريترية - الأثيوبية ووساطاتها ليست ببعيد، وعليه فإنه ربما يكون من الأفضل اتفاق الدول العربية والإسلامية على دعم الوساطة المغربية ومساعي الملك الشاب محمد السادس؛ لتسوية الخلاف على نحو يدعم التعاون بين بلدان المنطقة "فأهل مكة أدرى بشعابها"، وإن لم يمنع ذلك من طرح الأفكار المختلفة بشأن تسوية الأزمة وتجميعها لدى القيادة المغربية لتوحيدها والتنسيق بينها، على نحو يكفل شكلاً حضاريًّا لعمل عربي إسلامي يستهدف حقن دماء وحفظ أموال وممتلكات الأمة العربية والإسلامية على السواء


قضايا سياسية

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع