|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
الفيليبين:
مسارات الحرب والسلام في الجنوب المسلم!!
كوالالمبور – صهيب جاسم صحفي
وباحث متخصص في الشؤون الآسيوية
ليس
ما سمعه الملايين حول العالم عن أزمة
الرهائن الفليبينية هو الدافع الرئيسي
لكتابة هذه السطور كما قد يبدو؛ مع أملنا
أن تنتهي هذه الأزمة بسلام بعد أن زادت من
معاناة المسلمين وحملة العداء ضدهم، لكن
الدافع هو الأحداث الجسيمة التي مرَّت
بِصَمْت.. فكم منا سمع
عن الحدث المغيب إعلاميًّا، وهو أن أشرس
حرب شهدتها مناطق مسلمي مورو في جنوب
الفليبين منذ ما يقارب الـ25 عامًا قد
وقعت في الأسابيع الماضية، ووسائل
الإعلام أبعدت الأنظار عنها بما يمكن أن
نسميه بـ "مسرحية الرهائن"، التي ما
زال الجدل دائرًا حول هوية مخرجها
الحقيقي! ومن
يعرف أن مسلمي مورو سيواجهون مرحلة جديدة
من مراحل معركتهم المصيرية خلال عدة أشهر
لو تطورت الأوضاع في ساحات النِّزال
العسكري أو على طاولات الحوار السلمي
الذي بدأت جولته الجديدة في مدينة
كوتاباتو في مينداناو بمسارها الثاني في
30/5/2000م، وقدمت الحكومة مقترحها وستنظر رد
الجبهة يوم 21/6/2000م على أن يلتقي الطرفان
مرة أخرى يوم 28/6/2000م، كما أن صراعًا
خفيًّا يدور في أروقة حكومة مانيلا
والجيش الفليبيني، وهو ما دفع إلى التطور
السريع للأحداث والمراهنات بين الأطراف
الحكومية المتعاملة مع ملف الصراع في
الجنوب الذي راح ضحيته 300 ألف
من المسلمين ! السطور
التالية محاولة لفهم قضية مسلمي مورو
بعمق من خلال عدة محاور:
تقع
أرض شعب مورو في أقصى الجنوب الفليبيني،
وتتكون من جزيرة مينداناو ثاني أكبر جزر
أرخبيل الفليبين (أكثر من 7000 جزيرة)
وأرخبيل جزر صولو التي أخذ الرهائن
الأجانب إليها مؤخرًا، وجزيرة بالاوان
وبازيلان، وبذلك تكون مساحة مناطق مورو
116.895 كم2. أي أكثر من ثلث مساحة
الفلبين الكلية. ويبلغ مجموع سكان جزر
مورو المذكورة حوالي 20 - 21 مليون نسمة،
لكن عدد المسلمين منهم محل جدل بعد أن
قامت الحكومة وما تزال بتطبيق خطة توطين
النصارى في مناطق المسلمين، فالإحصاءات
الرسمية وطبيعة الصراع الموجود من أجل
الاستقلال تقلل من عددهم وتوصله إلى 7
ملايين فقط، بينما تصل تقديرات غير
حكومية إلى 15 - 18 مليون مسلم، والبقية من
سكان الغابات اللادينيين والنصارى
المهجرين من جزر لوزون وفيسياس الشمالية.
ومع أن الإسلام قد وصل إلى المنطقة
منذ وقت مبكر، فإن انتشاره كان في سنوات
ما بعد 1200 ميلادية، وذلك قبل بدء وصول
ماجلان ونصرانيته في عام 1521م، وكان دخول
الإسلام إلى شرق آسيا عن طريق الدعاة
والتجار وبدون حروب. ومن السلطنات
الإسلامية المشهورة في جزر جنوب
الفليبين: سلطنة صولو التي ضمت جزر صولو،
وطاوي - طاوي، وبالاوان، والجزر
المجاورة، وسلطنة ماغوانداناو التي يعيش
معظم المسلمين في أراضيها اليوم. المرحلة
الأولى:
وبوصول ماجلان، الذي كان منصرًا
شرسًا قبل أن يكون مكتشفًا، بدأ إجبار
أهالي الفليبين من المسلمين والوثنيين
وبعض الديانات الأخرى على اعتناق
المسيحية، وحينها بدأت المرحلة الأولى
من جهاد الفليبينيين المسلمين. وبعد
مقاومة إسلامية في مانيلا واستشهاد
قادتها دُمِّرَت الآثار الإسلامية هناك
على أيدي الأسبان الذين عملوا بهدف إبادة
المسلمين لتقليل عددهم أولاً، وهذا ما
يفسر كونهم أقلية بالنسبة لعدد سكان
الفليبين، وعملوا ثانيًا على دحر
المسلمين إلى الجنوب وتضييق توزيعهم
هناك. واستمرت المقاومة الإسلامية في
الجنوب لكن المملكة الإسبانية عززت
أسطولها، وسيطرت على الكثير من المناطق،
ونُصِّر جزء ليس بالقليل من الشعب
بالترهيب والترغيب. وعرف عن الأسبان عند
المؤرخين في آسيا أنهم أبشع وأشرس
المستعمرين حكمًا، ويليهم في ذلك
الهولنديون.
ثم ولَّى الأسبان بعد أن باعوا
البلاد للأمريكان بـ20 مليون دولار فقط في
10/12/1898م بموجب صفقة بدأت معها حلقة جديدة
من الدفاع عن أراضي المسلمين؛ وذلك لأن
الأسبان لم يستطيعوا إخضاع مناطق
المسلمين، ولكنهم ضموا مناطقهم في
الصفقة، وباعوا ما لا يملكونه، وهو ما
استغربه المؤرخون في آسيا! بدأت
المرحلة الثانية من جهاد الاستعمار،
مع دخول الأمريكيين الذين استمر عهدهم 47
عامًا، واتسمت إدارتهم بالخداع، وعقدوا
بعض الاتفاقيات السلمية مع بعض السلاطين
المسلمين التي تمنح بموجبها حقوق الحكم
المحلي. لكن الرئيس الأمريكي روزلفت ألغى
المعاهدة من جانب واحد بدون سبب، ثم قام
الأمريكان بتأسيس مؤسسات الدولة
وتسليمها للنصارى، وشكلت للجزر حكومة
كومنولث عام 1935م، وبعد حكم ياباني ما بين
عامي 1942 –
1946، عادت أمريكا إلى الفليبين، وفي عام
1946م منحتها الاستقلال بضم جزر شعب مورو،
بالرغم من المعارضة الشديدة من سكانها
آنذاك. ومنذ ذلك الوقت ومانيلا أحد أهم
حلفاء أمريكا العسكريين في المنطقة.
وبتأييدها لحكم النصارى في الفليبين،
أعطيت الشرعية للدولة الوليدة، وضاع حق
الدول ذات التاريخ القديم والشعب
المختلف هوية وأرضًا. المرحلة
الثالثة:
ومع بدء الحكم الفليبيني بدأت المرحلة
الثالثة من المقاومة التي عملت حكومة
مانيلا خلالها على تغيير التركيبة
السكانية بزيادة عدد النصارى في مناطق
المسلمين، ومصادرة الممتلكات، وتسليم
النصارى المهام العسكرية والإستراتيجية
والوظائف الحكومية والسيطرة، واستمرت
الاعتداءات، لكن الوعي بين المورويين لم
يُؤَدِّ إلى تحرك منظم إلا بعد سنوات،
وذلك عندما تبلور تنظيم جبهوي من قبل
الطلبة في الخارج، وعلى رأسهم
ميسواري وسلامات هاشم بدءاً من عام
1962م حتى أعلنت في عام 1968م جبهة تحرير مورو
الوطنية برئاسة نور ميسواري. وكانت
المرحلة الرابعة لحركة التحرر هي
تأسيس جبهة تحرير مورو الإسلامية في 1978م
التي خرجت عن جبهة تحرير مورو الوطنية
معلنة حلقة جديدة من جهاد هذا الشعب. مسار
السلام الأول: ربع قرن نحو طريق مسدود
بالرغم
من أن المورويين من الطلبة والمثقفين قد
بدءوا السعي لعمل منظم منذ بداية
الستينيات، فإن ذلك لم يظهر للعيان إلا
في عام 1968م عندما وقعت مذبحة لـ200 مسلم
وزادت أعمال التمييز العنصري ضدهم. وما
بين عامي 1968 –
1971 تزايد نشاط الطلاب المورويين وارتفعت
درجة الوعي تأثرًا ببداية موجة الصحوة
الإسلامية بينهم، واستذكار تاريخهم
المغيب عن أذهانهم، فكانت بداية شعلة
الحماسة الدينية والقومية والعمل
السياسي الذي تمخض بعد تجمعات متناثرة
بظهور "جبهة تحرير مورو الوطنية"،
بدأ القريبون من الفليبين يسمعون عن
المعارك العسكرية في مينداناو، وتعددت
أطراف الصراع ما بين الميليشيات المسلمة
والنصرانية والجيش وميليشيات أصحاب
المصالح التجارية كتجار أخشاب الغابات،
وبدأ المورويون الخروج إلى دول أخرى
مسلمة للتدريب العسكري في الوقت الذي
كانت ولاية صباح الماليزية مَعْبَرهم
ومركزهم الأقرب إلى ساحة النزال.
وعلى أبواب عام 1971م سيطرت الشرطة
العسكرية على كثير من المدن بسبب اتساع
دائرة أحداث العنف، وأغلقت المدارس
والمصانع، وأهملت الحقول الزراعية،
وتعثرت التجارة، وبدأت محنة لاجئي
الحرب، ودخلت إلى المسرح ميليشيات إلاغا
النصرانية، وكان من أوائل التقارير
الغربية البارزة تقرير لـ (البي بي سي) عن
مذبحة في مسجد قتل فيها 65 من الرجال
والنساء والأطفال جذبت مسامع الرئيس
الليبي معمر القذافي. وفي 21 يوليو من
العام نفسه وَقَّع زعماء طبقات مختلفة من
الشعب الموروي نداء طالبوا الحكومة فيه
بوقف العنف، لكنها اعتبرته تهديدًا لها.
وبعد قتل بعض تجار الأخشاب من النصارى،
ردت الحكومة على ذلك بقصف جعل الأوضاع
خارجة عن التحكم مع حلول شهر سبتمبر
وسقوط المئات من المقاتلين المسلمين
والجيش في حروب أكتوبر ونوفمبر 1971م. وفي
يناير 1972م بدأت الحكومة تحركها
الدبلوماسي لمواجهة تحرك المسلمين
الفليبينيين المماثل، فحاولت تحسين
سمعتها بتنظيم زيارة لثمانية من سفراء
الدول الإسلامية في مينداناو لإقناعهم
بأن اتهام الحكومة بارتكاب مذابح غير
صحيح، لكن وزراء خارجية الدول
الإسلامية، وفي أول دور دبلوماسي لهم،
طالبوا الفليبين بصون حياة وحقوق
وممتلكات المسلمين في اجتماعهم الثالث
في جدة، وقام وفد دبلوماسي مصري وليبي
بجولة أخرى، وقالوا: "إنه ليست هناك
أدلة قوية على وقوع مذابح، ولكن الواضح
أن حربًا بدأت رحاها تدور بين المسلمين
والمسيحيين"!
وكان التطور السلبي الآخر عندما أعلن
الرئيس الفليبيني ماركوس الأحكام
العُرْفية في 21/9/1972م، وبعد شهر من ذلك
أعلنت جبهة تحرير مورو الوطنية نفسها،
وأعلنت أن هدفها هو الانفصال بأقاليم
المسلمين عن الفليبين، وتولى قيادة
الجبهة نور ميسواري، وتولى سلامات هاشم
شؤون العلاقات الدولية.
وفي عام 1973م بدأ ماركوس التعامل
بسياسة "الجزرة السلمية" مع بقاء
"المدفع" ساخنًا في الجنوب، فقد بدأ
مشروعات خدمية، وأسس إدارة لإعادة
الإعمار، و"بنك أمانة الفليبيني"
لخدمة التجار المسلمين، وهو ما جعله يجذب
قلوب بعض الأطراف المسلمة خارج الجبهة
الوطنية. ومع ضغوطات وزراء خارجية الدول
الإسلامية في اجتماعهم الرابع في بنغازي
على حكوماتهم، فإنهم ظلوا مؤكدين أن
القضية "مسألة داخلية في دولة ذات
سيادة"، مما جعل ماركوس يدشن جولة
دبلوماسية أخرى في عواصمهم.
وتكاثرت قوة الجبهة الوطنية في عام
1974م، وزاد الجيش الفليبيني من حشوده،
وأعاد تنظيم قواته بعد أن سيطر الثوار
على جولو في أكبر معركة لهم، واكتفى
وزراء خارجية الدول الإسلامية في
اجتماعهم الخامس بمطالبة الفليبين "بإيجاد
حل سياسي وسلمي بالمفاوضات والاعتراف
رسميًّا بالجبهة الوطنية".
وكانت
أول جولة لما يمكن أن نسميه بـ "مسار
السلام الأول" في يناير 1975م، وهو أول
تفاوض من نوعه بين نور ميسواري وسلامات
هاشم من جهة، والحكومة الفليبينية من جهة
أخرى في جدة، إلى جانب حوارات أخرى
موازية لها بين القادة الميدانيين من
الطرفين. وهنا بدأ الخلاف يظهر بين زعماء
الجبهة حول أهداف وأرضية الحوار مع
الحكومة، وكانت النتيجة قبول نور
ميسواري؛ لجعل الحكم الذاتي مطلبًا لهم
في اجتماع وزراء الخارجية السادس،
وتكونت لجنة عمل لإعداد خطة هذا المشروع
من قبل ممثلين عن ليبيا والسنغال
والسعودية والصومال، واعترفوا - هم
وميسواري - بسيادة الدولة الفليبينية على
مناطق المسلمين وشرعية حكمها، مما جعل
الرئيس ماركوس يستغل هذا الاعتراف ويكثف
من مساعيه الدبلوماسية بفتح سفارات
لدولته في السعودية والجزائر والإمارات
وإيران ولبنان والكويت، ويقوي علاقته بـ13
دولة مسلمة أخرى، ويتحرك بين وزراء دول
عدم الانحياز. وفي
عام 1976م، التقى ماركوس بالسكرتير العام
لمنظمة المؤتمر الإسلامي، وأرسل وفوده
إلى عواصم إسلامية، ومن ذلك إرساله
لزوجته إميلدا ماركوس للقاء الرئيس معمر
القذافي، في الوقت الذي بدأت هدنة في
الساحة العسكرية، ورغَّب قادة من الجبهة
بمناصب سياسية إذا استسلموا، وهو ما حصل
بالفعل مع بعضهم، وكانت أولى الاتفاقيات
الموقعة "اتفاقية طرابلس" بين
ميسواري ووزير الدفاع الفليبيني كارم
يلو باربيلو، التي يضمن بموجبها حكمًا
ذاتيًّا لـ13 إقليمًا و9 مدن في جنوب
الفليبين للمسلمين، ولكن ماركوس أضاف
عبارة كانت أول علامة واضحة لفشل هذا
المسار السلمي عندما أمر باربيلو بإضافة
عبارة، وهي "ومن حق حكومة الفليبين أن
تتخذ الخطوات والإجراءات الدستورية
اللازمة من أجل تطبيق جميع بنود
الاتفاقية"! وهو ما كان يعني استمرار
الحضور العسكري الكثيف في الجنوب،
وتهجير الملايين من النصارى من شمال
الفليبين إلى مناطق المسلمين لتغيير
التركيبة الجغرافية للسكان، وبالتالي،
تعقيد عملية تنفيذ أي حل يهدف إلى حكم
ذاتي بمعنى الكلمة في زمنه أو في
المستقبل. وما
بين يناير وإبريل 1977م نظمت هدنة عامة،
وبدأت مفاوضات حول تفاصيل الاتفاقية،
وظهرت العثرة الأخرى عندما تلاعب ماركوس
برفضه منح الحكم الذاتي لميسوري في
الأقاليم الـ13 بحجة لزوم ترتيب إجراءات
دستورية، ووجود أعداد كبيرة من غير
المسلمين، وبالتالي ضرورة إجراء استفتاء
شعبي. وفي النهاية أعلن ماركوس القانون
1628 للحكم الذاتي في الأقاليم الـ13، ونظم
استفتاء كانت نتيجته أن 10 من13 إقليمًا
صوت غالبية سكانها للحكم الذاتي، فقسم
ماركوس الأقاليم بطريقته، مما أدى إلى
توقف المفاوضات. ثم
لجأ ميسواري إلى اجتماع وزراء خارجية
الدول الإسلامية الثامن لعام 1977م، حيث
تحدث لأول مرة، وعَبَّر عن خيبة أمله في
نتائج المحادثات، ولكن يبدو أن مساعي
ماركوس الديبلوماسية نجحت في جعل
الوزراء يطالبون ميسواري بالعودة إلى
المفاوضات! وهنا تهتز الجبهة الوطنية
داخليًّا وتنقسم القيادات، ففي 26/12/1977م
يتحرك سلامات هاشم والقيادات الإسلامية
التوجه مثل رشيد لقمان ودوماكاو ألونتو
ساليبادا بينداوتون؛ لإحكام السيطرة على
الجبهة وفصل ميسواري لاتهامهم إياه
بالخيانة، وينقسم التأييد العربي، فيميل
وفد مصر لجهة سلامات ويميل وفد ليبيا
لجهة ميسواري، وتفشل وساطات رابطة
العالم الإسلامي بينهم، ويسافر سلامات
إلى مصر؛ ليعلن تأسيس جبهة جديدة، ويحاول
آخرون إبقاء الجبهة الأولى، وكانت هذه
بذرة ظهور "جبهة تحرير مورو الإسلامية"
في يوليو 1978م.
وتستأنف المحادثات في 1978م وتطالب
الحكومة باللقاء مع سلامات هاشم بدلاً من
ميسواري، لكن وزراء الخارجية المسلمين
في اجتماعهم التاسع في داكار يعترفون
بميسواري كرئيس ومتحدث رسمي باسم الجبهة
تأييدًا لموقف ليبيا، ولم ترد القاهرة
جعل ذلك نقطة خلاف معها، فمنعت سلامات من
السفر من مصر لحضور الاجتماع، ربما لوضوح
إسلاميته واعتماد ميسواري في انطلاقة
عمله على الخطاب القومي أكثر من الخطاب
الإسلامي. ويقوم قادة من الجبهة الوطنية
الميدانيين بالإيقاع بوفد عسكري برئاسة
جنرال فليبيني فيقتلونهم مما أغضب
الحكومة وقلل استعداها للتفاوض. وبدون
أية فائدة، أعلن ميسواري رجوعه إلى الهدف
الأول، ومطالبته بالاستقلال لا الحكم
الذاتي، بعد زيارة لآية الله الخميني في
يونيو 1979م، لكن الحكومة استمرت في
مساعيها الدبلوماسية مع منظمة المؤتمر
الإسلامي لتثبيت اتفاقية طرابلس، حيث
فشل ميسواري في إقناع القمة الرئاسية
الإسلامية في الطائف، والوزارية في
بغداد عام 1981م بهدف الانفصال عن الفليبين، فيما
عرضت ماليزيا وإندونيسيا التدخل كـ"وسطاء
آمنين" بحكم جيرتهم للفليبين. وفي ذلك
العام، رفع ماركوس الأحكام العرفية،
لكنه أبقى حكمه الديكتاتوري على الجميع
لمجرد كسب شرعية اسمية، تبعها بلقاء شخصي
بالملك خالد بن عبد العزيز والسكرتير
العام لمنظمة المؤتمر الإسلامي –
آنذاك –
حبيب تشاتي، الذي دعت منظمته في عام 1983م
كذلك إلى توحيد صفوف الموروريين قبل
تطبيق اتفاقية طرابلس. وفي عام 1984م،
التقى ماركوس رؤساء دول بروناي وباكستان
وماليزيا وسنغافورة وإندونيسيا لتحييد
هذه الدول في مواجهته مع المسلمين؛ ولذلك
بقي موقف المؤتمر الإسلامي ملتزمًا بـ"سيادة
ووحدة الفليبين". ومنذ
عام 1983م بدأت تقوى المعارضة الفليبينية
بين غير المسلمين في معظم أقاليم البلاد،
وأصبحت المظاهرات حدثًا متكررًا، مما
جعل ماركوس ينظم انتخابات شكلية يعلن
فيها فوزه عام 1986م، فدُبِّرَت محاولة
انقلاب فاشلة دفعت ملايين الناس للخروج
في المظاهرة المليونية المشهورة التي
أسقطته، وسفَّرت الولايات المتحدة
حليفها وأسرته، بعد انتهاء أدواره التي
خدمهم بها، إلى هاواي!. ما
بعد سقوط ماركوس استلمت
كاروزان أكوينو السلطة، وأعادت كتابة
الدستور، وفيه ما يعطي المسلمين في
مينداناو الحكم الذاتي. وفي يناير 1987م
بدأ الحوار بينها وبين ميسواري مرة أخرى
في جدة، لكن الحوار تعثر لخلافات حول أثر
الدستور وقانون الحكم الذاتي الجديدين،
ولم تتغير مواقف الدولة. كما عادت أكوينو
لتكرر أسلوب التأثير على الدبلوماسيين
المسلمين في مانيلا. وفي
عام 1989م، أقرَّ الكونغرس الفلبينى
القانون رقم 6734 الذي يمنح مينداناو الحكم
الذاتي لما سمي بـ "منطقة الحكم الذاتي
لمسلمي مينداناو"، ولكن ذلك ربط
بنتيجة استفتاء تنظمه الحكومة وليس
طرفًا مستقلاً كالأمم المتحدة مثلاً،
وكان هذا هو الاستفتاء الثاني من نوعه،
لكن جبهتي مورو الوطنية والإسلامية
قاطعتاه، مما جعل النتيجة لصالح
الحكومة، حيث صوت سكان أربعة أقاليم من
مجموع 13 لصالح الحكم الذاتي، تمهيدًا
لانتخابات محلية في هذه الأقاليم عام 1990م.
ومن هنا بدأ الضغط على ميسواري للقبول
بالقليل من حكم لأربعة أقاليم بعد أن
التقى الرئيس الفليبيني الجديد فيدل
راموس بالرئيس الليبي معمر القذافي في
عام 1992م. وكانت
جولة المفاوضات التي استضافتها جاكرتا
عام 1993م بداية قبول ميسواري بمقترحات
اللجان التي شكلها الرئيس الجديد راموس،
والقرارات التي أصدرها بهذا الشأن،
ودعمت إندونيسيا الاتفاق المبدئي،
ورتبت زيارة للمؤتمر الإسلامي إلى صولو. وفي
عام 1994م، أقر قانون برلماني "عفو"
الحكومة عن ثوار ميسواري، وتأسيس لجان
سلام مشتركة. وتستمر
المحادثات وتتعثر قرارات واتفاقيات
عديدة على الصعيدين الداخلي والخارجي،
ويلتقي راموس الملك فهد بن عبد العزيز
عام 1995م، وفي نهاية المطاف، يوقع ميسواري
والحكومة الاتفاقية النهائية التي
ترفضها الجبهة الإسلامية في 2/9/1996م،
وتنظم انتخابات محلية كان من المتوقع
جدًا أن يفوز بها ميسواري كحاكم لأربعة
أقاليم. تقويم
تجربة ميسواري بعد
ربع قرن من المفاوضات المنهكة والطويلة
والتي رأينا كيف تطورت؛ لتكون النتيجة
غير التي كان يسعى إليها المسلمون في
البداية، ما يزال ملف جنوب الفلبين
داميًا، وبالرغم من انتقاد الكثيرين لها
آنذاك فإن البعض قد أيَّدها من المسلمين
في داخل الفلبين ومن البلاد العربية
والإسلامية آنذاك مما جعل ميسواري
مُصِرًّا على أن هذا الاتفاق سيمثل بداية
الحل، وهو ما ظل محل جدل طويل والتجربة في
بدايتها.. ولكن اليوم يمكننا أن نسأل: ما
الذي حصل عليه المسلمون من ذلك الحكم
الذاتي المحدود لأربعة أقاليم فقط (ماغوينداناو
–صولو
–
طاوي طاوي –
لاناو ديل سور ومدينة ماراوي) بعد تجربة
دامت قرابة أربع سنوات؟ وهل المكافأة
الفليبينة التي حصل عليها ميسواري
متناسبة مع حجم التضحية والشلال المتدفق
بدماء المسلمين ؟
وحتى يمكن التقويم بدقة لنرى موقف
أكثرية المحللين الآسيويين وحتى بعض
الفليبينيين : ففي الوقت الذي تراجعت فيه
شعبية ميسواري تحاول الحكومة إعطاءه
نَفَسًا سياسيًّا مؤقتًا بتأجيل
انتخابات الأقاليم التي يحكمها من
فبراير الماضي إلى نوفمبر 2000م، ومرة
ثانية تأجيلها إلى العام القادم،
وعسكريًّا لم تكتمل عملية دمج ثوار
ميسواري في الجيش حسب الاتفاق لعدم ثقة
بعض قيادات الجيش بهم وبولائهم للحكومة
بعد أن كانوا يقاتلونها. وكان
ميسواري قد حصل على وعود من الحكومة على
أمل أن يُنْهِي تحسين أوضاع السكان
اقتصاديًّا ودخول الاستثمارات الأجنبية
تأييدهم للثورة المسلحة، لكن الذي حصل
كان العكس مما زاد قوة الخيار العسكري،
فلم يتحسن الوضع الاقتصادي للمسلمين في
هذه الأقاليم، فمثلاً يتهم قمر غونتمغ
مسؤول ثلاثة أقاليم في مكتب الشؤون
الإسلامية في الوزارة في مانيلا حكومته
بأنها السبب وراء تزايد حدة الصراع في
الجنوب، وذلك بإهمالها للمنطقة
اقتصاديًّا، كما وصف تجربة الحكم الذاتي
برئاسة نور ميسواري في 4 أقاليم مسلمة بـ
"الفشل في تطبيق وعودها من إحقاق
العدالة والمساواة والتساوي في توزيع
الثروات"، وأرجع تزايد شعبية الجبهة
الإسلامية في عموم الفليبين إلى فشل
الحكومة والجبهة الوطنية في ترجمة ما
تعاهدوا عليه في اتفاقيتهم السلمية إلى
الواقع، وقال عن ميسواري: "إنه لم
يستجب لمشكلة إهمال حياة مسلمي الجنوب
التي دامت سنين طويلة"، وقال إن 10 آلاف
من رجال الأعمال والتجار من مسلمي الجنوب
قد هربوا من مناطقهم إلى أقاليم الشمال.
كما أن سلطات ميسواري تبدو ضعيفة ولا
يمكن وصفها بالحكم الذاتي الكامل الذي له
صلاحيات الولايات في النظام الفيدرالي
مثلاً ". بل
إن قادة جبهة ميسواري الذين يحكمون معه
الأقاليم غير راضين عمَّا قدمته لهم
الحكومة بالرغم من محاولتهم الالتزام
بالاتفاقية، كما أكد ذلك "مسلمين سيما
" السكرتير العام للجبهة وحاكم مدينة
كوتاباتو الذي أشار إلى وجود حالات
الخروج من صفوف جبهة ميسواري، فمنهم من
اتجه لجماعة أبو سياف ومنهم من أسس "مجلس
القيادة الإسلامي" والذي مع ادعاء
مؤسسيه بعددهم الكبير إلا أنهم لم يقوموا
بأي عمل عسكري الآن، ويقول إن هناك
أعدادًا كبيرة انضمت للجبهة الإسلامية
منذ اليوم الأول لوقف العمليات العسكرية
ضد الجيش ويضيف: "سخط رجالنا من
الأوضاع وعلاقة الدم التي تربطهم ببعض
رجال الجبهة الإسلامية تدفعهم لمواصلة
القتال معهم". بل إن لنور ميسواري
تصريحًا يؤكد فيه أن تفاصيل الاتفاقية
بينه وبين الحكومة لم تنفذ بشكل كامل
بعد، لكنه ما زال غير مستعد للاعتراف
بالفشل رافضًا إصدار حكم على تجربته. ويحكم
ميهول سادين أحد أساتذة قسم الدراسات
الإسلامية في جامعة الفليبين على تجربة
حكم ميسواري الشكلي بـ"الفشل الكئيب"
ضاربًا مثالاً لإثبات رأيه بأسلوب إدارة
وارِدات الدول في الإقليم، حيث لم تمنح
إدارة ميسواري المحلية صلاحيات كافية
للاعتماد على ثروات الإقليم أو الاتجاه
نحو الاستقلالية في ميزانيتها المحلية،
وفي المقابل يُسَلِّم المسؤولون الصغار
وارِدات الضرائب وما شابهها للحكومة في
مانيلا، ويقول سادين: "إن قانون الحكم
الذاتي الإقليمي الذي أقرته الحكومة لا
يعطي إلا القليل جدًّا من الوظائف أو
السلطات؛ ولذلك فالحكم الذاتي محكوم
عليه بالفشل قانونيًّا ودستوريًّا". ويقول
ناصر جوالي الناشط الاجتماعي في مدينة
جولو: إن سكان الأقاليم التي يحكمها
ميسواري كانوا مؤيدين له في البداية،
لكنهم قد "فقدوا الأمل" بعد فشله في
تنفيذ برامج تنموية لتحسين مستوى معيشة
عوام الناس. ويرد ميسواري بالقول إنه
يتسلم من الحكومة 111 مليون دولار
كميزانية سنوية، لكنه ادعى أن معظم
المبلغ يتجه إلى تغطية رواتب 19 ألف موظف
في سلطته قائلاً: "علينا أن نغطي نفقات
الموظفين.. ولا يمكننا فعل الكثير بما
يتبقى لدينا من المبلغ.."! ولذلك
حاولت الحكومة دفع ميسواري للتوسط في
أزمة الرهائن كمؤشر على أنها لن تمنح
جماعة أبو سياف أكثر من مما منحته
لميسواري الذي حاول أن يستغل أزمة
الرهائن؛ لاسترجاع دوره القيادي بين
المسلمين، وظهوره أمام العالم وماليزيا
على وجه الخصوص؛ وذلك لأن الاجتماع
القادم لاجتماع وزراء الخارجية الدول
الإسلامية الذي يعتمد عليه بشكل رئيسي في
إبقاء شرعيته سيعقد بعد أسابيع في
كوالالمبور، وفي ظل قوة تيار الجبهة
الإسلامية (سلامات هاشم)، فإنه يخشى أن
ذلك سيسحب البساط من تحت قدميه لو اتجهت
الدول الإسلامية لسلامات كبديل أقوى من
ميسواري. لكن فشل مساعي ميسواري في
التوسط في أزمة الرهائن جعلت الرئيس
يعزله، وهو ما كان نتيجة سلبية للأزمة
تؤثر على منزلته القيادية في الجنوب، حيث
تحتجز جماعة أبو سياف الرهائن في أحد
الأقاليم الني يحكمها.
مسار
السلام الثاني: الجبهة الإسلامية
والتفوق العسكري! تعتبر
الجبهة الإسلامية حركة هامة في ميزان
الصراع في الفليبين لدرجة كبيرة، ويرتبط
مستقبل المسلمين هناك بمواقفها ووضعها،
فقواتها تقدر بحوالي 80 –
120 ألف مقاتل، ويدعمها 300 ألف آخرون من غير
المنتظمين بشكل دائم، مما يجعلها أحد
أكبر حركات وأكبر
الحركات المسلحة في جنوب شرق آسيا. وقد
أنفق الجيش في المواجهة معها منذ فبراير
1999م إلى يناير 2000م (4,32) مليار بيسو، ولها
القدرة على خوض معارك منظمة كالجيوش
النظامية، وليس مجرد خوض حرب عصابات
كأغلبية الحركات المسلحة في العالم
بشهادة أعدائها. سلامات
هاشم وتعكس
الجبهة الإسلامية ما يحمله مؤسسها من
أفكار ومعتقدات؛ ولذا يمكننا فهم جانب من
جذور هذه الحركة الإسلامية من خلال تسليط
الضوء على حياته وما يعرف عن قائدها
الشيخ أو "الأستاذ "سلامات هاشم -
كما يسمونه. وُلِدَ
سلامات هاشم لوالده الفلاح في إقليم
كوتاباتو، الذي يُسَمَّى اليوم باسم
إقليم ماغوانداناو، قبل 57 عامًا، وتخرج
في الأزهر الشريف، ففي عام 1958م انطلق إلى
الثانوية الأزهرية، ثم كلية أصول الدين،
وحصل على الماجستير في الفلسفة، وحضَّر
رسالة الدكتوراه عن انتشار الإسلام في
جنوب شرق آسيا، لكنه فقد بحثه عندما
احترق بيته في باغاروان بهجوم الجيش
أواخر عام 1973م. وقضى 21 عامًا خارج بلاده،
معظمها في أرض الكنانة، كما بقي في ليبيا
وباكستان والسعودية، فدرس عند بعض مشايخ
الحرم، وكذا في المدرسة الصولتية
الدينية المشهورة، لعدة سنوات، وذلك بعد
أن أعلنت الأحكام العرفية في البلاد عام
1972م. وبعد سنوات من العمل والنشاط
الطلابي أينما حل في دراسته بين الطلبة
الفليبينيين والآسيويين كانت نتيجتها
مجتمعة تأثره بفكر الصحوة الإسلامية في
البلاد العربية وباكستان. وكان قد بدأ التحرك مع أخيه نور
ميسواري لتأسيس الجبهة الوطنية في أواخر
الستينيات لمواجهة الحملة البشعة آنذاك
ضد المسلمين في الفليبين، إلى أن
وُقِّعَت اتفاقية طرابلس المذكورة آنفا
بين ميسواري والحكومة في ديسمبر 1976م، حيث
اعتبر سلامات هاشم والجناح الإسلامي،
وخاصة القادة الميدانيين، الاتفاقية "خدعة
وخيانة"، وانفجر الخلاف بينهما، ودعا
القادة الميدانيون ميسواري آنذاك إلى
التنازل عن قيادة الجبهة التي أَصَرَّ في
البداية عليها، وأن يترك المجال لسلامات
هاشم، لكنه رفض التنازل. وفي
عام 1978م، وللخروج من هذه الأزمة في
القيادة والمنهج، انطلقت جبهة تحرير
مورو الإسلامية، وكان هدفها هو
الاستقلال وليس الحكم الذاتي كما هو موقف
ميسواري. ولم يكن الحاج سلامات وحده، فقد
كان معه 90 من ا قيادات الجبهة الآن، ومئات
من الشباب الذين زاد عددهم ليصل إلى مئات
الألوف. الحرب
أولاً والمفاوضات ثانيًا: وبالرغم
من أن الخيار الأول للجبهة كان القتال
والمواجهة العسكرية، وما زال كذلك، وأنه
لم يتوقف منذ تأسيسها، فإنها تفاوضت مع
الحكومة منذ أيامها الأولى، ولكن بدون
نتيجة لرفض الحكومة الاستجابة لمطالبها.
فمنذ أن انشق سلامات هاشم عن الجبهة
الوطنية عام 1978م، وخلال عيشه في المَنْفى
في القاهرة وغيرها، بدأت الفليبين
بإرسال وفد تفاوضي للقاء به أو بمن معه،
وحصل لقاء عام 1979م. وفي عام 1986م أعلنت
الجبهة الإسلامية استعدادها
للحوار مع الحكومة إلى جانب جبهة ميسواري
في إطار لجنة موحدة بعد جهود المؤتمر
الإسلامي ورابطة العالم الإسلامي، لكن
الرئيسة الفليبينية زارت معسكرًا لجبهة
ميسواري في صولو واتفقت مع ميسواري على
ما كان يفضله من انفراد باتفاقية سلام
بدون الجبهة الإسلامية، في الوقت الذي
بدأت تزيد القوة العسكرية للجبهة
الإسلامية تدريجيًّا وتضعف مثيلتها
للجبهة الوطنية بدءاً من عام 1983م. كما
حصلت لقاءات أخرى لم تَطُلْ كغيرها وبدون
نتيجة في عام 1992م، وفي عام 1996م الذي توجت
الجبهة الإسلامية نهايته باجتماع حاشد
في 3 - 5/12/1996م بالقرب من مدينة كوتاباتو
ردًّا على رفض الحكومة لمطالبها على
طاولة المفاوضات. وعادت
المفاوضات منذ يناير 1997م، إلى أن وقَّعت
هدنة بهدف التمهيد للمفاوضات بين الجبهة الإسلامية والحكومة في
18/7/1997م، وتم تشكيل لجنة تنسيق من الطرفين
ومن رجال الدين والعلماء لمراقبة ساحة
القتال، لكنها اخترقت من الجانبين مئات
المرات وتبادل الطرفان الاتهام بانتهاك
الاتفاقية، ولم يكتب لها النجاح. وفي
فبراير 1999م أعلنت الجبهة مرة أخرى عزمها
على الاستقلال، وثارت ساحة القتال،
وكادت أن تكون النتيجة لصالح الجبهة ثم
حصلت اتصالات في الشهور التي تلتها،
وطالبت الحكومة بلقاء بين الرئيس
الفليبيني وسلامات هاشم، ووافق سلامات
في حديثه مع مستشار الرئيس استرادا على
بدء المحادثات واللقاء باسترادا، لكن
اللقاء تعثر؛ فالرئيس إسترادا عندما
ترشَّح للرئاسة تحالف مع سياسيين
متشددين يرفضون الحل السلمي الذي يخدم
مسلمي الجنوب ويمنحهم أساسيات مطالبهم. لماذا
التفاوض ؟! من
الأسئلة التي طالما تطرح على الجبهة:
لماذا إذن المفاوضات طالما أن هدف الجبهة
هو الاستقلال ؟ يقول سلامات هاشم في
مقابلات عديدة ردًّا على ذلك: "إن
الهدف أولاً هو إثبات حسن النوايا وأن
المسلمين لا يغلقون بابًا أمام حل سياسي
يُنْهي الصراع"، ولكن الدرس الذي
تعلمته الجبهة الإسلامية من مفاوضات
ميسواري هو اعتبار المفاوضات أمرًا
جانبيًّا والاستمرار في الإعداد العسكري
والتنظيم في المناطق المحررة وإسناد
الحوار السياسي لخبراء الجبهة من
السياسيين وعدم انشغال القيادة العليا
بها. وأما هدف المفاوضات الثاني فهو
إقناع الحكومة الفليبينية بضرورة الحل
السلمي لمشكلة المسلمين، وذلك باستفتاء
الشعب الموروي، وتخييره بين 3 أمور: 1.
الحكم
الذاتي الحقيقي والشامل لكل أراضي
المسلمين وأقاليمهم الـ13 وليس الـ4 التي
يحكمها ميسواري فقط. 2.
الفيدرالية
مع الفليبين، وهو حل أفضل بلا شك، من مجرد
حكم ذاتي ضيق الصلاحيات، وهو كذلك ما
تفضله الجبهة لو استحال الاستقلال. 3.
الاستقلال
الكامل، وذلك من خلال استفتاء شعبي في
المناطق ذات الأغلبية المسلمة في
الأقاليم، والجزر الخمسة الرئيسية، وهي:
ماغوينداناو، وبازيلان، ولاناو ديل سور،
وصولو، وطاوي - طاوي، وبعض المديريات
المبعثرة خارج هذه المناطق، هذا بالرغم
من أن جميع أراضي مينداناو والجزر
المجاورة أراضي إسلامية تاريخيًّا، لكن
الهجرات النصرانية من الشمال أدت إلى
تغير التركيبة السكانية في بعض المناطق،
مما قد يؤثر على نتيجة الاستفتاء؛ ولذلك
لا تطالب الجبهة بتنظيم استفتاء فيها،
كما لا تقاتل حاليًا لاستعادتها. وتركز
الجبهة الإسلامية على طرح قضية
الاستقلال في المفاوضات إذا فتحت
الحكومة الفليبينية باب الحوار، وترفض
أي مشروع سلمي مطروح من قِبل أطراف دولية
بدون استشارة الشعب الموروي المعني
بالأمر. وتطالب
الجبهة بأن يشرف على الاستفتاء المطلوب
من قبل طرف ثالث كالأمم المتحدة ومنظمة
المؤتمر الإسلامي وبعض الدول الإسلامية،
كماليزيا والسعودية وليبيا ومصر أو
أستراليا التي لعبت وما زالت تلعب دورًا
رئيسيًّا في استفتاء تيمور الشرقية. وذلك
حتى تتلافى تجربة الاستفتاءَيْن
السابقَيْن اللذَّيْن لم تلتزم الحكومة
بنتائجهما. ويعتقد
الحاج مراد إبراهيم -نائب رئيس الجبهة
للشؤون العسكرية- في تصريح له في 16/5/2000م
أن ماليزيا وإندونيسيا - العضوين
المسلمين (وبروناي معهما) في رابطة دول
جنوب شرق آسيا - تراقب الوضع منذ فترة بعد
أن رأت الدول المسلمة المعنية بملف
الفليبين أن مشكلة المسلمين في جنوبه لم
تحل باتفاقية وحكم ميسواري؛ ولذلك يأمل
الحاج مراد أن يُعِيْدَ المجتمعون في
المؤتمر القادم للمؤتمر الإسلامي في
كوالالمبور النظر في أسلوب حلهم لهذه
المعضلة. وقال: "ليس المهم الآن أن
يعترفوا بنا أو لا، لكن المهم أن يعترفوا
بحق شعب مورو وحاجته للعيش بسلام ..". وبالرغم من تزايد شعبية مطلب
الاستقلال بين مسلمي الجنوب فإن سلامات
يقول: "لو رفض الشعب الاستقلال
فسنتنازل عن هذا المطلب ونرضى بالحكم
الذاتي، فنحن من هذا الشعب وهم منا، ولا
نقاتل إلا من أجل حياته". وعندما سأل
صحفي غربي القائد سلامات هاشم عن "صعوبة
تحقيق هذا الحلم"، أجابه باستغراب: "أعرف
ذلك! غير أن هذا من حقنا وهو الأسلوب
الوحيد لحل المشكلة بإعطاء شعب مورو
استقلالهم وتركهم أحرارًا، كما ساعدت
الدول الأجنبية شعب تيمور الشرقية في
إجراء استفتاء اختارت الأغلبية منهم فيه
خيار الاستقلال". وقد
فضلت منظمة المؤتمر الإسلامي، وكذا
الحكومة الفليبينية، سابقًا التعامل مع
ميسواري لأنه قَبِلَ بالقليل من حكم ذاتي
محدود ونَفَّذ ما أُمْلِيَ عليه بسبب
اعتماده في البقاء على دعمهم، وهو ما
حاولت الجبهة الإسلامية تجنُّبَه، ورفضت
منذ السبعينيات الانصياع لضغوطات بعض
الدول الإسلامية التي طالبتها بالتنازل
عن مطلب الاستقلال والاكتفاء بالحكم
الذاتي، كما كانت تهدف الحكومة إلى إقناع
الشعب الموروي بأن صيغة الاتفاق مع
ميسواري كافية لهم وهو ما لم يتحقق حتى
الآن. وقد
أكدت إحدى الصحف الفليبينية يوم 2/6/2000م ما
يقوله الكثير من مسلمي الجنوب عن
ميسواري؛ فقد أشير إلى أنه –
ومن منطلق خوفه من أن المفاوضات بين
الجبهة الإسلامية والحكومة ستسحب البساط
من تحت قدميه –
يسعى لإفشال الحوار بين الجبهة
الإسلامية والحكومة حسبما كشف عنه مصدر
رفيع في حكومة ميسواري المحلية. ويقول
المصدر إن ميسواري يعارض اتفاقًا جديدًا
بين الطرفين يشبه الاتفاق الذي وقعه هو
مع الحكومة "لأن أجزاء عديدة من
الاتفاق الأول لم تنفذ". وكان ميسواري
قد تحدث في اجتماع لمنظمة المؤتمر
الإسلامي في جدة مؤخرًا مُطالِبًا إياهم
منع الجبهة الإسلامية من توقيع اتفاقية
مع الحكومة. وتتهم
الجبهة الإسلامية الحكومة بأنها لا تسعى
بشكل جدي لحل الصراع إلا بهدف تخليص
الحكومة المركزية من توابعها
الاقتصادية، وليس بهدف إصلاح أحوال
مسلمي الجنوب، ويمكن فهم هذا الاتهام من
خلال مواقف الحكومة التي تعودت على إملاء
حلولها وتوصيفها لطبيعة الصراع، وهو
بالطبع، اغتصاب لحرية وحق تقرير المصير
لكل شعب احتلت أراضيه وحكم من قبل الغير
دون رضاه؛ ولذلك تسعى الجبهة للانفصال عن
الفليبين وتتفاوض معها ليس من قبيل
الاعتراف بسيادتها ولكن من قبيل التفاوض
مع دولة أجنبية. ومع أن المجتمع الدولي لا
يعترف بالمورويين كدولة منفصلة، فإن
الجبهة الإسلامية تحاول فرض نفسها كممثل
لشعب له هويته وتاريخه المنفصل عن هوية
الذين يحكمونه. وفي المقابل طالما شكك
الرئيس والمسؤولون الفيليبنيون بـ "نوايا"
و"إخلاص" الجبهة الإسلامية،
ويعتبرونها حجة كافية لتعزيز حشود الجيش
بالقرب من معسكرات الجبهة. وفي
آخر حوارات سلامات هاشم مع صحيفة
فلبينية، أشار إلى عدة قضايا مثيرة منها
أن الجبهة تعتمد كثيراً على دعم سكان
مورو في شراء أسلحة من أطراف من الجيش
الفليبيني، وأكد أن الجيش الفليبيني
يريد استمرار المعارك لأهداف سياسية
داخلية أهمها تحطيم الرئيس استرادا. وقال
إن الجبهة تواجه حكومة غير فعالة وغير
منظمة، ولا تستطيع التحكم حتى في قيادات
الجيش حسب مصادر مخابرات الجبهة. كما
أشار إلى أن الرئيس الفليبيني حدد موعد
30/6 القادم كموعد نهائي لنجاح المفاوضات
بين الطرفين، وذلك قبل أن يعقد اجتماع
وزراء خارجية الدول الإسلامية في
كوالالمبور. وقال إنه بالرغم من أن جبهة
ميسواري قد حصلت على مقعد مراقب في منظمة
المؤتمر الإسلامي، فإن ابن الرئيس
الليبي معمر القذافي وسفيره رجب الزروق
قد زاراه بعد فشل جهود تسوية الأزمة من
خلال جبهة ميسواري، ورحب بالتعاون مع
ميسواري، خاصة بعد أن زار ميسواري
معسكرات الجبهة الإسلامية ثلاث مرات قبل
بداية أزمة الرهائن. وقد أشار محللون إلى
احتمال وجود علاقة بين أزمة الرهائن
وموعد انعقاد المؤتمر في كوالالمبور،
واحتمال انتهاء أزمة الرهائن نهاية
سلمية أو مأساوية قبل أو بعد المؤتمر
بأيام. ومن
أجل ما سبق ذكره، ترفض الجبهة اتفاقَيْ
طرابلس والرياض وغيرهما من الاتفاقيات
"لأنها لا تحوي أي حلول حقيقية
وملموسة، ولا تضمن مستقبل وسلامة السكان.
وهناك آراء تشير إلى أنه يجب أن تكون جميع
الإجراءات وفقًا للدستور الفليبيني، مما
يعني عدم إمكانية تحقيق الحكم الذاتي أو
الاستقلال بالفعل؛ لأن ذلك مربوط
بالكونغرس الفليبيني، وهو ما واجهه
ميسواري الذي تقيد بالسيادة الفليبينية
في حواره السلمي. ومع أن النظام
الفليبيني مقبول ديمقراطيًّا في الجزر
النصرانية وحتى بالنسبة لبعض مسلمي
الشمال، فإنه لا يمثل المسلمين في الجنوب
كما يقول سلامات. و
يقول سلامات هاشم: "إن الوقت قد حان
لأَنْ تحاول جبهته إقناع منظمة المؤتمر
الإسلامي بأنها أخطأت عندما أقنعت
ميسواري بتحديد المفاوضات ضمن الدستور
الفليبيني، وذلك بعد أن أثبت الواقع فشل
تنفيذ اتفاقية طرابلس وتنفيذ ما جاء في
اتفاقية الحكم الذاتي التي لو نجحت
لاقتنع الشعب الموروي بحل ميسواري ولما
بقي لنا تأييد، لكن ذلك لم يحصل". ولذلك
تدعو الجبهة إلى اتفاق
–
إن تم! - يضمن مستقبلاً آمنًا ومستقرًّا
لسكان مينداناو والأجيال القادمة قائم
على حقهم في تقرير المصير، خاصة مع فشل
تجربة تطبيق اتفاقية طرابلس في عهد
الرئيس السابق راموس لبعض الوقت واعتقاد
غالبية مسلمي الجنوب أن تجربة ميسواري
ودور مجلسه المسمى بـ "مجلس جنوب
الفليبين للسلام والتنمية" الذي يواجه
مصاعب شديدة "فاشلة ولم تَحُلُّ معضلة
مسلمي الجنوب". ثروات
المسلمين لغيرهم! وما
زاد الأمر سوءاً أن مناطق المسلمين أراضٍ
أودع الله تعالى فيها خيرات كثيرة، لكنها
تُسْتَغل لصالح رفاهية غيرهم،
ويُتْرَكوا يعانون من الفقر والجهل وعدم
الاستقرار في حياتهم، فالفليبين قطعت
شوطًا لا بأس به من الناحية التنموية في
محافظات الشمال، لكن مناطق المسلمين
الجنوبية ظلت في آخر جدول أعمال الحكومات
إلا من إنفاق 40 مليون بيسو يوميًّا
لتمويل الصراع مع المسلمين!
ومع أن هناك مشاريع صناعية وتعدينية
قد يراها الزائر للجنوب، فإنها ليست إلا
لاستخراج خيراتها ودعم ميزانية الحكومة
المركزية بها من تصدير- لصالح ميزان
المدفوعات الفليبيني - للذُّرَة والذهب
والأخشاب والبُن وجوز الهند والأسماك
والمطاط والموز واللحوم والأرز والفحم.
ومن الأمثلة على ذلك ما يحصل في مدينة
بريرة التي يفتقد أهلها لمعظم مرافق
الحياة الخدمية، مع أن المليارات
تُدِرُّ على التجار من مانيلا من بيع
الأخشاب التي حولها، كما أن 25% من إنتاج
البلاد من الأرز و70% من الذرة يخرج من
مينداناو. وكانت
آخر الاكتشافات المعدنية ما أعلن عنه
الرئيس الفليبيني يوم 5/5/2000م عن اكتشاف
أكبر حقول النفط والغاز في الفليبين
بالقرب من جزيرة بالاوان الجنوبية،
والتي تحوي 80 مليون برميل من المخزون،
وسيبدأ إنتاج 25 ألف برميل يوميًّا منها
العام القادم و50 ألف برميل يوميًّا عام
2003م، مما سيساعد الفليبين في تخفيض حجم
استيرادها للنفط بنسبة 15% يوميًّا،
وللشركات الأمريكية حصة 45% من ذلك دون أن
يحصل مسلمو تلك الجزيرة على شيء. وتقول
الدراسات إن هناك 200 مليون برميل من مخزون
النفطي في المنطقة نفسها. ولذلك
لطالما ذكرت إمكانات ميناداناو وما
جاورها من جزر الجنوب على أن تكون مولدة
لنمو اقتصادي لكل الفليبين، فهي ثاني
أكبر الجزر الفليبينة وأقل ما يمكن
استثماره فيها جمال طبيعتها الجذابة
للسياحة، هذا بالإضافة إلى الثروات
الأخرى التي ذكرناها، ولكن الوضع
العسكري فيها لا يسمح ببدء أو استمرار
المشاريع، كما لوحظ أن غالبية
الاستثمارات المجتذبة عن طريق برامج
التعاون بين الفلبين وجيرانها تتجه
لمناطق غير المسامين لأسباب أبسطها عدم
توفر فرص من الناحية الأمنية في مناطق
المسلمين التي لا تسلم من القصف الجوي
والأرضي من فترة لأخرى. وعلى
هذا الأساس فالعمل التجاري والاستثماري
مظلم في جزيرة مينداناو ثاني أكبر جزر
الفليبين مساحة في ظل جو الصراع، وهي
تحوي على 24 محافظة و20 مدينة كبيرة و408
مدينة صغيرة. فالمعارض التجارية مثلاً،
وخلال الشهر الجاري، قد أُلْغِيت بسبب
الحرب. والسياحة والنقل تدهورت. وخسرت
إحدى القطاعات مليار بيسو في يوم واحد
بعد قصف متبادل لأحد المدن ، وتتحول
أحياؤها التجارية إلى مدن أشباح عندما
يقترب القتال منها، وأكثر من الخسائر
المعدودة اقتصاديًّا هو افتقاد الملايين
من سكان مينداناو لطعم الأمن والاستقرار. وبشكل
عام يُعَدُّ مستوى النمو الاقتصادي في
مينداناو الأسوأ بين جزر الفليبين،
ففيها اليوم أفقر 15 مقاطعة في الفليبين،
وأعلى نسبة أمية (75%)، وأقل متوسط للأعمار
بسبب الحروب وتدني الخدمات الصحية (57%).
وبهذا يمكن فهم تزايد غضب السكان على
الحكومة من النافذة الاقتصادية أيضًا،
فبعض الذين انضموا للمقاومة المسلحة على
قلتهم لم يكن لديهم الوعي الديني لقتالهم
الحكومة، ولكنه الغضب على الأوضاع
المعيشية المزرية التي يعانونها ليل
نهار. وردًّا
على سؤال يتعلق بعزم الحكومة على تحويل
المناطق التي تتمركز فيها الجبهة إلى
مناطق تنمية اقتصادية، رحب سلامات بذلك،
وقال: "بالرغم من أن ذلك قد يبدو
توافقاً مع الحكومة وإضعافاً لقواتنا،
فإن العكس سيحصل؛ فسَتُقَوِّي هذه
الجهود التنموية من قِبَلِ الحكومة قدرة
الجبهة القتالية". وكان الرئيس
إسترادا قد وعد في بداية فترته الرئاسية
ببناء طرق وسكك حديد وعدد آخر من
المشاريع في مينداناو لكسب تأييد شعبي
وإضعاف الجبهة أو تليين موقفها وحصونها
بتحويل معسكراتها لمناطق تنمية اقتصادية. عرض
الحكومة الأخير خلال
المفاوضات الأخيرة (وهي ما عرفت بالجولة
الرابعة لما أسميناه بالمسار الثاني) في
30/5/2000م، رفض الرئيس إسترادا مقترح هدنة
لمدة 40 يومًا، وهو ما يؤكد عزم الجيش على
تحقيق تقدم عسكري قبل كل شئ بالرغم من
دعوة سياسيين فليبينيين عديدين لذلك،
ومنهم الرئيسة الفليبينية السابقة.
الحكومة من جانبها، ومع رفضها المعروف
لانفصال الجنوب، كانت صيغتها شبه
النهائية للحل ما قاله الرئيس إسترادا
على شكل تهديد، حيث عرض اتفاقًا يضم أربع
نقاط "قابلة للنقاش"، ولكن تبدو
الحكومة مصرة عليها بشكل حكم ذاتي أو حتى
نظام فيدرالي لكن النقاط الأربعة
المقصودة ستكون كشروط حكومية، وهو ما قد
يفشل المفاوضات بالكامل. وتنظر الحكومة
رد الجبهة يوم 21/6 المقبل قبل التقاء
الطرفين مرة أخرى يوم 28/6، وهو ما معناه
إعطاء الجبهة أسبوعين للتفكير بالأمر
قبل أن يعلن الرئيس الحرب الشاملة
والموسعة على الجبهة الإسلامية حسب
تهديده السابق في حالة عدم الاتفاق قبل
30/6 وهو ما كرره وفد الحكومة في المفاوضات
الأخيرة. و الشروط الحكومية هي: 1.
لزوم
اعتراف الجبهة الإسلامية بمبدأ "بلد
واحد ودستور واحد" وهو بمعنى آخر
الاعتراف بشرعية الحكم الفليبيني لمناطق
المسلمين، وهذا قد يوقع الجبهة
الإسلامية في نفس الفخ الذي وقعت فيه
الجبهة الوطنية سابقًا. فالاعتراف
بالدستور الفليبيني سيُضيِّق سبل الحل،
وهو ما لم تفرضه إندونيسيا مثلاً في
تعاملها مع تيمور الشرقية. 2.
الاعتراف
بحق الدولة في الحفاظ على "وحدة البلاد
الجغرافية كبلد واحد وتثبيت النظام
والقانون"، وهو ما يعني إيقاف الجبهة
لكل العمليات العسكرية ضد الحكومة،
واعتبار ذلك عملاً إجراميًّا تحاكم
عليه الجبهة أو أفراد منها، وقد بدأت
الحكومة رفع قضايا ضد قادة الجبهة بالفعل
في محاكمها على شكل محاكم الدول
الاستعمارية للثوار. 3.
تُقبل
الخطط التنموية والاقتصادية الحكومية
لتطبق في مناطق المسلمين. وهذا كذلك شرط
ذو أبعاد وتأثيرات سياسية أكثر من كونه
شرطًا اقتصاديًّا، وتحاول الحكومة
استخدام سلاح التنمية لثَنْي المسلمين
عن مطالبهم الاستقلالية، كما تثير
الحكومة في النقاش مستقبل القوات
الإسلامية وكيفية تذويبها بشكل أو بآخر،
وبالتالي تبدو المفاوضات مع هذه الشروط
الحكومية المتعنتة إن لم تتغير آيلَة
لسراب أو طريق مسدود آخر!. 4.
التزام
الحكومة بتطبيق اتفاقية الحكم الذاتي
للجبهة الوطنية، وهو ما يعني عدم التعامل
مع الجبهة الإسلامية كبديل، ولكن كطرف
آخر في منطقة أخرى، وهو ما يؤدي إلى تعميق
انقسام المسلمين إلى شبه دويلتين! أو من
ناحية أخرى، توسيع حكم ميسواري الذاتي
على أساس قانون البرلمان رقم 7883، والذي
بموجبه تسلم ميسواري حكم 4 أقاليم عام 1996م.
إلى 14 إقليمًا و10 مدن في مينداناو
وبالاوان، كما تقول مصادر في القصر
الرئاسي، وهو ما قد يعني أنها محاولة ليس
لتأسيس دويلتين للمسلمين ولكن لاحتواء
الجبهة الإسلامية في ظل الجبهة الوطنية
مع أن الثانية أضعف منها. وقد
حذر الرئيس إسترادا الجبهة من أن هذه
المفاوضات هي "آخر الفرص وأفضلها"،
رافضًا كل المحاولات لتأسيس دولة مستقلة
في الجنوب، قائلاً: "إما مقترح يونيو
أو الحرب!" وتريد مانيلا التوصل ولو
لحل شكلي قبل اجتماع وزراء خارجية الدول
الإسلامية في كوالالمبور في نهاية شهر
يونيو الجاري. ومع
أن الطرفين قد وقَّعا "بلاغًا رسميًّا
" مشتركًا، فإن وفد الجبهة الإسلامية
برئاسة البروفيسور منير باجنيد قال: إنهم
سيدرسون عرض الحكومة ولكن لا يَعِدُون
بالموافقة عليه، ولم يوافق على ما قاله
أحد الصحفيين من أن الاجتماع كان "تطورًا
هامًّا"، بل إن أحد
المتحدثين باسم الجبهة قال في اليوم
التالي 2/6/2000م : "إن الجبهة الإسلامية
لن توافق بالتأكيد على عرض الحكومة…
هذا ليس هزلاً ولا يمكن حل صراع طويل
بإملاء حلولهم وتعيين نتيجة معينة
للمفاوضات، فنحن نريد التفاوض حول حل
معين وإلا لانْفَجر الخلاف من جديد…
وبعد كل هذا الزمن الطويل لم يعطونا إلا
هذا العرض". خيار
الفيدرالية دعا
رئيس مجلس الشيوخ الفيلبيني إلى دراسة
مقترح الحكم الذاتي الموسع الذي تقدمت به
الجبهة الإسلامية كأحد الحلول، حيث
أهملته الحكومة على حد قوله، لمجرد كونه
مقدمًا من قبل الجبهة. وأما خيار
الفيدرالية فهناك من المسؤولين
الحكوميين من يرى أنه أفضل من الحكم
الذاتي تأسيًا بالنموذج الأمريكي للحكم. كما
كرر تأييد فكرة الفيدرالية يوم 30/5/2000م
السيناتور أكويلينو بيمينتل كَحَلٍّ
وسط، ووصفها بأنها "ستستجيب لمطالب
سكان مينداناو، وتمنع انقسام الفليبين،
وتؤسس سلامًا عادلاً ودائمًا في الجنوب".
وقال بيمينتل: إن صديقًا له ولسلامات
هاشم ذكر له استعداد الجبهة للتنازل عن
مطلب الاستقلال مقابل نظام فيدرالي
كامل، وقال بيمنتل إن الفيدرالية أفضل من
الحكم الذاتي، وستوفر حقوق حكم أوسع
للمسلمين، لكنه قال: إن الحكومة لن تمنح
هذا النظام للمسلمين بدون ربطه بتطورات
حكم ميسواري للأقاليم الأربعة التي سلمت
له منذ عام 1996م. وفي يوم 31/5/2000م أعلن
السيناتور بيمنتل مقترحًا كاملاً؛
لتحويل الفليبين إلى دولة فيدرالية لحل
مشكلة الجنوب وتخليص الفليبين مما تكلفه
حربها بدون الاضطرار إلى مواجهة خيارات
أصعب قد يكون الانفصال نهايتها، وهو ما
ترفضه حكومة مانيلا تمامًا، فقد اقترح
بيمنتل أن تقسم الفليبين إلى 11 ولاية،
وأن تكون لكل منطقة استقلالية في توزيع
ثرواتها لإخراج الفليبين من تهمة تحيزها
في التوزيع ضد مناطق المسلمين. وعلى أساس
مقترحه ستقسم جزيرة لوزون إلى 4 أقسام
وفيسساس إلى 3 أقسام و مينداناو إلى 3
أيضًا، وستكون العاصمة منطقة خاصة مثل
واشنطن أو كانبيرا الأسترالية أو
كوالالمبور الماليزية. ولتطبيق
ذلك لا بد من تعديل دستور الفليبين لعام
1987م بعد إقناع الشعب الفليبيني وأعضاء
البرلمان بأهمية ذلك ومصادقتهما على
التعديلات والمقترح الذي قد لا يأخذ حيز
التنفيذ الفعلي بعد أداء التجهيزات
الأولية خلال عام أو عامين. ودعا إلى
دراسة نماذج تقليدية من الأنظمة
الفيدرالية مثل ألمانيا وسويسرا. وقد
أيَّد 46 عضوًا من الكونغرس مقترح الدولة
الفيدرالية وخاصة الأعضاء الممثلين لجزر
الجنوب التي تشهد سخونة الصراع، حيث جمع
نور جعفر أحد الأعضاء المسلمين
تواقيع التأييد للمقترح، وقد أقر مجلس
الشيوخ تحديد جلسة لمناقشة المشروع
الفيدرالي في الأسبوع الثالث من شهر
يونيو الجاري. تطورت
الأحداث بشكل سريع منذ شهرين وخاصة منذ
نهاية شهر إبريل الماضى في ساحة القتال
بين الجبهة الإسلامية والحكومة، لكن
أزمة الرهائن حققت نتيجة سلبية من
بدايتها بإبعاد الأنظار عن الأحداث التي
تقرر مصير المسلمين في جنوب الفليبين
التي لم تهدأ حتى كتابة هذه السطور، فقد
اختلفت عن المعارك الماضية في حجم
الضحايا الذي يوضح اتساع دائرة أرض
المعركة وتكثيف الهجوم على مناطق
المسلمين التي يتركز فيها تأييد الجبهة
الإسلامية وفي أهدافها أيضًا. وكانت
الجبهة الإسلامية، وردًّا على هجمات
الجيش في مناطق المسلمين، سيطرت على
مديرية تالايان في إقليم ماغينداناو قبل
أربعة أشهر ونصف. وفي شهر مارس الماضي سيطرت الجبهة
كذلك على مدينة كاواساغان في إقليم لاناو
دي نورتي، بعد أن هجم الجيش مرة أخرى على
معسكرات عديدة، ومنها معسكر بلال، خاصة
عندما كان آخر تحركات الجبهة رفض التراجع
عن السيطرة على جزء من طريق راموس -
ماركيسو السريع الذي يبعد بضع كيلومترات
عن معسكر أبو بكر، ويبلغ طوله 184كم. وكانت
الجبهة قد حافظت على نقاط تفتيش لها
لحماية معسكرها الرئيسي. والجدير
بالذكر أن المعسكر قد أسس عام 1984م بينما
عبدت الحكومة الشارع الرئيسي عام 1995م،
ووافقت الجبهة حينها على تبليط الطريق
لخدمة السكان، شريطة أن لا يقترب الجيش
من المعسكر، لكن الحكومة اليوم تطلب من
الجبهة أن تنسحب من الطريق إلى معسكرها،
مما اعتبرته الجبهة تحديًّا لها
وإضعافًا لخطوطها الأمامية. ووقع
الاختلاف عندما طالبت الجبهة من الحكومة
الاعتراف بـ 46 معسكرًا لها تخطط حولها
حدود رسمية وهو ما لم تصادق عليه الحكومة
وترفضه. وفي
يوم 27/4/2000م اتفقت الجبهة والجيش على آلية
مشتركة لنقاط التفتيش، ولكن في اليوم
التالي بدأت القوات التابعة للبحرية
الاقتراب من معسكر أبو بكر تحت غطاء وجود
اتفاقية، فووجهوا بإطلاق نار من حرس
المعسكر، الأمر الذي كان ينتظره جنرالات
الجيش لإعلان الهجوم الكبير على قوات
الجبهة المسيطرة على الطريق السريع،
وذلك في يوم 29/4/2000م الذي بدأت فيه الحرب
الشرسة تدور رحاها وإلى اليوم. الهجوم
من جانب الجيش الذي لم تشهده المنطقة
بهذا الشكل منذ عقود دفع الجبهة إلى
تجميع قواتها والرد بهجوم مضاد عليه كانت
حصيلته مئات القتلى والجرحى من الطرفين،
عدا المهجرين من المدنيين، وعدم عقد
المفاوضات التي كانت منتظرة خلال شهر
مايو الماضي. وكان
الجيش الفليبيني قد صمَّم بعد أن مال
الرئيس الفليبيني لرأي المتشددين من
السياسيين حوله، على الاستمرار في
المعارك لإضعاف شوكة الجبهة ورفض الهدنة
التي أعلنتها الجبهة يوم 5/5 ، قائلاً في
خطابه الرئاسي: "إنني أعرض السلام لمن
يريدون السلام وأعد من يريد الحرب
بالهزيمة". وفُجِّرَت
في الساعات نفسها عدة عبوات ناسفة في
مناطق يسكنها المسلمون، وزادت حملة
العداء ضدهم حتى حصلت حادثة اختطاف
لمجموعة من سكان مدينة دافاو المسلمين
دون أن يَذكُر أحد عنهم شيئًا. وطالبت بعض
الجماعات المسيحية بتفريغ مينداناو من
المسلمين في 11/5، ونسي هؤلاء أنهم هم
المهاجرون إلى مينداناو وأن المسلمين هم
أهل الأرض الأصليون! هذا في الوقت الذي
اتجه كثير من السكان لشراء السلاح ووضعه
في منازلهم حتى
نفذت مخازن بائعي الأسلحة. وفي
يوم 13/5 أعلن الجيش أنه بحاجة إلى 30 ألف
مقاتل من القوات الشعبية، وفي 12/5 أجريت
مفاوضات سرية بين الجبهة وأحد أطراف
الحكومة خارجة عن إطار المفاوضات
الرئيسية لكنها لم تخرج بأية نتيجة،
عندما رفض الرئيس مقترح الجبهة بهدنة
مؤقتة للتمهيد للحوار في نفس اليوم الذي
صرح فيه أحد قادة الجيش بأنهم "يواجهون
مقاومة مستميتة من قبل شباب الجبهة". وبعد
ذلك بيوم اتهمت إحدى المنظمات النصرانية
الرئيس إسترادا باتباع سياسة "حرب
القتل الجماعي لمسلمي مورو بإعلانه
الحرب الشاملة على الجبهة الإسلامية".
وبعد سلسلة معارك، انسحبت الجبهة
الإسلامية من طريق راموس السريع يوم 16/5،
ودعت الحكومة إلى تقبل هذا التنازل
العسكري، وإيقاف قصف مناطق المسلمين،
وذلك ردًّا على قول قيادات الجيش إن
هدفهم من الهجمات الأخيرة هو السيطرة على
الطريق السريع ونداء لجنة نقصي الحقائق
المستقلة، ولكن ذلك لم يوقف هجمات الجيش. وفي
18/5 حدثت عدة تفجيرات في مدن جنوبية
كزامبوانغا، وكان معظم الضحايا من
المسلمين، وقصفت منطقة معسكر أبو بكر
بالرغم من رجوع الجبهة عدة كيلومترات من
الطريق السريع، وطالبهم وزير الدفاع
ميركادو بتسليم
أسلحتهم! ورفضت
الحكومة التفاوض يوم 20/5، ولكنها قدمت
اقتراحًا يوم 30/5 وعقد اجتماع بالفعل في
ذلك اليوم حيث عرضت الحكومة شروطها
الأربعة، والتي رفضتها الجبهة في وقت
سابق. وكان
الجيش قد أعلن في 24/5 أنه بصدد بناء معسكر
كبير لهم بالقرب من طريق راموس السريع
ومعسكر أبو بكر، وأن هدفه لم يَعُد
الطريق ولكن معسكر أبو بكر المعقل
الرئيسي للجبهة. وتزامن ذلك مع تصريح
الرئيس الفليبيني بأنه "يشك في نوايا
الجبهة"، وبعد يومين بالتحديد بدأت
هجمات الجيش على 3 معسكرات وهي معسكر
المدينة ومعسكر جبل النور ومدينة ميكا
التابعة للجبهة، وكلها قريبة من معسكر
بشرى، تمهيدًا للسيطرة على الأخير الذي
يضم 2000 من مقاتلي الجبهة على الأقل. وكانت
آخر مواجهة للجيش قبل بدء المفاوضات
بساعات هي الهجوم على معسكر بُشرى بهدف
إضعاف القدرة التدريبية للحركة، حسبما
أعلن ذلك أحد القادة العسكريين. وبعد
خمسة أيام من المعارك سيطر الجيش على
مبان تجارية بالقرب المعسكر، وقد حاولت
قيادات الجيش رفع معنويات جنودهم بنشر
خبر سيطرتهم على المعسكر، وصورة مدبلجة
لجنود فوق مسجد قيل أنه مسجد المعسكر،
وهو ما لم يثبت حتى الآن. لماذا
الحرب الأخيرة ؟! يمكن
تعيين بعض أهم أهداف الجيش من إثارة
الصراع الأخير وملاحظات أخرى حول تحركات
جنوده والوضع الأخير في الجنوب
الفليبيني المسلم في النقاط الآتية: 1-
لقد واجه المقاتلون والسكان على حد سواء
ما اعتبر "أشرس حرب منذ أيام
السبعينيات". وباعتراف الجيش كان عدد
ضحايا المعارك الأخيرة الأعلى منذ حوالي
20 عامًا. وأبسط دليل على ذلك ما أكدته
نائبة الرئيس الفليبيني أن عدد الذين
أُجْلُوا من منازلهم أو هربوا منها بسبب
المعارك الأخيرة قد وصل إلى 320 ألف شخص
حتى منتصف شهر مايو. وهناك إحصائية أخرى
أحدث منها تشير إلى أن العدد يصل ما بين
نصف مليون لاجئ إلى 600 ألف. ولم يجد عشرات
الألوف مأوى لهم حيث لجأ 230 ألفًا من 45 ألف
عائلة إلى مآوي حكومية وأهلية في
مينداناو الوسطى والجنوبية والغربية،
ومنطقة الحكم الذاتي للجبهة الوطنية،
ويشكو الأطباء في هذه المناطق - وكذا
العديد من مراكز الخدمة - من تأخر صرف
ميزانياتهم. وقد
أكدت التقارير الطبية انتشار الأمراض
المختلفة بينهم بنسبة واحد من كل خمسة
لاجئين، فمعسكرات الجبهة مختلطة بمناطق
سكانية ريفية؛ ولذلك فهم يعانون من حرق
منازلهم وما يعتمدون عليه في معيشتهم من
تجارة أو زراعة أو صناعة، كما تدمر في كل
موجة معارك المزيد من المرافق والخدمات
والبنية التحتية، وهو ما لا يعانيه سكان
فيزياس ولوزون في شمال البلاد. ومن مظاهر
التحيز ومحاولة إذلال اللاجئين
المسلمين، جمعت المنظمات الإغاثية
الفليبينية أطنانًا من اللحوم المعلبة
لترسل إلى اللاجئين، وبعد تجميعها في
مخزن المجلس الوطني للكوارث في العاصمة
الفليبينية، كشفت الصحافة عن كون اللحوم
المُتبرَّع بها من لحم الخنزير! وهو ما
يعني حسب "اقتراح" أحد المسؤولين
توزيعها على الأسر النصرانية وترك الأسر
المسلمة بدون مأكل حتى تجمع لهم "أطعمة
تتناسب مع دينهم وثقافتهم"! أما
مساعدات الدول الإسلامية فقد غابت عن هذه
الأعداد الضخمة من اللاجئين!
2- هناك أطراف قوية في الجيش تحاول أن
تحول الصراع إلى حرب شاملة ضد الجبهة
للقضاء عليها بدلاً من الاستمرار في حرب
استنزاف حسبما يرونه ممكنًا، وهذا ما
أكده الكثيرون، ومنهم القس إليسيو
ميركادو –
وهو أحد الوسطاء في الحوار- الذي يقول:
"إنني أخشى أن يجبر ذلك الجبهة على
نداء جميع المسلمين إلى الجهاد.."، وهو
ما قد يثير اهتمامًا خاصًّا من الدول
المجاورة. فهناك من الجيش من لا يرى غير
الحرب حلاًّ لقضية الجنوب. وبعد إقناع
الرئيس بإعلان أن يوم 30/6 هو آخر موعد
للمفاوضات يلي ذلك حرب واسعة سيعلنها في
الجنوب، حشد الجيش نصف قواته في الجنوب.
وقد رفض الجنرالات إعلان العدد الحقيقي
لجنودهم هناك، لكن أحد الإحصاءات
المجمعة في سبتمبر الماضي تشير إلى وجود
80 ألفًا من الجيش والجيش الشعبي والشرطة.
وقد أنفق منذ 28 أبريل الماضي في قصف مناطق
الجنوب ما يزيد عن 7.3 مليون بيسو، وذلك
خلال أقل من 3 أسابيع، هذا بدون أن يحسب
قصف الطائرات للمدن الآمنة التي تكلف
الميزانية مليون بيسو في طلعة واحدة
بدلاً من بناء المدن بها. 3-
بعض المحللين يعتقدون بدور المتشددين
المحيطين بالرئيس إسترادا، الذين يميلون
للحل العسكري والقبضة الحديدية في
التعامل مع مسلمي الجنوب؛ ولذلك تعوق هذه
الأطراف مساعي الحوار السلمي. فالمواطن
الفليبيني قد يستغرب هدف التفجيرات التي
وقعت وسط العاصمة وفي مدن جنوبية أخرى في
الوقت الذي قبلت فيه الجبهة، واتفقت مع
الجيش على موعد هام للتفاوض، وبالطبع
فالجيش يتهم مرة الجبهة الإسلامية ومرة
جماعة أبو سياف، لكن بعض المسؤولين
اتهموا بعض أجنحة الجيش غير المقربة من
الرئيس التي تسعى إلى إضعاف ثقته بمن
يعتمد عليهم من الجنرالات، ومن هؤلاء
الجنرال "بينهم" من حركة إصلاح
الجيش المسؤولة عن إخراج دكتاتور
الفليبين السابق ماركوس وسبعة محاولات
انقلاب فاشلة ضد الرئيسة أكوين التي
خلفته، بل إن البعض قال للصحافة
الفليبينة إن أفرادًا من الشرطة مسؤولون
عن ذلك، لكن وزارة الدفاع ومخابرات
البحرية والشرطة ظلت تؤكد على أن الجبهة
الإسلامية وراء الحادث معتمدين جزئيًّا
في اتهامهم على تهديد الجبهة بنقل الصراع
إلى قلب شوارع مانيلا لو هوجم معسكر أبو
بكر الرئيسي للجبهة، وأن قيادتها قد
أرسلت 3 مجموعات خاصة إلى العاصمة
للتخطيط لأعمال عسكرية في مدن الشمال. وقد
اعتقلت الشرطة 26 مسلمًا في العاصمة بهذه
التهمة، سيقدمون للمحاكمة وما زالت
السلطات تبحث عن 3 عناصر قيادية أخرى، لكن
الأدلة المقدمة ضدهم ما زالت ضعيفة،
واستغل الإعلام المعادي للمسلمين الأمر،
وشن حملة شديدة زادت من انتهاك حقوقهم
الإنسانية. وقالت الجبهة في رد لها إن
الحكومة تحاول إلصاق تهمة التفجير
برئيسها سلامات هاشم ونائبه الحاج مراد،
ووصفها سلامات هاشم بأنها "مناورة
أخرى لإضعاف عزمي على تأسيس دولة إسلامية
في جنوب الفليبين"، وقال الحاج مراد من
جانبه: "إننا لا نهاجم المناطق
المأهولة بالسكان في ردنا على هجمات
الحكومة علينا.. ومحاكمتنا بهذه التهمة
لن تجلب سوى عرقلة مساعي السلام.. لكننا
ما زلنا منفتحين لأي جهود حوارية". وقد
طالب السيناتور تيوفوستو غوينغونا يوم
29/5 بالتحقيق مع مسئولي الحكومة وضباط
الجيش الذين يعرقلون المساعي السلمية
ويثيرون المعارك كلما اقترب موعد
المفاوضات، ودعا إلى تحميل الجيش
المسؤولية عن سقوط المئات من ضحايا
المدنيين في المناطق التي يهاجمها الجيش.
وقال: "لا يمكن أن ننكر ببساطة وجود
فساد إداري ومالي في أجهزة الجيش من قبل
أطراف تحاول الاستفادة من جهود تحديث
معدات الجيش". 4-
يحاول الجيش الاستفادة من أزمة الرهائن
ومن تصرفات جماعة أبو سياف في تعميم
الهجوم على الجميع، وإقناع الرأي العام
المحلي، وإسكات الرأي العام العالمي،
وإبعاد أنظار الرأي العام الإسلامي عن
ساحة المواجهة الحقيقية، هذا بالرغم من
التباعد الجغرافي والفكري والتاريخي بين
أبو سياف والجبهة، وكذا في الأساليب
والتنظيم بشهادة العدو والصديق، فجماعة
أبو سياف ما زالت محل جدل في الأوساط
الإسلامية في الفليبين، ويبدو أن جذب
الأنظار المحلية والإسلامية باستعطاف
البعض من خارج الفليبين، والدولية بخطف
الرهائن الأجانب، وبأسلوب العمليات
المثيرة هو أحد أهم تكتيكات الجماعة التي
من عمليتهم مناورة
وحرب دعاية بالفعل. لكن
المؤسف أنها دعاية سلبية تستغلها وسائل
الإعلام المحلية والعالمية ضمن الحملة
الواسعة ضد الإسلام ووصم أهله بصفات
الإرهاب والتطرف، وخاصة قضية اختطاف
الأطفال وقتل القس بأسلوب تضاربت
الروايات حوله، والذي أثار أقلام
الصحفيين النصارى ورجال الكنيسة في
الجنوب. وفي هذه المرة ليس في الغرب من
العالم ولكن في قلب جنوب شرق آسيا، مما
يشوه تصور الآسيويين لحقيقة الإسلام.
وكما يقول القس ميركادو: "معظم الناس
في الفليبين من النصارى لا يعرف الفرق
بين أبو سياف والجبهة الإسلامية.. ولذلك
تستعطف الحكومة تأييدهم بهذا الشكل
لإعلان الحرب الواسعة ضد ما يسمى بـ "الإرهاب
الإسلامي"، كما أن أحد أهداف الحكومة
من ربط جماعة أبو سياف بالجبهة الإسلامية
هو جذب التعاطف الأمريكي ودعم واشنطن
المالي للحملة ضد مسلمي الجنوب بعلة "الإرهاب".
5- ساد الهدوء النسبي –
ما عدا أسابيع متفرقة –
العلاقة بين الجبهة والجيش خلال السنوات
الثلاثة الأخيرة، وبدأ الجيش يخشى من
تنامي قوة الجبهة التي استغلت هذا الهدوء
النسبي لِحَدٍّ كبير، بشهادة الجيش، في
التدريب، والتربية والتوسع، كما عملت
الجبهة على تقوية حلقة معسكراتها وقراها
السكنية التي تجمع المقاتلين وعوائلهم
لتهيئة الجو الإسلامي والاجتماعي
المناسب لمواجهة الحكومة والتعاون في
العيش الصعب؛ ولذلك تأتي تحركات الجيش
التي أدت إلى عرقلة المفاوضات لإضعاف
الجبهة الإسلامية بشكل عام، وقد أقر بذلك
الكولونيل جينيروسو سنغا يوم 18/5/2000م بأن
الجيش كان يسير منذ خمسة أشهر وفق خطة
للإعداد للحرب الأخيرة وتحقيق عدد من
الانتصارات على الجبهة مع نهاية شهر
مايو، وذلك من خلال 3 نقاط ذكرها وهي:
إخراج الجبهة من المعسكرات الجديدة التي
أسستها، ومن القرى والمدن الصغيرة التي
توسعت فيها، ومن سيطرتها على طريق راموس
السريع وإضعاف التأييد السكاني لها،
وذلك بتدمير ممتلكات مؤيديها من السكان
التي تعتمد عليهم الجبهة وتدمير الأنشطة
الزراعية والتجارية للجبهة والسكان في
مناطقها. والمعروف
أن الجبهة لم تعتمد على الحوار كأسلوب
للحل بشكل رئيسي كجبهة ميسواري، ولم تقبل
بالمفاوضات إلا بعد أن كانت قد ثبَّتَت
قدميها في أرض المجتمع الموروي، فهم
يحاولون إجبار مفاوضي الجبهة على
التنازل في غرف المفاوضات بعد محاولة
دحرهم في أرض المعركة، وهو منطق عسكري
واضح ومعروف في كل الحروب. وهدف آخر أعلنه
مسؤول في الجيش يوم 30/5/2000م هو أنهم يريدون
حصر الجبهة الإسلامية جغرافيًّا بمناطق
معينة لحصر مطالبهم الاستقلالية أو
مطالبتهم بحكم ذاتي أو علاقة فيدرالية
بين مانيلا وأقاليم المسلمين.
6-الجيش يحاول أن يرفع الميزانية
المخصصة له بهذه الحرب، ولو نجح الحل
السلمي فلن يستطيع إقناع الكونغرس
بضرورة ذلك. فمثلاً، طالب الكولونيل
رافايل روميرو المتحدث باسم الجيش
الفليبيني يوم الجمعة (12 /5/2000م)، خلال
حديثه إلى مجلس الممثلين، بدعم ميزانية
الفرق العسكرية التي تقوم بهجمات ضد
مقاتلي مسلمي الجنوب، وقال إنهم بحاجة
إلى 1.5 مليار بيسو. وقال: إن معظم المبلغ
سيستخدم في حشد 30 ألفًا من الجيش الشعبي
إلى مناطق الجنوب في مينداناو وتجهيزهم
عسكريًّا، وكان رئيس الكونغرس فيلار
مانوال قد طرح قبله بـ3 أيام مشروع زيادة
النفقات العسكرية في الجنوب، معللاً ذلك
بأزمتي رهائن جماعة أبو سياف والمعارك
الدائرة بين جبهة تحرير مورو الإسلامية
والجيش الحكومي في عدة أقاليم في جزيرة
مينداناو، كما أشار إلى تفجيرات في مدن
مسلمة، واتهم بها الجبهة، مع أن الضحايا
كانوا من المسلمين. وقال فيلار الذي حاول
إقناع الأعضاء بأي صورة "إن معظم أعضاء
الكونغرس من مؤيدي المشروع"، لكنه قال:
إن صرف المبلغ قد لا يكون وحده ولكن ضمن
ميزانية الجيش الجديدة، لكن سيريغو
ابوستال حذَّر زملاءه من أعضاء الكونغرس
المعارضين من تأييد مشروع ميزانية الجيش
الجديدة قبل التحقق ميدانيًّا مما يحدث
في مينداناو، وأيده عضو آخر أكد أن
الاقتصاد الفليبيني في خطر بسبب الحرب في
الجنوب. وقدر ابوليناريو لوزادا
المصاريف اليومية للجيش في الجنوب ما بين
50 –
100 مليون بيسو، وأشار إلى أن الحكومة تخفض
من الميزانية الخدمات الاجتماعية وتوقف
بناء المدارس والمصحات؛ لتدعم الجيش في
الوقت الذي تعاني ميزانية الدولة من عجز
يقدر بـ90 مليار بيسو.
وقال مسؤول عسكري آخر إن المبلغ
المطلوب هو جزء من الميزانية العسكرية
للعام القادم، والتي سترفع إلى 4 مليار
بيسو، بالإضافة إلى تقديره ما أنفق في
الفترة الماضية التي لم يحددها بما يقارب
مليار بيسو. ولعل ذلك منذ أن أعلن الرئيس
الفليبيني الحرب الشاملة على الجبهة
الإسلامية منذ أسابيع، وقال: إنه قد يرفع
الدعم المادي لأكثر من ذلك، حيث لم يعلن
عن كل ما قيل في جلسة الكونغرس المخصصة
لميزانية حرب الجنوب. وتقول
تقارير اقتصادية مستقلة إن التوجه
العسكري في الإنفاق حاليًا يتجه نحو
العودة إلى أكثر مما كان عليه في
السبعينيات، وكانت الحكومة تنفق آنذاك
مليون بيسو يوميًّا في حربها للجبهة
الإسلامية.
اقرأ أيضًا:
|
|
||||||
|
||||||
|
||||||