بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

 القوات السورية باقية في لبنان رغم الانسحاب الإسرائيلي

عبد الكريم حمودي


 

شكل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان الذي انتهى بخروج آخر جندي إسرائيلي صباح الرابع والعشرين من أيار/مايو 2000، منهياً بذلك اثنين وعشرين عاماً من الاحتلال، بداية تقهقر المشروع الصهيوني، أو لنقل سقوط المشروع الصهيوني في لبنان على الأقل، لأن هذا الانسحاب هو أول هزيمة حقيقية يمنى بها هذا المشروع منذ انطلاقته أوائل القرن الماضي.

فانسحاب الجيش الذي لا يقهر وبالطريقة التي تم بها، ومن ثم انهيار جيش لبنان الجنوبي العميل وهروب أفراده إلى إسرائيل، هزّ جميع السياسات والاستراتيجيات السابقة، وخلط الأوراق في المنطقة وبطريقة سيكون لها انعكاسات كبيرة ليس على عملية السلام الكسيحة فحسب بل على مستقبل الصراع العربي الإسرائيلي في المنطقة.

زلزال الانسحاب وانعكاساته

وانطلاقاً من هذه الرؤية فإن الحدث اللبناني كان بمثابة الزلزال الذي ضرب الكيان الصهيوني وهز حلفاءه في واشنطن ومختلف العواصم الغربية، فأعلنوا عن استنفارهم للتقليل من خسائر الجانب الإسرائيلي، ومحاصرة أي نتائج يمكن أن تنعكس على مستقبل الصراع الذي يعتقد الكثير من الخبراء أن معادلته السابقة قد نسفت على أيدي مقاتلي حزب الله، ولعل ما صرح به رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق شامير لراديو المستوطنين وهو يعلق على الانسحاب يعبر عن ضخامة الحدث وانعكاساته المستقبلية حيث قال: "لم يخطر ببالي أن أحيا لهذا اليوم الذي ترغم فيه دولة إسرائيل وجيشها الذي وصفه أصدقاؤها وأعداؤها بأنه الجيش الذي لا يقهر على الفرار أمام طرف عربي، ما الذي حدث؟ كيف تجري الأمور على هذا النحو؟ بضع مئات من مقاتلي حزب الله يجبرون الدولة الأقوى في الشرق الأوسط على الظهور بهذا الشكل الانهزامي". لذلك وفي ظل الواقع الجديد فليس من المستغرب حدوث مفاجآت جديدة في المنطقة أو تطورات دراماتيكية تقلب الطاولة وتغير قواعد اللعبة من جديد.

حملة أمريكية ضد الوجود السوري

ولعل المتتبع لتصريحات المسؤولين الإسرائيليين والأمريكيين وحتى الفرنسيين، والصحوة المفاجئة للأمم المتحدة، وهي المرة الأولى التي تجيء بطلب من إسرائيل، يدرك أن هناك أجندة جديدة يجري التحضير لها لرد الانتصار اللبناني على الأمة ولبنان ومحاصرته في الجنوب، ودفع لبنان إلى توقيع اتفاق مع إسرائيل وفصل المسارين السوري واللبناني.

وإذا كانت التصريحات برد إسرائيلي قاس ضد سورية في حال تنفيذ حزب الله لأي عملية عسكرية بعد الانسحاب، من مثل تصريحات باراك الذي حمل لبنان وسورية مسؤولية أي هجوم على الجنود أو المدنيين الإسرائيليين مؤكداً أن إسرائيل ستعتبر ذلك عملاً حربياً يتطلب رداً مناسباً، فإن فرنسا عادت على ما يبدو إلى أرشيف تاريخها الاستعماري القديم فاستعارت قناع "حامية المسيحيين" معلنة عزمها على إرسال حاملات طائراتها إلى المياه الإقليمية اللبنانية، ومن ثم حديثها عن ضرورة توفير ضمانات سورية لقواتها الإضافية التي تعتزم إرسالها إلى لبنان ضمن قوات الأمم المتحدة. أما واشنطن فقد ذهبت بعيداً في تهديداتها وإنذاراتها وبشكل أكثر إيلاماً متبنية الدعوة لتحرير لبنان من القوات الأجنبية، والمقصود هنا إخراج القوات السورية من الأراضي اللبنانية، وقد ظهرت هذه التهديدات والإنذارات والدعوات على لسان عدد من المسؤولين في الإدارة الأمريكية؛ فقد طالبت مادلين أولبرايت وزيرة الخارجية الأمريكية لبنان بإخراج القوات السورية البالغ تعدادها 35 ألف جندي من أراضيه. وأعلن مارتن إنديك السفير الأمريكي في إسرائيل في (30/5) خلال زيارة لشمال إسرائيل أن "أولبرايت أوضحت لرئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود باراك أن لبنان يجب أن يكون محرراً من كل القوات السورية، وأن تمارس الحكومة اللبنانية سيادتها على مجمل أراضيها. وأعلن السفير الأمريكي في إسرائيل أن الولايات المتحدة تعتبر استعادة لبنان السيادة على كل أراضيه بعد الانسحاب الإسرائيلي من جنوبه بمثابة "أولوية ملحة".

ولم يقتصر الأمر على المسؤولين في الإدارة الأمريكية فقد صوت الكونغرس الأميركي على قرار أثنى فيه على "إعادة الانتشار الإسرائيلي من جنوب لبنان". وجاء في القرار الذي صوّت عليه مجلسا الشيوخ والنواب أن الكونغرس يهنئ إسرائيل على قرارها بسحب قواتها من لبنان وعلى "مجازفتها من أجل السلام في الشرق الأوسط". ودعا القرار الذي وقف وراءه قادة الكونغرس من الحزبين الديمقراطي والجمهوري، وبعض أبرز أنصار إسرائيل، الأمم المتحدة إلى الاعتراف بأن إسرائيل قد نفذت واجباتها وفق القرار 425، وإلى توفير الموارد الضرورية لقوات اليونيفيل التابعة للأمم المتحدة لتنفيذ انتدابها. وأضاف القرار أن الكونغرس الأميركي "يصر على انسحاب جميع القوات الأجنبية من الأراضي اللبنانية، لكي يستطيع لبنان ممارسة سيادته على جميع أراضيه".

أما السناتور الجمهوري سام براونباك (رئيس اللجنة الفرعية لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الشيوخ) فعبر عن الغضب الأمريكي والصهيوني على لبنان وما حصل في الجنوب، فأصدر بياناً باسمه بعد تصويت الكونغرس على القرار، جاء فيه أن "لبنان هو في وضع محزن. فهو دولة مزقها النزاع الطائفي، ويحتلها عشرات الآلاف من الجنود السوريين، واكتسحها الإرهابيون. ولكن في التحليل النهائي، يجب أن تتحمل حكومة لبنان مسؤوليتها. ولأكثر من عقدين من الزمن، تحسر المجتمع الدولي على مصير لبنان دون المطالبة بقيادة مسؤولة. هذه المرحلة قد انتهت". ثم تساءل السناتور براونباك في بيانه عن مصير المسيحيين والمسلمين في الجنوب، وما إذا كانوا سيخضعون "لدولة حزب الله داخل الدولة"، وبعد تساؤلات غريبة أخرى، قال براونباك إن لبنان أمام امتحان الآن. مضيفاً "أنه يجب نزع سلاح حزب الله، ويجب طرد القوات السورية، العالم يراقب، والوقت هو الآن".

 إذن الدعوات الأمريكية والأوروبية الموجهة إلى لبنان لملء الفراغ الأمني الناتج عن الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب، والمطالبة بسحب القوات السورية من لبنان، ودعوة الأمم المتحدة -التي لم تستطيع أن تحمي النساء والأطفال اللبنانيين الذي لجئوا إليها خلال عملية عناقيد الغضب فماتوا حرقاً في مقرها في قانا- إلى ممارسة دورها الآن، كل هذه الدعوات تؤشر إلى قرار إسرائيلي أمريكي أوروبي ببعث الكيان اللبناني، وفك الارتباط والتلازم بين المسارين السوري واللبناني، أي الوصول إلى توقيع اتفاق لبناني إسرائيلي. أما الضمانة فمطلوبة من سورية، وهو شكل آخر لاتفاق 17 أيار عام 1983 الذي كان يهدف إلى إنهاء حالة الحرب مع إسرائيل وفصل المسار اللبناني عن المسار السوري، وقد عمل السوريون واللبنانيون على إسقاطه ونجحوا ولم تستطع إسرائيل ولسبعة عشر عاماً خلت أن تفرضه على لبنان. إذن المطلوب هو إسقاط الحالة التي أدت إلى الهزيمة الإسرائيلية في الجنوب اللبناني.

مراحل الوجود السوري في لبنان

من المعروف أن القوات السورية دخلت الأراضي اللبنانية في الخامس من حزيران/يونيو من العام 1976 وبطلب من الرئيس اللبناني سليمان فرنجية الذي كان قد تولى الرئاسة خلفاً للرئيس شارل الحلو في ذلك الوقت بعد تجدد القتال الذي اندلع في نيسان/أبريل عام 1975 بين اللبنانيين والفلسطينيين، وكان دخول القوات السورية تحت شعار "تثبيت الهدوء وحفظ الأمن وصيانة وحدة لبنان" وفي البداية لم يلق الدخول السوري إلى لبنان معارضة قوية من أي طرف، بل لقد اكتسب دخول القوات السورية إلى لبنان غطاء دولياً بعد الاتفاق غير الرسمي الذي سمي باتفاق- الخطوط حمراء- الذي تم برعاية هنري كيسنجر والذي ينص على موافقة إسحاق رابين على الدخول السوري إلى لبنان لوقف الحرب الأهلية في إطار شروط وضعها الإسرائيليون في حينه تتعلق بأنواع الأسلحة السورية ومناطق الانتشار السوري، وهذا الاتفاق أكده موشيه ماعوز أستاذ الدراسات الإسلامية والشرق الأوسط ورئيس معهد الأبحاث في الجامعة العبرية في دراسة له بعنوان "سورية وإسرائيل والمسيرة السلمية في الشرق الأوسط" حيث يقول: "توصلت سورية بوساطة أمريكية إلى اتفاق غير رسمي مع إسرائيل على خط أحمر في جنوب لبنان ربيع عام 1976 يعترف بمصالح الطرفين في لبنان"، استغلته إسرائيل فغزت الجنوب عام 1978.

بعد ذلك حصلت القوات السورية في عام 1979 على غطاء عربي في مؤتمر القمة الذي عقد في القاهرة، ومع تطورات الحرب الأهلية شهد لبنان في عامي 1982 و1983 أعنف الحوادث ففي عام 1982 شنت إسرائيل (عملية سلامة الجليل)  واحتلت العاصمة بيروت، وفي 5 حزيران/يونيو دخلت قصر بعبدا، كما هاجمت القوات الإسرائيلية- دون أن يسبق ذلك استفزاز سوري- الوحدات السورية التي كانت ترابط في لبنان وأسقط سلاح الجو الإسرائيلي تسعين طائرة سورية في المعارك الجوية، وفرضت إسرائيل اتفاق 17 أيار/مايو ودخلت قوات متعددة الجنسيات "أمريكية وفرنسية وإيطالية وبريطانية" إلى بيروت. لكن تفجير مقر المارينز وقيادة القوات الفرنسية من جانب "حزب الله" المدعوم من سوريا وإيران اضطر الإدارتين الأمريكية والفرنسية إلى اتخاذ قرار بالانسحاب. وفي أعقاب ذلك اندفعت القوات الإسرائيلية إلى الجنوب واحتلت ما عرف بالشريط الأمني.

ومنذ ذلك التاريخ، مر الموقف الأمريكي من الوجود السوري بلبنان بمحطات عديدة طبقاً لتطورات الوضع الميداني على الساحة اللبنانية، إلا أنه دخل في مرحلة التحسن نهاية عام 1988 بعد انتهاء الحرب العراقية الإيرانية حيث سعت دمشق إلى تحسين العلاقات السورية الأمريكية على أمل شطب سوريا من قائمة الدول المؤيدة للإرهاب، والحصول على اعتراف أمريكي بمصالح سورية في لبنان، حيث ساعدت سوريا في ذلك الوقت على إطلاق مجموعة من الرهائن الأمريكيين الذين كانوا محتجزين في لبنان، وبعد اتفاق الطائف الذي تم عام 1989 الذي رتب العلاقة السورية اللبنانية، تحرك الرئيس السوري باتجاه إعادة علاقاته مع مصر حيث تم إعادتها نهاية عام 1989 وبالتحديد في شهر كانون الأول/يناير وكان أن أعلن الرئيس السوري في تموز/يوليو 1990 وفي أول زيارة له للقاهرة منذ التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد "أننا مستعدون للانضمام إلى المسيرة السلمية، ونحن نوافق على قرار مجلس الأمن رقم 242 و338 وندعو إلى السلام العادل والشامل".

     ومنذ ذلك الوقت مرت العلاقات بثلاث محطات كان لها أكبر الأثر في استمرار السكوت الأمريكي عن الوجود السوري في لبنان، وهي: مشاركة سورية في قوات التحالف الدولي ضد العراق عام 1991. ومن ثم دخولها في عملية التسوية السلمية في مدريد عام 1992، وأخيراً مشاركتها في اللجنة الخماسية التي عرفت بتفاهم نيسان بعد عملية عناقيد الغضب ومجزرة قانا.

وعلى الرغم من اشتداد عمليات المقاومة في جنوب لبنان ضد إسرائيل منذ حرب الخليج إلا اشتراك سورية بمسيرة السلام أبقى على علاقة متأرجحة مع الولايات المتحدة كراع لعملية التسوية والمفاوضات السورية- الإسرائيلية، واستمر هذا الوضع حتى قمة جنيف الفاشلة وضياع فرصة تحقيق تسوية سورية إسرائيلية في عهد إدارة الرئيس كلينتون التي شارفت على الانتهاء.

الانقلاب الأمريكي على الدور السوري

أدى فشل قمة جنيف إلى ضياع الفرصة من أيدي الرئيس كلينتون لتسجيل إنجاز كبير يختم به فترة رئاسته، كما أدى إلى موت المسار السوري أو نعيه حسب تعبير الكاتب البريطاني باتريك سيل، الأمر الذي حرم باراك أيضاً من تنفيذ وعده لناخبيه بإنجاز انسحاب قواته من الجنوب اللبناني كما خطط له من قبل، فيما أدت الطريقة التي تم بها الانسحاب وما تبعها من انهيار للميليشيات العميلة إلى المس باستراتيجية الأمن والردع الصهيونية التي فرضت على العرب، وبالتالي أسقطت هيبة الدولة العبرية، بل إن الانسحاب أثبت عقم المفاوضات كطريق لاسترجاع الحقوق، فلأول مرة ومنذ قيامها تنسحب إسرائيل من أرض عربية بدون رفع علم لسفارتها كما صرح رئيس الوزراء اللبناني سليم الحص.

      لذلك يرى المراقبون أن الموقف الأمريكي يرتبط بحجم الهزة التي أحدثها الانسحاب. وكخطوة استباقية لاستثمار النصر اللبناني أو استخدامه ضد لبنان، بدأت الأيدي المؤيدة لإسرائيل تتحرك لتمزيق نسيج العلاقات التي أوجدت هذه الحالة بعدما ساعدت لبنان على النهوض من تحت أنقاض 16 عاماً من الحرب الأهلية، وفي هذا السياق تقول مصادر صحفية أمريكية: "إن واشنطن عازمة على تغيير قواعد اللعبة في المنطقة، فبعد قمة جنيف الأخيرة أصبحت الإدارة لا تحتاج إلى الدور السوري في الخليج، ولا إلى الدور السوري الأمني والسياسي- في لبنان، وإن المرجعية السورية خسرت الكثير من مبرراتها لحظة الانسحاب الإسرائيلي الكامل من الجنوب، ثم إن النظام الدولي الجديد الذي أعطى منذ مطلع التسعينيات دليلاً على ممارساته في الكويت والبوسنة وكوسوفو والعراق وتيمور الشرقية يمكن أن يبدل المعادلة التي تحكم لبنان منذ 25 عاماً، وأن يعيد تكييف التركيبة اللبنانية في اتجاه حكم يستند إلى إرادات لبنانية واضحة لا تحتاج إلى وصايات مباشرة".

صمود لبناني- سوري

       لا شك في أن الوجود السوري في لبنان غير مرتبط بشكل أو بآخر بالوجود الإسرائيلي، ذلك أن اتفاق الطائف الذي وقع عام 1989 وأنهى الحرب الأهلية اللبنانية نص على أن موضوع انسحاب القوات السورية المرابطة في لبنان يتم عبر التفاوض بين الحكومتين السورية واللبنانية، أي أن الاتفاق وفر غطاء عربياً بعد الحرب لبقاء هذه القوات، وإذا كانت الولايات المتحدة تملك الكثير من الأوراق للضغط على سورية ولبنان من أجل سحب القوات السورية فإن سورية ولبنان أيضاً يملكون أوراقا مقابلة في لعبة عض الأصابع، علاوة على تجربة عمرها أكثر من 20 عاماً، فبداية هناك توافق لبناني رسمي وشعبي  باستثناء بعض القوى التي راهنت عليها إسرائيل في الماضي وخسرت الرهان- على ضرورة التلاحم ليس بين المسارين فقط، بل بين الشعبين أيضاً، وقد نجحت سورية وخلال نحو ربع قرن من تواجدها في لبنان في تكريس نوع من التلاحم السوري اللبناني المدعوم بغطاء عربي، فعلى الصعيد الرسمي أكد رئيس الوزراء اللبناني سليم الحص أن الوجود السوري في لبنان شرعي ومؤقت. وفي إجابته على سؤال لمجلة "آخر ساعة" المصرية يقول ماذا لو ضغطت إسرائيل وواشنطن في اتجاه فتح ملف الوجود السوري في لبنان، فأجاب الحص: "ليس لإسرائيل أو أميركا أن تتدخلا بين لبنان وسوريا. فالوجود العسكري السوري في لبنان هو وجود شرعي ومؤقت في آن، وقد جاء الإخوة السوريون إلى لبنان بطلب من رئيس سابق للجمهورية، وتكرس هذا الوجود في مؤتمر قمة عقد في القاهرة عام 1979، وليس هناك أية مشاكل بين البلدين الشقيقين حول هذا الوجود كما يحاول البعض أن يتصور".

وسُئل عما إذا كان يعتقد أنه لم تعد هناك حاجة لمفاوضات مع إسرائيل على المسار اللبناني بعد الانسحاب، وهل هناك قضايا معلقة تستلزم التفاوض، فأجاب: "لا شك في أن هناك قضايا بين لبنان وإسرائيل تستدعي التفاوض في حال استؤنفت المفاوضات على المسار اللبناني- الإسرائيلي. فتنفيذ القرار 425 والانسحاب العسكري الإسرائيلي من لبنان لا يعنيان تسوية لأن التسوية تحتاج إلى مفاوضات في شأن المياه والتعويضات ووضع اللاجئين الفلسطينيين وغيرها من القضايا". ونفى الحص أن يكون الانسحاب الإسرائيلي قد أنهى الترابط بين المسارين اللبناني والسوري.

وخشية من عودة سورية إلى تسخين جبهة الجنوب، وما يمكن أن تقدم عليه إسرائيل من عمليات عسكرية قد تقلب الأوضاع في المنطقة وتخلط الأوراق بطريقة تخرج عن السيطرة على غرار ما حدث خلال الانسحاب الإسرائيلي، فإن عدداً من المسؤولين الأمريكيين يرون أن استعادة لبنان لسيادته يمكن أن يتم من خلال تسوية شاملة للنزاع. وفي هذا السياق فإن مصادر مطلعة أكدت أن واشنطن ستعمل على مساومة دمشق على الاعتراف بسيطرتها على لبنان مقابل العودة إلى طاولة المفاوضات والتنازل عن مطلب السيادة السورية على شاطئ طبريا. وقد أكد المحلل اللبناني غسان سلامة "أن الأسد تلقى تأكيدات بأن بيروت لن تعقد سلاماً رسمياً مع الدولة اليهودية بدون سورية، أو تثير جدلاً حول وجود 35 ألف جندي سوري في لبنان". كما أوردت صحيفة هآرتس الإسرائيلية في (30/5) أيضاً أن عدة أطراف دولية أبلغت باراك بعزم الرئيس السوري العودة إلى طاولة المفاوضات بعد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، وبعد عقد المؤتمر القطري لحزب البعث المقرر عقده في الفترة من 17-22 حزيران/يونيو الجاري. كما نقلت صحيفة القدس العربي التي تصدر في لندن عن الملك الأردني عبد الله الثاني أنه تلمس أثناء زيارته لدمشق إحساس السوريين بأنهم سينسحبون في النهاية من الأراضي اللبنانية، وأنهم يريدون أن يتم ذلك عبر صفقة متكاملة بمفاوضات السلام وليس تحت الضغط الدولي.

مستقبل لبنان بعد الانسحاب

مع الافتراض بأن القوات السورية انسحبت في المدى القريب أو المتوسط، وسواء كان هذا الانسحاب تحت ضغط دولي أو ضمن تسوية سورية- إسرائيلية، فإن لبنان لن يعود بحال من الأحوال إلى الوضع الذي كان عليه قبل الحرب الأهلية، فالتركيبة السكانية قد تغيرت بشكل كبير لصالح القوى الإسلامية، وهو ما يمكن إثباته من خلال إجراء عملية جديدة لإحصاء عدد السكان في لبنان، وإذا كان التحالف الماروني- الإسرائيلي الذي بلغ ذروته عام 1983 باتفاق 17 أيار قد أضعف الدور السياسي والوطني للمارونيين، فإن الانتصار الكبير الذي حققه "حزب الله" سيمنح هذا الحزب قوة معنوية وسياسية ترفع من أسهمه لبنانياً، وبالتالي سيعزز قوة الطائفة الشيعية، وسيزيد من نفوذها السياسي ومشاركتها في الحياة اللبنانية بمختلف مناحيها، علاوة على حرص أكثر القوى اللبنانية على علاقات مميزة مع سورية لضمان استقرار الأوضاع الداخلية ومنع إسرائيل من العبث بأمن لبنان من جديد، فيما تبقى الأوضاع مفتوحة على كل الاحتمالات فالساحة اللبنانية كانت دائماً تحمل المفاجآت غير المتوقعة، ولعل الانتصار الأخير للمقاومة والاندحار الإسرائيلي وانهيار الميليشيات وسعي باراك خلف الأمم المتحدة لتثبيت الحدود الدولية لن يكون آخر المفاجآت.

وأخيراً، ومع استمرار الهجمة الإسرائيلية الأمريكية الفرنسية على الموقفين اللبناني والسوري لإنقاذ باراك ورد الاعتبار للدولة العبرية، فإن من المتوقع أن تأخذ الأوضاع طريقها إلى التفاقم على مدى أشهر الصيف القادمة، وفي ظل هذا الوضع يعتقد المراقبون أن سورية، ومن أجل قطع الطريق على أي مغامرة عسكرية إسرائيلية تهدف إلى إنقاذ وضع باراك الحرج، ستعمد في الوقت الحاضر إلى تقليل فرص استفزاز إسرائيل، ولعل اعترافها بأن الانسحاب الذي تم هو كامل يخدم هذا الهدف. لكن الثابت والأكيد أن الحدث اللبناني لن تنتهي انعكاساته وتأثيراته على إسرائيل والدول العربية ومستقبل الصراع بشكل عام.

 

اقرأ أيضًا:


قضايا سياسية

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع