|
مجريات
الأحداث
القيادات
العربية الجديدة
ومستقبل
النظم السياسية العربية
ا.د.
محمد صفي الدين خربوش
أستاذ
العلوم السياسية -
كلية الاقتصاد والعلوم السياسية
جامعة القاهرة
شهد
عام 1999 رحيل ثلاثة من قادة الدول العربية
بعد فترة طويلة من عدم التغيير شهدتها كل
النظم السياسية العربية الملكية
والجمهورية على حد سواء.كما شهدنا أمس(10/6)رحيل
الرئيس السورى حافظ الأسد.
وتعتبر فترات البقاء في السلطة -بالنسبة
لرأس النظام- في المنطقة العربية من أطول
الفترات في العالم لا سيما خلال العقود
الثلاثة الماضية؛ الأمر الذي أضفى
مزيدًا من الأهمية على التغيير الذي حدث
في كل من المملكة الأردنية الهاشمية
ودولة البحرين والمملكة المغربية وأخيرا
سوريا. ولا ينتقص من هذه الأهمية كون
التغيير قد حدث لسبب طبيعي ألا وهو وفاة
الملك أو الأمير أو الرئيس، وليس نتيجة
لانتخابات رئاسية أو لانقلابات عسكرية.
النظم
العربية لا تتزعزع
ومن
المثير للدهشة أن النظم السياسية
العربية التي شهدت تغيرات عديدة من خلال
الخمسينيات والستينيات، استطاعت الحفاظ
على استمرارها في العقود الثلاثة
التالية بصورة لافتة للنظر، ولعل
النظام السياسي السوري يعتبر المثال
الأكثر وضوحًا في هذا السياق. فبعد ثلاثة
انقلابات عسكرية في عام واحد وهو عام
1949 - وتغيرات أخرى انقلابية أعوام 1954
و1958 و1961 و1963 و1966 و1970، ناهيك من المحاولات
الانقلابية التي لم تصادف النجاح -استقر
نظام الرئيس حافظ الأسد لمدة ثلاثين
عامًا دون تغيير في شخص الرئيس أو في
طبيعة النخبة الحاكمة. ويصدق الأمر نفسه
في كثير من النظم "الثورية" الأخرى:
ففي العراق، حافظ نظام البعث على بقائه
منذ عام 1968، بالرغم من المصاعب الداخلية
أو الخارجية التي اعترضت سبيله، واحتفظ
الرئيس العراقي صدام حسين بموقعه منذ
بداية النظام، وإن أصبح رئيسًا بصورة
رسمية منذ عام 1979. وفي الجماهيرية
الليبية يحتفظ العقيد معمر القذافي
بموقعه كزعيم للثورة منذ عام 1969.
أزمة
"الجمهورية" العربية
وإذا
كان هذا الأمر متوقعًا في النظم الملكية
وفقًا لطريقة وراثة العرش، فإن الأمر
يبدو جد غريب في النظم الجمهورية:
فقد وصل كل رؤساء الجمهورية العرب-
باستثناء لبنان- إلى السلطة من خلال
انقلاب عسكري –دموي
أو سلمي- حيث كانت بداية النظام الجمهوري
في النظم الملكية سابقًا (مصر –
العراق –
اليمن –
ليبيا) أو التحول نحو نظام عسكري في النظم
الجمهورية (سورية –
الجزائر –
السودان). وشغل قائد الانقلاب أو أحد
قادته منصب رئيس مجلس قيادة الثورة أو
مجلس الإنقاذ ثم منصب رئيس الجمهورية بعد
إجراء انتخابات صورية أو استفتاءات
شكلية على شخص المرشح الوحيد. وما يزال
بعض قادة الانقلاب الأول في السلطة حتى
الآن، وفي حالات أخرى، انتقلت السلطة إلى
شخص آخر بعد وفاة قائد الانقلاب الأول أو
إطاحته بانقلاب آخر. ولا يبدو أن أيًّا من
هؤلاء القادة على استعداد للتخلي عن
السلطة طواعية.
ومن
ثم، جاء تولي كل من الملك عبد الله الثاني
بن الحسين، والشيخ حمد بن عيسى آل خليفة،
والملك محمد السادس السلطة في كل من
الأردن والبحرين والمغرب(وتوقع تولى
بشار الأسد خلفا لوالده) حدثًا مهمًا
في منطقة اعتادت على عدم التغيير، لا
سيما وأن كلاً منهم قد خَلَف والده الذي
قضى في السلطة فترة طويلة اقتربت من نصف
قرن في الحالة الأردنية. وأن التغيير قد
طال أربعة قادة اعتُبر كل منهم المؤسس
الحقيقي لدولته، وحظي بنفوذ يُعتد به في
منطقته الإقليمية، أو في المنطقة
العربية والإسلامية.
الرشادة
في النظم الملكية
وقد
اتسم انتقال السلطة في النظم الثلاثة
باليسر والسلاسة؛ نظرًا لوجود آلية
محترمة لوراثة العرش، وبالرغم من
التغيير المفاجئ الذي أحدثه الملك
الراحل الحسين بن طلال قبل وفاته. فإن
انتقال السلطة إلى الملك عبد الله الثاني
تم دون معوقات، الأمر الذي يعبر عن وصول
هذه النظم إلى قدر من الرشادة لم تبلغه
بعد النظم الجمهورية. ومن هنا يُثار
التساؤل دومًا: ماذا بعد صدّام حسين أو
معمر القذافي أو حسنى مبارك، لا سيما وأن
أيًا منهم لم يضع نظامًا لانتقال
السلطة، ولم يسمح بوجود قيادات بديلة
خشية أن يُطيح بشخص القائد.ويظل السؤال
بالنسبة للنظام السورى مطروحا وهو هل
ينجح فى تقديم نموذج لإنتقال سلمى للسلطة
يحافظ على استقرار النظام
القيادات
الجديدة أكثر تحررا وديمقراطية
ويمكن
القول: إن القيادات الجديدة في المنطقة
تعتبر أكثر تقبلاً للأفكار الحديثة؛
نظرًا لحداثة أعمارها وتلقيها تعليمًا
حديثًا وتأثرها بالنظم الغربية التي
تلقّت فيها تعليمها. كما أن هذه القيادات
أقل حظًا من القيادات السابقة فيما يتعلق
بالشرعية التقليدية، وهو أمر شديد
الأهمية في المجتمعات العربية التي تتسم
بصفة عامة بالمحافظة. كما أن هذه
القيادات أكثر انفتاحًا وقدرة على
التوصل إلى تسويات مع النظم الأخرى،
باعتبارها أكثر حرية في تناول المشكلات
العالقة؛ لأنها لم تكن سببًا في إثارتها.
ويبدو أن هذه القيادات أيضًا أكثر
تأييدًا للتحول الديمقراطي من سابقاتها.
فمن
ناحية.. تفتقر القيادات الجديدة إلى حجم
التأييد التقليدي الذي تمتعت به
القيادات السابقة، الأمر الذي يجعلها
أكثر حرصًا على تحقيق إنجازات تحسب لها،
وتدعم شرعيتها. ويبدو أن حل المشكلات
العالقة، مثل النزاع بين البحرين وقطر أو
بين المغرب والجزائر أو بين الأردن
وسورية وبين الأردن ودول الخليج أمر يصب
في هذا الاتجاه، لا سيما وأن هؤلاء
القادة الجدد لم يرثوا الخلافات التي
تركها آباؤهم باعتبارهم مسئولين عنها.
ومن
ناحية أخرى.. يعتبر التحول الديمقراطي
ومحاربة الغساد إحدى آليات هذه القيادات
الحديثة لتدعيم شرعيتها من خلال احترام
حقوق الإنسان، وإقالة بعض القيادات "الموروثة"
سيئة السمعة في هذا المجال، واتخاذ
قرارات جديدة أو إلغاء قرارات سابقة لكسب
مزيد من الشرعية، والوعد بإجراء تحولات
أكثر ديمقراطية وشفافية في النظام،
وتخفيف القيود المفروضة على المعارضة
والأقليات، وإطلاق سراح المعتقلين
السياسيين، وتحسين العلاقات مع دول
الجوار.
ومن
ناحية ثالثة.. ثمة تكهنات بتغييرات
مرتقبة في عدد من النظم السياسية العربية
خلال العقد الحالي، الأمر الذي يتيح بث
مزيد من الدماء الشابة داخل هذه النظم،
يسمح بتغيير السياسات نحو الأفضل، حيث إن
السياسات التي اتبعها القادة الثلاثة
الجدد حتى الآن تبشّر بجيل من القادة
أكثر انفتاحًا وأقل سلطوية وأكثر
تسامحًا مع الأعداء الداخليين وأشد
حرصًا على تدعيم شرعيتهم.
ومن
ناحية رابعة.. فإن هذا التفاؤل ينبغي أن
يكون حذرًا، لأن التغيير الذي تم في
النظم الثلاثة قد اتسم بانتقال سلمي
للسلطة وفقًا لنظام محترم من قبل الأطراف
الرئيسية، وليس نتيجة صراع علني أو
مستتر، الأمر الذي لن يحدث في نظم أخرى لا
تعرف هذه التقاليد في انتقال السلطة.
فعلى النقيض من هذا، قد يؤدي اختفاء
الشخصية الرئيسية في النظم الأخرى إلى
صراع مكشوف ينتهي بنظام أكثر استبعادًا
أو بحلقات من الانقلاب والانقلاب المضاد.
وتبدو أزمة النظم الجمهورية واضحة؛
لأنها لم تصل بعد إلى طريقة مقبولة
لاكتساب السلطة أو لانتقالها، اللهم
إلا القدرة على بسط السيطرة على مفاتيح
القوة الرئيسية، وفي مقدمتها القوات
المسلحة والأجهزة الأمنية. ومن ثم، يظل
الجيش هو الفاعل الرئيسي في النظم
العربية الجمهورية، الأمر الذي يعوق أي
إمكانية تحوّل ديمقراطي حقيقي.
ومن
ناحية خامسة.. تبدو النظم الملكية ذات
السمات الحديثة (الأردن، والمغرب،
والكويت) هي الأقرب لتقديم نماذج لنظم
سياسية مقبولة ولعلها تقدم نماذج تُحتذى
لباقي النظم السياسية العربية.
اقرأ أيضًا:
قضايا سياسية
|