English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

بعد عام على بوتفليقة

الأزمة السياسية: هل إلى خروج من سبيل؟  

عمرو عبد الكريم سعداوي

باحث في الشئون الجزائرية


ربما جاز للمراقبين بعد أكثر من عام أن يمعنوا النظر في تجربة بوتفليقة وما إذا كان قد آتت ثمارها أم أنها لم تنضج بعد وتحتاج إلى مزيد من نار الحل الأمني.

فمنذ أن فاجأ الرئيس زروال النخبة السياسية-العسكرية في الجزائر بإعلان تنحيه عن السلطة مبكرًا عن موعد انتهاء ولايته بنحو السنتين، بدأ البحث عن مرشح للرئاسة يقبل بخلفيات الوضع القائم –الذي حدا بزروال إلى الاستقالة- ويستطيع جمع الجماهير والقوى السياسية حوله، فقدم بوتفليقة كمرشح للإجماع الوطني، حيث التفت حوله أربعة أحزاب هي: التجمع الديمقراطي، وجبهة التحرير، والنهضة، وحماس. وأعانه على ذلك رصيده التاريخي فهو أحد أربعة أشخاص شكلوا خلية الحرس القديم المركزية حول بومدين.

وقبل إجراء الانتخابات بيوم واحد انسحب المرشحون الستة للرئاسة (أحمد طالب، والإبراهيمي، وعبد الله جاب الله – وحسين آيت أحمد، ومولود حمروش، ومقداد سيفي، ويوسف الخطيب) حتى لا يكونوا "شهود زور على ديمقراطية غير قائمة" كما قال الشيخ عبد الله جاب الله. وذلك لتأكدهم من حالات التزوير التي جرت في ثكنات الجيش والمكاتب المتنقلة بالمناطق النائية والسفارات الجزائرية بالخارج. وكانت تلك الخطوة الثانية بعد تقديمه كمرشح للإجماع الوطني أي ترتيب ضمانات أكيدة بفوزه.

وزاد فوز بوتفليقة الأمور تعقيدًا لعدم اعتراف المرشحين الستة بنتيجة تلك الانتخابات؛ فجاء للحكم فاقدًا للشرعية.

إن الرئيس بوتفليقة الذي لم يستطع أن يؤسس شرعية حكمه من خلال انتخابات حرة ونزيهة حاول من جهة أخرى أن يؤسس شرعية بديلة من خلال العمل على محورين: داخلي وآخر خارجي. وفي هذا المقال سنقصر الحديث على البعد الأول فقط.

-قانون الوئام الوطني

قانون الوئام الوطني هو آخر قانون في سلسلة القوانين التي استهدفت إرجاع الخارجين على سلطة الدولة (قوانين الرحمة 1995 – قوانين العفو – قانون التوبة).

وهو قانون أعد في أواخر عهد الرئيس زروال، لكن الخلاف بينه وبين المؤسسة العسكرية على طريقة إخراجه والتعامل بشأنه مع جماعات العنف المسلح – وخفايا أخرى ليس أقلها أن القانون تم من وراء ظهر الرئيس – دفع الرئيس زروال إلى تقديم موعد تركه للسلطة.

والقانون يجسد أبرز بنود الاتفاق الذي تم في صيف 1997 بين مسئولي الجيش الإسلامي للإنقاذ (مدني مزراق) والمؤسسة العسكرية؛ حيث تضمن القانون إجراءات قانونية أمنية تستهدف ضمان وضع السلاح وعدم حدوث صراعات أو نزاعات بين "التائبين" عن العنف وحمل السلاح وعائلات الضحايا.

ولقد أراد بوتفليقة من قانون الوئام الوطني عدة أمور:

- خلق شرعية للنظام عن طريق إحلال السلم.

- نزع الغطاء عن العنف السياسي بالتعامل معه باعتباره جرائم جنائية مثل أي جرائم.

- محاولة بلورة حل للأزمة السياسية في الجزائر ودفع البلاد نحو مصالحة وطنية يتراجع فيها العنف.

- تجميع الشعب نحو هدف واحد.

- تدعيم شرعية بوتفليقة الذي اعتبر الاستفتاء على قانون الوئام في يوليو 1999 توقيعًا من الشعب "على بياض" يمكنه من القول بأنه غير مدين سياسيًّا لأحد في توليه السلطة.

تقويم قانون الوئام الوطني:

حالت مثالب قانون دون إخراج الجزائر من وهدتها لأكثر من سبب:

- غلبة العنصر الأمني على العنصر السياسي في صياغة قانون الوئام الوطني في حين أن جوهر الأزمة في بعدها السياسي وليس في مجرد الشق الأمني.

- إذا كانت كل الدعوات المستقلة للحوار الوطني في الجزائر تستهدف إعادة جبهة الإنقاذ كطرف أساسي في الحياة السياسية، فإن هذا القانون يكرس استبعادها بتعامله مع الشق العسكري فيها (مدني مزراق – الجيش الإسلامي للإنقاذ) ويتجاهل الشق السياسي (مدني – بلحاج)، بل وسلبهم أسمى درجات المواطنة وهو الحق في العمل السياسي.

 

ويذهب بعض خبراء القانون في الجزائر إلى القول: إن قانون الوئام المدني يمثل تطورًا في التشريع الجزائري من حيث تركيزه على تقنين الجريمة السياسية، وهكذا نجد أن قانون "استعادة الوئام الوطني" يهدف إلى تجريم القائمين بالفعل ووضعهم تحت الرقابة ومتابعتهم والعفو عنهم في بعض الحالات.

وإذا ما أردنا أن نقيم حصاد العام والشهور القليلة الماضية من خلال الأهداف المعلنة  لقانون الوئام الوطني يمكن ملاحظة ما يلي:

- أنه نزع الغطاء السياسي عن أعمال العنف وقيام كثير من ممارسي العنف بتسليم أنفسهم وأسلحتهم وعلى رأس هؤلاء الجيش الإسلامي للإنقاذ (الطرف الأساسي في الاتفاقية).

- لم تتحقق المصالحة الوطنية الشاملة التي لا تستبعد أحدًا ولا تقصي طرفًا.

- لم يتم التفاف الشعب حول الرئيس بوتفليقة باعتباره صاحب مشروع وطني يخرج البلاد من أزمتها، بل تم الاعتماد على الظهير الخارجي، وتزايدت محاولات الاستقواء بالخارج في كسب شرعية على الصعيد الداخلي.

 -العلاقة مع سياسيي جبهة الإنقاذ

ركز قانون الوئام الوطني على أمرين هما:

- أن خروج الجزائر من الأزمة يتطلب حوارًا فعالاً بين الهيئات السياسية والقوى المعارضة، وهذا الحوار يتبنى صورة للمصالحة قائمة على استيعاب الدولة للمعارضة.

- أن هذا الحوار يتم في إطار رؤية انتقائية تميز بين الهيئات التي يشملها الحوار.

إلا أن مشروع المصالحة الذي يقوده بوتفليقة يستثني جبهة الإنقاذ خاصة الشق السياسي منها (مدني وبلحاج وحشاني ورابح كبير وأنور هدام. بعزل الأول واعتقال الثاني واغتيال الثالث ونفي الرابع والخامس) أو ما يطلق عليه القيادة التاريخية، وهو ما يجعل سياسة بوتفليقة تعود إلى نقطة البدء والتكييف الواقعي للأزمة: هل هي أزمة نظام ومجتمع أم أزمة نخبة عسكرية تتشبث بمواقعها في السلطة إلى آخر رمق؟ أي هل الأزمة الجزائرية أزمة أمنية أم أزمة سياسة بالأساس نتج عنها تدهور أمني وعنف مسلح؟

وجاء استثناء سياسيي جبهة الإنقاذ من مشروع المصالحة الذي يقوده بوتفليقة في تصريحه بأن "جبهة الإنقاذ لن تعود تحت اسمها أو أي اسم آخر". وكان قد  تحدث قبل انتخابه عن مشروع مصالحة وطنية لا يستثني أحدًا، حتى جبهة الإنقاذ. كما اختلف مفهوم المصالحة في خطابه بعد الفوز: من مصالحة مع جبهة الإنقاذ، إلى "مصالحة مع النفس"! وبعد أن كانت صيغة المصالحة المطروحة تتمثل في مد جسور الحوار مع القوى السياسية الفاعلة الجبهات الثلاث: جبهة التحرير، جبهة الإنقاذ، جبهة القوى الاشتراكية، فإنه استبعد مثل هذا الحوار وأعلن رفضه له.

وفي طور آخر أعلن بوتفليقة عن منع الشيخين مدني وبلحاج من الاشتغال بالسياسية، وبالتالي فقد استبعدا ليس فقط من دائرة الحوار المفترض، وإنما من مباشرة مجمل الحقوق السياسية.

وهكذا يبدو خيار بوتفليقة بالتركيز على العناصر العسكرية-الأمنية، سواء داخل النظام بالرهان مع أركان المؤسسة العسكرية؛ حيث إنه دائمًا ما يصرح بأن "الجيش هو حزبي"، أو في العلاقة مع الإنقاذ بإضفاء غطاء سياسي على التفاوض مع عسكريي جبهة الإنقاذ (مدني مزراق) وتأكيد الموقع المحوري الذي يحتلونه نتيجة الانفراد بالتفاوض مع المؤسسة العسكرية وتجاهل الشق المدني منها، أو بتغليب الشق الأمني على الشق السياسي في قانون الوئام الوطني.

ويمكن القول إن السلك الناظم لعناصر المحور الداخلي هو افتقاد نظام بوتفليقة إلى تحالف اجتماعي سياسي يدعم النظام ويؤيده ويمثل عموده الفقري من أجل الاستقرار.

ويقصد بهذا التحالف أن هناك مجموعة من القوى الاجتماعية السياسية تقدم دعمًا للنظام لا يمكن الاستغناء عنه، وهذا الدعم واستمراره هو ضمان استمرار للنظام السياسي. وذلك بسبب عمق الانقسامات الاجتماعية والثقافية والسياسية (عرب وبربر، عروبيون وفرانكفونيون – سياسيون وعسكر)، وكون العلاقات بين هذه الثنائيات ليست علاقات طبيعية بل علاقات أزمة.

ربما كان من الظلم في تقويم تجربة بوتفليقة تحميله تراكمات عقود مضت وتركيبة اجتماعية وثقافية وسياسية معقدة، ولكن من العدل أيضًا القول إن بوتفليقة لم يعمد إلى مشكلات الجزائر المستعصية ولم يوجه إليها مبضعه، بل كانت سياسة التسكين والإرجاء هي المتبعة، وهذه السياسة لا تزيد الواقع المعقد إلا تعقيدًا، ولن تحل الأزمة، وإن عملت على تأجيل انفجارها.

 

كما أن الاستعانة بالعمل على صعيد محور لكسب الشرعية على صعيد محور آخر ليست بالسياسة المناسبة لشعب قتلته صراحته ووضوحه.

 

-علاقة بوتفليقة بأركان المؤسسة العسكرية

يدرك بوتفليقة تمامًا أنه ما جاء ليحكم وحده، وإنما جاء ليدير عملية سياسية تتوزعها قوى متصارعة بعضها مدني وبعضها عسكري، كما أن رموز المؤسسة العسكرية تدرك تمامًا أن بوتفليقة لن يحاول اتخاذ إجراءات جذرية كتلك التي كان ينوي بوضياف اتخاذها. كما أنه غير راغب في تغليب طرف أو تيار على حساب آخر كما تراءى من الإجراءات التي اتخذها زروال، وأدت إلى موجة من الانتقادات العنيفة ضد أنصاره، خاصة الجنرال محمد بتشين، كما أن بوتفليقة أشاع جوًّا من الاطمئنان عندما طرح شعاره "عفا الله عما مضى" ودعا إلى إغلاق ملفات الماضي. بل إنه بحديثه عن العفو عن التجاوزات الاقتصادية السابقة، أراد إقفال الباب أمام أية محاولة لنبش تفاصيل علاقة بعض الضباط المتقاعدين بكثير من العمليات الاقتصادية التي فاحت منها رائحة الفساد واستغلال النفوذ. بالإضافة إلى ما يصرح به بوتفليقة دائمًا من أن الجيش هو حزبه ردًّا على ما يشاع من صراعات بينه وبين أركان المؤسسة العسكرية فإن بوتفليقة هو مرشح المؤسسة العسكرية –وليس الإجماع الوطني- وقد جاء إلى الحكم ببرنامج وافقه عليه الجيش سلفًا، وهو لا يجد مناصًا من تنفيذ البرنامج، ولا يمكنه أصلاً الخروج على النص، وإن كان حرًّا في التحرك في هامش المناورة المتاح له.

وفي أثناء الاستفتاء على قانون الوئام الوطني في سبتمبر 1999 رد بوتفليقة على سؤال حول الدور المستقبلي للمؤسسة العسكرية التي حدّت من صلاحيات الرؤساء السابقين، فقال: إنه يعتزم ممارسة صلاحياته التي حددها له الدستور كاملة، وإنه عاقد العزم على استعادة تلك الصلاحيات بالكامل؛ لأنها لم تمارس بالكامل في الماضي.

ورغم ذلك دافع بوتفليقة عن الجيش ضد اتهامات له بالضلوع في أعمال قتل خارج نطاق القضاء، ومسؤوليته "المزعومة" عن حالات تعذيب واختفاء بشري (وكان ابن أخيه  نفسه قد اختطف قبل بدء أحداث العنف في أوائل التسعينيات وإلى الآن لم يعرف عنه أحد شيئًا).

 

ويمكن القول: إن حصاد الفترة الماضية كلها هو تعايش على درجة عالية من الانسجام بين الرئيس والجيش مكنته من الاستمرار في الحكم.

وتبقى الإشارة إلى أن الجيش الجزائري خرج منتصرًا في القسم الأكبر من الصراع مع الإسلاميين المسلحين، غير أن الفترة القادمة ستشهد خروج بعض الجنرالات المتقدمين في السن (من أهم هؤلاء الجنرالات المرشحين للتقاعد الجنرال محمد العماري رئيس الأركان وقائد قوات مكافحة الإرهاب، والجنرال توفيق رئيس المخابرات العسكرية، وهما تقريبًا أقوى ضابطين في الجيش الجزائري).

وربما تكون عمليات التقاعد هذه وإحلال جنرالات أقل وزنًا مما يسهل مهمة الرئيس في تجديد صورة الجيش لدى الرأي العام. وتبقى الثقة المتبادلة بين الرئيس والمؤسسة العسكرية هي التي ستعطي بوتفليقة دعمًا أكبر وحرية أوسع في التعاطي مع مشكلات الجزائر المزمنة.

-التحول نحو اقتصاد السوق

بعد تجربة اشتراكية فاشلة بدأت الجزائر تجربة أخرى مع بداية الثمانينيات تراهن على المنهج الرأسمالي في علاج أزمات الاقتصاد الجزائري المزمنة والهيكلية.

حيث بدأت التحولات الاقتصادية قبل تدعيم التعاون مع صندوق النقد الدولي الذي بدأ دوره يتعاظم في توجيه الاقتصاد الوطني خاصة بعد خطاب الولاء الذي أرسله وزير المالية الجزائرية للمدير التنفيذي لصندوق النقد الدولي في مارس 1989، الذي أكدت فيه حكومة الجزائر الالتزام بالتحولات الليبرالية.

وقد تعهدت الحكومة الجزائرية بتنفيذ برنامج التكييف والاستقرار في الاتفاقيات التي أبرمتها مع صندوق النقد الدولي لأول مرة في مايو 1989 ، وفي يونيو 1991 اتفق على إعادة هيكلة الاقتصاد الجزائري.

وجاءت خطة 1999-1994 مستكملة تطبيق برنامج التكييف في معظم المجالات؛ ومن ثم فإن النظام الجزائري بحكوماته المتعاقبة (والحالية والمتوقعة) تبنى رسميًّا سياسة اقتصاد السوق كمرجعية لمعالم الإصلاح الاقتصادي.

وجاء بوتفليقة ليدعم هذا الخيار بانفتاح على العالم الرأسمالي بشقيه السياسي والاقتصادي. ففي الأول: يعتمد خيارًا تعدديًّا مقيدًا محكومًا بموازين القوى الداخلية واستمرار العسكر في القبض على مقاليد الأمور لحين إشعار آخر. وفي الثاني يتبنى نظامًا اقتصاديًّا يعتمد سياسة السوق المفتوحة والحرية الاقتصادية في ظل أجواء تكرس سيطرة النخبة الرأسمالية المتحالفة مع النخبة العسكرية من أجل توزيع المغانم والسلطة والقروض المشروطة.

وبالجملة فإن بوتفليقة الذي يطرح نفسه رئيسًا براجماتيًّا يريد بالجزائر أن تتحرك على المحورين السياسي والاقتصادي بخطى متوازنة. وفي خطاب بوتفليقة أمام الصحفيين أثناء الاستفتاء على قانون الوئام الوطني قال: "إنه يتعهد بتغيير الأوضاع من القمة إلى القاعدة".

لكن تجربة العام والشهور القليلة تكشف أن الخطاب البراجماتي الذي تبناه الرئيس (على المستويين السياسي والاقتصادي) يتناقض مع ذلك الخطاب الجذري الذي يتعهد بإحداث تغييرات تشمل كل شيء.

ويظل رغم كل ذلك الصعيد الاقتصادي هو أهم نقطة ضعف في مشروع بوتفليقة في الفترة الماضية لمحدودية الإنجازات على هذا الصعيد، وللغموض الكبير الذي تتميز به أطروحات الرئيس.

 

اقرأ أيضا:

 

- جبهة الإنقاذ الجزائرية: "الوئام الوطني" محل شك

- 56% من الجزائريين يثقون ببوتفليقة        

-الجزائر: حصاد العنف 6040 عملية ومائة ألف قتيل وتخريب 12 ألف مؤسسة  

-الإبراهيمي: الصراع الحضاري بين الإسلاميين والتغريبيين أساس أزمة الجزائر        

-الجزائر: الإبراهيمي يتهم الحكومة بانتهاج " القوة" لا "الحوار"     

 

 

قضايا سياسية  

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع