|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
إضرابات
باكستان .. مظاهر أزمة اجتماعية شاملة
هذه
الحوادث جعلت الشعب الباكستاني يفقد
بشكل ملحوظ ثقته بالجيش واحترامه إياه،
وهو المؤسسة الوحيدة القومية التي تضمن
وحدة أراضي باكستان. كما أثيرت شكوك عما
إذا كان برويز مشرف- الحاكم العسكري
لباكستان- يستطيع تحقيق نقاط الأجندة
السبعة التي وعد بتنفيذها في أعقاب
الإطاحة بحكومة نواز شريف في 12 أكتوبر
عام 1999، ومنها إعادة الاقتصاد الوطني إلى
مساره الصحيح، وخلق أجواء الثقة
للاستثمار، وهي المهمة التي ليست من
صلاحيته ومسؤوليته في الأصل. وفوق ذلك
كله يفقد العسكر بالتدريج هيبته وتحكمه
في الشارع. وهو أمر بالغ الحساسية
بالنسبة إلى باكستان، حيث كان العسكر
دائما هو الضامن للحفاظ على شمل فيدرالية
باكستان. لماذا
يرفض الشعب تأدية الضرائب؟ حدثت
الإضرابات كرد فعل مضاد للضرائب التي
فرضتها الحكومة العسكرية على القطاعات
التجارية الكبيرة والصغيرة. والإضرابات
التي أدت إلى خسائر فادحة في القطاع
الاقتصادي الباكستاني، وإن انتهت
ظاهريًا، فلا تزال احتمالات استئنافها
قائمة. ولعل من حسن حظ الشعب أن الإضراب
حدث في ظل حكومة عسكرية، فلم تتمكن
الأحزاب المدنية السياسية الفاسدة من
استغلالها، مما كان يعني إلحاق مزيد من
الأضرار بالاقتصاد القومي. والإضرابات
كانت رد فعل من طرف التجار تجاه قرار
الحكومة الحاسم لتوثيق الاقتصاد الشعبي،
وتبديل التعاملات التجارية من السواد
إلى البياض. وخلال هذه العملية
الاقتصادية تحاول الحكومة الباكستانية
تحديد ممتلكات الشعب التجارية وغير
التجارية، ومعرفة حجم الأعمال التجارية،
كي تتمكن بذلك من تحديد الدخل الحكومي من
جراء حصيلة الضرائب، مما يساعد على تقوية
ميزانية الدولة المرهقة من خلال تأمين
الضرائب، بالإضافة إلى تسهيل عملية
تحصيلها وسد سبل التهرب من أدائها في
المستقبل. ومن السهل إدراك أن مثل هذه
الظاهرة لن تظهر في أجواء صافية غير
مشوبة بخلفية اجتماعية مضطربة. فقد كانت
جذور المرض كامنة في المجتمع، وظهر بعض
أعراضه عبر الإضرابات التي يصعب إدراكها
بدون استحضار الماضي واستقرائه. أولا:
أعراض الأمراض الاجتماعية: 1-
فراغ ديني ناتج من العلمانية: إن
القصد من وراء تأسيس باكستان كان خلق
بيئة خاصة للمسلمين ومن أجل إعلاء كلمة
الله. ومن هذا المنطلق
ستظل للدين مكانته. والإضطرابات التي
يشهدها البلد- في جزء كبير منها- نتيجة
فقدان هذا العنصر الهام، ومن أجل السقوط
في فراغ الهوية الدينية. ولعل اليوم
ولكون الأسس الدينية غير متينة ترى نسيج
باكستان غير طبيعي بشكل كبير. وإذا كانت
الأرضية المشتركة بين أجزاء باكستان شتى
هي الإشتراك في الدين الإسلامي، يجب إذن
الاستفادة من عنصر التدين بشكل جيد.
والذي سبب هذا الفراغ هو فقدان جامعات
ومؤسسات إسلامية ووطنية دورها في تثقيف
الشعب وتعليم الدين. 2-
ضعف التلاحم والانتماء القومي: بالرغم
من مرور خمسين عامًا على باكستان لا يزال
يعدم التلاحم والتكافل اللازمين بين
المقاطعات الأربعة، ولا يزال ينظر إلى
مقاطعة بنجاب ـ أكبر المقاطعة
الباكستانية من حيث الكثافة السكانية
والثقل السياسي والاجتماعي والصناعي ـ
كمقاطعة مسيطرة مستعمِرة تجني معظم دخل
باكستان، وتؤثر على سياسة باكستان
الخارجية والداخلية ـ وهو أمر قد لايكون
له أساس من الصحة، لكن له أثرًا سلبيًا،
ولا سيما في ظل الجفاف الذي ضرب مقاطعة
بلوشستان ونواحي من مقاطعة السند، وشعور
أهلهما بالإهمال والاضطهاد. وفي
هذا المضمار لم تصدر أية محاولة جادة
هادفة للتعاون والتفاهم بين المقاطعات
عموما، وخير مثال على هذا هو خلاف مقاطعة
بنجاب وسرحد بخصوص بناء سد "كالا باغ
ديم" بولاية سرحد في غضون ثمانية عشر
عاما، الذي اعتزمت الحكومة حديثا
بتشييده مهما كان الثمن. وإذا استمرت
الحال كما هي عليه الآن قد لا يستبعد
تكرار تجربة بنجلاديش التي انفصلت عن
فيدرالية باكستان عام 1971م. 3-
ضعف الولاء الوطني: يلاحظ
فقدان تطور ولاء حقيقي تجاه البلد
فالحكومة ومؤسساتها، وكأن حب الشعب
لباكستان يتخلص في ثلاثة أمور: -
يحبون باكستان من أجل الحفاظ على "الهوية"
السياسية فحسب. -
ويهوون محمد علي جناح المشهور بـ "قائد
أعظم" لأنه أسس البلد وقاد حركة
الانفصال عن الهند عام 1947م، وهو السياسي
النزيه الوحيد في نظر الشعب. -
ثم يتفقون على محبة الجيش الذي رمز لوحدة
البلد، وهو المؤسسة النزيهة الوحيدة
بإجماعهم، التي لم تنغمس في الفساد
الإداري والمالي. ولعل
أهم أسباب جمود الفكرة القومية خلال
الخمسين العام الماضية ترجع إلى أنه لم
تكن ثمت برامج هادفة لتطوير الولاء
الوطني. ناهيك عن وجود تيارات قومية
وحركات انفصالية يمينية ويسارية مرتزقة
ومؤيدة غالبًا من الخارج في ولايات صوبة
سرحد وبلوشستان والسند، التي كانت
منشغلة بصنع القلاقل وإثارة الإضطرابات.
ومن هنا فالإنتماء للوطن هو شكلي فارغ من
المضمون. فلا يحترم البلد وما ينتمى إليه
من اللغة والأدب والثقافة على نحو ما
ينبغي، بما يتضمنه ذلك من قيم التضحية
والإخلاص. فما يلفت انتباه الزائر لأول
مرة لباكستان هو بريق اللافتات واللوحات
العالقة على المحلات التجارية المكتوبة
باللغة الأوردية والأحرف العربية، وقد
يلاحظ فيها إهمالا شديدا، بينما اللوحات
بالحروف اللاتينية في غاية الدقة
والاهتمام وبخط يلمس الجمال والفن فيه.
ويفاجأ المرء عند ما يرى الرئيس التنفيذي
الباكستاني وهو يتلكأ في حديثة باللغة
القومية ـ الأوردية ـ ويستعين باللغة
الإنجليزية، وهو عندئذ يلتقط أنفاسه
ارتياحا، وهي ظاهرة منتشرة في شبه القارة
الهندية عموما. 4-
آثار ورواسب الهندوسية: تلك
الآثار المتبقية في أذهان المسلمين،
الذين كانوا يخالفون الحكومة البريطانية
ثم السلطات الهندية، وكان يترتب على
مخالفتهم ثواب له أجر في الآخرة، ولم
يتغيروا كثيرًا عندما تحولت الظروف
وانتقلت مقاليد الحكم من السلطات
الأجنبية إلى أيدي المسلمين. 5-
الغزو الثقافي والإعلامي: الغزو
الثقافي والإعلامي عبر التلفاز ووسائل
الإعلام مستغلا المناخ الديموقراطي.
فبينما نجد وسائل الإعلام المحلي بلا طعم
ولا هدف، نشاهد وسائل الإعلام الأجنبي-
ولا سيما تلك الهندية- نشطة تبث السموم ضد
باكستان. 6-
العدالة السوداء: بمعنى
افتقاد المرء ثقته بالقضاء والمحاكم
والعدالة الاجتماعية، فيرى من حقه
الطبيعي أن يحصل على حقه بنفسه عن طريق
الغش والخيانة والرشوة، بل حتى عن طريق
السرقة، لأن الآخرين بدورهم نهبوا حقه.
هذا المناخ بالطبع خصب لنماء أمراض
اجتماعية عديدة. ثانيًا:
الآثار السلبية للأمراض الاجتماعية: 1-
انتشار الأمراض النفسية: نمت
في هذا المناخ الغريب أمراض نفسية مسيطرة
في شبه القارة الهندية تظهر على
أشكال غريبة كالحرب الشرسة التي تخاض في
سريلانكا وما يقوم بها الانفصاليون
التاميل من عمليات الانتحار، وعمليات
انتحار جماعي في الهند أو قتل جماعي
ارتكبه أحد المجرمين في مدينة لاهور في
ديسمبر الماضي (1999). وتبلور هذه الظاهرة
قد يرجع إلى مجموعة من العوامل الدينية
والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. 2-
تفشي ظاهرة اللامبالاة: تتكون
لدى الشخص نتيجة الظلم الاجتماعي وشعوره
بالحرمان والإهمال ظاهرة اللامبالاة
تجاه الآخرين. وهي تظهر على صور مختلفة،
كالإهمال في مراعاة النظافة في المرافق
العامة. وهناك ظاهرة اللامبالاة من
القيادة إلى القاعدة. وهذه الظاهرة
مشهودة بدءا من بائع الأطعمة المكشوفة في
الطرقات، إلى الباصات العامة غير
النظيفة، والقيادة المتهورة التي يترتب
عليها العديد من حوادث المرور يوميا
بالعشرات في أرجاء باكستان وتترك مئات
بين قتلى وجرحى.. وإلى رئيس وزراء يمنع
هبوط الطائرة للنيل من منافسه السياسي
غير مبالٍ بحياة مائتي راكب على متنها..! ناهيك
عن الإهمال في القطاعات الحكومية
والرسمية وسيطرة التكاسل والتماطل من
غير عذر مبرر، حيث لا يهم الموظف سوى مرور
الأيام والحصول على الرواتب. 3-
التهرب من القانون: يظهر
التهرب من طاولة القانون نتيجة التعسف في
تطبيق وممارسة القانون ـ فهناك عجائب
القصص وغرائب الروايات في ذكر خيانات
رجالات القانون تسرد في الصحف المحلية.
والتهرب من دفع الضرائب نوع من التهرب من
القانون. 4-
اضمحلال المظاهر الاجتماعية الإيجابية: وذلك
مثل التعاون والتكافل والتراحم، فالجو
المادي جعل من الأغنياء في معظم الموارد
قساة القلوب لا يجد مبدأ الرحمة والتعاون
طريقا إلى قلوبهم، ولا يحسنون إلا لغة
الأرقام والأموال. والديموقراطية في
الشبه القارة الهندية فاقدة العناصر
اللازمة، وهو أمر أدى إلى تكريس الفردية
والأنانية، ويصل حدا يدفع شخصية سياسية
كانت ذات مرة رئيسة وزراء، لتتقدم بشتى
الاتهامات الشرعية وغير الشرعية ضد
بلدها، وتدلى بشهادات مفتراة، وتطلب من
الجماعة الدولية فرض حصار اقتصادي مشدد
سياسيا واقتصاديا على باكستان، كي تحصل
هي على الجاه والمال والسلطة! 5-
تفشي ظاهرة الغش: أهم
عوامل الغش اجتماعية من قبيل فقدان شعور
المرء بحبه للمجتمع وتجاه الآخرين،
نتيجة فقدان العدالة التي بها يكسب المرء
حقوقه الاجتماعية، فتقسيم المجتمع إلى
أغنياء وفقراء، واتساع الهوة بينهما
بشكل سيء، كل ذلك يدفع الشخص إلى ارتكاب
الغش. وقد وضعت باكستان عام 1998 في المرتبة
الثانية في قائمة الدول التي تكثر فيها
ظاهرة الغش من قبل منظمة عالمية تتخذ من
برلين مقرا لها . 6-
التوسل بالعنف: ومن
حين لآخر نسمع ونرى أخبارا موحشة من
انفجارات رهيبة تقع في القطارات
والمحطات والشوارع المزدحمة، تكون
ضحاياها من عامة الناس الأبرياء. ونجد أن
معظم أسباب هذه الظاهرة هو عوامل
اجتماعية واقتصادية. صحيح أن هناك عوامل
أجنبية متورطة وضالعة في تصنيع العنف،
إلا أن مفعولها يجهض لو كانت هناك ضمائر
يقظة من الحكومة والشعب. لماذا
يرفض الشعب تأدية الضرائب؟ قد
يكون من الصعب قبول أنه من مجموع 140 مليون
نسمة يدفع 1.4 مليون فقط الضرائب أي 1% فقط،
والباقي خارج إطار التسجيل، يهربون من
تأدية الضرائب بنوع ما. وعند دراسة الأمر
نجد أن ثم عوامل عديدة تدفع الشعب لرفض
التسجيل ودفع الضرائب، أهمها كما يلي: 1-
أسباب سياسية: يمتنع
المرء من تأدية الضرائب تارة تشكيكا منه
في ذمم محصلي الضرائب الذين بدورهم لن
يسلموا من الأموال المتحصلة إلا جزءا
بسيطا إلى خزينة الدولة. ثم خوفا من أن
يعثر عمال الضرائب في الحكومات التالية
على المعلومات، فتستعمل كورقة ضغط على
التجار لابتزاز ونهب ثرواتهم. وهذا ما
حدث من قبل في عهد الجنرال محمد أيوب خان،
حيث لم تنتج العملية ثمرة وباءت بالفشل
إثر انتهاء حكومته، إلا أن التجار كانوا
عرضة ووقعوا ضحية تهديدات موظفي الضرائب
وابتزازهم، وكان يتوجب عليهم أن يدفعوا
الرشا لكل
شيء لمدة طويلة. ومن هنا فلا يريد التاجر
تسجيل ممتلكاته كي لا يدفع ضريبة منها كل
عام ويقع فريسة الشرطة. ولا
يثق الشعب بإخلاص الحكومات في تنفيذ
القوانين. وليست بقليل الأمثلة التي سلبت
ثقة الشعب بالحكومات. منها ـ على سبيل
المثال لا الحصر ـ شعارات نواز شريف التي
رفعها أثناء حملاته الإنتخابية عام 1998
بخصوص التخلص من الديون الخارجية التي
كانت تثقل كاهل الاقتصاد الباكستاني. وقد
كان استجابت شريحة واسعة من الشعب وجمع
مبلغ لا بأس به لتسديد الديون وخدماتها،
إلا أن الناس شعروا بانتكاس شديد لما
فوجئوا بطلبات نواز شريف من الصندوق
النقد الدولي لمزيد من الديون. ونجد
أيضا أن وزيرا فيدراليا لا يتورع عن
القول إنه "لا يوجد طالب باكستاني
مقاتل في داخل جبهات أفغانستان، وإن
الحدود مغلقة لا يسمح لأحد عبورها إلا
على حسب القانون".. وهذا كذب صريح لا
يحتمل التأويل، فهناك أدلة، والصحف
مليئة بأخبار "الشهداء" الذين قتلوا
في جبهات الحرب الضارية بين قوات الشمال
الأفغانية وحكومة طالبان.. والجميع يعرف
حقيقة الأمر. ثم
ما ارتكبته الحكومات المتعاقبة من
الاختلاسات بحق الشعب، ثم كشف الستار
عنها عبر الحكومات اللاحقة تحت غطاء
المحاسبة (accountablity) التي لها حكاية طويلة
ومريرة. فهذه الأمور تخلق أجواء مشوبة
بالشكوك والشبهات من العسير أن يقبلها
الفرد العادي بسهولة.. وقد ثبت أن
الحكومات المدنية متورطة في الغش والرشا
ومتهمة بفساد الذمم، بينما استعداد
الشعب لدفع الضرائب يتطلب خلق الثقة
وأجواء الاعتماد بين دافع الضرائب ـ
الشعب ـ والجهات الحاصلة ـ وهي الحكومة ـ
وأن الضرائب ستخدم الشعب بنوع ما ولها
مردود لرفاه الشعب. ومن هنا لا توجد أي
قناعة ذاتية لدفع الضرائب. والحكومة
فشلت في شرح الضرائب وكميتها وكيفيتها
وفوائدها وما يترتب عليها من آثار
إيجابية. وليس الأمر بمستغرب. فالحكومة
حكومة عسكرية لا تعرف المجاملة والكلام
الكثير والمماطلة، بل إنها تريد التنفيذ
من دون شرط وقيد وتأخير. إنها تعتبر الشعب
جنودًا بلا إرادة ليس أمامهم سوى الطاعة
مهما كانت الأوامر وتداعياتها .. فلم تر
حاجة لشرح الضرائب للشعب، ومن هنا تكدرت
الأجواء وذاب الجليد بين العسكر والشعب. فتأدية
الضرائب فريضة وطنية ودينية لا يقوم أساس
حكومة ودولة بدونها، إلا إذا كانت لها
مصادر أخرى للدخل. لكن معطيات الضرائب في
الباكستان تشير إلى نتائج غير مرضية. فقد
زادت المديونية الخارجية والداخلية
باطراد، حتى وصلت الآن 38 مليار دولار
أمريكي. وتتوقع الحكومة جمع 1.9 مليار
دولار، لكن يرى الاقتصاديون أنه قد لا
يزيد المبلغ الحاصلة أكثر من 400 مليون
دولار على أحسن التقديرات، يوجه 80% منها
لنفقات الدفاع وفوائد وخدمات الديون. وفي
غياب التسجيل تروج الأسواق السوداء ـ كما
في كراتشي وبشاور وكويته ـ ويتهرب كبار
الاقطاعيين والصناعيين من دفع الضرائب،
الأمر الذي يسبب أضرارًا بالغة للحكومة. 2-
أسباب ثقافية: وفي
أثناء سريان الإضرابات ضد الضرائب كانت
الصحف تمحور جهدها حول الأسواق المغلقة،
وقلما عكست شيئا عن حقيقة الضرائب وضرورة
وجودها وفرضها. وفي حقيقة الأمر كانت
الصحف تحارب العسكر حيث وجدت فرصة لتقول
إن السياسة ومشكلاتها ليست من مهمة
العسكر. وبالطبع كانت لهذه الاستراتيجية
المتخذة من قبل الصحف عواقب سلبية. ناهيك
عن أن هناك صحفا ليس لها من عمل إلا ملء
فراغ الصفحات بروايات غريبة قد لا يكون
لها أساس من الصحة، وتثير بالتالي
المشكلات والجدل من دون مسؤولية تجاه
البلد. 3-
فقدان العقلانية اللازمة: خصصت
الحكومة مبلغ (21) مليار روبية لمعالجة
الفقر المدقع، بينما يفرض قانون الضرائب
على الفقراء دفع (60) مليار روبية! مما يعكس
فقدان العقلانية اللازمة. هذا وقد زاد
عدد الفقراء في الباكستان بالإضطراد حسب
الجدول الآتي:
وقد
تم هذا التصاعد في غضون إحدى عشر سنة فقط.
ويتكهن الاقتصاديون بأنه إذا استمرت
الحال على ما هو عليه الآن سيقسم المجتمع
إلى أغنياء وفقراء، وتتلاشى الطبقة
المتوسطة التي تشكل العمود الفقري
للاقتصاد الشعبي، وهم الدافعون للضرائب. 4-
دور الصناعيين والإقطاعيين: الصناعيون
والاقطاعيون جعلوا صغار التجار من أصحاب
الحوانيت في الشوارع والشركات الصغيرة
أكباش فداء. والمعروف في الباكستان أن
الإقطاعيين وأصحاب المصانع الضخمة
والثروات الطائلة هم الهاربون من أداء
الضرائب، وكانت القوانين الصارمة
الجديدة تستهدفهم بالذات. وحيث إن
الإقطاعيين لا يملكون سلاح المقاطعة
والإضراب بطبيعة الحال، فقد جعلوا صغار
التجار أكباش فداء لهم. ناهيك أن الإقطاع
بذاته كفيل بخلق ظلم اجتماعي لا مثيل له. كان
رد فعل الحكومة تجاه رفض الشعب قانون
الضرائب ومن ثم التوسل بالإضراب ردا
عسكريا غير متسامح. فقال الجنرل مشرف
إبان الحادث وكرر مرارا في أكثر من
مناسبة إنه سيواصل تنفيذ القانون وفرض
الإتاوات حتى ولو استمرت الإضرابات خمس
سنوات! فالحكومة مصممة على أخذ الضرائب
من القطاعات التجارية كافة؛ صغيرها
وكبيرها، ولم يستثن حتى المهاجرين
الأفغان الذين يقطنون في المدن
الباكستانية. ونتيجة تعنت الحكومة ورفض
الشعب وبقاء الأسواق مغلقة لمدة طويلة
خسرت باكستان عشرات مليارات من
الدولارات. والذي يحير عقل الحكومة
العسكرية هو أن الشعب توسل بشتى الوسائل
للهروب من أداء الضرائب، كان آخرها رفض
شريحة واسعة منهم في مدن "ملتان" و"بشاور"
و"فيصل آباد" و"حيدر آباد"
وغيرها إعادة استمارات الضرائب التي
استلموها عنوة من عمال الضرائب. ويتوقع
معركة ساخنة أخرى بين الحكومة وأصحاب
التجارات السوداء والمخدرات والبضائع
المهربة في المستقبل. وأساسا كانت
الضرائب منذ العقود الماضية أمرا
مستعصيا. ففي السنة الماضية اضطر نواز
شريف إلى التراجع عن فرض الضرائب تحت
ضغوط لوبي لصالح القطاعات التجارية
والمصالح الشخصية. وإذا
عرفنا أن الإضرابات ليست إلا جزءا من
الاضطرابات الاجتماعية الكامنة في خفايا
المجتمع، فليس إذن الحل في رفع
الإضرابات، وإنما يجب دراسة ما وراء ذلك.
وقد يكون الحل كامنا في العودة إلى
الحكومة المدنية. ولكي
نكون منصفين يلزمنا أن نقول إن الحكومة
العسكرية في الباكستان ليست ضررا محضا،
لا لفضل في الأمر ذاته، وإنما لقلة
خيارات. فما أضرت الأحزاب المدنية
باكستان به طوال الخمسين سنة الماضية لم
يكن قليلا، فضلا عن كونها فاسدة، متشكلة
غالبا من الأسر الإقطاعية منذ الستينيات.
ومن هنا فباكستان أمام خيارين أحلاهما مر.
والأمر العسير الآخر هو الضغوط العالمية
على العسكر للتخلي عن السلطة والعودة إلى
الحكومة المدنية، وهو ليس من خيار العسكر
في الأمد القريب، نظرا إلى أن مشرفا اتخذ
أجندة ثقيلة لن تكتمل في أقل من خمس سنوات
على الأقل، وإن وعد أمام العالم بأنه سوف
يتخلى عن السلطة في أكتوبر عام 2002. وثم
أمور أخرى تلزم العسكر للتخلي عن السلطة
والعودة للحكومة المدنية للآتي: أ
) بقاء هيبة العسكر: فبشهادة
الباكستانيين أنفسهم فإن الجيش هو
المؤسسة الوحيدة النزيهة غير المتهمة،
وهو رمز بقاء ووحدة فيدرالية باكستان.
وحيث إن السلطة في بلد كباكستان ذات
علاقات فيدرالية بين المقاطعات الأربعة
لا تخلو من المشكلات والمواجهات
والصراعات، مما تقلل من هيبة العسكرـ فإن
استمرار العسكر في الحكم ليس لصالح
باكستان. وقد أثبتت الإضطرابات الأخيرة
صحة الدعوى. فشوهد من أكثر من حال مواجهة
القوات المسلحة التابعة للجيش مع الشعب
ما لم يشهد البلد له نظيرا في تاريخه. ب)
رفض التفاوض: فكثير من الدول وعلى وجه
التحديد الهند ترفض التفاوض ولا سيما في
المجال الاقتصادي مع باكستان برغم إبداء
باكستان له، لأمر بسيط وهو احتمال عدم
احترام الحكومات التالية الباكستانية
للبروتوكالات. وليس هذا إلا ضررا محضا
لباكستان؛ اقتصاديا وسياسيا. ج)
العزلة السياسية: تلك التي فرضها
المجتمع الدولي على باكستان بسبب
الإطاحة بحكومة ديموقراطية ـ مهما كانت
فاسدة وغير مؤهلة. فهناك ضغوط عالمية من
الاتحاد الأوربي وأمريكا للعودة
للديموقراطية. ثم بسبب تبني باكستان
سياسات خاطئة تجاه قضايا أخرى على رأسها
دعم المدارس الدينية المتهمة بالإرهاب. د) التغيير في الإستراتيجيات: ومن ضمن هذه الإستراتيجيات دراسة الاضطرابات بعمق، وتحاشي اتخاذ قرارات صالحة للأمد القريب وضارة كل الضرر في بعيد الأمد. وخير مثال على ذلك السياسة المتخذة تجاه الأقلية النصرانية، التي قد تتحول إلى فئة مذهبية راديكالية متحدية في المستقبل. وهذه الإستراتيجيات تتطلب التعامل مع المدنيين بأسلوب مدني لا بالأسلوب العسكري . اقرأ
أيضا: حكومة
عسكرية "مؤقتة" تتولى السلطة في
باكستان الإسلاميون يرحبون.. وواشنطن
تفرض عقوبات باكستان:
الانقلاب يفقد جاذبيته باكستان:
إجراءات صارمة لتجاوز الأزمة الاقتصادية
الاقتصاد
الباكستاني: سنة من الأداء المتدني
باكستان:
التجار يتراجعون عن الإضراب خوفًا من
الصدام باكستان:
طعون في شرعية الحكم العسكري رغم أخذه
بالشريعة
|
|
|||||||
|
|||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
|||||||