English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

رواق الأفكار

 "كامب ديفيد".. إخفاق مسيرة لا إخفاق مؤتمر

بون - نبيل شبيب


لم تكن "قمة كامب ديفيد" أول لقاء يخفق المشاركون فيه دون تحقيق الهدف المعلن له، وكان الهدف في هذه المرحلة هو التوصل إلى "اتفاق إطار لصيغة السلام النهائية".. ولكنه دون ريب أول إخفاق يزيل قدرًا كبيرًا من الضباب حول أصل القضية، الذي رافق مسيرة التسويات السلمية من قبل قمّة كامب ديفيد الأولى عام 1978م، عبر مدريد وأوسلو، حتى وصلت إلى ما وصلت إليه الآن.

اقرأ في هذا المقال:

-      النجاح المحتّم المستحيل

-      جوهر الصراع في الواجهة

-      سقوط الأوهام فلسطينيًّا

-      الإخفاق بميزان الوجدان الفلسطيني

-      نهاية "خيار السلام"؟

-      الخيارات التي سقطت

-      إرهاصات "الخيار الإسلامي"

 

النجاح المحتّم المستحيل

تبرز أهمية هذا الإخفاق بالذات بصورة أوضح للعيان، عندما نأخذ بعين الاعتبار أن الأطراف الثلاثة المشاركة في كامب ديفيد، كانت شديدة الحرص على الوصول إلى صيغة ما، كل حسبما يريد، وكل لأسباب تختلف عن أسباب الطرفين الآخرين.

لم يَعُدْ أمام الطرف الفلسطيني مجال للمناورة.. ليس في المفاوضات بل تُجاه الفلسطينيين أنفسهم، فكانت قمة كامب ديفيد بهذا المعنى تحتّم "النجاح" إذا أرادت الزعامة الفلسطينية لنفسها البقاء.. وهو ما عبَّر عنه مؤسس "حركة حماس" الشيخ أحمد ياسين بقوله: إنّه لا يتوقع من عرفات القبول بما يعرض عليه، فلو قبل لكان ذلك انتحارًا سياسيًّا.

ولم يَعُد أمام الطرف الأمريكي وقت يكفي لمزيد من المناورات والضغوط وإرسال الوفود والمماطلات، وانتظار اللحظات المناسبة لتمرير هذه الجزئية أو تلك، فعلاوة على المواعيد التي شاركت واشنطن في تحديدها لمراحل عملية التسوية- وكانت الضامن لها- يبقى أن الموعد الأهم عند الطرف الأمريكي هو الانتخابات الرئاسية المقبلة، ورغبة الرئيس الحالي أن يمسح، بإنجاز من مستوى تثبيت الوجود الإسرائيلي في فلسطين، ما لطخت فضيحة لوينسكي به صفحات تاريخ "البيت الأبيض" في السنوات الثمانية من عهد كلينتون.

ولم يَعُد أمام الطرف الإسرائيلي أيضًا مجال للمناورة، فقد تقلّبت أوضاعه من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار في تركيبته السياسية، ومضت المماطلات والمناورات التي مارسها إلى أبعد حدّ يمكن أن تصل إليه: تهويدًا؛ تشريدًا؛ ضغوطًا أمنية؛ استفزازًا لحرب أهلية فلسطينية؛ هذا علاوة على ما يوصف باستحقاقات المواعيد المقررة، وتجاوزها مرة بعد أخرى، فلم يبق إلا الكشف عن آخر الأوراق لتسوية المرحلة النهائية كما وصفت، لا سيما وأن الغليان في الشارع الفلسطيني بات ينذر بوضوح باحتمال الانفجار في أي لحظة، إذا مضى موعد آخر جديد بأسلوب المماطلة القديم.

لقد كان الحرص على التوصل إلى نتيجة ما وصيغة اتفاق، هو العنصر المشـترك بين الأطراف الثلاثة، وهذا مما يؤكـد بالتالي - أنّ الإخفاق لم يكن نتيجة مناورات في التفاوض أو ظروف عابرة ولا نتيجة رغبة مبيَّتَة للوصول إلى المزيد في محاولة لاحقة. فإذا أضفنا إلى ذلك كله أنَّ المفاوضات جرت على أعلى المستويات- إذ لم يكن المشاركون فيها في حاجة إلى مراجعة جديدة ولا زعموا ذلك- تبين أن الإخفاق كان بكل بساطة نتيجة "استحالة" الوصول إلى اتفاق أصلاً، على الأرضية التي وضعت للتسوية السلمية.

ليس الإخفاق في "كامب ديفيد" الثانية أمرًا عارضًا بسبب نقص شكلي يمكن استدراكه، أو موضوعي يمكن تعويضه، بل إنه وقع لاستحالة التوصل إلى سلام بين هذين الطرفين، الفلسطيني والإسرائيلي، إلا إذا قبل أحدهما بصورة نهائية أن يظهر فعلاً في موقع الاستسلام للطرف الآخر، وباعتبار الطرف الإسرائيلي هو الغاصب المعتدي والمهيمن بالقوة، فقد كان المطلوب أن يستسلم الطرف الفلسطيني، وهذا ما توجّهت إليه الضغوط الأمريكية - مع ملاحظة أنه لم يَعُد يمكن منذ زمن بعيد التمييز بين طرف أمريكي وآخر إسرائيلي، فكلاهما واحد - في المفاوضات وفي الأهداف والأساليب المتبعة لتحقيقها.

وسيَّان هل يصح أم لا يصحّ الاتهام الموجه إلى المفاوض الفلسطيني بأنّه كان من المحتمل أن يقبل بكثير من العناصر الفعلية للاستسلام وتغطيته بعناوين الدول المستقلة وما شابه ذلك؟ ولكن أن يضاف إلى ذلك "شكل علني واضح المعالم" للاستسلام، فهذا ما لم يقبل به.

فالنتيجة الآن واحدة من هذه الزاوية، وهي أنه لا يوجد في الساحة الفلسطينية من يمكن أن يمضي تجاه العدوان الإسرائيلي الاستيطاني القائم، مدى أبعد مما مضت إليه الزعامة الفلسطينية الراهنة، ولا يمكن أن تتوفر مثل هذه الزعامة التي خرجت من ساحة "العمل الفدائي" فخلعت عباءته وجلست على مائدة المفاوضات بصورة كاملة. فالإخفاق ليس مجرد "إخفاق تاريخي" لهذه المسيرة فقط، بل هو إخفاق للمبدأ الذي قامت عليه مشاريع التسوية من الأصل، والذي يمكن اعتباره متمثلاً في عقد ما يعتبره القانون الدولي لاغيًا باطلاً ويسمّيه اتفاقية استسلام، تحت عنوان معاهدة سلام على أساس تزوير العنوان من أجل كسب صبغة شرعية دولية ما. 

 

جوهر الصراع في الواجهة

جانب آخر لا ينبغي إغفاله عند النظر فيما يكشف عنه هذا الإخفاق في قمة كامب ديفيد الثانية، وهو أنّها لم تكن تدور حول بعض جوانب القضية، أو مرحلة من مراحلها، بل على ما اعتبره جميع المشاركين والمتابعين على أرضية التسوية الجارية، قضايا من جوهر الصراع القائم، وأن الاتفاق أو عدم الاتفاق عليها يمثل العنصر الحاسم ما بين خيارات سبل الاتفاق المتشعبة وبين طريق المواجهة الحتمي، كما هو من طبيعة مثل هذه القضايا على ساحات الصراع المتعدّدة في التاريخ البشري.

وليس المقصود هنا بكلمة قضايا جوهر الصراع ما انحصرت في إطاره المفاوضات بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي بالذات، فجوهر الصراع أوسع نطاقا من ذلك. وما سبق التوصل إليه حتى الآن وفي سائر "المسارات" بقي بعيدا نسبيا

عن أهمّ محاور الصراع عموما، فالاتفاقية الأولى بين مصر والكيان الإسرائيلي بعد "كامب ديفيد" الأولى، والاتفاقية مع الأردن بعد مدريد، لم توصلا- ولم يكن لهما أن توصلا- إلى تسوية النزاع أو "تصفية القضية"، أو أن تفتحا الطريق بشكل نهائي في هذا الاتجاه. وبالمقابل لم يكن عدم التوصل إلى اتفاق على المحورين السوري واللبناني عقبة دون متابعة طريق التصفية من حيث جوهر القضية، وإن أبقى على خلل كبير في نسيج الصيغة التي تطلّع إليها مهندسو التسوية السلمية. ويمكن قول المزيد بشأن سائر خطوات الاختراق الإسرائيلي الأخرى تحت عناوين التطبيع والمؤتمرات الاقتصادية وغير ذلك مما تراوحت آثاره ما بين إضعاف جبهات التفاوض، وبين توجيه "طعنات غادرة" إليها. فجميع ذلك بقي في حصيلته طفرات تثير "الانزعاج والأسى"، وقد تحققت للطرف الإسرائيلي مكاسب جزئية، قيمتها الحقيقية مرتبطة بتراكمها من جهة، وبإمكانية أن تصب أو لا تصب في التسوية النهائية من جهة أخرى.

المهمّ من وراء ذلك كله- من زاوية النظر الإسرائيلية- هو تلك التسوية النهائية، فهي المطلوبة إسرائيليا من سائر ما طُرح تحت عناوين مشاريع السلام عبر العقود الماضية، ذلك أن الكيان الإسرائيلي يدرك من أدنى مستويات تركيبته الاستعمارية الاستيطانية، في أي مستعمرة تقام على أرض محتلة، إلى أعلى مستويات حكمائه والمخططين لسياساته داخليا، وفي المؤتمرات اليهودية العالمية، وكذلك في حكومات القوى الدولية الداعمة، يدرك أنّ الوجود اليهودي بفلسطين وجود قسري، لا يمكن أن يستقر دون أن يندمج فيما حوله شعبيا، وليس على مستوى الحكومات فقط، كيلا يقع الانقلاب المحتم على التسوية في فترة لاحقة، ولهذا أيضا، ولإقامة مزيد من العقبات المستقبلية، يراد أن يتخذ الاندماج صيغة ما من الصيغ المناسبة للإيهام بوجود سند من شرعية قانونية دولية، ما دام التوصل إلى تلك الشرعية فعلا مستحيلا كما تكشف أبسط نظرة موضوعية على التناقض الجذري ما بين "اغتصاب بالقوة" وبين أرسخ مبادئ الشرعية الدولية وثوابتها.

وهذا الاندماج مع صبغة مشروعية ما، هو بالنسبة إلى المشروع الصهيوني العنصر الحاسم ما بين البقاء والاستمرار، أو السقوط والانهيار، ولا يمكن أن يتحقق على المستوى الشعبي في المنطقة، فالتناقض أوسع نطاقا وأعمق مضمونا مما تتعرّض له التسويات السلمية جميعا، ولكن الحدّ الأدنى من الانتشار الشعبي، أو ما يمكن أن نعتبره من قبيل الانسياح في غيبة الوعي الشعبي، بقي مطلبا إسرائيليا رئيسيا، وبقيت التسوية السلمية هي المدخل الوحيد له، باعتبارها تجري على المستويات الرسمية، التي يمكن التعامل معها بالضغوط والمفاوضات والاتفاقات، ومن بين سائر تلك المستويات، كانت قمّة كامب ديفيد الحاسمة على طريق إزالة العقبات الكبرى القائمة على طريق "الاندماج"، وذلك من حيث المواضيع المطروحة في جدول أعمالها، وكذلك من حيث مستوى المشاركة فيها.

كما أنّ التسوية النهائية القائمة على الاندماج في المنطقة مطلوبة إسرائيليا أيضا لأنّ البقاء بأسلوب السيطرة عسكريا، والضغط اقتصاديا، والانتشار عبر ثغرات أقرب إلى "الخيانة" و"التسلل" منها إلى علاقات اعتيادية تستحق وصف "الطبيعية" أو "التطبيع"، مثل هذا البقاء يستحيل استقراره واستمراره على المدى المتوسط والبعيد، كما هو معروف من مجرى التاريخ ومنطق الأحداث، حتى وإن طال أمد وجوده زمنيا، فهو آنذاك رهن ببقاء الطرف المتضرّر ضعيفا، والضعف هنا بمعنى التخاذل، فالقوة الفعّالة في صناعة أحداث التاريخ كانت دوما قوّة شعوب واعية وزعامات راشدة، ولم تكن قوّة سـلاح وإمكانات فهذه وسـائل يوفّرهـا التلاقي بين الوعي على مسـتوى القواعد والرشاد على مستوى القيادات ، ويكبر تأثيرها بقدر ما يتحوّل التلاقي إلى تلاحم. ويمكن لوسائل القوة تلك أن تفقد مفعولها- وإن توفرت- ويمكن أن تُهدر الإمكانات فتتلاشى آثارها- مهما عظمت- عند افتقاد عنصر التوجيه لها وتوظيفها وتنميتها وإحسان استخدامها، وجميع ذلك مرتبط بالوعي الشعبي ورشاد القيادات، ودرجة التلاحم بين هذا وذاك.

        إن الإخفاق في قمة كامب ديفيد يعني، بمنظور ابتعاد هدف "الاندماج" مجدّدا، عودة السؤال المطروح في هاجس اليهود الغاصبين منذ وطأت أقدام الفوج الأول من مهاجريهم فلسطين من أنحاء الأرض: متى تنقلب المعادلة ويتوجّب الرحيل مجدّدا عن الأرض المغتصبة؟  

 

سقوط الأوهام فلسطينيًا

إذا كان جوهر القضية، هو الاحتلال والاغتصاب من جهة، والتحرير والعودة والجهاد من جهة أخرى، فمع أنّ المطروح في قمة كامب ديفيد الأخيرة بقي دون هذا المستوى- وهو أمر منتظر في ضوء حجم التحوّل الذي صنعته السياسات الرسمية عبر التخلي عن الأرض المغتصبة عام 1948 م- مع ذلك يبقى ثابتا أنّ جدول الأعمال كان يمس- ولو مسّا طفيفا- تلك المعادلة الحاسمة في الصراع، عبر الحديث عما كان يوصف بالمحرّمات، كالشطر الشرقي من بيت المقدس، ومصير المشرّدين عن أرضهم في نكبة بعد نكبة، ووقف أخطبوط التهويد السرطاني عبر المستعمرات اليهودية والمستمر منذ نحو مائة عام، ومسائل السيادة الفلسطينية أو ما يوصف بالسيادة وإن بقي دون مستوى ما كان في عهد "حكومة الانتداب البريطاني".

ولا ينبغي أن يلفت ذلك الأنظار عن الانحراف الأكبر والأهم في مسيرة تطوّرات القضية، وهو القبول الضمني أو الفعلي بما يتناقض مع منطق أي تسوية سلمية في تاريخ العالم الحديث، اكتسبت صفة الشرعية بمفهوم القانون الدولي فعلا، وهو الانحراف أو التناقض المتمثل في اختزال قضية "الأمن والسلام" لصالح طرف واحد: تسلّح مباحا لأقصى الحدود، وحجر التسلّح عن الطرف الآخر إلى أبعد الحدود. ومعروف أن "القوة" كانت وستبقى هي مفتاح أي ضمان حقيقي مستقبلي في هذه التسوية، وفي أي تسوية لأي صراع، في عالم تحكمه معايير القوّة أولا وأخيرا.

رغم ذلك مضى الطرف الفلسطيني المفاوض في طريق التسوية، ووصل إلى "كامب ديفيد"، ولهذا يمكن التأكيد أنّ الإخفاق في "مجرّد" وضع إطار للمفاوضات حول القضايا المطروحة، "القريبة" من جوهر الصراع، ورغم السعي على أعلى المستويات، ورغم حاجة الأطراف الثلاثة إلى الاتفاق، جميع ذلك يجعل هذا الإخفاق أعمق مغزى، وأبعد مفعولا من أي إخفاق أخر سبقه، فهو يعني- على أرض الواقع- أن "أركان" ما سمّي "خيار السلام الاستراتيجي" قد تزعزت، على المستوى الفلسطيني والعربي على السواء، ولا يقال مثل ذلك بالنسبة إلى الطرف الإسرائيلي، فقد حفظ لنفسه خيارين طوال فترة التفاوض. ولا يقال مثل ذلك بالنسبة إلى الأرضية الدولية للتسوية، فكل تأييد حصل عليه الطرف الفلسطيني من أي طرف دولي، ولا سيما الأمريكي والغربي، كان تأييدا لحجم تراجعه عن حقوقه، وليس تأييدا لتحصيل حقوقه، وبقي ذلك على الدوام محشورا في إطار التلاقي بين الأهداف الأمريكية والغربية والصهيونية العالمية والمحلية. فاستمرار هذا التأييد الآن مشروط بمتابعة "التراجع". وانقطاعه أو اضمحلاله محتمل ومرجّح، إذا توقفت خطوات التراجع حيث وصلت الآن، وقد وصلت- على كل حال- إلى قاع المنحدر.

ولكن أهم عنصر يجب توجيه الاهتمام إليه في قراءة "ما بعد الإخفاق في قمة كامب ديفيد" هو السؤال عن موقع الإنسان الفرد، في الشارع الفلسطيني والشارع العربي والشارع الإسلامي.

وقد رافق سائر سنوات التسوية الماضية "صبر" فلسطيني شعبي لا بدّ أن ينفد. ويأتي الإخفاق في كامب ديفيد الآن ليطرح السؤال: متى يقع الانفجار التالي، وليس هل سيقع أم لا؟

وليست هذه هي المرة الأولى التي تتجه فيها تطوّرات قضية فلسطين على المستوى الرسمي في اتجاه ما، بغض النظر عما إذا كان يجد تأييدا شعبيا أم لا، فلا خلاف بين مرحلة وأخرى من حيث علاقة الشعب بصناعة القرار، ورغم ذلك كانت توجد علامات فارقة على هذا الصعيد بين تلك المراحل:

- بين التوجّه نحو "حرب التحرير تحت الشعارات القومية والاشتراكية" حتى سقطت الشعارات عام 1967 م.

- ثم التوجّه إلى ورقة العمل الفدائي كبديل عن الجيوش الرسمية حتى تحوّلت منظمة التحرير الفلسطينية إلى جزء من التركيبة السياسية الرسمية في المنطقة بعد حرب 1973 م.

- ثم مرحلة الصبر والترقب التالية ما بين كامب ديفيد الأولى وظهور مشروع مدريد، وفي تلك المرحلة بالذات أظهرت ثورة الانتفاضة أن للصبر حدودا.

- ثم كانت مسيرة مدريد وأوسلو حتى كامب ديفيد الثانية بمثابة أشدّ مراحل "تجربة الصبر الفلسطيني".

لقد كانت السنوات السبع الماضية حافلة بالتعليل الرسمي وراء التعليل، أن التراجع في مثل قضايا "النفق تحت المسجد الأقصى"، و"المعتقلون"، و"تقسيم مدينة الخليل"، وهبوط النسب المئوية لمناطق التحرير، وتحوّل كلمة التحرير نفسها إلى "إعادة انتشار الاحتلال"، جميع ذلك علاوة على الاعتقالات الأمنية، الإسرائيلية والفلسطينية، وما شاع حول التلاقي إلى درجة توجيه الطعنات إلى المجاهدين اغتيالا واعتقالا وتسليما لسلطات "العدوّ"، كان جميع ذلك يُعالج تجاه أبناء فلسطين، واستغلالا لمعاناتهم الكبرى في بضع وخمسين عاما مضت على الأقل، بأسلوب التعليل بما يمكن تحقيقه من أهداف، ولو كانت ممسوخة، ومصالح، ولو كانت مقيدة، وسيأتي ذلك في المفاوضات الحاسمة في المرحلة النهائية التي يفترض أن تعيد لأبناء النكبة الفلسطينية قطعة من بيت المقدس الأسير، وقطعة من الضفة الغربية المغتصبة، وبعضا من السيادة الموعودة، وشكلا ما من أشكال الهياكل السياسية والاقتصادية المعتادة في عالمنا المعاصر!

نتائج كامب ديفيد تقول ببساطة: لن تحصلوا على شيء عن هذا الطريق!  

 

الإخفاق بميزان الوجدان الفلسطيني

إن ضربة قمة كامب ديفيد الثانية لم تكن موجهة إلى محتوى المفاوضات ومجراها فحسب، بل كانت بمثابة ما يوصف في بعض بلادنا بالضربة "على اليافوخ"، أو على أمّ الرأس، في لحظة بلغت فيها الأوهام أقصى ما يمكن أن تبلغه من إغفال حقيقة الواقع القائم كما هو، دون تجميل أو تزييف أو "رتوش"؛ ولهذا فهي ضربة لا تؤدّي إلى الترنّح والسقوط، بل إلى الصحوة من بعد طول الترنّح، وتراكم الأوهام.

كلمة "لن تحصلوا على شيء من هذا الطريق" ليست بسيطة بمفعولها، ويمكن تقدير ذلك على أرض الواقع، عند قراءة هذه العبارة باللغة التي تصل بها إلى الوجدان الفلسطيني، أو إلى "صدور "أبناء الشارع الفلسطيني في الداخل، أو في أرض 48 أو أرض 67، وفي الشتات، ما بين المخيمات وبين الحدود ودوائر الإقامة والجنسيات.

فالرفض الذي تلقاه ياسر عرفات في كامب ديفيد، وحدود ما عُرض عليه – بصلافة عجيبة - من الجانب الأمريكي-الإسرائيلي، يقول للإنسان الفلسطيني العادي:

لن تحصلوا حتى على ما تعتبرونه فتاتًا بالمقارنة مع الحقوق الشرعية في التراب الفلسطيني الممتد من النهر إلى البحر، وقبل أن تمسخ مسيرة التسويات سائر ما نشأتم عليه ومنّيتم النفس به، من المصطلحات المعروفة من قبيل "الحقوق المشروعة"، و"السلام العادل"، و"الشرعية الدولية"، و"التحرير الكامل"، و"الدولة المستقلة" وما شابه ذلك، لتتلاءم بعد المسخ والتزييف مع مضامين ما بقي من "فتات" هزيل، يجري التفاوض عليه منذ قدّمت الأطراف العربية بما فيها الطرف الفلسطيني، ما يريده الطرف الإسرائيلي من اعتراف بباطله وعلاقات مباشرة مع واقعه سلفًا قبل المفاوضات.

إنّ قطاعات كبيرة من أبناء فلسطين عانت من ويلات الاحتلال والقهر على مدى عشرات السنين الماضية ما عانت، ولكنّها تقبلت في السنوات السبع الماضية مزيدًا من المعاناة والقهر، لا سيّما وأنّه تضمّن مصادرة للحريات الفلسطينية بأيد فلسطينية، وملاحقة للمجاهدين بالسجون الفلسطينية، وتعاونًا مشبوهًا –على الأقل- بين مخابرات الدولة الأمريكية ومخابرات ربيبها الصهيوني والمخابرات الفلسطينية، هذا فضلا عن خنق  الانتفاضة الفلسطينية التي استحال خنقها على اليد الإسرائيلية وحدها.

لقد تضاعف -بانتظار المرحلة النهائية- حجم المحنة القائمة منذ النكبة الأولى، وازداد مفعولها النوعي. وجميع ذلك كان مقترنًا بتوجه الأنظار إلى الموعد الذي حل بتلك الفترة على امتداد أسبوعين، والتي جمعت عرفات وباراك وكلينتون ومن حولهما.

 والسؤال الفلسطيني الحاسم: ما الذي سيحصل عليه الفرد الفلسطيني والشعب الفلسطيني على صعيد "البقية الباقية" من القدس والمشردين والأرض والسيادة والمعتقلين؟

وجاء الجواب: لا شيء!  

 

نهاية "السلام"؟

هذا التساؤل في مقدمة ما يعطي "كامب ديفيد" الأخيرة موقع المفصل الحاسم بين الحرب والسلام، ويسمح بالقول: إنّها بداية النهاية لما يوصف بخيار السلام الإستراتيجي كما ردّدت رفعه شعارًا والتزامه طريقًا، عدّة أطراف عربية، بينما لم يردّد الطرف الإسرائيلي ذلك بالمقابل، فقد كان وما يزال يرى أن البديل عن "السلام" هو الحرب،         ويستعدّ للحرب أضعاف استعداده للسلام. وهنا بالذات يظهر الخلل الأكبر الذي قاد- وكان لا بدّ أن يقود- إلى مزيد من التراجع باستمرار، فالذين أعلنوا عن الخيار الإستراتيجي تحت مظلة السلام ومفاوضاته والتطبيع وأنفاقه، أسقطوا الخيار البديل في مواقفهم وسياساتهم وعلاقاتهم بشعوبهم وبالقضية، بغض النظر عن الخلاف على أصل القضية بين منطلق إسلامي يتمسك بالتحرير الكامل هدفًا وبالجهاد وسيلة، وبالاستعداد والإعداد منهجًا، وبين التسويات الجارية على اختلاف مشاربها وأشكالها، يبقى من الثابت- حتى بمنطق تلك التسويات- أنّ المفاوض الفلسطيني والمفاوض العربي وقع في أخطاء "إستراتيجية" كبرى، يمكن التنويه بعناوين بعضها على الأقل، إلى جانب إسقاط "الخيار العسكري". ومن ذلك: 

-           تقديم "الاعتراف" المسبق، وهو ما كان مطلبًا إسرائيليًّا أساسيًّا.

-           إضعاف المقاطعة أو إنشاء الثغرات أو سلوك دروب "التطبيع"، وهو ما كان إسرائيليًّا مطلب "بقاء أو فناء".

-           تمزيق جبهة التفاوض العربية مع الإصرار على عدم رأب التصدّعات ولو شكليًّا.

-           تمزيق ورقة الضغط الشعبية بقمع "المعارضة" لمسيرة التسوية فلسطينيًّا وعربيًّا.

-           اعتبار القرار الرسمي "نهائيًّا" ترسيخًا للهوة القائمة في التعامل مع الشعوب وإرادتها السياسية.

        لقد كانت مفاوضات "كامب ديفيد" تدور في "العمق الفلسطيني" على حد تعبير فيصل الحسيني مؤخرًا، حتى بات الإسرائيليون يعرضون مبادلة أرض فلسطينية محتلة قرب القدس، بأخرى محتلة في منطقة ما من الضفة، وفي الحالتين يدور الحديث عن احتلال عام 1967 م وليس عن اغتصاب 1948 م الذي يراد أن يكون نسيًّا منسيًّا.

        وكان الطرف الفلسطيني –منفردًا- لا يلقى ما ينبغي أن يلقاه من دعم عربي وإسلامي، كما اشتكى بعض المحللين. ولا حاجة هنا إلى الخوض في التفاصيل بحثًا عن المسؤول، فالمشكلة أشدّ عمقًا من ذلك، وتتمثل في أن ما اعتبرته السياسات الرسمية العربية "خيارًا استراتيجيًّا" لم تكن هذه السياسات العربية تتعامل معه بهذه الصفة إلا من باب حصر إمكانات التعامل مع قضية فلسطين التاريخية؛ قضية الأجيال المتعاقبة؛ قضية الأبعاد المتعددة، عبر باب واحد هو باب هذه المفاوضات تحت رعاية "الوسيط الأمريكي النزيه" الذي كان معظم من يمثلونه في المفاوضات من أصحاب القبعات اليهودية والقلوب الصهيونية.

        الخيار "الإستراتيجي" يتطلّب تصورات إستراتيجية، ومخططات إستراتيجية، وأهدافًا إستراتيجية، وبدائل إستراتيجية، وعمقًا إستراتيجيًّا، وكان جميع ذلك مفقودًا، ولو لم يسقط هذا "الخيار الإستراتيجي" في قمة كامب ديفيد الثانية، لكان من المحتمل أن يوصل لأكبر "نكبة إستراتيجية" عرفتها المنطقة في تاريخها الحديث.

        ومن أشدّ ما افتقده "العمل السياسي غير الإستراتيجي"  في ظل "خيار السلام الإستراتيجي" أنّ هذا الطريق الذي يفترض فيه أن يبدّل معالم مستقبل الشعوب، كان التحرّك عليه بمعزل عن الشعوب، وهذا ما انعكس عربيًّا في "ترقّب" مقترن بمشاعر القهر والغضب، فكان لا بدّ  أن يوصل تدريجيًّا إلى مرحلة الغليان. وقد يوصل- إن لم تضع سياسات العمل "الإستراتيجي" بديلا عمّا كان حتى الآن- إلى مرحلة الانفجار.  

 

الخيارات التي سقطت

        كذلك فمن أكبر الأخطاء "الإستراتيجية"- حتى بموازين من تخلّى عن أرض 48 م ومضى في طريق التسوية- ما جرى من تغييب خطير للبعد "الإستراتيجي" الإسلامي، وهو خطير حتى بمنطق التسوية- كما قبل بها المفاوض الفلسطيني والعربي-، فهذا "التغييب" يحمل- فيما يحمل- المسؤولية عن خسارات كبرى في قوّة الطرف المفاوض نفسه، ومنها:

-           تعطيل الإمكانات الكبرى الكامنة في ضغوط الشارع الإسلامي القابلة للتصعيد تحت الراية المناسبة للقضية.

-           تحجيم مواقف تعاطف وتضامن عقائدية معروفة، من قبيل مواقف إيران وباكستان.

-           تحييد ساحات دولية كانت قابلة للتفعيل والتحريك كمنظمة مؤتمر العالم الإسلامي وسواها من منظمات "الجنوب".

-           تجريء الطرف الصهيوني من جهة، والمتجاوبين معه من منطلقاتهم غير الإسلامية من جهة أخرى، على فتح الثغرات المعروفة في ظهر المنطقة العربية، وبالتالي في ظهر المفاوض الفلسطيني والعربي أيضًا، كما جرى على الساحة التركية ووسط آسيا وفي بعض المناطق الإفريقية.

-           تغييب الوزن الإسلامي الدولي من وراء القضية، الذي ساهم في إضعاف احتمالات التأثير الدولي من خارج نطاق "جحر الضبّ الأمريكي" الذي حُشرت القضية فيه حشرًا، وهذا ما يشير إليه تطوّر العلاقات الإسرائيلية-الصينية ، والإسرائيلية-الهندية، والإسرائيلية-الروسية.

-           وجميع ذلك -جنبًا إلى جنب مع مسيرة مدريد وأوسلو- حدث بعد المرحلة السابقة التي جرى فيها تحويل القضية المركزية إسلاميًّا إلى قضية قومية، فقضية مواجهة ومساندة، فقضية الفلسطينيين تحت الاحتلال وفي شتات التشريد، وصراع حدود وعقود مع الدول العربية!

        إن هذا الإخفاق "الإستراتيجي" لخيار "السلام الإستراتيجي" بعد 7 سنوات من أوسلو و 11 سنة من مدريد و 22 سنة من كامب ديفيد الأولى، وبعد أكثر من ذلك من الزمن مضى على الإرهاصات الأولى نحو "الاعتراف والتسوية" كما بدأت بشعار "إزالة آثار العدوان"، هذا الإخفاق يتجاوز قطعًا حدود الأطراف الثلاثة المشاركة مباشرة في القمة الأخيرة.

        لقد أعادت كامب ديفيد القضية إلى جوهرها من حيث سريان مفعول المقولة البسيطة المعروفة في عالم السياسة الواقعية منذ بدأت ممارستها في التاريخ حتى الآن، وهي أن ما اغتصب بالقوة لا يستعاد إلا بالقوة، ولئن كانت هذه المقولة سارية المفعول في مختلف القضايا وفي مختلف مناطق الجغرافيا وأحداث التاريخ، فهي تسري على التعامل مع الطرف اليهودي أضعافًا مضاعفة، وفي قضية فلسطين دون أدنى ريب، وهذا ما لم يعد يمكن بعد كامب ديفيد مواراته بمزيد من التسويف والمماطلة، وحملات غسيل الدماغ الجماعية الجارية.

        إخفاق كامب ديفيد الأخير أسقط منطق "الصلح مع المغتصب" بمختلف أشكاله ومراحله التاريخية:

-  ابتداء بمنطق الخيانات المباشرة التي رافقت النكبة الأولى، وقد كانت تعتمد على أصوات تنادي بالصلح في ذلك الحين، بينما الاغتصاب جارٍ على قدم وساق، ولكن لم يكن قد مضى على خروج البلدان العربية من الحاضنة الاستعمارية الفرنسية والإنجليزية آنذاك زمن يستحق الذكر بعد، فيحاول بعضهم إلى الآن تخفيف الوطأة بمسوّغات ومبرّرات الظروف التاريخية.

- ومرورًا بمنطق السياسات الانهزامية التي اعتمدت على استحالة التحرّك الذاتي؛ فصوّرت الارتباط بالمعسكر الشرقي في عصر ازدهار القومية والاشتراكية ضرورةً تفرضها قضية فلسطين، ثم صوّرت أن مفاتيح الأمن والسلام والرخاء في واشنطون، فلا بد من الميل ميلة واحدة، بعد النقلة المعروفة التي أوصلت إلى كامب ديفيد من قبل سقوط الشيوعية ومعسـكرها بأكثر من عشرة أعوام. ويحاول بعضهم تبرير ما كان من هزيمة عسكرية ونكبات سياسـية بغلبة أسـاليب "الحماس العقائدي" على "السياسة الواقعية" آنذاك.

- وانتهاء بمنطق هذه "السياسة الواقعية" التي أطلت برأسها في مؤتمر مدريد بعد حرب الخليج الثانية، وكشفت قناعها في أوسلو، وانهارت بسائر أركانها في كامب ديفيد الآن. وقد كان منطق السياسة الواقعية يرتكز ضمنًا- إن لم يكن بالتصريح العلني، على أن التسليم بجزء من الأرض سيدفع إلى "سماح الطرف الأقوى" بجزء آخر من الأرض، وأنّ الخضوع لقوة العدوّ، قد يوصل إلى شيء لا يوصل إليه استخدام القوة ضدّه في ظل خلل الموازين العسكرية.  

 

إرهاصات "الخيار الإسلامي"

        ولأنّ إخفاق "كامب ديفيد" لا يمثل إخفاق مؤتمر بل إخفاق مسيرة، يمكن القول: إنّه قد أسقط مختلف الخيارات التي طُرحت على تباين أشكالها وظروفها الزمنية والموضوعية: أسقط صورة بورقيبة متنبّئًا بسلام مبكر مع حكماء صهيون، وصورة السادات زائرًا إسرائيل لكسر الحاجز النفسي تجاه صهيون، وعرفات وهو يسقط البندقية ويرفع غصن الزيتون تجاه صهيون. فلم يبق بعد مختلف التقلبات والسياسات القديمة والحديثة سوى مشروع صهيون.

هل من خيار بديل ؟

        السؤال الأصح الواجب طرحه هو: هل كانت مسيرات كامب ديفيد ومدريد وأوسلو فكامب ديفيد من جديد، هي فعلا الخيار "الأصيل" لتحقيق هدف التحرير المشروع لأرض مغتصبة بالقوة غير المشروعة؟

        إن ما حدث في الأيام القليلة الماضية هو العودة التلقائية إلى أصل القضية والخيار الأصيل الوحيد الذي يفرض نفسه للتعامل معها، وسواء سمّي "إستراتيجيًّا" أم لا، وتبنّته السياسات الواقعية أم لا، فقد بات في الأذهان واضحًا، أنّ جميع السبل المتشعبة لم توصل إلى نتيجة أو جزء من نتيجة يمكن القبول بها على مضض أو تحت القهر.

        قد يصحّ القول: إنّنا لا نرى هذا الخيار الإسلامي الإستراتيجي على أرض الواقع، وجل ما نشهده هو "إرهاصات" مبدئية فحسب، ولكنّ هذه "الإرهاصات"- بحدّ ذاتها تبقى- هي الأثقل وزنًا من سائر ما طرح ويطرح من خيارات أخرى، فجميع ذلك ثبت خواؤه بالتجربة العملية، وعلى حساب ما كان من تضحيات جسيمة ونكبات مأساوية.

        وقد يصحّ القول: إنّنا لا نعرف- في الوقت الحاضر- عن هذا "الخيار الإسلامي الإستراتيجي" سوى بعض العناوين والشعارات، وربما بعض الثوابت الكبرى، ولكن لا نعايش معالمه الواضحة الفعّالة في اتخاذ القرار وصناعة الحدث، ولكن كلّ خيار إستراتيجي يبدأ طريقه بمعالم كبرى، ويظهر مفعوله على أرض الواقع في مرحلة تالية.

        إنّما تصدر التساؤلات أحيانًا نتيجة توقعات من المفروض ضبطها في إطار منطقي وواقعي، فليس الخيار الإسلامي "الإستراتيجي" في قضية فلسطين هو أنّ تتكرر صورة من الصور التاريخية القديمة أو الحديثة، من عهد الفتح العمري إلى التحرير الأيوبي، وحتى ثورة القسام وانتفاضة أحفاده، أو من بعض ما كان بين هذه المحطات الكبرى -وما هو بالقليل- من محاولات صغيرة وكبيرة، وأطروحات "فكرية" وممارسات عملية، حملت عنوان الإسلام في العمل لفلسطين، والمفروض الإقرار أنّها لم توفر الشروط الكافية بعد، فتقويمها يجب أن يلتزم بنتائجها بغض النظر عن البيئة التي أحاطت بها، وشروط النجاح تتضمّن القدرة على تحقيق النجاح رغم البيئة المعارضة له.

         إنّ الخيار الإسلامي الإستراتيجي في فلسطين يفرض نفسه اليوم نتيجة إخفاق سواه وسقوطه، وليس هذا كافيًا قطعًا، بل يجب أن يفرض نفسه غدًا من خلال ما يحققه من إنجاز منظور، وهذا غير قابل للتحقيق من تلقاء ذاته، مهما بلغ التجاوب العاطفي الشعبي، والتنظير الفكري الإسلامي على هذا الطريق.

        إنّما يثبت الخيار الإستراتيجي الإسلامي في قضية فلسطين- كسواها من القضايا- وجوده، ويحقق أغراضه، على قدر ما يثبت الداعون إليه والعاملون من أجله والمتحدّثون عنه وجودهم، ويحققون أغراضهم، ويتجنّبون أخطاء من خالفهم وأخفق في الوصول إلى ما كانت تقول به الشعارات جميعًا دون فوارق كبيرة بشأن تحرير فلسطين من النهر إلى البحر، فقد تساقطت الشعارات مع رايات عديدة، عندما أخفقت المسيرة تحت تلك الرايات على أرض الواقع، وليس من حيث سلامة الهدف الذي كانت تعلنه في البداية.

        إنّ ما نحمل مسؤوليته في قضية فلسطين عبر الخيار الإستراتيجي الإسلامي اليوم، إنّما نحمل مسؤولية طرحه على أرض الواقع المعاصر، لا الماضي التاريخي، فكرًا بإسهام المفكرين، وتنظيمًا بإسهام القادرين على التنظيم، وإعلامًا بإسهام وسائل الإعلام وإنتاج الإعلاميين. ويمكن أن نمضي أشواطًا أبعد لما ينبغي أن يظهر على المستويات الأدبية والثقافية والمسرحية والفنية وغيرها، ولكن الأهم من التفاصيل هو تحديد وجهة السير أولا، وهذا في مقدّمة ما ساهم الإخفاق في كامب ديفيد في صنعه من حيث لا يريد المشاركون في القمة الثلاثية، فقد أعطى دفعة قوية إضافية للأقدام المتجهة منذ زمن على طريق الخيار الإسلامي، وربّما ثبت بعض الأقدام المتردّدة؛ إذ طرح السؤال "المستنكر" عاليًا، ولم يعد يمكن تجاهله وإن أحجم المعنيون به عن الجواب: إلى متى تسيرون على السبل الملتوية وتتجنبون الخيار الإسلامي؟

الجواب يمكن أن يعطيه الطرح المطلوب على مختلف المستويات، بما لا يبقى في حدود الشعارات أو الخطاب العام، فيحدد الأهداف البعيدة والمرحلية، ومواقع القوى الدولية والإقليمية والمحلية، والإمكانات المتوفرة والواجب توفيرها، والمبادئ والقواعد الواجب أن يتمسك بها كل من تحرّك على هذا الطريق، وما يمكن أن تساهم به القوى الشعبية ويمكن أن تطالب به القوى الرسمية.

        إنّنا لا نحتاج إلى حملة "إقناع" فكرية أو وجدانية بالخيار الإسلامي في قضية فلسطين، قدر ما نحتاج إلى التجاوب مع ما يتوفر من طاقات وجدانية وعقائدية كبرى، تجاوبًا يعتمد على  الطرح العملي الواقعي، والقادر على التفاهم في النقاط المشتركة مع مختلف المستويات الفكرية والثقافية، ومع مختلف الاتجاهات التي قد لا تجمعها منطلقات عقائدية واحدة، ولكن من المفروض أن يجمعها عنصر مشترك هو "الإخلاص لقضية فلسطين" فمن رأى على أرض الواقع أن هذا الخيار الإسلامي الأصيل هو الموصل إلى هدف التحرير دون سواه، يصبح الالتزام به مشاركة وتأييدًا هو "المعيار" لحقيقة إخلاصه للقضية من وراء مختلف الاعتبارات الأخرى.  

 

اقرأ أيضًا:

 -     كامب ديفيد تعيد ترميم السلطة الفلسطينية

- د. حنان عشراوي: "إسرائيل تفكر في السلام بمنطق الاستعداد للحرب"

 - إبراهيم غوشة: "اختيار كامب ديفيد الثانية جاء لترسيخ معاني كامب ديفيد الأولى"

-  القدس في كامب ديفيد 2

- كامب ديفيد (2): صراع لاءات فلسطينية وإسرائيلية

 

 

قضايا سياسية  

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

بث مباشر: 9/11

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع