|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
من علي بن أبي طالب إلى روح الله الخميني
حسين مرهون
يعتبر حديث الغدير الذي نسب فيه إلى الرسول قوله: "من كنت مولاه فعليّ مولاه" أحد أصول الصياغة المنطقية للفكر السياسي الشيعي؛ حيث ابتنى هذا الفكر نظريته في الحكومة الإسلامية والتوالي السياسي على أساس "التعيين" ولم يقبل أساسًا "الشورى" التي اعتمدها الفكر السياسي السني في صياغة نظريته السياسية، ولست هنا بمكان التعاطي أو الاستماتة في استعراض أو مناقشة الردود، أو التجييش الأيديولوجي المؤسس بين فكر المدرستين (السني/الشيعي) إنما بصدد مناقشة إشكالية داخل البيت الشيعي هي: كيف سيتسنى لهذا الفكر ـ أي الفكر السياسي الشيعي ـ الذي تحددت أطره العامة من خلال نظرية "التعيين الفوقي" ـ أي الإلهي ـ لرأس الدولة الإسلامية ـ منذ تعيين الإمام علي، ثم الأئمة المعصومين الاثني عشر من بعده ـ أن يتكيف مع أو يواكب إفرازات العصر الحديث، وما يشهده مفهوم الدولة الحديثة من تطور في السير نحو الانتخاب ـ أي رأي الأغلبية ـ في منح الثقة أو حجبها لرئيس الدولة التنفيذية؟ بمعنى آخر إن الفكر السياسي الشيعي الذي اعتمد "التعيين الفوقي/ الإلهي" كيف سينضبط أو يتناغم مع "التعيين التحتي/ البشري" الذي هو الديمقراطية دون أن يفقد توازنه، ودون أن يتنازل عن موروثاته الثقافية؟ شبيه بجدلية هذا السؤال جدلية أخرى كانت تلقي بظلالها في الوسط الشيعي ضمن فترة ما اصطلح على تسميتها بـ "زمن الغيبة" أو الفراغ السياسي الذي أعقب غياب الإمام الثاني عشر محمد بن الحسن "عج"؛ حيث كان فقهاء الشيعة (النخبة) يبحثون عن نظرية تأصيلية في شئون الحكم والسياسة تسد المأزق الذي وجدوا أنفسهم فيه إثر غياب الإمام المعصوم وما خلفه من فراغ؛ حيث كانت الإمامة المنصوصة توفر عليهم ـ سابقًا ـ ثقل البحث والتنقيب عن البديل المنطقي لمن هو الخليفة الشرعي والكفء السياسي المؤهل لإقامة الدولة الإسلامية. وعند الارتداد إلى بداية تدوين التراث العقدي/الفقهي بعد الغيبة الكبرى 329 هـ وبالتحديد في القرنين الرابع والخامس الهجري، نجد أن فقهاء الشيعة الأوائل أسسوا أبنية نظرية للإمامة الشيعية بما يحيل إلى نفي إقامة الدولة في الرؤية الشيعية، واستعاض الفقه السلطاني الشيعي أمام الواقع بمهمة الاضطلاع ببناء المعرفة الدينية بأمور الغيب، وصناعة جيل من المنتظرين على امتداد التاريخ حتى تحقق الحتمية التاريخية "ظهور المهدي" ، فلو كان في المعلوم للحق صلاح بإقامة إمام من بعده لكفى في الحجة وأقنع في إيضاح المحجة كما يقول " الشيخ المفيد"، ولكن الفكر السياسي الشيعي لم يركن أو يتوقف مستسلمًا لهذا التفسير الذي هو أقرب لتفسير "الفراغ " بـ "فراغ" آخر، بل كان داخله يموج بالمحاولات، والولادات الجريئة، والتي توَّجها المولى أحمد النراقي 1245 هـ الذي خلص في كتابه "عوائد الأيام" إلى تأصيل مفهومي لولاية الفقيه المطلقة، ودشَّن بذلك مرجعية دينية جديدة تعوض غياب مرجعية الإمام المعصوم. وفي سياق هذا التصور ونتائجه بلور النراقي موقع الفقيه عبر تناول وظائفه في زمن الغيبة وتشمل جانبين: الأمور الحسبية، والأمور الولائية، أما في العصر الحديث فقد تمت الاستقامة لوتد "ولاية الفقيه" على يد آية الله الخميني، والذي بدأ بالترويج لها في محاضرات عامة في النصف الثاني من عام 1389 هـ / 1969م، وتستهدف التنظير للدولة الإسلامية المنشودة وهدم التراث الانتظاري، ثم بتجسيدها ميدانيًا بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران 1979 م في "الجمهورية الإسلامية الإيرانية". وبتوجيه المجهر لتفحص "أجندة النظام السياسي" في الجمهورية الإسلامية يمكننا مشاهدة خطوط "التوليفة السياسية" بين نظرية التعيين من خلال الإنابة عن الإمام المعصوم - في ولاية الفقيه العادل - وبين نظرية الانتخاب النزيه الحر المباشر لرئيس الدولة التنفيذية؛ وفق ما حددته المادة الخامسة والسادسة لدستور الجمهورية الإسلامية اللتان نصتا على - في المادة الخامسة ـ : "أن تكون ولاية الأمر والأمة في غيبة الإمام المهدي "عج" للفقيه العادل الذي تعرفه أكثرية الجماهير، وتتقبل قيادته، وفي حالة عدم إحراز أي فقيه لهذه الأكثرية، فإن القائد أو "مجلس القيادة " المركب من الفقهاء جامعي الشرائط، يتحمل هــــذه المسئولية .. " وأن ـ في المادة السادسة ـ : " .. تدار شئون البلاد اعتمادًا على آراء الجماهير عن طريق الانتخابات، انتخاب رئيس الجمهورية، وأعضاء مجلس الشورى الوطني، وأعضاء مجالس الشورى المحلية، ونظائرها ..". بهذه التوفيقية السياسية حاولت الجمهورية الإسلامية المعادلة بين أصالة التعيين الإلهي، وحداثة الانتخاب البشــري الكفيلة بتوفير المناخ الملائم للمصالحة بين الموروث والعصر في ظل المتطلبات الحضارية الحديثة .. وثمة إعلام سائد يختصر إيران اليوم في الاستقطاب الشديد، وصراع الأجنحة بين يمين محافظ / يسار معتدل، ومشايخ / أفندية -الدائر في المؤسسة الحاكمة كدلالة على فشل "المجتمع الولائي" ـ القائم على ولاية الفقيه العادل ـ وهروب نحو المعاصرة في صيغة المجتمع المدني الليبرالي، والصواب أن الحق يجانب هذه النظرة، يقول غسان بن جدو -مراسل هيئة الإذاعة البريطانية: إن ما جرى في الانتخابات الرئاسية يجعلنا نعتقد بل نجزم أن النظام في إيران لا يعيش أزمة شرعية، إذ أن المعارضة الرافضة للنظام بكامله طالبت بوضوح بمقاطعة الانتخابات، وعدم التصويت، وخصوصًا منظمة "مجاهدي خلق"، كما أن المعارضة في الداخل دعت إلى التصويت الاحتجاجي ووضع أوراق بيضاء في صناديق الاقتراع، في حين "حضّ الولي الفقيه الشعب الإيراني على المشاركة في الانتخابات بقوة "، وجاءت النتيجة أن 90 % من الإيرانيين شاركوا بفعالية في العملية الانتخابية، مما يعني أنهم ما زالوا يعترفون بشرعية النظام، ويقبلون بنظام الجمهورية الإسلامية إطارًا للحكم، ولكنهم يطالبون بإصلاحه من الداخل، ولذلك اختاروا خاتمي بن النظام، وأحد تلامذة مؤسس الجمهورية الإسلامية الإمام الخميني، وتبقى تجربة "الجمهورية الإسلامية" إحدى الاجتهادات، وإحدى تجليات الفكر السياسي الشيعي في التنظير لماهية الدولة؛ ولكنها لا تقع ضمن دائرة الإطلاق أو الدوغما النهائية، وثمة تجليات أخرى يفصح عنها الفكر السياسي الشيعي من قبيل "شورى الفقهاء" أو "الولاية الجماعية"، إذ يبقى مجال التفكير والاستنباط مفتوحًا من أجل تحديث الفكر السياسي الشيعي وتوسعة إدراكه؛ حفاظًا على أهليته ودوره في سبر غور وتجديد علم الاجتماع السياسي الإسلامي المعاصر
|
|
|||||||
|
|||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
|||||||