في الهند: عصر الأحزاب الكبرى قد ولى
دهلي الجديدة- د.ظفر الإسلام خان
أسفرت انتخابات البرلمان الهندي الثالث عشر عن هزيمة منكرة لحزب المؤتمر؛ إذ تدنى عدد نوابه إلى أدنى مستوى له في تاريخ الهند المستقلة، وبالتالي انكشفت دعوى الحزب بأنه تحت زعامة سونيا غاندي سيستعيد المساحة التي ظل يخسرها باطراد منذ عقد من الزمان. ورغم أن سونيا غاندى قد فازت في الدائرتين اللتين ترشحت بهما، إلا أن حصيلة الحزب حسب آخر النتائج لم تزد عن 112 نائباً (في مقابل
141 نائباً في برلمان 1998م و140 نائباً في برلمان 1996). وقد بدأ الحديث في دوائر الحزب حول حكمة
استمرار زعامة سونيا وضرورة إدخال "دماء جديدة" إلى قيادة الحزب .. بل وأعلن الوزير السابق (راجيش
بايلوت) بأنه سينافس سونيا غاندي عند انتخاب زعيم كتلة حزب المؤتمر في البرلمان. وقد انهزم بعض
كبار قادة حزب المؤتمر وعلى رأسهم وزير الخزانة مان موهان سينغ الذي كان مرشحاً لتولي رئاسة الوزارة لو دعي الحزب لتأليف الحكومة!.
إلا أن هزيمة حزب المؤتمر لم تترجم إلى مكاسب لحزب بهارتيا جاناتا الهندوسي المتعصب الذي يرأس الائتلاف المتكون من (24) حزباً برئاسة رئيس الوزراء أتال بيهارى واجباي. فالمكاسب هي كلها من نصيب أحزاب صغيرة وإقليمية. وسينتخب التحالف الحاكم رئيسه يوم الأحد القادم، وهو لن يكون سوى رئيسه الحالي (واجباي) الذي سيتقدم إلى رئيس الجمهورية يوم الاثنين القادم بطلب لدعوته لتشكيل الحكومة.
هشاشة التحالف الفائز
ومع أن حصيلة أحزاب التحالف قد زادت قليلا عن البرلمان السابق إلا أن أغلبيته لا تزال هشة، ومن المؤكد أنه سيعانى من نفس المشكلات التي كان يعانى منها في الولاية السابقة، حيث إن الأحزاب الصغيرة بالتحالف ستتناحر لأجل المناصب والمكاسب، وهى ستهدد بالانسحاب من التحالف لو لم تتم الاستجابة لها، وبالتالي ستسقط الحكومة من جديد كما حدث في يوليو الماضي حين سحبت جاي لاليتا زعيمة حزب (إيه آي دي إم كيه) تأييدها عن الحكومة، لأنها عجزت عن حمايتها في قضايا الفساد التي تلاحقها في المحاكم. وأمثالها كثيرون في البرلمان الجديد، وهم لم ينضموا إلى التحالف عن قناعة، بل لأجل المكاسب السياسية التي تنبع عن الشراكة في الحكم، أو قد انضموا إلي التحالف نتيجة كراهية عمياء لحزب المؤتمر من جراء تجارب الماضي حين كان حزب المؤتمر القوي في الحكومة المركزية يعبث بحكومات الأحزاب الأخرى في الولايات ويسقطها لأدنى سبب. وقد عبر كاريكاتور تصدر الصفحة الأولى من جريدة (تايمز أوف إنديا) يوم الجمعة عن معضلة التحالف، ونرى فيه عربة كبيرة الحجم يقودها واجباى إلا أن كل المسافرين الآخرين خلفه بداخل العربة هم الآخرون يمسكون بعجلات القيادة !.
وقد خلت هذه الانتخابات من (القضايا) .. فقد جرت بين (شخصين)، على شاكلة الانتخابات الرئاسية الأمريكية، هما سونيا غاندى وواجباي، واتضح فيها أن الناخب العادي يفضل (ابن البلد) على (أجنبية) ليست لها جذور عاطفية في التربة. وبالإضافة إلى هذا فإن التحالف عرض واجباي كمنتصر في حرب وقادر على دحر العدوان الأجنبي، وقد أثر هذا كثيراً في نتائج الانتخابات. وقد غسلت معركة كارجيل الآثار السيئة الناتجة عن تناحر أحزاب التحالف، وهي الآثار التي كانت قد ظهرت جليا في نوفمبر الماضي في صورة نتائج انتخابات (4) ولايات هندية. وقد أكد الناخب الهندي أنه يقدِّر الحكم الجيد فقد صوت لحزب تيليغو ديسام الحاكم في ولاية آندهرا براديش، لأن كبير وزراء هذه الولاية (تشاندرا بابو نايدو) يعمل ليل نهار لإدخال الولاية إلى العصر الإليكتروني، وهو قد جعل عاصمة الولاية (حيدرآباد) مركزاً هاماً لصناعة برامج الكمبيوتر، كما أنه قد أدخل الكمبيوتر إلى الإدارات الحكومية بل وحتى إلى القرى النائية. وفى نفس الوقت عاقب الناخب حكومة بهارتيا جاناتا في ولاية أوتاربراديش -التي هي أكبر الولايات الهندية-، وذلك بسبب سوء إدارتها وتناحر أعضاء حكومتها المتكونة من (92) وزيراً بالتمام والكمال لإرضاء كل الشركاء الأقوياء..!
بدء عصر التحالفات
وإذا كان هناك من درس واضح لهذه الانتخابات فهو أن عصر الأحزاب الكبرى قد ولى في الهند وبدأ عصر التحالفات. وقد وعى حزب المؤتمر هذا الدرس بسرعة؛ فبينما كان سابقا يرفض بشدة تشكيل الحكومات بالتحالف مع أحزاب أخرى فقد مال أخيراً إلى قبول الأمر الواقع. وكان تشبثه بتشكيل الحكومة على حدة عند سقوط حكومة واجباي في أبريل الماضي هو الذي فرض الانتخابات الحالية. وفى الظروف الجديدة يتباحث حزب المؤتمر مع (شاراد باوار) الذي كان الحزب قد طرده قبيل الانتخابات نظراً لانتقاده تولي امرأة (أجنبية المولد) رئاسة الوزارة. فقد كون باوار حزباً جديداً في أعقاب الطرد وأحرز مكاسب لا بأس بها في ولاية ماهاراشترا، والآن يسعى حزب المؤتمر إلى التحالف معه لأجل تشكيل الحكومة بالولاية!.
ونظراً لظروف التحالف الجديد وتشعُّب مصالح مختلف أجزائه وكونه يتمتع بغالبية هشة في البرلمان، فسيظل عدم الاستقرار السياسي سمة الهند السياسية في المستقبل القريب. ويبدو أن البلاد ستواجه انتخابات نيابية جديدة عما قريب لأجل حسم الموقف لصالح أي من الحزبين الرئيسيين في الساحة. وليس من المتوقع في ظل هذه الأوضاع أن الحكومة الجديدة ستتمكن من اتخاذ القرارات الشجاعة المطلوبة لتحسين العلاقات مع باكستان وحل القضية الكشميرية، وبالتالي توجيه مصادر الهند إلى تنمية البلاد وتقوية البنية التحتية بدلاً من إنفاقها على الدفاع.
أما في المجال الاقتصادي الداخلي فليست هناك خلافات تذكر بين حزبَي المؤتمر وبهارتيا جاناتا حول الانفتاح والتقليص المطرد للقطاع العام. فقد تخلى بهارتيا جاناتا عن شعار (سواديشى) أي تشجيع الصناعة المحلية وصدّ أبواب الهند أمام دخول الشركات الأجنبية.
قضايا سياسية
|
|
|