بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

بوش وآل-جور.. اتفاق في الثوابت واختلاف في السياسات

شيرين حامد فهمي


يختلف الناخب الأمريكي عن غيره من الناخبين في الرؤية التي يرسمها لنفسه ولذاته ولوطنه. وتنبع تلك الرؤية من الثقافة الأمريكية التي يُمكن أن نطلق عليها ثقافة "الرامبو" التي تعطي للأمريكي دور السيد؛ سيد العصر والزمان والمكان. ومن هذا المنطلق، تربى الأمريكي على التمركز المفرط حول الذات والاعتزاز الشديد بموطنه مما نتج عنه عدم الالتفات وعدم الاهتمام بما يحدث خارج حدود ذاته وبلده.

ومن ثم، يتعين على من يرشح نفسه للرئاسة الأمريكية أن يأخذ ذاك المنظور أو ذلك الإرث الثقافي في عين الاعتبار؛ إذ لا يجوز إغفال ذلك الجانب الذي يشكل تفكير الناخب الأمريكي ويفسر – وإن بشكل ضمني وجزئي – سلوكه وتحركاته. والحقيقة أن المرشح هنا لا يأخذ ذلك الإرث تكلفًا بل هو جزء من تركيبة كل مرشح.

ولذا، نستطيع أن نزعم أن الهدف الحقيقي الذي يسعى إليه حاليًا كل من بوش وجور يتمثل أولاً وأخيرًا في إشباع – إن صح التعبير- غرور وكبرياء الناخب الأمريكي. وقد ينتهج كل منهما طرقًا متعددة لبلوغ هذه الغاية، ولكنهما في النهاية يكادان يتكلمان بلغة واحدة. فبينما يرى بوش أن تحقيق الهيمنة الإستراتيجية هو السبيل الوحيد والأصح للوصول إلى الهدف، يرى جور أن تحقيق الهيمنة الاقتصادية هو السبيل الأمثل والأرجح.

فبوش يؤمن بأن شعار الهيمنة الإستراتيجية لبلاده  – سواء من خلال إحياء "حرب النجوم" ثانية أو من خلال معارضة الحظر الشامل للتجارب النووية – هو الذي سيُرضي غروره وإحساسه بالتميز والتألق. أما جور، فهو يؤمن بشعار الهيمنة الاقتصادية لبلاده، وبأن يبقى المواطن الأمريكي صاحب أكبر دخل في العالم، وبأنه سيكون كفيلاً بدعم هذه الثقافة "الرامبوية".

بوش والبعد الإستراتيجي

روج بوش – وما زال يروج – في حملته الانتخابية النداء إلى أمريكا العظمى صاحبة المكانة العليا في امتلاك أجود الأسلحة وأحدثها. وقد كثف بوش في حملته الإستراتيجية" على عدة نقاط: "حرب النجوم" التي كان قد تبناها الرئيس الأمريكي ريجان في عام 1981؛ ومعارضته الحظر الشامل لتجارب الأسلحة النووية؛ وجعل الردع هو الخط الأول للدفاع ضد الهجوم النووي؛ وإقامة مخطط دفاعي نووي ضخم؛ وتخفيض عدد كبير من الرؤوس النووية التي قد تحتاجها موسكو لأسباب اقتصادية.

ونجد هنا أن بوش يحيي من جديد أجواء الحرب الباردة في الداخل الأمريكي، فيشعره بالتربص والتحفز والتحدي تجاه كل من الصين وروسيا باعتبارهما نبع "الخط الأحمر" الذي كان يرمز للخطر الشيوعي فيما مضى. وقد نستدل على ذلك من موقف بوش "العنيف" تجاه هاتين الدولتين، حيث أدرجهما ضمن الأعداء.

ولا يخفى بوش ولاءه لقضية الدفاع كقضية أولى في سلم أولوياته. فهو كرئيس لا يريد فقط الدفاع عن الولايات المتحدة، ولكن يريد أيضًا الدفاع عن حلفائها ومصالحها عبر البحار؛ ولا يخفى بوش أيضاً وضع كل القضايا الداخلية من تعليم وصحة وبيئة ورعاية اجتماعية في المكانة الثانية بعد الدفاع. فعند الحديث عن سياسة الدفاع نجد بوش لا يتردد في الوعد بدفع إمداد البلايين من الدولارات من أجل هذا.

إن بوش لا يخفي رغبته في جعل السلاح الأمريكي مُهيمنًا على ساحات القتال في المستقبل، فتصير أمريكا وتظل هي الدولة الوحيدة المؤهلة لحفظ السلام من منظورها. وتصير هي الدولة الوحيدة القادرة على إعادة صياغة مفاهيم الحرب والسلام.

وقد رأينا ذلك جليًّا عندما شجب بوش الأصغر قرار كلينتون الأخير (2 سبتمبر 2000) بشأن عدم شروعه ببناء نظام الدفاع الصاروخي الذي قدرت تكاليفه بـ 60 بليون دولار. فقد وصف بوش قرار كلينتون بأنه يعكس إخفاقاً عاماً في المجال الأمني. وأضاف بوش: "كرئيس فإنني أعتزم تطوير ونشر نظام صاروخي دفاعي فعال بأسرع وقت ممكن لحماية المواطنين الأمريكيين من إطلاق الصواريخ بشكل عرضي أو بهدف ابتزازنا من قبل الدول الخارجة على القانون"، وتابع بوش: "إن إعلان الرئيس كلينتون سيترك هذه المسألة غير المحسومة للرئيس المقبل مما يعكس إخفاق حكومة كلينتون جور في تعزيز الدفاعات الأمريكية خلال السبع سنوات الماضية". وعلى عكس بوش، أبدى جور اقتناعًا برؤية رئيسه حيث دعا إلى التأني وإجراء مزيد من التجارب.

آل جور والبعد الاقتصادي

وقد يضرب آل جور بعنف على حملة بوش الإستراتيجية، فيتهمه بالسذاجة وعدم العمق في كل ما يخص بالقضايا الخارجية. كما يتهمه بعدم المسئولية وبالجهل الفاضح في السياسة الخارجية. وطبعًا تجيء حملة جور الانتخابية لتنفذ من هذه الثغرة وتحقق مآربها. فتقول مثلاً: "إن أجندة بوش لا تتسم بحمل أي مسئولية، ومن الظاهر أنها تفتقد عمق الخبرة التي تحافظ على أمن أمريكا". و"أن معرفة جورج دبليو بوش عن السياسة الخارجية تبدأ بسلوفينيا وتنتهي بسلوفاكيا". وقد يستند الديمقراطيون في شن الهجوم ضد بوش على ضحالة المعلومات – التي قدمها بوش بشأن سياسة الدفاع – وافتقارها إلى التفاصيل والدلالات.

بيد أن الحقيقة، هي أن نقطة الخلاف بين بوش وجور تكمن في أن الأخير يرفض بشدة "هالة" الحرب الباردة التي يريد بوش أن يبعثها ويثيرها من جديد. تلك الهالة التي تخلق جوًّا من التوتر وعدم الاستقرار. فكما يقول جون وولف شتال – وهو خبير في مراقبة الأسلحة بإحدى مراكز السلام الدولي في واشنطن –"إنه كلما سعيت بشراسة تجاه الدفاع، قل استقرار أجهزة الأمن العالمية".

وعكس سياسة التربص والتحدي التي ينادي بها بوش، ينادي جور بالدبلوماسية التي يراها نقطة الدفاع الأولى والمثلى للأمن القومي الأمريكي. وقد يعزم جور على أن يبرهن للشعب الأمريكي أنه لم يعد هناك مجال للانعزالية – التي ينادي بها الجمهوريون – والتي صارت خاوية المحتوى والمضمون ونحن قد دخلنا بالفعل الألفية الثانية.

ومن منطلق إيمان جور الشديد بالدبلوماسية نجده يضع همة الأول في الاقتصاد. فالهيمنة الاقتصادية عند جور تسبق الهيمنة الإستراتيجية. والحقيقة أن البعد الاقتصادي قد اكتسب أهمية بالغة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي مع نهاية الثمانينيات، حيث صار هو المعيار الأول للسيطرة والهيمنة.

اتفاق على الخطوط العريضة

ونريد أن نؤكد ثانية بأن الاختلاف في وضع الأولويات لا ينفي أبدًا اتفاق المرشحين على الخطوط العريضة للسياسة الأمريكية. فإدراج الهيمنة الإستراتيجية على قائمة الأولويات في أجندة بوش الانتخابية لا ينفي أبدًا اهتمامه بقضية الاقتصاد الأمريكي؛ والعكس صحيح بالنسبة لجور.

أما الخطوط العريضة التي يتفق عليها الاثنان – والتي تهم القارئ العربي على وجه الخصوص – فهي تتلخص في التالي: -

1- أن تكون إسرائيل مفتاحاً أساسياً للأمن القومي الأمريكي. فالاثنان يؤيدان إسرائيل بعنف، ويؤيدان ذلك "السلام" الذي يهدف إلى جعل إسرائيل القوة المهيمنة في الشرق الأوسط سواء عسكريًّا أو اقتصاديًّا. ولا يخفى أن إسرائيل هي الحليف الأساسي لأمريكا في المنطقة العربية، في مواجهة أي تهديد للمصالح الأمريكية. وكان التحالف الإستراتيجي بين الطرفين وما زال وسيلة من أجل تثبيت وضع إسرائيل كقوة إقليمية عظمى في المنطقة. ولن يتنازل أي رئيس أمريكي – مهما كان توجهه – عن ذلك المبدأ.

2- تشديد فرض العقوبات على العراق، وتأمين الوجود العسكري في داخل المنطقة العربية. وأكبر دليل على اتفاق الاثنين بشأن ذلك الموضوع هو مساهمة آل جور خلال رئاسة جورج بوش "الأكبر" في تشكيل حملة من الحزبين لتأييد سياسة الرئيس بوش ضد العراق، حيث قال في ذلك: "أنا تشرفت بالمساعدة في بناء تلك الحملة".

البعد عن التفصيلات واتباع سياسة الوسط

وسعيًا وراء الفوز في هذه المعركة الانتخابية، يحاول كل منهما أن ينأى بنفسه عن التفصيلات - قدر المستطاع - حتى يكسب أكبر عدد من الأصوات.

وقد اتبع بوش "الأصغر" هذه السياسة في عرضه لبرنامجه الإستراتيجي حتى اتهمه جور وأعوانه بعدم المسئولية وعدم الخبرة كما أشرنا سالفًا، وكذلك نجد عرض جور لأجندته الاقتصادية؛ التي لا تتسم بالشمول.

أما اتباع سياسة الوسط، فهو أيضًا من دواعي الفوز التي لا يستغني عنها المرشح. فكل منهما يتأرجح بين اليمين واليسار في خفة وذكاء حتى يُشعر الجميع أنه معهم، وحتى يُشعر كل ناخب – بغض النظر عن توجهاته – أنه يقف على صفه.

فنجد جور الديمقراطي يظهر بشكل المحافظ الذي يصلي ويذكر الله في أثناء جولاته الانتخابية. وهو بالتأكيد ثوب جديد لم يلبسه المرشح الديمقراطي الأمريكي قط. فالتمسح الديني  أبعد ما يكون عن الأجندة الديمقراطية الأمريكية.

وحسبنا أن نقول: إن الرئيس الديمقراطي الأمريكي الراحل جون إيف كندي كان الرئيس الأول ولا يزال الوحيد من أبناء الطائفة الكاثوليكية الرومانية المعروفة بتشددها الديني، وإنه في أثناء ترشيحه للرئاسة وعد بالفصل تمامًا بين الدين والسياسة.

ومن المثير للانتباه أن مجلة النيوزويك قد أطلقت على جور "مرشح الوضع الراهن" الذي سيبقى على الأشياء كما هي، ولن يغير فيها كثيرًا.

ويذكر أن الحزب الديمقراطي قد شهد انتقالاً ملحوظًا من اليسار إلى الوسط في ظل رئاسة كلينتون؛ حيث تغيرت الرؤية التقليدية للحزب الديمقراطي المعروفة بمناصرتها للطبقات الفقيرة. والسؤال هنا: هل سيبقى جور –إذا صار رئيسًا- على هذه الوسطية التي انتهجها كلينتون أم أنه سيسارع بالخروج من "عباءة كلينتون" فور وصوله إلى السلطة؟

ويتبع بوش نفس الأسلوب في الوسطية؛ حيث يسمي نفسه المحافظ المتعاطف Compassionate Conservative . فنجده كثيرًا ما يتلاعب بالألفاظ – بمنتهى الحذق والمهارة- حتى لا يفقد اليمين المتزمت (hard right) من جهة، ولا يفقد المعتدل الوسط (moderate centrist) من الجهة الأخرى. وقد يظهر ذلك بجلاء في موقفه حيال موضوع زواج الشواذ؛ حيث يبدي مرة اعتراضه الشديد على مثل هذا الموضوع، ويظهر مرة أخرى "تعاطفًا" –إن جاز القول- تجاه هؤلاء الشواذ وفي حقهم بأن يعاملوا باحترام وكرامة.

من سيحسم الأمر؟

إن حسم الانتخابات غالبًا ما يتعلق بمدى استطاعة المرشح تحقيق حلم الدخل الأمريكي، واستطاعته في اختراق تلك التركيبة النفسية التي أشرنا إليها من قبل.

وفي اعتقادي أن الاتجاه يميل لصالح بوش، ذلك لسببين: أولاً: أن بوش يتمتع بشخصية "كاريزمية" (شخصية في غاية الجاذبية) وهي الشخصية التي تعجب الجمهور الأمريكي بصفة عامة. وثانيًا: أن الشعب الأمريكي بطبيعته يحب التغيير، وهو لن يتحمل فترة ثالثة للحكم الديمقراطي، فيكفيه ثماني سنوات من ولاية الحزب الديمقراطي.

والمرجح أن فوز بوش على جور لن يكون ساحقًا أو كاسحًا؛ بل سيكون الفارق بينهما طفيفًا جدًّا. فالأعداد التي ستنتخب الحزب الديمقراطي لن تكون قليلة، وذلك لما حققه الحزب من إنجازات اقتصادية عبر الأعوام الثمانية السابقة.

ومن ثم، فإن لم يستطع بوش الثبات على الرخاء الاقتصادي الذي حققه كلينتون طيلة السنوات الثماني السابقة، فستكون خيبة الأمل كبيرة بالنسبة للناخب الأمريكي، الأمر الذي سيقلل بعد ذلك من أسهم الجمهوريين عامة فيما بين المواطنين الأمريكيين.

 

تابع في نفس الملف

آل جور.. لن أعيش في جلباب كلينتون

جورج بوش.. الحائر بين اليمين والوسط

دِكْ شيني.. رجل البترول العائد للسياسة

جوزيف ليبرمان.. رجل دين ودولة

البرنامج الانتخابي لبوش وآل جور

اقرأ أيضا:

- "الدين" علي رأس حملة الانتخابات الأمريكية

- الانتخابات الأمريكية: هل يستطيع العرب والمسلمون إحداث نُقطة تحول؟

- الإسلام والسياسة الأمريكية ... من الهلع الشيعي إلى الهلع السني

 

قضايا سياسية

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع