بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
قليل من العنف يجسد الدولة الفلسطينية

جلال الدين عز الدين علي

باحث في الشئون الإسرائيلية- إسلام أون لاين


لم تزل قضية التسوية السياسية بين إسرائيل والعالم العربي- وبالتحديد الشعب الفلسطيني- تحتل الأولوية الأولى لإسرائيل- وليس بالضرورة لهذه الحكومة الإسرائيلية أو تلك- وذلك أن أمن إسرائيل لا يمكن أن يتحقق طالما ظل الصراع بينها وبين هذا الشعب قائمًا، ومنذرًا بالمزيد من التصعيد، سواء من قبل الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة في 1967 أم إخوانهم من الفلسطينيين داخل إسرائيل في الأراضي المحتلة في 1948. وتؤكد الدراسة الإستراتيجية للداخل الإسرائيلي (أي دراسة إسرائيل على المستوى العام)، هذه الحقيقة.

فقد ظل الصراع الأساسي داخل إسرائيل هو الصراع بين اليمين واليسار، كممثلين للجناحين الصهيونيين العمالي والرأسمالي، وكانت قضية الأراضي المحتلة في 1967 أحد محاور هذا الصراع، إذ طالب اليمين بضم هذه الأراضي وإعطاء سكانها حكمًا ذاتيًّا في إطار السيادة الإسرائيلية عليها، وفقا لنظرية "أرض إسرائيل الكاملة" أي أرض فلسطين الكاملة، بينما كان اليسار الذي استولت حكومته على الأرض في 1967 يحذر من أثر ذلك على هوية إسرائيل اليهودية إذ ستصبح إسرائيل دولة ثنائية القومية، وذلك بفرض أن الفلسطينيين يمكن أن يقبلوا ذلك كحل نهائي لقضيتهم، ولذا طرح شعار "دولتان لشعبين" وفقًا لنظرية "العدالة التقسيمية"، وهو شعار يعطي الشرعية لإسرائيل في المقام الأول من خلال اعتراف الفلسطينيين بتقسيم فلسطين وبإسرائيل التي قامت على أكثر من ثلاثة أرباع بلدهم، أكثر مما يعطي الفلسطينيين دولة في جزء من أراضيهم المحتلة. ولذا كانت الأراضي المحتلة في 1967 في نظره مجرد رهينة لإجبار الفلسطينيين والعرب على الاعتراف بإسرائيل. ولم يستمر الجدل بين الطرفين كثيرًا، إذ تفجرت الانتفاضة الفلسطينية في 1987، وفرضت على اليمين واليسار معًا التعامل بجدية أكبر مع مطالب الشعب الفلسطيني بدولة مستقلة، وتطبيق القرار 224 كحد أدنى لا يمكن التنازل عنه، وظهر ذلك جليًّا في النصر الساحق الذي حققه حزب العمل- الذي ظهر كحزب  سلامي- على الليكود في انتخابات 1992، وتقدم حكومتي الليكود والعمل بعد ذلك في عملية التسوية بدرجات متفاوتة.

تحولات البيئة الإسرائيلية

ولكن المشكلة لم تنته عند اعتراف اليمين واليسار الصهيونيين بهذه الحقيقة: حقيقة وجود الشعب الفلسطيني، وضرورة الاعتراف بالقرارات الدولية، ففي هذه الأثناء كانت التحولات الداخلية في إسرائيل تعلن انتهاء سيطرة الصهيونية على الحياة العامة، وتفجرت العوامل العرقية والدينية التي كبتتها الصهيونية على مر العقود، فمع أول إشارة بفصل انتخابات الكنيست عن انتخابات رئاسة الوزراء، وانتخاب رئيس الوزراء انتخابًا مباشرًا ابتداء من 1996، ظهر الوزن الحقيقي للانقسامات الإسرائيلية، ومدى تراجع الوزن النسبي للحزبين الصهيونيين: العمل والليكود.

وكان الملفت في هذا السياق هو الصعود الشديد لليهود الشرقيين الذين انسلخوا من الليكود ومن العمل بدرجة أقل، وانضموا إلى حزب "شاس" الذي يعبر عن التدين اليهودي الشرقي التقليدي، الذي يقف في معظمه بين الأصولية والعلمانية، ويحيي ممارسات وعادات فلكلورية أقرب إلى الثقافة الشرقية منها إلى التدين الصرف؛ ولذا كان له ما يميزه عن كل من العلمانيين (حيث يرى شلومو بن عامي مثلا أنه لا يوجد شيء يسمى يهوديًّا شرقيًّا علمانيًّا)، والأصوليين الغربيين الذين يمثلهم حزب "أجودات يسرائيل"، أو المتدينين الصهيونيين الذين يمثلهم الحزب الديني الصهيوني (المفدال) ذو الأصول الغربية.

مصدر قوة شاس

هذا الظهور المتصاعد لحزب "شاس" على حساب كل من الليكود والعمل (والمتدينين الغربيين أيضًا) عقّد التركيبة الداخلية الإسرائيلية بشدة، سواء من حيث التوقيت الذي بدأ فيه وضع إسرائيل يتحدد إقليميًّا من خلال عملية التسوية، ودورها يعاد رسمه عالميًّا، أو من حيث الموقع الذي يحتله شاس في الخريطة السياسية الإسرائيلية، حيث يقف في مركز تقاطعات مختلف أنماط الصراع في إسرائيل- وهذا هو السبب الرئيس في تزايد قوته- فيرفع الراية المناسبة في كل موقف، فيظهر كحزب ديني في المسائل الدينية الخاصة بالصراع العلماني- الديني، وكحزب يمثل اليهود الشرقيين (وربما جمهور المضطهدين اقتصاديًّا واجتماعيًّا ومنهم اليهود الشرقيون والعرب) في الصراع اليهودي الشرقي- اليهودي الغربي، وكحزب يهودي فيما يتعلق بقضايا الهوية اليهودية للدولة في مواجهة مطالب العرب (وما بعد الصهيونية) في الصراع العربي- اليهودي، ويصب كل ذلك في النهاية في الصراع بين اليمين واليسار على قمة السلطة، بوقوف شاس كموازن بين القيادات والأحزاب اليمينية واليسارية بكل رصيده الاجتماعي والديني والعرقي. وهكذا لم يعد من الممكن على أية حكومة إسرائيلية سواء كانت بقيادة الليكود أم العمل تمرير شأن داخلي أو خارجي دون موافقة شاس. وهذا ما يفسر اعتماد نتانياهو في 1996 على شاس- الذي كان قبل ذلك شريكًا في حكومة رابين- لقلب حكم اليسار والوصول إلى الحكم، واعتماد باراك من بعده على شاس- برغم تأييد شاس نتانياهو خلال انتخابات 1999- في تكوين ائتلافه الحاكم، ومحاولة إرضائه حتى من خلال التضحية بحليفه التقليدي (حزب ميرتس اليساري)، واللهاث وراء شاس حتى الآن من أجل إعادة بناء ائتلافه المنهار، في الوقت الذي تبذل له قيادات الليكود الوعود بسخاء لإعادتها إلى السلطة.  

شلل السياسة الإسرائيلية

والمشكلة أن هذا الحزب- وهو في غمرة الانتصارات التي يحققها، والعمق الذي يكتسبه باطراد في الفراغ الناشئ من سقوط الصهيونية وتراجع الوزن النسبي للحزبين الصهيونيين- لم يحسم بعد موقفه من عملية التسوية، واتخذ من هذه العملية المصيرية لإسرائيل على المستوى الإستراتيجي ورقة مساومة مع كل من الحزبين الصهيونيين، من أجل التأثير في صياغة الحياة الداخلية على نحو يرضي اليهود الشرقيين الذين يمثلهم ثقافيًّا واجتماعيًّا، غير عابئ بالتطورات الخارجية وعلاقات إسرائيل بالعالم العربي والنظام الدولي.

والنتيجة أن السياسة الإسرائيلية ظلت مشلولة عن التحرك في عملية التسوية بما يحقق الحد الأدنى اللازم من المطالب الفلسطينية، الذي هو ذاته الحد الأدنى الضروري لإنهاء عملية التسوية بشكل يحقق لإسرائيل الشرعية الدولية، ويجعلها عضوًا أو شريكًا في محيطها الإقليمي، بعد أن قدم المفاوض الفلسطيني أقصى قدر من التنازلات في إطار الربع الباقي من مساحة فلسطين، ولم يعد من الممكن أن يثمر مزيد من الضغوط الإسرائيلية والدولية عليه لإعطاء المزيد، وبعبارة أخرى، فإن هذه الضغوط قد بلغت أقصى ناتج يمكن توقعه منها، وأصبح استمرارها يهدد بانفجار العملية كلها، على نحو ما يصرح به القادة الفلسطينيون الذين لم يعد لديهم ما يفاوضون عليه بالفعل. فهل تعبأ شاس بذلك؟ 

موقف براجماتي محض

الإجابة عن هذا السؤال هي النفي القاطع، فقد حدد الحزب موقفه من قضايا التسوية بناء على فتوى من زعيمه الديني الحاخام عوفاديا يوسف تقضي بأنه إذا كان التمسك بالأرض يهدد حياة الإسرائيليين والتخلي عنها يحقق السلام لهم فيجب التخلي عنها.

وبالنظر إلى البيئة الإقليمية والعالمية التي تتحرك فيها السفينة الإسرائيلية بكل ما فيها من تناقضات، في هذه المرحلة، وتأثير هذه البيئة في التوازنات الداخلية الإسرائيلية، يبدو أنه لا يوجد ضغط حقيقي على إسرائيل، يدفعها إلى الانسحاب، وأن هذه الدولة تتجه نحو التطبيع، (أي أن تصبح دولة طبيعية)، وتنمو فيها الاتجاهات التي تكرس الوضع الراهن، دون تكلفة سوى تكلفة الفرصة الضائعة، التي تتمثل في مزايا السلام وثماره، وحتى هذه التكلفة المتخيلة يبدو من الواضح أن إسرائيل قد نجحت في الحصول على كثير من المزايا والثمار دون أن تتكبدها، وذلك في صورة تطبيع مع بعض الدول العربية والإسلامية رغم تعثر عملية التسوية، واتساع شبكة علاقاتها الدولية، وتعميق التحالف بينها وبين الولايات المتحدة وحلف الأطلنطي، وشراكتها مع الاتحاد الأوربي، وتغلغلها في الدول النامية التي تمثل العمق الإستراتيجي للعالم العربي كوكيل عالمي للتنمية والمساعدات والتكنولوجيا وكمورد أسلحة. ولا يمكن أن نتجاهل في هذا السياق مسئولية السلطة الفلسطينية المباشرة عن ذلك، بوقوفها كجسم مانع بين الشعب الفلسطيني المنتفض وقوات الاحتلال، وإسقاطها بيدها عنصر قوتها الذي أحدث الفرز بين اليمين واليسار في إسرائيل طوال سنوات الانتفاضة السابقة على دخول السلطة الفلسطينية، وأوصل القيادات الإسرائيلية إلى التسليم بحقيقة وجود الشعب الفلسطيني وحقه في إقامة دولته. فما الذي ينقص إسرائيل إذن- ناهيك عن: ما  الذي يجبرها؟- لكي تنسحب من أراضي 1967؟

شرعية الوجود

على الرغم من أن إسرائيل قد أحرزت كل ذلك، فإنها لم تكتسب بعد شرعية الوجود التي لا يمكن أن يمنحها إياها أي طرف سوى الطرف الفلسطيني. وقد اعترف بها هذا الطرف اعترافًا مشروطًا بإقامة دولة فلسطينية في الربع الباقي من فلسطين في نهاية عملية التسوية، وحل موعد إقامة هذه الدولة حسب شروط هذه العملية، وتم تأجيل إعلانها أكثر من مرة، ولم يعد هناك مجال لمزيد من التأجيل، وإذا اعتبرنا أن أرض فلسطين (وليست فقط القدس) هي أرض وقف إسلامي تخص الأمة المسلمة كلها، ويجب عليها الجهاد لتحريرها، فإن اعتراف الطرف الفلسطيني وغيره من الأطراف العربية والإسلامية الرسمية التي تعترف بإسرائيل وتتعاون معها لا يمكن أيضًا أن يمنح هذه الدولة شرعية. وهنا تكمن المعضلة؛ فالطرف الفلسطيني يهدد بالانفجار (على المستويين الرسمي والشعبي) إذا لم تسمح له إسرائيل بإقامة دولته خلال الأسابيع القادمة، والأمة المسلمة تتغير من تحت السطح الرسمي وتتجدد، تماما كما تغيرت إسرائيل وتفجرت فيها العوامل العرقية والدينية والقومية من تحت الغطاء الرسمي الصهيوني. ومن هنا تتجلى أهمية عملية التسوية الجارية وإلحاحها بالنسبة إلى القيادات الإسرائيلية والدول الإقليمية والكبرى، التي تحلل مسيرة هذه التحولات، وتحسب تأثيراتها المحتملة، وخاصة بعد خسائر إسرائيل المتتالية في المجالات العسكرية والأمنية، على نحو أفقدها الهيبة وأسقط عوامل الردع من يدها أمام الحركات التي تشن عليها حروبا فدائية سواء في فلسطين أم في الجنوب اللبناني.

بدائل الحركة الإقليمية

ولذا فإن هذه البيئة الإقليمية هي التي يعتقد أنها ستؤثر في معادلات الصراع الداخلي الإسرائيلي التي تحكم سلوك إسرائيل في عملية التسوية، ويمكن في هذا السياق تصور أحد بديلين:

- نجاح إسرائيل والولايات المتحدة في أن تفرضا على السلطة الفلسطينية كبح الغضب الشعبي والانتظار إلى أن تمنحها إسرائيل دولة بشروطها، وعندما تكون إسرائيل جاهزة لذلك. وهنا لن يكون هناك أي دافع حقيقي لدى البيئة الإسرائيلية لمساندة مشروع التسوية، وستتزايد الضغوط على القيادة الإسرائيلية باتجاه التركيز على القضايا الداخلية وإهمال الصراع العربي- الإسرائيلي. وسيتزايد الاستيطان ومصادرة الأراضي، والقهر ضد الفلسطينيين كما أثبتت التجارب.

- حدوث تغير نوعي في التوازن الفلسطيني- الإسرائيلي، من خلال التحام السلطة والشعب الفلسطينيين والعمل معًا على "تجسيد الدولة الفلسطينية" على الأرض، والدخول في مواجهة حقيقية مع القوات الإسرائيلية لتحرير الضفة الغربية، ومحاصرة المستوطنات وتصفيتها. وهنا يمكن أن ينتبه المجتمع الإسرائيلي بكل تياراته إلى خطورة الموقف، وتتوحد هذه التيارات في مواجهة الخطر الفلسطيني الذي يجب أن يكون مدعومًا سياسيًّا وإعلاميًّا وماليًّا من العالم العربي والإسلامي والدول النامية، مثل تلك السنوات التي شهدت ذروة الانتفاضة الفلسطينية، وألا يتوقف هذا الدعم إلا عند تحقيق تقدم ملموس على الأرض. وهنا لن تملك إسرائيل سوى التراجع، وسيكون هناك رأي عام داخلي داعم للانسحاب على غرار ما حدث في أواخر الثمانينيات، والموقف الإسرائيلي من الانسحاب من جنوب لبنان.

 

 

اقرأ أيضا:

- حسن عصفور: "فشل التسوية الشهرين المقبلين سيجسد الدولة الفلسطينية بالقوة".

- خريطة الانقسامات الداخلية الإسرائيلية

- ملاحظات حول أزمة الهوية الإسرائيلية

- كامب ديفيد.. إخفاق مسيرة لا إخفاق مؤتمر

- السلطة الفلسطينية.. ماذا بعد كامب ديفيد؟ حوار مع وزير الشئون البرلمانية الفلسطيني.

- مستقبل المقاومة الفلسطينية بعد كامب ديفيد 2: حوار مع الشيخ أحمد ياسين

 

 

 

قضايا سياسية

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع