بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
إريتريا تبحث عن نفسها

علي محمد علي

باحث في شؤون القرن الأفريقي


منذ قرون عديدة وحتى نهاية القرن التاسع عشر وطبيعة الصراع في منطقة القرن الأفريقي عقائدية ثقافية، حيث المسلمون في السواحل والسهول، والمسيحيون في الهضاب والمرتفعات ومركزها هضبة الحبشة. وأبرز دليل على صحة هذا الأمر استدعاء حكام هضبة الحبشة في القرن الخامس عشر البرتغاليين في مواجهة إمارات الطراز الإسلامي التي كادت أن تسيطر على الهضبة الحبشية لولا الدعم والمساندة البرتغالية، وبالقدر نفسه، عندما كانت المجتمعات الإسلامية في تلك المنطقة تتعرض للخطر كان يتم الاستنجاد بالدولة العثمانية لمناصرة المسلمين وحمايتهم، وقد توَّلت هذا الدور مصر في عهد محمد علي.

ومع نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، جاء المستعمر وجلب معه مفهوم الوطنية لتلك المناطق التي حددتها الدول الاستعمارية على الأرض، دون الاعتبار لعلاقات الترابط العديدة بين شعوب منطقة القرن الأفريقي. وعلى مدى الحقبة الاستعمارية وحتى نهاية الخمسينيات، كان العامل الديني يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة سياسات الاستعمار في منطقة القرن الإفريقي وخاصة في إريتريا؛ ولذلك لا نجد غرابة عندما شكلت الرابطة الإسلامية خط الدفاع الأول عن الوطنية والاستقلال في العهد البريطاني من حكم إريتريا في الأربعينيات.

وفي عهد الحكم الفيدرالي في الفترة من 1952م حتى 1962م الذي ربط إريتريا بالإمبراطورية الإثيوبية - في إطار الخصوصية الإريترية في المجالات الداخلية - أقر البرلمان الإريتري اللغة العربية كلغة وطنية ورسمية للمجتمع الإريتري.

هذه الوقائع تؤكد أن التوجه العربي في إريتريا لا تحكمه عوامل الجغرافيا والتاريخ فقط، بل تحكمه أيضاً عوامل عقائدية وثقافية حاضراً ومستقبلاً.

والأمر الثابت هو أن الدول العربية ظلت تمثل الخلفية والحماية والدعم للثورة الإريترية منذ انطلاقتها عام 1961م، حتى انتصرت وحققت حلم الشعب الإريتري في إقامة دولته المستقلة.

وينطبق هذا على جميع تنظيمات الساحة الإريترية باستثناء تنظيم الجملة الشعبية لتحرير إريتريا الحاكم. هذا التنظيم، رغم مشاركته التنظيمات الإريترية الأخرى في تلقِّي الدعم من العالم العربي، كانت برامجه وتصرفات قياداته تؤكد أنه في خط العداء والمواجهة مع العالم العربي؛ سياسيًّا وثقافيًّا وأمنيًّا، من خلال الارتباط بالكنائس في الغرب وتنسيق علاقاته مع دول الغرب وسياساتها في منطقة القرن الأفريقي. وقد توصل في وقت مبكر إلى مجموعة من التفاهمات السياسية عنوانها الابتعاد عن العالم العربي، وعلى وجه الخصوص في مجال الصراع العربي – الإسرائيلي وإبعاد سواحل البحر الإريترية من أي وضع يهدد الأمن الإسرائيلي. وفي الجانب الأخر تم تدعيم وتقوية الجبهة الشعبية لتحرير تجراي الإثيوبية، في مواجه النظام الماركسي في أديس أبابا بقيادة منجستو هيلي ماريام.

ما الذي يحرك السياسات الغربية تجاه إريتريا؟

إن الدوائر الأمنية في الدول الغربية كانت تنطلق في سياساتها تجاه إريتريا وإثيوبيا من عاملين أساسين: الأول: إبعاد النفوذ الشيوعي في منطقة القرن الأفريقي، عن منطقة الخليج العربي والجزيرة مستودع البترول العالمي وحيث المصالح الغربية المباشرة في تلك المنطقة. وقد تمثل هذا النفوذ في إثيوبيا واليمن الجنوبي، وتطور في مرحلة من مراحله إلى تحالف ثلاثي بين إثيوبيا واليمن الجنوبي وليبيا.

والعامل الثاني: هو تأمين سلامة الدولة الصهيونية في فلسطين من خلال سلخ إريتريا من انتمائها الطبيعي للعالم العربي الذي يترتب عليه تطويق النفوذ الصهيوني في البحر الأحمر، وخلق ثغرة في خاصرة العالم العربي الجنوبية، وتطوير هذا الحصار ليشمل إبعاد السودان عن ساحة الصراع العربي الإسرائيلي، وذلك من خلال تدويل قضية جنوب السودان وإدخال السودان في دوامة الحرب الأهلية، وذلك بالاعتماد محليًّا على إريتريا وإثيوبيا وأوغندا.

وبعد انتهاء الإمبراطورية السوفييتية وبالتبعية حلفائها في منطقة القرن الأفريقي، أصبح التركيز على الهدف الثاني المتمثل في حصار العالم العربي والإسلامي في المنطقة.

لذا نجد أن توثيق العلاقات الإستراتيجية بين كل من إريتريا وإثيوبيا في جميع المجالات الأمنية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وتوثيق العلاقات مع الدولة الصهيونية، وخلق مصاعب حقيقية للدولة السودانية من خلال دعم الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، وتصعيد الخلاف بين كل من إريتريا واليمن وجيبوتي، كل ذلك شكل التعبير الحقيقي للسياسات الولايات المتحدة وإسرائيل من خلال أدوار في منطقة القرن الأفريقي بهدف محاصرة العرب والمسلمين، حضاريًّا وسياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا.  

زلزال 1998م وخسارة الحلفاء الغربيين

وقد استمرت الأوضاع على هذا الأساس إلى أن جاء زلزال عام 1998م الذي كسر طوق العزلة على السودان وفتح آفاقًا جديدة لحل الأزمة الصومالية. هذا الزلزال الذي تمثل في الحرب الإريترية - الإثيوبية، التي أخذت في ظاهرها على أنها نزاع على الحدود ولكن في حقيقة الأمر، كان الخلاف ولا يزال على ما هو أبعد من ذلك، حيث تتداخل فيه عوامل داخلية تتعلق بطرفي الصراع وانعكاسات سياسية خارجية من قبل الغرب لم يكن أمامها إلا الوقوف مع من يمثل المصلحة الإستراتيجية الغربية وأيضاً المؤهل لذلك. وهنا وجد الغرب نفسه أمام خيار لا بد من اتخاذه لصالح إثيوبيا لاعتبارات تتعلق بمكانتها تاريخيًّا كجزيرة مسيحية محاطة بالدول الإسلامية.

من هنا أدركت إريتريا أنها قد خسرت حلفاءها في الغرب، وخسرت من قبل دول وشعوب محيطها الطبيعي المتمثل في العالم العربي والإسلامي. وفي هذه الظروف جاء قرار الانضمام إلى الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي.

هل تعدِّل إريتريا سياساتها الداخلية والإقليمية؟

والسؤال: هل هذا الموقف من قبل الحكومة الإريترية تعبير عن مراجعة شاملة لخياراتها الإستراتيجية السابقة المرتبطة بالغرب وإسرائيل والعودة إلى جادة الصواب من خلال المراجعة النقدية الشاملة للسياسات الداخلية المرتبطة بإطلاق الحريات وإقرار الديمقراطية وتداول السلطة وإقامة دولة القانون وصيانة حقوق الإنسان من خلال احترام قيم المجتمع وأعرافه وتقاليده، سواء كانت الروحية أو العرقية؟

وعلى الصعيد الإقليمي، هل تنوي إريتريا القيام بشكل جاد بمصالحه حقيقية مع الجغرافيا والتاريخ، والعودة إلى موقعها الطبيعي بين العرب والمسلمين؛ لتمارس دورها الطبيعي في توثيق عرى الأخوة والتعاون بين العالمين العربي والأفريقي بما يخدم شعوب المنطقة؟

الحقائق تؤكد أن النظام ومحاولاته في تناول القضايا التي تتعلق بمستقبل إريتريا وحاضرها تتسم بالتكتيك، ولا تعدو إلا محاولة الخروج من أزمته الداخلية من خلال لفت انتباه الشارع الإريتري إلى موضوع الانضمام إلى الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي؛ لأنه يعلم أن هذا يعبِّر عن هواجس المجتمع الإريتري. كما أن من شأن هذا الموقف التخفيف من العزلة الخارجية.

إن السياسة الخارجية تعبير عن تفاعلات السياسة الداخلية لأي نظام سياسي وإذا انطلقنا من هذه الحقيقة لا بد من التأكيد على الحقائق التالية:

1 - النظام السياسي في إريتريا حتى الآن يعمل في ظل غياب دستور ينظم العملية السياسية في البلاد. وبالتبعية، لا توجد في إريتريا حتى الآن مؤسسة تشريعية تقوم وتنظم قرارات النظام في كل شأن من شؤون البلاد. ومن هنا لا نجافي الحقيقية إذا قلنا بأنه لا توجد رؤية سياسية واضحة المعالم على المستوى الداخلي، وبالتالي لا يمكن أن نتصور سياسة خارجية تعبر عن مصالح الشعب.

وهذا الواقع يفسِّر لنا عشوائية السياسات التي تحكم بواسطتها البلاد على مدار السنوات التسع الفائتة من عمر الدولة الإريترية على المستويين الداخلي والخارجي.

2 - السياسة الوحيدة المنظمة التي ينطلق منها النظام هي إيجاد خلل ديمغرافي في التركيبة السكانية الإريترية لصالح المسيحيين، وذلك بإهمال عودة اللاجئين الإريتريين - الذين يشكِّلون معظم المسلمين - من السودان، ويتراوح تعدادهم ما بين 750 ألف إلى مليون نسمة.

3 - طمس اللغة العربية في إريتريا، فالتعليم يتم باللغة التجرية في المرحلة الابتدائية واللغة الإنجليزية في المراحل الأخرى.

4 - تعبئة جهاز الخدمة المدنية بالعناصر التابعة للجبهة الشعبية الحاكمة وبالتالي الاعتماد على أهل الثقة على حساب أهل الخبرة. وهو ما خلف هوَّة كبيرة بين المناطق التي يسكنها المسلمون والمسيحيون في المجال التنموي لحساب الطرف المسيحي على حساب المسلمين.

5 - العمل على عدم استقرار العلاقات السياسية بين إريتريا والسودان؛ وذلك خوفاً من أن تعمل العلاقات الجيدة مع السودان لصالح المسلمين على المستوى الاقتصادي والثقافي وبالتالي على المستوي  السياسي مستقبلاً.

اعتماداً على هذه الحقائق، لا يمكن النظر إلى مواقف النظام الأخيرة وفكرة الانضمام إلى الجامعة العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي، إلا في إطار الممارسات والمحاولات التكتيكية، بهدف تخفيف الضغط الجماهيري على النظام على المستوى الداخلي، ومن جانب آخر محاولة إنقاذ النظام من أزماته السياسية والاقتصادية والأمنية، خاصة في ظل صراعه الدموي مع النظام الإثيوبي من خلال تحسين العلاقات مع العالم العربي والإسلامي.

 

اقرأ أيضا:

الحرب الإثيوبية - الإريترية.. فصل جديد في عرض ممتد

جولة أولبرايت والسياسة الأمريكية الجديدة تجاه إفريقيا

المشروع الصهيوني في إفريقيا

صراع المبادرات والأدوار.. هل ينتهي بإعلان دولة في جنوب السودان؟

 

 

 

قضايا سياسية

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع