بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

ميلوسوفيتش.. هل يعود مرتديًا حلة الديمقراطية؟!

د. حمزة زوبع


بعد أن قام الناتو بضرباته الجوية قبل عام ونيف، اعتقد الغرب وعلى رأسهم الولايات المتحدة الأمريكية أن طرد ميلوسوفيتش من كوسوفا كفيل بأن يطرده من كرسي الرئاسة، وتحدت الولايات المتحدة الأمريكية ميلوسوفيتش أن يقوم بإجراء انتخابات رئاسية جديدة.. ولم يدر بخلد الإدارة الأمريكية أن الرجل الذي خاض أربعة حروب (رغم خسارته لها جميعًا) قادر على أن يدخل معركة انتخابية ويفوز فيها بسهولة.. فالرجل خرج من عباءة الشيوعية ولبس رداء الاشتراكية ولعب على وتر الأرثوذكسية وأنشد مع شعبه نشيد العنصرية الصربية، ونجح في تأجيج مشاعر الصرب نحو المسلمين والغرب معًا، ونجح فيما كان يسعى إليه الغرب نفسه فحرم المسلمين في البوسنة والهرسك من إقامة دولة مسلمة مستقلة، وهو نفس الهدف الذي يسعى إليه الغرب الآن في كوسوفا… وهو حرمان المسلمين الألبان من إقامة دولة البانية مستقلة ذات أغلبية مسلمة.

لقد التقت مصالح الغرب مع مصالح ميلوسوفيتش، والغرب الذي كان ينادى بتجريم ميلوسوفيتش  قد يجد نفسه يتفاوض معه، بل لقد بدأ بالفعل التفاوض معه وتشجيعه على إجراء انتخابات حرة ونزيهة تكون كفيله بعبور بلاده إلى بوابة أوروبا كما صرح وزير خارجية اليونان (جورج باباندريو) الذي زار صربيا مؤخرًا والتقى ميلوسوفيتش. فهل يعود ميلوسوفيتش إلى المجتمع الدولي مرتديًا حلة الشرعية والديمقراطية؟ لو فعلها فيمكننا ساعتها أن نطلق عليه رجل المسرح السياسي الأول.. فهو رجل كل عصر وظرف… ورجل الاستعراض الأوحد.

 

اقرأ في هذا المقال:

 ميلوسوفيتش يتحدى

موقف الشعب الصربي

هل يمكن أن تُجرى انتخابات ؟

مواقف الأطراف الأخرى: كوسوفا- الجبل الأسود اليونان أوربا - الناتو

هل تحدث المعجزة؟

ميلوسوفيتش يتحدى

كان من المفترض أن تجرى الانتخابات في يوليو 2001م وهو موعد انتهاء فترة حكم ميلوسوفيتش الثانية على رأس الاتحاد اليوغوسلافي، ولكن وحسب الدستور اليوغوسلافي فإنه لا يحق له ترشيح نفسه مرة ثالثة، كما جرت العادة أن يكون انتخاب الرئيس عبر البرلمان وليس بالانتخاب الحر المباشر من الشعب فماذا فعل ميلوسوفيتش؟

1.أعلن تحديه لأمريكا وأعلن عن انتخابات مبكرة.

2.قام عبر برلمانه بتعديل الدستور ليس للسماح له بالترشيح فقط بل وبتعديل شكل انتخاب رئيس الجمهورية؛ ليكون مباشرة من الشعب في تحدٍّ آخر للولايات المتحدة الأمريكية.

3.أعلن أن انتخابات سبتمبر ستكون نزيهة ودعا مراقبين من أوروبا.

إذن ميلوسوفيتش يدرك ما يفعله ويتحرك وفق رؤية واضحة تؤدى به –فيما يعتقد - إلى سدة الحكم، ولكن هذه المرة عبر انتخابات مباشرة يتنافس فيها معارضون بعضهم مدعوم مباشرة من الغرب، وخصوصًا أمريكا، والبعض الآخر ليس كذلك، ولكنه يلقى ترحيبًا من الغرب ما دام الهدف هو إزاحة ميلوسوفيتش.

موقف الشعب الصربي

من نافلة القول أن نستعرض هنا الواقع الاقتصادي الأليم للصرب وهو أشبه بالواقع السياسي، فالضربات الجوية دفعت بالمواطن الصربي إلى هوة سحيقة، ويكفي أن نعلم أن دخل الفرد السنوي في صربيا عام 1990م كان 3250 دولارًا، بينما اليوم وفي عام 2000م وصل الدخل إلى 626 دولارًا بمعدل انخفاض وصل إلى 519%.

وللتدليل على الحالة المزرية للوضع الاقتصادي وانهيار سوق العمل فإن المواطنين يبيتون كل ليلة أمام السفارات الأجنبية من أجل الحصول على مكان في طوابير منح التأشيرات ليس بهدف الحصول على تأشيرة فقط، بل إن بعضهم يقوم ببيع موقعه المتقدم في الطابور بمبلغ 15 دولارًا.

وفي مقابلة مع مراسل ال سى ان ان مع أحد معمري صربيا قال الرجل بصراحة "ماذا يمكننا أن نخسر.. خسرنا كل شيء ليس لدينا ما نخسره"، ويرى مراسل المحطة أن هذا يعنى أحد أمرين: أن الصرب قد يصوِّتون ضد ميلوسوفيتش، فليس لديهم ما يخسرونه، فلقد خسروا كل شيء الأرض والاقتصاد ومعهما الحرية، أو أن الرجل يقصد أننا مع ميلوسوفيتش ولو استمر الحصار إلى ما شاء الله.

والواقع الصربي محير بالفعل من ناحية أخرى، فالشعب الذي يعانى قد يرى من الضرورة إبقاء ميلوسوفيتش في السلطة حتى لا يحال إلى المحاكمة؛ لأن محاكمة رئيس تعني المساس بكرامة الدولة؛ لذا فقد يميل إلى انتخابه، ناهيك عن تأثير الآلة الإعلامية الجبارة لميلوسوفيتش. وثمَّة رأي آخر يقول إن المعارضة التي نجحت في التظاهر في شهور الشتاء القارص احتجاجًا على تزوير انتخابات 1997م قادرة على التأثير في المواطن خصوصًا وقد بلغ السيل الزبى.

 

هل يمكن أن تُجرى انتخابات نزيهة؟

يقول الكاتب الصحفي الصربي المعارض بيتر لوكوفيتش في مقال له في دورية يصدرها مركز تقرير الحرب والسلام في لندن عن انتخابات سبتمبر: "إنها مجرد غطاء ديكورى أو غلاف سيلوفاني.. لما يقوم به ميلو…. إنه شراك خداعية لا يقع فيها إلا كل أَبْله، ولا يصدقها إلا المخدوعون..".

ويقول: "لقد طفت في شوارع بلجراد فلم أرَ أي تأثير أو ردة فعل للانتخابات، فعادة ما يكون لأي انتخابات روح وحوارات ومناقشات، ليس هناك شيء من هذا القبيل، وحتى يافطات المعارضة التي تضيء ليلاً فقد قام رجال ميلو بتشويهها وتغيير بعض كلماتها، وعلى سبيل المثال، إحدى اللافتات كانت تقول: (هدفنا.. صربيا أفضل)، ولما أصبح الصبح كانت العبارة تقول: (هدفنا صربيا... أسوأ) هذا بالطبع على لسان المرشح المعارض".

ويضيف الكاتب: "إن تاريخ ميلوسوفيتش ورجالاته في التزوير فاضح جدًّا، ففي انتخابات الرئاسة الصربية عام 1997م قام بتسجيل مليون صوت ألباني من كوسوفا لصالح مرشحه المفضل ميلان ميلوتينوفيتش (وزير الخارجية الحالي)، وحملت اللوريات الصناديق إلى بلجراد ومعها النصر الأكيد لمرشح حزبه الذي فاز بالطبع".

وإذا كان ميلوسوفيتش فعل هذا من أجل مرشحه المفضل، فما الذي يمكن أن يفعله لنفسه؟ لقد هيَّأ ميلوسوفيتش الساحة السياسية لفوزه حتى مع وجود رقابة دولية، وذلك من خلال الإجراءات التالية:

1- إغلاق كل الصحف والمحطات الخاصة والمستقلة.

2- اعتقال العديد من المعارضين والداعمين لهم.

3- تشريد 21 قاضيًا؛ لأنهم ساندوا زميلاً لهم اتهمته السلطات بأنه منتمي لحركة الطلاب المعارضة والمعروفة باسم (أوتبور) أو المقاومة.

4- بدء حملة ترغيب وترهيب في صفوف موظفي الدولة والقطاع العام مفادها أنه من يصوت لميلوسوفيتش سيبقى في الوظيفة، وإلا … وبالطبع فالبقاء أو الرفت مرهون بنجاح الرجل؛ لأنه في حالة فشله فالجميع يعلم أن مصيره إلى الشارع.

5 - بدء حملة إعلامية ضخمة لتشويه المعارضة، جزء منها تركز في عملية تصنيف كافة المرشحين بأنهم إما عملاء للغرب أو أنذال أو إرهابيون، ولم يسلم من ليس له علاقة بالغرب من سجل السب والشتم فبعضهم وصفه النظام بأنهم شواذ جنسيًّا أو طابور خامس.

6- القيام بحملة إعلامية ترتكز على تزكية الروح الوطنية والشعور القومي على أساس أن المستهدف هو صربيا الكبرى وليس شخص ميلوسوفيتش، وتدعو الحملة الشعب إلى التوحد في مواجهة الهجمة الغربية ضد صربيا، ومن بين مفردات هذه الحملة التركيز على ما تم اتجاره من إعادة تشغيل بعض المشاريع مثل الكباري والجسور وبعض المصانع ومن المفترض أن يختتم سلسلة افتتاحاته للمشاريع بجسر على نهر الدانوب قبل الانتخابات بأيام، وهي المرة الأولى التي سيخرج فيها ميلوسوفيتش للجماهير.

7- يخطط لزيارة كوسوفا أو هكذا أعلن وذلك في حركة ظاهرها إعلان التحدي لأمريكا وباطنها استثمار الشعور الوطني تجاه كوسوفا، ورغم تشكيك أكثر المراقبين في إمكانية زيارته للإقليم فإن إعلانه عن الزيارة يُعَدُّ تذكيرا للشعب بأن كوسوفا تابعة لصربيا، وأنه سيستعيدها. وهنا نتوقف قليلاً لنرى كيف بدأ ميلوسوفيتش حملته الانتخابية، ولن نفاجأ بأنه بدأها من قرية جراتسانيتشا في قلب كوسوفا، وانطلقت بكلمات نارية أطلقتها سكرتيرة عام الحزب الاشتراكي قائلة: "لقد جئنا لنقول لكم إنكم بإمكانكم المشاركة بالتصويت ولا أحد يمنعكم، شاركوا لتقرروا بأنفسكم مستقبل كوسوفا وصربيا ويوغوسلافيا"

8- رغم أنه عزل رئيس أركان القوات المسلحة الجنرال مومشيلو برسيتش ورغم المخاوف من تأثير ذلك على دعم القوات المسلحة، إلا أنه استطاع وعبر إعلامه القوي أن يشوِّه صورة الرجل الذي كان بالأمس حليفًا، حتى أن الصحف الموالية لميلوسوفيتش قللت من أهمية الجنرال واعتبرته بمثابة طفل يلهو تحت ظل شجرة، وهذا يعنى أن الرجل يملك زمام الجيش ويستطيع استخدامه إذا ما شعر بتفوق المعارضة.

وبقراءة متأنية لهذه المعطيات فإن الكثيرين يرون أن ميلوسفيتش سيفوز، وأن على الغرب التعامل معه من هذا المنظور.

مواقف الأطراف الأخرى

كوسوفا:

بداية لا بد أن نعترف أن موقف الألبان في كوسوفا ليس موقفا ألبانيًّا خالصًا، ولا بد من الاعتراف أن تدخل الناتو العسكري ترك آثاره السياسية والنفسية على الواقع السياسي في كوسوفا، وبالتالي فالموقف السياسي الألباني في كوسوفا عادة ما يكون تابعًا وليس أصيلاً، وربما يكون العذر مقبول في المراحل الأولى بعد الضربة الجوية، ولكنه لن يكون كذلك حين يصبح القرار السياسي ليس ملكًا لشعب ضحى الكثير من أجل استقلال إرادته، وعلى هذا الأساس وبنظرة موضوعية إلى موقف الألبان نجد أنهم يرغبون في المقاطعة؛ لأن المشاركة تعني اعترافهم بشرعية ميلوسوفيتش والدستور اليوغوسلافي الذي تم تعديله على يد ميلوسوفيتش وتم حرمانهم بواسطته من حقوقهم المشروعة، وهذه المقاطعة حتى الآن غير مؤكدة، بمعنى أن الأمريكان يرون غير ذلك وإن لم تصدر أوامر مباشرة بضرورة مشاركة الألبان وإلا عاقبتهم أمريكا كما فعلت مع عرفات في موضوع إعلان الدولة، لكن في المقابل نجد أن أصوات الألبان في الانتخابات (تصل إلى مليون ونصف صوت)، يحتاج إليها مرشح المعارضة لكي يسقط ميلوسوفيتش أو حتى لكي يضغط بها المعارضون من أجل إصلاحات أوسع.

وبالمقارنة بين الموقفين نجد أن أمريكا تدفع الجبل الأسود وتحثُّ رئيسه ميلان جوكانوفيتش على عدم المقاطعة من أجل دعم المعارضة، وبالتالي فإن مشاركة الألبان تكون أولى وأوجب نظرًا؛ لأن أصواتهم مضمونة مائة في المائة لصالح المعارضة.

ولكن من الذي يضمن أن المرشح المعارض إذا قدم إلى السلطة سيعطى الألبان حقوقهم، ولن يرتد عليهم كما فعل ميلوسوفيتش عند انتخابه رئيسًا لصربيا في 1987م. …

وماذا يكسب الألبان إذا أعطوا لدستور يوغوسلافيا شرعية بالمشاركة، بالعكس سيخسرون الكثير؛ لأنهم يكونون قد فرطوا في ورقة تفاوضية في المستقبل…

ولكن وبغض النظر عمَّن يفوز وعن مشاركة الألبان من عدمه في هذه الانتخابات، فهناك نقطة جديرة بالتوقف عندها وهي مستقبل الإقليم وارتباطه بهذه الانتخابات، فمن الواضح أن الأمريكان يبحثون عن مخرج من الإقليم في ظل الظروف النفسية لجنودهم المشاركين، والحال كذلك بالنسبة للأوربيين سواء المشاركين في عملية حفظ السلام أو عملية الإعمار.. وهذا يمثل عامل ضغط شديد على الألبان الذين يشعرون بأنهم معلقون في الهواء فلو خرج الأمريكان فسينفرد بهم ميلوسوفيتش أو الرئيس القادم؛ لأن كوسوفا حلم صربي قديم ولن يستطيع الأوروبيون فعل أي شيء، كما أن موقفهم على الخارطة ما زال غير واضح فلا هم مستقلون لهم جيش يدافعون به عن أنفسهم ولاهم تابعون لصربيا أو يوغوسلافيا بل تابعون لإدارة دولية لا تريد لأي ألباني أن يعرف أسرار إدارة الإقليم بقدر ما يكون موظفًا مطيعًا… وهذه الوضعية ستأتي الانتخابات بنتائجها على أي مستوى؛ لتزيد من مساحة التوتر التي بدأت بالفعل مع بداية التسخين للانتخابات، ويكفي أن نعلم أن هناك تحرشات صربية على الحدود وتبادل إطلاق نار…، وأعتقد أن الوضع وإن استقر أو قارب على الاستقرار في صربيا بعد الانتخابات فإنه سيكون أكثر سخونة في كوسوفا وبدرجة أقل في الجبل الأسود.

 

الجبل الأسود:

الساسة في الجبل الأسود يفكرون بشكل إستراتيجي طويل المدى قد ينتهي بهم بانفصال سلمي عن يوغوسلافيا، ويلقى رئيس الجبل الأسود جوكانوفيتش كل الدعم من أوروبا ويقوم بزيارات لكافة بلدانها بوصفه رئيس للجبل الأسود، وهذا ما يزيد من مساحة التوتر مع ميلوسفيتش الذي يهدد بالتدخل العسكري، ومن هذا المنطق فالجبل الأسود قررت عدم المشاركة وذلك لأسباب دستورية وأخرى سياسية؛ أما الأولى فهي ترسيخ وضعية الجبل الأسود خارج الاتحاد اليوغوسلافي، والثانية فهي زيادة الضغط على ميلوسوفيتش وزيادة عزلته حتى ولو نجح في انتخابات سبتمبر المقبل.

 

ألبانيا:

في ظل استخدام ألبانيا كمقر خلفي للناتو وفي ظل تطلع الألبان في ألبانيا إلى شراكة أوسع مع أوروبا، فإن الانتخابات في يوغوسلافيا تمثل صداعًا للساسة في ألبانيا خصوصًا إذا ما أعيد ميلوسوفيتش؛ لأن ذلك يعني توقف المفاوضات المتعلقة بإعادة إعمار البلقان لحين إثبات حسن سير وسلوك ميلوسوفيتش، وبالتالي تعطل عملية التنمية في ألبانيا، مما قد يحدث قلقًا في الشارع السياسي الألباني. 

اليونان:

اليونان دولة طموحة رغم فقرها، لكنها تنفرد بعضوية الاتحاد الأوروبي دون بقية دول البلقان، كما أنها تساند صربيا لعوامل دينية (الأرثوذكسية) وقد انفردت بأمرين: أنها لم تشارك في الضربات الجوية ضد صربيا، والثانية زيارة وزير خارجيتها لصربيا ولقائه ميلوسوفتش، وهي تسعى إلى إنشاء كيان في جنوب أوروبا تتولى زعامته، وتقوم بإعادة تسويق ميلوسوفيتش لأوروبا والعالم، ويعتقد كثيرون أن زيارة وزير الخارجية كانت باتفاق مع بعض الدول الأوربية التي رأت أن ميلوسوفيتش باق لا محالة، وأنه من الأفضل التعامل معه بشروط بدلاً من فرط الطوق الحصاري غير المجدي والذي لن يفلح في إزاحته.

أما بقية دول البلقان فيهمها بالطبع زوال ميلسوفيتش؛ لأنه تسبب في مشاكل اقتصادية وسياسية حتى في هذا البلاد نظرًا لامتداد التعاطف الديني مع الصرب في بلاد مثل رومانيا وبلغاريا. 

أوروبا:

ليس خافيًا على أحد أن التدخل الأطلسي في كوسوفا لم يكن برغبة أوروبية أكيدة بقدر ما كان رغبة أمريكية تلاقت مع الدور البريطاني المساند دومًا للموقف الأمريكي، وقد عبَّر العديد من المحللين عن تذمرهم من موقف أمريكا من كوسوفا، وقال أحدهم: "الأمريكيون بارعون في القصف والضربات والهدم ولكن ساعة البناء والتعمير يختفون" في إشارة إلى موقف أمريكا من عملية إعادة الإعمار وترك الأمر برمته لأوروبا لتدبر أمرها، واليوم تسعى أمريكا إلى التخلص من وجودها العسكري في كوسوفا وترك الأمر كذلك للأوروبيين.

ويرى الأوروبيون أن التعامل مع يوغوسلافيا لا بد وأن يتم وفق إرادة أوروبا؛ وذلك لتأثر أوروبا المباشر من اضطراب الأوضاع فيها تمامًا كما تتضرر من الحصار عليها، فالحصار على صربيا يكلف أوروبا مساعدات كبيرة للدول المتضررة مثل رومانيا والمجر وبلغاريا وألبانيا ومقدونيا وسلوفينيا، وهي دول خرجت لتوِّها من الطوق الشيوعي وفي حاجة إلى دعم تنموي كبير، وفي حال استمرار القلق في صربيا فإن ذلك يعني استمرار الاضطراب الذي لن تفلح معه خطط التنمية، ومن هنا فإن أوروبا لم تقف في وجه هذه الانتخابات ولم تنكر على صربيا إجراءها، بمعنى أن أوروبا سكتت عنها وتنتظر ما تسفر عنه وهذه خطوة جديدة، ورغم أن ألمانيا وإيطاليا أعربتا عن تشككهما ورفضهما لما تسفر عنه فإن فرنسا وهي رئيسة الاتحاد الأوروبي حاليًا ما زالت لم تحزم أمرها تجاه الانتخابات، وأعتقد أن هناك تحولاً في موقف أوروبا تجاه صربيا مفاده: أن الإصلاحات البسيطة والمتدرجة مع وجود ميلوسفيتش تسمح بتخفيف العبء عن أوروبا، وذلك أفضل من انتظار معجزة وهى إزاحة ميلوسفيتش. 

والملاحظ أن أوروبا لا تتحمس كثيرًا لمطالبة أمريكا بإحالة ميلوسفيتش للمحاكمة الدولية… أو أنها تفضل السكوت حتى لا تلقى مزيدًا من المتاعب.

الناتو:

لقد دخل الناتو معركة هي الأولى من نوعها في تاريخه ونجح في فرض هيمنته على الواقع وقدم نموذجًا جديًّا رسخ لمفهوم القوة في عالم العولمة والقطب الواحد، لكن الواقع أن هذا التحالف على قوته يبدو هشًّا أو غير متماسك، فالقوة ليست إلا وسيلة تعبير لمجموع الدول المشاركة في الناتو، ويرى الكثيرون أن الأوربيين ليسوا مع استخدام هذه الوسيلة إلا بعد استنفاد كافة السبل الأخرى بينما ترى أمريكا وبريطانيا خلاف ذلك، لكن الواضح أن انتخابات سبتمبر ما هي إلى استهزاء واضح بما فعله الناتو، فقد بنى الأطلسيون إستراتيجيتهم على أن انتزاع كوسوفا يعني سقوط ميلوسوفيتش، لكن الواضح أن ميلوسوفيتش باقٍ رغم قرب رحيل كلينتون… ورغم رحيل سولانا سكرتير عام حلف الناتو الذي قاد العملية ضد صربيا… ومن الواضح أيضًا أن الناتو لن يتدخل لإلقاء القبض على ميلوسوفيتش أو حتى لضرب قواته في حال استخدام ميلوسفيتش للجيش للقضاء على المعارضة إذا نزلت إلى الشوارع .. هكذا فإنه أصبح على الأطلسيين النظر عن بُعد إلى ما يفعله ميلوسوفيتش بشعبه وبما قد يفعله بكوسوفا لاحقًا… والسبب أن الأطلسي أراد أن يضرب ويحكم بدلاً من أن يضرب ويترك الأمر للألبان…

 

هل تحدث المعجزة؟

كان هذا عنوان لمراسل لمحطة فضائية غربية في بلجراد، والأمر ببساطة أن الرجل تصور حدوث المعجزة، فهو يرى أن الند الرئيسي لميلوسوفيتش هو فيوسلاف كوستينيتشا 56 سنة يتفوق على ميلوسوفيتش بكثير، ويرى أن القبول الشعبي له يتعاظم لأن الرجل رفض ضربات الناتو وليس متهما في ذمته المالية وليس مدعوما من الغرب ولم يلتق بمسؤولين غربيين كما أن الرجل وهو رئيس سابق لصربيا يوصف بالتواضع وعدم اللجوء إلى البهرجة كما يفعل بعض قادة المعارضة الذين لا يفارقون السيارات الفارهة بينما الرجل يتجول في بلدته بسيارته الصغيرة.

كما أن الرجل بدأ حملته الانتخابية من مسقط رأس الرئيس ميلوسفيتش نفسه وهو تحدٍّ صارخ أكسبه شعبية كبيرة، ومن المعلوم أن هذه البلدة يطلق عليها البلدة المحرمة ولم يستطع أي معارض زيارتها أو التجمهر فيها …

ويأتي في قائمة المرشحين زوران ديندييتش وهو مرشح عن الحزب الديمقراطي، ويرى البعض أن فرصته أقل بكثير من ميلوسوفيتش وكوستينتشا، لكن حضوره القوى وتحديه المتكرر لميلوسوفيتش يجعله رقمًا على رقعة السياسة الصربية حتى المقبلة منها، ويناشد كثيرون قادة المعارضة التوحد خلف كوستنيتشا، وبالفعل فقد تشكل تحالف ضم خمسة عشر حزبًا معارضًا وناشدوا رئيس الجبل الأسود للمشاركة في الانتخابات وذلك لدعم مرشح المعارضة.. ويبقى الدور على مرشحي المعارضة أن يتفقوا بدلاً من التشرذم الحاصل والذي لا يستفيد منه سوى ميلوسفيتش…

ونعود وهل يكفي توحد المعارضة لكي يهزم ميلوسفيتش.. بالطبع لا.. ولكن البعض وضع ما يلي كشروط أو أمور مطلوبة لإسقاط ميلوسوفيتش:

1- قيام مظاهرات شعبية على غرار ما جرى عقب تزوير انتخابات المحليات في 1996م، وبالتالي تجد المعارضة متنفسًا للشارع وسندًا من المواطنين يستحيل على ميلوسفيتش اللجوء للقوة لفرض إرادته.

2- أن يصوت الألبان في كوسوفا وأن تشارك جمهورية الجبل الأسود في الانتخابات.

3- أن تراقب أوروبا الانتخابات.

5- أن تُجرى الانتخابات في جو من الحرية والديمقراطية.

6- ألا ينحاز الجيش أو الشرطة لميلوسوفيتش.

 

وبالطبع فإن حدوث كل ذلك هو أقرب للخيال منه للواقع، ولكن وحتى إشعار آخر سيظل ميلوسفيتش مثل غيره من أباطرة القرن الراهن يتحكمون في كل شيء ويفرضون إرادتهم على شعوبهم والعالم.. ولحين حدوث المعجزة الكبرى.. وهي الموت.. يجب على العالم أن يشاهد أو يصفِّق أو يصفِّر.. لما يشاهده من عرض أو استعراض. 

 

اقرأ أيضًا:

الانتخابات المحلية في الجبل الأسود.. ماذا يبقى من يوغوسلافيا؟

احتمالات استقلال كوسوفا أكبر

انتخابات محلية في كوسوفو قبل نهاية العام

كوسوفا.. قضايا معلقة بعد عام من الوجود الدولي

 

 

 

قضايا سياسية

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع