بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

قمة الألفية .. الأمم المتحدة فى قفص العولمة

بون - نبيل شبيب


لا يمكن الحديث عن الجانب السياسي من نتائج قمة الألفية للأمم المتحدة، دون التعريج على الجانب الاقتصادي، ولا يعود ذلك إلى مجرد ما هو معروف عن التشابك القائم في العلاقات الدولية، بحيث لا تنفصل القضايا السياسية عن الاقتصادية ، إنما يعود في الدرجة الأولى إلى أن قمة الألفية انعقدت في فترة زمنية تشهد المرور على مفصل تاريخي رئيسي في التبدّل النوعي الذي تشهده لعبة العلاقات السياسية والاقتصادية المتشابكة.

 

اقرأ في هذا المقال:

1 - السياسة في قفص عولمة الرأسمالية

2 - موقع الأمم المتحدة في خارطة العولمة


 

1 - السياسة في قفص عولمة الرأسمالية

إلى وقت قريب كان من ثوابت العلوم السياسية وفي الواقع الدولي على السواء، أن السياسة الاقتصادية فرع من فروع السياسة، أو بتعبير آخر الأجهزة السياسية هي التي تتخذ القرار الاقتصادي وتصنع الواقع الاقتصادي.. فهل يمكن قول ذلك هذه الأيام ؟..

 ألم يتسلل العامل الاقتصادي إلى أسلوب التفكير السياسي، فصياغة القرار السياسي، حتى بات يهيمـن الآن هيمنة شبه كاملة على صناعة القرار السياسي.. داخل كل دولة على حدة بغض النظر عن نوعية نظام الحكم، فتخضع السياسة لمصلحة اقتصادية أو حتى منفعية ما، وكذلك في إطار العلاقات الدولية على السواء، فيما يوصف بالعولمة الاقتصادية والمالية.. وما مسألة الصراع بين أنصار صناعة السلاح وأنصار الدفاع عن حياة الأطفال في المدارس في بلد كالولايات المتحدة الأمريكية إلا مثالاً بسيطًا.

ولا يُستوعب ذلك القدر الهائل من الطاقة والإصرار في تحرك مظاهر العولمة بصورة جارفة، كما تشهد أزمة جنوب شرق آسيا، ويشهد التعامل مع مأساة الجوع بأفريقيا، إلا عبر التأمل في منطلقات قوَّتها، وعلى وجه التحديد في انطلاقها من أرضية الغرب حيث نشأت، وما وصلت إليه من إمكانات السيطرة وصنع القرار في هذه الأثناء، وهو ما أفقد "الديمقراطية" مكانتها القديمة، فلم تَعُدْ – رغم المؤسسات المنتحبة - توفِّر ضمانًا ما إن تكون السياسة هي صاحبة القول الفصل تجاه الاقتصاد، وذلك بفعل الهيمنة المالية المتصاعدة على الجماعات السياسية المختلفة، من أحزاب ونقابات وروابط مصلحية وغيرها، فبات تشريع القوانين تحت الضغوط الاقتصادية أكثر شيوعًا من تشريعها تحت ضغوط الناخبين، لا سيما وأن الرأي العام نفسه يخضع لاعتبارات إنفاق المال على صناعته، وأن المعارك الانتخابية أشبه بالمعارك التجارية، وأن الفساد ينخر في الأنظمة الديمقراطية حاليًا كما لم يعرفه تاريخ الدول الغربية من قبل.

لقد بدأت الدول الرأسمالية العريقة تفقد الميزات والإيجابيات الكبيرة التي كانت كامنة في أنظمة تقوم على الحريات وسيادة القانون والقضـاء، فالمال يحكمها بمختلف أجهزتها، ولا ينفي ذلك ما يستفاد منه إعلاميًّا من وقائع تحدث بين الحين والحين، مثل تعرّض شركة عملاقة كشركة مايكروسوفت للملاحقة القضائية، أو إسقاط مسؤولين اقتصاديين بسبب الفساد، أو ما شابه ذلك، فالأمور نسبية، ومن يقارن بين ما يترتب على مثل تلك الوقائع من تعزيز للقوة الاقتصادية، وبين ما يترتب على كل منها على حدة من خسارة مادية لجهة اقتصادية أو مالية معنية بها، يدرك أن الفكر التجاري للموازنة بين الربح والخسارة والانتهاء بحصيلة رابحة، هو المنظار الأصحّ في تقويم تلك الوقائع من حيث صلاحية الاستشهاد بها كدليل على ثبات مبادئ الحرية وسيادة القانون في المجتمعات الرأسمالية أو تغييبها.

كل ما كان يسري من قوانين وقواعد داخل الدولة الرأسمالية لضبط تحرك رؤوس الأموال من المنطلق الوطني داخل الحدود وخارجها ضبطًا جزئيًّا، ضاع مفعوله في هذه الأثناء،  وبات التهديد متكررًا وعلنيًّا من جانب صاحب المال أن ينقل اسـتثماره أو من جانب صاحب شركة أن ينقل مصنع إنتاج شركته، من داخل الحدود إلى أي مكان يختاره من الأرض، فيفقد العمال "داخل الوطن" أماكن عملهم وتفقد الدولة الضرائب، وتفقد شركات أخرى تصريف المواد التكميلية الصناعية لصالح الشركة الكبرى التي تمارس ذلك التهديد.. ولا يوجد في الغرب منذ سنوات مثال واحد على عدم استجابة الدولة – أي السلطة السياسية "المنتخبة" من عامة الشعب وليس فئة الاقتصاديين وأصحاب المال فقط – بل أصبحت الدولة تتبنَّى الدعوة إلى إسقاط الحواجز عالميًّا؛ لتمكين شركاتها من الاستثمار والعمل خارج الحدود، على أمل أن يبقى من الأرباح الضخمة جزء للاستثمار داخل الحدود.. وهو ما لا يتحقق دومًا، فيسفر عن مزيد من البطالة رغم النمو الاقتصادي الذي يمثل "ارتفاع وارد الشركات" في نهاية المطاف.

إن القوة المالية هي القوة الحاكمة، أو هي القوة الرئيسية من وراء صناعة القرارات السياسية وغير السياسية في معظم الدول المتقدمة والمتخلفة في الوقت الحاضر.. وتسجّل اللعبة الجارية بين القرار السياسي والقرار المالي أو الاقتصادي، وفق ما أبرزته تطوُّرات التسعينيات الميلادية الماضية على هذا الصعيد - وجميعها تكمل تطوّرات سبقتها ولم تبدأ فجأة - عنصرًا جديدًا نسبيًّا، هو مضاعفة سرعة ظاهرة العولمة، وهي - من الناحية الاقتصادية - ليست سوى انسياح الصيغة المتشدّدة من الرأسمالية الغربية عالميًّا، بقفزة نوعية جديدة، تشابه بحجمها والآثار المترتبة عليها القفزة النوعية التي حققتها الرأسمالية من قبل، فيما يسمَّى عهد الاستكشافات الجغرافية، والمقصود به عهد بدء الاستعمار واستغلال الثروات الأرضية "فيما وراء البحار" بمنظور المواطن الأولى للرأسمالية في أوروبا.

 ولكن.. ما علاقة ذلك بعنوان الموضوع والحديث عن "قمة الألفية" الأخيرة في الأمم المتحدة، وعلى وجه التحديد عن الجانب السياسي في القمة ؟!..


 

2 - موقع الأمم المتحدة في خارطة العولمة

إن البحث عن دور للأمم المتحدة في مطلع الألفية الميلادية الجديدة ومواجهة التحديات المستقبلية - كما أعلن هدفًا للقمة - إنما يعني البحث عن موقع ما للمنظمة الدولية على خارطة تلك الأرضية الجديدة للعلاقات ما بين قوى الاقتصاد والمال من جهة، والسياسة وأجهزتها من جهة أخرى، كما يعني تحديد صيغة ما لتحرُّك المنظمة الدولية في ميادين بات التحرُّك فيها يخضع لاعتبارات جديدة في نطاق العلاقات الدولية.

وقد انعقدت القمة الألفية للأمم المتحدة على أرضية عالمية جديدة، من حيث:

- ازدياد سيطرة عنصر المال والاقتصاد على السياسة داخل حدود الدولة، وبالتالي رجحان مفعولهما في العلاقات الدولية.

- وفقدان الحدود السياسية قيمتها عند أصحاب المال والأعمال في الدول الرأسمالية بعد أن كان مفعولها القديم قائمًا على حماية الثروات الذاتية، فأصبح المطلوب اضمحلالها وتجاوزها بمختلف السبل، وتبنَّت السياسة ذلك تلقائيًّا فبات تجاوز الحدود "مطلبًا" مستهدفًا وليس مجرّد نتيجة من نتائج تطورات تقنية حديثة كما يقال.

- اضمحلال مكانة "الدولة" كوحدة أساسية في القانون الدولي، بعد أن أصبحت "سيادة الدولة" من الناحية الواقعية عقبة في وجه "العولمة"، وهذا ممّا يفسر الازدواجية في معايير انتهاك السيادة، فلا نكاد نجد سببًا فعليًّا إلا وتكون له علاقة بهدف اقتصادي أو مالي، أو أمنيّ يحمي الاقتصاد والمال، وهذا رغم سائر ما يقال ويتردّد تحت عناوين حقوق الإنسان وحقوق الأقليات، فمن ينفق المليارات ويقاتل بأحدث العتاد لإنقاذ أرواح أفراد مضطهدين أو جماعات مضطهدة، يمكن - لو صدقت التعليلات الإنسانية التي يوردها - أن ينفق من المال ويجنّد من البشر أقل من ذلك بكثير، لإنقاذ أرواح من يواجهون مآسي الجوع والمرض والحرمان والتشريد.. أو يمكن على الأقل أن يتخلّى عن سياسة الاستغلال الاقتصادي والمالي عالميًّا، وقد ظهر حجم مسؤوليتها عن تلك الأوضاع المأساوية.

- ومن نتائج التطورات الجديدة تحت عنوان العولمة، أن العامل المالي والاقتصادي بات هو العامل الحاسم عند صناعة قرار دولي جديد، كعقد اتفاقية دولية حول البيئة، أو حول مكافحة الألغام، أو الحدّ من التسلح.. وسوى ذلك من الميادين الأساسية للعلاقات بين دول العالم.. ولعمل المنظمات الدولية.

لقد أصبحت الأمم المتحدة - نتيجة التطورات الجارية - مجرّد "إدارة بيروقراطية"، في حدود "مجلس بلدية" من حيث الصلاحيات الفعلية لا الاسمية الشكلية، ومن حيث القدرة على صناعة القرار لا عدد القرارات والتوصيات الصادرة، ومن حيث امتلاك الطاقة اللازمة لتنفيذه دون أن يرتبط ذلك بابتزاز مالي من جانب دولة كالولايات المتحدة الأمريكية، أو مجرد امتناع عن المشاركة في التنفيذ، ما دامت النتيجة لا تحقق هدفًا ذاتيًّا بغرض النظر عن أهداف المنظمة الدولية..

والواقع أن إخراج القضايا الكبرى من مبنى الأمم المتحدة، والتصرّف بها سياسيًّا وأمنيًّا على حسب "المصالح والأهداف القومية" ماضٍ على قدم وساق منذ عدة عقود، كذلك لم ينقطع الإعداد لمنظمات إقليمية لتقوم بأدوار معينة على المستوى الإقليمي أو الدولي كما هو الحال مع حلف شمال الأطلسي ومهامه الأمنية الجديدة، أو الاتحاد الأوروبي وامتداد أجنحة سياساته إلى حدود الصين الشعبية.. أما الأمم المتحدة وفروعها فيراد أن يقتصر عملها تدريجيًّا على قضايا معينة دون أخرى، فلم يَعُد من النادر سماع تصريحات رسمية على أعلى المستويات، تتحدّث عنها باعتبارها الوسيلة المناسبة لمكافحة انتشار المخدرات، أو وباء نقص المناعة الذاتية، أو ملاحقة الجريمة المنظمة، أو التصدِّي للاعتداء الجنسي على الأطفال.. ناهيك عن قضية المرأة المتكرر ذكرها في مختلف الميادين، وبتعبير آخر يمكن أن تتحول المنظمة إلى "سلطة اجتماعية مزوَّدة بجهاز شرطة أمني"..

أما الحماس الشديد الذي رافق سقوط الشيوعية ونهاية الحرب الباردة، وبدأ يتحدّث عن "مهام سلام" تقوم بها المنظمة الدولية، وعن أعدادها لتصبح حكومة عالمية، فقد تلاشى خلال أقل من عام، وعلى النقيض من ذلك كانت التسعينيات الميلادية حافلة بالإخفاق على مستوى المنظمة الدولية، ولا سيما على صعيد القيام بمهام سلام في أنحاء العالم، بينما كان المهـام "الحقيقية" التي وجد من ورائها الإعداد الكافي والتسلّح الكافي والتمويل المضمون، هي تلك التي بقيت خارج نطاق المنظمة الدولية، وعلى وجه التحديد التي وضعت في أيدي حلف شمال الأطلسي تمهيدًا لدور "الشرطي الدولي" في المستقبل.

وما كان انزلاق المنظمة الدولية إلى موقعها الراهن تحت هيمنة العولمة، نتيجة ظروف طارئة مفاجئة أو تطوّرات عالمية تلقائية، بل يمكن القول عن الجانب الاقتصادي والمالي بصورة خاصة، إنه كان نتيجة مخطط جرى تنفيذه بدقة، وحقق جزءاً كبيرًا من أهدافه. ولأن الجانب الاقتصادي والمالي كان المدخل إلى الهيمنة الرأسمالية العالمية، أو ما ركب موجة العولمة الاقتصادية والمالية تحت عناوين حرية التجارة وحرية الاستثمارات وحرية رؤوس الأموال.. فقد كان الإعداد للوضع الراهن قديمًا رافق نشأة الأمم المتحدة نفسها قبل بضعة وخسمين عامًا. فآنذاك كان الترتيب لتأسيس المصرف المالي العالمي وصندوق النقد الدولي منفصلاً شكلاً ومضمونًا عن عملية تأسيس الأمم المتحدة وفروعها، وكانت النواة التي وضعت لنظام مالي دولي بآليات معيّنة، هي التي أسفرت خلال خمسين عامًا مضت عن الخلل الكبير المعروف حاليًا بين شمال وجنوب، أو ثراء وتقدم وأمن مقابل الفقر والتخلف والتبعية الأمنية، أو انطلاق المصارف الكبرى والشركات العملاقة بطاقات ضخمة لا تعرف الحدود مقابل ديون متراكمة على الدول وشعوبها بفوائد ربوية لا تنتهي.

إن ما واجهته القمة الألفية على الصعيد الاقتصادي، وهيمن على الجزء الأعظم من مناقشاتها، إنما هو الأرضية التي تمّ تشكيلها عبر جهود متواصلة وفق خطط مدروسة، ويمكن اعتبار النتائج التي تم تحقيقها وفتحت أبواب تسارع انتشار ظاهرة "العولمة" على مختلف الأصعدة، هي المقدّمة لما يراد تحقيقه في الحقبة المقبلة، والذي يمكن أن يعود بالبشرية إلى عهد استعماري سياسي وأمني بعد تثبيت مرتكزات السيطرة المالية والاقتصادية، مثلما كانت موجة انتشار شركات ما وراء البحار قبل الثورة الصناعية، مدخلاً رئيسيًّا لحقبة الاستعمار الأوروبي آنذاك.

 

 

اقرأ أيضًا:  

قمة الألفية.. الشعار للفقراء والمكاسب للأغنياء

الفقر مع التنمية.. الكل أصبح فقيرا

مفهوم العولمة

الشرعية الدولية.. كي لا يصير الباطل حقا

التحولات العالمية من الجغرافيا السياسية إلى سياسة الهويات

خطاب حقوق الإنسان بين العولمة والتطبيع

بيريز.. ضرورة اغتنام فرصة العولمة

جولة كوهين السادسة.. مزيد من عولمة النظام الدفاعي العربي

مجموعة شنغهاي تحالف مصلحي أم صراع حضاري أيديولوجي

جائزة أوربية لكلينتون مقابل تعطيل مصالحها

 

قضايا سياسية

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع