بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

الأقباط والبحث عن تمثيل مناسب

القاهرة - قطب العربي


مع اقتراب موعد الانتخابات النيابية في مصر التي تبدأ منتصف شهر أكتوبر، بدأ الحديث عن تمثيل بعض الفئات - وبالتحديد الأقباط والمرأة - ينال حظًّا وافرًا من الاهتمام على المستويين النظري والعملي، ويتسع هذا الاهتمام ليشمل الحكومة والمعارض معًا. وإذا كان الحزب الوطني الحاكم لم يعلن بعد قائمة مرشحيه، وبالتالي لا يمكن معرفة عدد مرشحيه من الأقباط، فإن قوى المعارضة بدأت تحدد ملامح قوائمها التي حرصت أن تضم ممثلين للأقباط، وكانت المفاجأة أن أولى الفئات التي بكَّرت بإعلان بعض مرشحيها كانت هي جماعة الإخوان المسلمين التي أعلن ممثلوها في محافظة الإسكندرية قائمة مرشحيهم، ومن ضمنها أحد المرشحين الأقباط. ورغم أن هذا المرشح نفى في بيان له موافقته على الترشيح، إلا أن الإخوان أكدوا أنه تعرض لضغوط دفعته إلى الاعتذار، ولكنهم لن يتراجعوا عن الفكرة حيث اتفقوا مع شخصية قبطية أخرى على الترشيح ورفضوا الإفصاح عنها حاليًا تاركين لها اختيار الموعد والطريقة والمكان المناسب لإعلان الموافقة على الترشيح، إضافة إلى دعمهم لمرشحين أقباط آخرين سيرشحون كمستقلين أو كممثلين لأحزاب أخرى.

هذا المناخ العام الذي تسعى فيه القوى السياسية المصرية على اختلاف مشاربها إلى تمثيل الأقباط في البرلمان المقبل سيشجع الأقباط على خوض الانتخابات، ويضيف النائب القبطي السابق جمال أسعد عبد الملاك أن المناخ عمومًا مُواتٍ هذه المرة لترشيح الأقباط، حيث اختفى المناخ المُعادي لهم بشكل كبير، وهذا ما شجعه هو شخصيًّا للتقدم للترشيح في مدينته القوصية بمحافظة أسيوط، حيث دفعه بعض المسلمين لهذا الترشيح.. وبالتأكيد فإن هناك مرشحين أقباطًا آخرين يعتزمون خوض الانتخابات القادمة، بعضهم أعلن بالفعل عن ترشيحه وبعضهم لا يزال ينتظر حتى موعد فتح الترشيح، كما أن بعضهم يطمع أن يجد له مكانًا ضمن قوائم الحزب الوطني الحاكم حتى يضمن الفوز بدون خسائر. وحتى الآن عرف من مرشحي الحزب الوطني الحاكم الوزيرين القبطيين وهما الدكتور يوسف بطرس غالى في دائرة المعهد الفني بشمال القاهرة، والدكتورة نادية مكرم عبيد وزيرة البيئة في محافظة قنا.

ويشعر الأقباط بمرارة شديدة؛ لأن مجلس الشعب المصري الحالي كما السابق لا يضم أي نائب قبطي منتخب، لكنه يضم ستة نواب بالتعيين من جملة عدد نواب المجلس البالغ عددهم أربعمائة وخمسين عضوًا. وهم يرون أن هذا العدد لا يناسب حجمهم ولا دورهم في الحياة المصرية عمومًا، ويسترجعون ذكريات الماضي حين كان يمثلهم في البرلمان أكثر من عشرة بالمائة من النواب، بل يتذكرون أن نائبًا قبطيًّا هو ويصا واصف رأس البرلمان المصرى يومًا ما.

اقرأ في هذا المقال:

    صدمة 1995م وتكاليفها الباهظة.

    الحكومة تتحرك لتحسين أحوال الأقباط

    بين تمثيل الكنيسة والتمثيل المدني

    فاعلية الأقباط قبل الثورة

    الأقباط تحت الحكم الناصري

    علاقة متوترة مع السادات

    النفق المظلم ومحاولات النجاة


 

صدمة 1995م وتكاليفها الباهظة

كانت الانتخابات الماضية التي جرت أواخر نوفمبر وأوائل ديسمبر 1995م بمثابة الصدمة الكبرى للأقباط، فقبل تلك الانتخابات كانت قضية حقوق الأقباط قد برزت بقوة على السطح في أعقاب مؤتمر الأقليات (مؤتمر إعلان الأمم المتحدة لحقوق الأقليات وشعوب الوطن العربي والشرق الأوسط – ليماسول – قبرص 12 - 15 مايو 1994م) الذي نظمه مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، وكان يعتزم عقده في القاهرة، إلا أن المعارضة الواسعة له التي شملت كل القوى السياسية إلى جانب الكنيسة القبطية حالت دون عقده في القاهرة وتم نقله إلى قبرص، ومع ذلك، أصبحت قضية حقوق الأقباط تفرض نفسها على الأجندة الوطنية عموما، خاصة أن الذين رفضوا مؤتمر الأقليات لم ينكروا وجود مشكلات للأقباط، ولكنهم كانوا يرون أن حلها ينبغي أن يتم في الإطار الوطني داخل مصر، وبالتالي أصبح واجبًا عليهم التدليل على ذلك بشكل عملي في الانتخابات الماضية التي جرت بعد ذلك بعام واحد.

وكان الأقباط من ناحيتهم يرون أن هذه الروح الوطنية التي تنافست في الدفاع عنهم كفيلة بفوز عدد مناسب منهم في الانتخابات؛ ولذلك أقبلوا على الترشيح بحماس غير مسبوق، وتقدم للترشيح منهم 57 مرشحًا غالبيتهم من المستقلين، وبعضهم ضمن الأحزاب المعارضة (الوفد 13 مرشحًا، والعمل مرشحين، والتجمع مرشح واحد) لم ينجح منهم أحد، كما لم يرشح الحزب الوطني الحاكم أحدًا من الأقباط، وبالتالي خلا البرلمان من أي نائب قبطي منتخب، وهو ما مثل مادة خصبة لدعاة الفتنة من أقباط المهجر وبعض أقباط الداخل ودفع البعض منهم للتفكير جديًّا في المطالبة بتمثيل نسبي للأقباط  في البرلمان، وهو ما سبق أن رفضوه عند وضع الدستور المصري عام 1923م. وقد تعرض الحزب الوطني الحاكم لحملة شديدة من الانتقادات بسبب هذا الموقف واتهمته أحزاب المعارضة بتعمد تجاهل الأقباط ضمن مرشحيه، لكن الحزب الوطني كان يدافع عن نفسه بأنه لم يجد من المسيحيين من يستطع المنافسة أمام المرشحين الآخرين، وكان رد المعارضة على ذلك أيضًا أن الحزب الوطني كان بإمكانه أن يزور الانتخابات لبعض المرشحين الأقباط، خاصة أن الدوائر كلها شهدت تزويرًا لصالح مرشحي الحزب الوطني، وهو ما أثبتته شهادات المراقبين المحليين والأجانب وأحكام محكمة النقض لاحقًا.

وكما كان هذا الخطأ من جانب الحزب الوطني الحاكم مادة دسمة للمزايدات السياسية في الداخل كان أيضا مادة دسمة لمروجي الفتنة في الخارج، الذين استغلوا المرارة البالغة التي شعر بها الأقباط وعبَّر عنها قادتهم وراحوا يروجون ادعاءاتهم عن اضطهاد الأقباط في مصر، وساعدهم في ذلك صدور قانون الحرية من الاضطهاد الديني الذي أصدره الكونجرس الأمريكي في 21 مايو 1997م والذي استحدث مكتبًا أمريكيًّا خاصًّا لرصد الاضطهاد الديني الذي تتعرض له الأقليات في العالم.

وبناء على هذا القانون، بدأت جماعات الضغط القبطية، سواء داخل مصر أو جماعات الضغط القبطية في الخارج - وأهمها الاتحاد القبطي العالمي، والجماعات القبطية المتناثرة في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا - بدأت ممارسة الضغوط على الحكومة المصرية وعلى الإدارة الأمريكية والحكومات الغربية للتدخل لإنقاذ الأقباط في مصر، وحمايتهم مما يتعرضون له من اضطهاد - على حد زعمهم -، وبدأت تقارير الخارجية الأمريكية ومكتب رصد الانتهاكات الدينية والعديد من منظمات حقوق الإنسان تمتلئ بوقائع بعضها صحيح، وأغلبها مختلق عمَّا يتعرض له الأقباط في مصر.


 الحكومة تتحرك لتحسين أحوال الأقباط

وتحت وطأة هذه الضغوط بدأت الحكومة المصرية بالفعل النظر بجدية لمشكلات الأقباط، واتخذت خطوات كبيرة لإرضائهم، كان من أبرزها رد الأوقاف القبطية بدءاً من العام  1997م التي سبق أن ضمتها وزارة الأوقاف المصرية بعد الثورة، وصدور قرار من رئيس الجمهورية أوائل عام 1998م بتفويض سلطاته في التصريح بترميم الكنائس إلى المحافظين، وهو ما تم تطويره فيما بعد بشكل هادئ إلى تفويض كامل في التصريح ببناء الكنائس عمومًا،  وهو ما ألغى عمليًّا الخط الهمايوني الذي أصدرته الدولة العثمانية في السادس من فبراير 1856م.

كان هذا الخط ينظم بناء الكنائس في جميع الولايات العثمانية، وكان يمثل طفرة تشريعية بمقاييس عصره، حيث سمح لأول مرة ببناء كنائس في الولايات الإسلامية ولكنه اشترط الحصول على ترخيص بذلك من الباب العالي، وتم تطوير هذا الخط الهمايوني بقرار لوكيل وزارة الداخلية المصرية عام 1938م حدَّد فيها شروطًا عشرة لبناء الكنائس أو ترميمها على رأسها الحصول على موافقة رئيس الجمهورية.

وظل الأقباط يجأرون بالشكوى من هذا الخط الهمايوني وقرار وكيل الداخلية المصري، حتى صدر قرار رئيس الجمهورية قبل عامين بإلغاء هذا الخط عمليًّا وأصبح المحافظون يمارسون هذا الاختصاص.

وإضافة إلى ما سبق فإن الحكومة المصرية وافقت على إذاعة الصلوات المسيحية عبر الإذاعة والتلفزيون، كما تعطل الدراسة والامتحانات أثناء الأعياد المسيحية، وتستعد لإدخال حقبة التاريخ القبطي كجزء من المناهج الدراسية المصرية.

ورغم كل ما تحقق حتى الآن فإن الأقباط يرون أن تمثيلهم السياسي سواء في مجلس الشعب أو الشورى أو حتى المجالس المحلية لا يزال دون المستوى، ولا يتناسب مع عددهم أو دورهم في الحياة المصرية، ويعترف بعضهم بأن سلبية الأقباط وعدم انخراطهم في الحياة العامة سواء الأحزاب السياسية أو الجمعيات الأهلية كان أحد الأسباب الرئيسية لهذا الوضع، لكنهم يرون - في نفس الوقت - أن السياسات القائمة والنظام الانتخابي الحالي القائم على الانتخابات الفردية في ظل جو معادٍ للمسيحيين لا يسمح بنجاح أى قبطي، وكان الأفضل منه نظام القوائم الحزبية الذي يتيح للأقباط فرصة قوية للتمثيل من خلال قوائم الأحزاب المختلفة،  كما حدث نسبيًّا في انتخابات عام 1987م التي فاز فيها ستة مرشحين أقباط  بالانتخاب وليس بالتعيين.


بين تمثيل الكنيسة والتمثيل المدني

هذه السلبية التي عزلت الأقباط وحرمتهم من التمثيل المناسب في مجلس الشعب كانت في البداية جزءاً من سلبية عامة طغت على الشعب المصري بعد ثورة يوليو 1952 التي أممت الحياة السياسية خارج الأطر الرسمية وألغت الأحزاب، ولكن مع عودة الحياة السياسية بشكل تدريجي منذ منتصف السبعينيات كان من المأمول أن يتجاوب الأقباط مع هذا التطور، لكنهم ظلوا على سلبيتهم ولم ينضم للأحزاب السياسية منهم إلا عدد قليل، في حين ظلت الأغلبية تعتبر الكنيسة هي حزبها والممثل الشرعي الوحيد لها. وهذا التوجه تصاعد بشدة في السبعينيات والثمانينيات وحتى الآن، خصوصًا في ظل القيادة الكاريزمية للبابا شنودة الثالث للكنيسة المصرية، التي جعلته يلعب أدوارًا دينية وسياسية مهمة في الواقع المصري بل والعربي. وقد قوبل هذا الدور السياسي للبابا بانتقادات بالغة القسوة من بعض رجال الدين والمثقفين الأقباط فيما عرف بحركة الإصلاح الكنسي، وكان هؤلاء الساسة الأقباط المعارضون للبابا - وعلى رأسهم النائبان السابقان بالبرلمان الدكتور ميلاد حنا وجمال أسعد عبد الملاك والكاتب السياسي كمال زاخر - يرون أن الكنيسة دورها ديني صرف وولايتها على الأقباط في حدود هذا الدور الديني، وليس لها ولاية سياسية عليهم ولا تمثلهم سياسيًّا، وإنما الذي يمثل الأقباط سياسيًّا هي الدولة وممثلوهم المدنيون المنتخبون. ولكن رغم حدة هذه الحملة على البابا، إلا أن شخصيته الطاغية وحب الأقباط له أبقى الأمور على ما هي عليه، وأصبحت قيادة الكنيسة للأقباط أمرًا واقعًا تسلم به الدولة وحتى الأحزاب المعارضة، ويلجأ الجميع إليها حين يتعلق الأمر بقضية قبطية.

وقد حاولت الكنيسة على مدى الفترة الماضية توجيه الأقباط ودفعهم لتسجيل أسمائهم في كشوف الناخبين حتى يكون لهم وزن مؤثر في أي انتخابات وهو ما صرح به البابا شنودة في عدة أحاديث صحفية، لكنه اعترف بوجود صعوبات في ذلك. يقول في حديث لصحيفة الأهرام (1/1/1996م) "كنت أدعو الأقباط إلى المشاركة في الانتخابات، وأن يفصحوا عن رأيهم في كل المناسبات، فالاشتراك في الانتخابات هو حق وواجب في آن واحد. والمشكلة التي كانت تقابلنا بصراحة هي أن يقوم الأقباط بتسجيل أسمائهم في سجلات الانتخابات. بعض الصعوبات كان ناجمًا من السلبية، والبعض الآخر من ظروف موضوعية كون الكثير من سكان القاهرة (يقصد المسيحيين) ليسوا أصلاً منها، بما يحتاج منهم إلى السفر لتسجيل أسمائهم في السجلات، ثم إن هناك بعض التعقيدات الإدارية التي تتناقض مع الروح الإيجابية التي نلمسها من كل المسئولين في هذا الإطار".


فاعلية الأقباط قبل الثورة

والحديث عن سلبية الأقباط التي بدأت مع عهد يوليو 1952م يجرنا إلى الحديث عن الوضع السابق لذلك، وكيف أن الأقباط في ظل مشاركتهم الفاعلة في الحياة السياسية ونشاطهم الواسع في الأحزاب المصرية في العهد الليبرالي قبل يوليو 1952م تمكنوا من الوصول إلى أعلى المواقع القيادية، حيث تولى قبطيان رئاسة الوزارة المصرية هما بطرس غالي ويوسف وهبة وتولى قبطي ثالث رئاسة البرلمان وهو ويصا واصف.

وقد بدأت المشاركة الفعَّالة للأقباط في الحياة السياسية منذ مشاركتهم الكبيرة في ثورة 1919م بقيادة سعد زغلول ضد الإنجليز، والتي أسفرت عن نفي عدد من القيادات الوطنية المصرية بينهم عدد من الأقباط. وبعد العودة تشكل حزب الوفد المصري، وكان حزب الغالبية في معظم الأوقات، وكان الحزب المفضل للمسيحيين ومن خلاله تمكنوا من الوصول إلى البرلمان بعدد من النواب يزيد عن نسبتهم العددية بين الشعب المصري، فالكاتب القبطي سليمان شفيق في كتابه "الأقباط بين الحرمان الكنسي والوطني" يقول: "إن ثورة 1919م حلت الإشكالية الخاصة بعلاقة مكانة الأقباط وثروتهم بالمشاركة السياسية في الهيئات النيابية بشكل نسبى. وفي بعض الأحيان حاز الأقباط على تمثيل سياسي أكثر من مكانتهم مثل برلمان 1929م وبرلمان 1942م، حيث كانت نسبتهم في الأول 9,8% والثاني 10.2%". ويؤكد المستشار طارق البشري في مؤلفه الهام "الأقباط والمسلمون في إطار الجماعة الوطنية" أن التذبذب في عدد الأقباط انخفاضًا وصعودًا إنما كان مرتبطًا بالحركة السياسية الديموقراطية وما يعتريها من تصاعد وانخفاض.

جدول يوضح تمثيل الأقباط في البرلمان المصري قبل الثورة

النسبة

العدد الإجمالي لأعضاء المجلس

عدد الأقباط

الانتخابات

2.80%

214

6

1924

4.67%

214

15

1925

7.94%

214

17

1926

10.22%

225

23

1929

2.67%

150

4

1931

8.62%

232

20

1936

12.05%

224

27

1938

10.23%

264

27

1942

4.55%

264

12

1945

3.13%

319

10

1950

 

تم استخلاص بيانات هذا الجدول من كتاب: المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية

وبالنسبة لمجلس الشيوخ الذي كان يتكون من أعضاء منتخبين ومعينين من فئات معينة هي أساسًا كبار الموظفين السابقين وكبار ملاك الأراضي الزراعيين وكبار رجال المال، كان الأمر مشابهًا، ففي سنة 1924م كان العدد الكلى للمجلس 119 منهم 15 من القبط والمسيحيين عامة بنسبة 13% (كان هناك مسيحيون من الشام والأرمن واليونانيين وكانوا يمثلون في المجلس)، وكان المنتخبون 71 منهم 7 من القبط بنسة 8,5% والمعينون 48 منهم 9 من القبط والمسيحيين عمومًا بنسبة 18,5%.

وفي عام 1931م كان العدد الكلي للأعضاء 100 منهم 17 من القبط والمسيحيين عامة.

وفي مجلس 1936م كان العدد الكلي 147 منهم 19 من القبط والمسيحيين سواء منتخبين أو معينين.

وهكذا يتضح حجم التمثيل العالي للأقباط سواء في مجلس النواب أو مجلس الشيوخ بنسب تجاوزت نسبتهم الحقيقية في المجتمع المصري. أما عن المناصب الوزارية التي تولاها الأقباط في ذلك العهد، فهي وفقًا للباحث القبطي سليمان شفيق: رئاسة الوزارة مرتين، ووزارة الأشغال والمواصلات ست مرات، والزراعة ثماني مرات، والحربية مرة واحدة، والتجارة والصناعة سبع مرات، والتموين مرتين، والصحة مرتين.


الأقباط تحت الحكم الناصري

أما بعد ثورة يوليو 1952م - خلال فترة الحكم الشمولي - فقد انخفض تمثيل الأقباط في البرلمان ووصل إلى حد التلاشي التام في بعض الفترات، وابتدعت حكومات الرئيس عبد الناصر أولاً فكرة الدوائر المغلقة على بعض المرشحين الأقباط، ثم بعد ذلك ابتدعت فكرة تعيين الأقباط كبديل لعدم فوزهم في الانتخابات. لكن ما الذي جعل الأقباط يبدون بهذا الحجم من السلبية التي فاقت مواطنيهم المسلمين في عهد الثورة رغم أن غالبيتهم استفادوا من مشروعاتها الإصلاحية، كما أنها ضربت بقوة حركة الإخوان المسلمين، وحافظت على نهج علماني إلى حد بعيد لنظام الحكم، وهي التي بنت للأقباط الكاتدرائية المرقسية الحالية؟ لدينا في هذا الصدد شهادة من قيادة سياسية وفكرية قبطية، وكذلك لدينا شهادة من أحد رموز الثورة وأبرز منظِّرِيها. 

تقول الدكتورة منى مكرم عبيد (ابنة القيادة القبطية التاريخية مكرم عبيد) (الحياة اللندنية 11/7/1997م): "كان في إمكان الثورة إعادة مسار سفينة الوحدة الوطنية إلى مجراها الطبيعي، خصوصًا في ضوء نجاحها في ضرب حركة الإخوان المسلمين عام 1954م وتمتع عبد الناصر بكاريزما سياسية، غير أن قيادة الثورة زايدت على الشعارات الدينية، ووظفت الدين لخدمة شرعيتها السياسية بدلاً من الاعتماد على الإنجاز كمصدر لهذه الشرعية. غير أن أخطر قرار أصدره عبد الناصر في مجرى صراعه مع الإخوان المسلمين كان تدريس الدين في مختلف مراحل التعليم، ورغم أن هذا القرار قد يكون عاديًّا ومشروعًا باعتباره يؤدى إلى دعم الجوانب الروحية لدى الطلاب، إلا أن ذلك كان يتحقق فقط في ظل وجود كوادر مدربة جيدًا لهذه المهمة، ولكن قام بتدريس الدين أشخاص لا تتوافر فيهم المقومات الكافية من حيث الفهم الصحيح لجوهره؛ ولذلك كانت نتيجة هذا القرار تعميق أوجه التمايز بين أبناء الأمة المصرية، وتزامن ذلك مع تقلص النفوذ السياسي والاقتصادي للأقباط بسبب إجراءات التأميم التي طالت الكثيرين منهم، هذا فضلاً عن اعتماد النظام على أهل الثقة في تولي المناصب الرئيسية، مما أدى إلى هجرة عدد كبير منهم إلى الخارج وعزوف الموجودين بالداخل عن ممارسة حقوقهم السياسية أو الانخراط في العملية السياسية في ظل مناخ غير ديموقراطي.

وقد كانت النتيجة الطبيعية لذلك أنه في انتخابات عام 1957م لم يفز قبطي واحد، فلجأ النظام إلى أسلوب الدوائر المغلقة، حيث تم اختيار عشرة دوائر بدقة وقصرها على مرشحين أقباط، غير أن هذا الأسلوب لم ينجح... ولذلك ابتكر النظام فكرة التعيين حيث سمح الدستور لرئيس الدولة بتعيين عشرة نواب، روعي أن يكونوا كلهم أو معظمهم من الأقباط، مما تسبب في تولد الشعور لدى قطاعات كثيرة من الأقباط بأنهم أقلية، وبالتالي تكريس عزوفهم وسلبيتهم في المشاركة السياسية. كما كان تولي الأقباط وزارات هامشية انعكاسًا لتهميشهم سياسيًّا".

أما الكاتب الصحفي محمد حسنين هيكل فيرجع المشكلة إلى ثلاثة أسباب (انظر مجلة الكتب: وجهات نظر- مارس 2000م):

1 - أن مجلس قيادة الثورة لم يظهر في قائمة أعضائه قبطي. ومع أن هناك فارقًا بين التنظيمات السياسية العلنية وبين تشكيلات العمل السياسي السري، فإن ما آلت إليه الأحوال قبل الثورة جعل من عدم وجود ضابط قبطي في مجلس القيادة الجديد مسألة أكبر من حجمها.

2 - أنه بدا في أول الثورة وكأن نظامها الجديد وثيق الصلة بالإخوان المسلمين. وبالفعل فإن الإخوان حاولوا إعطاء الانطباع بأن لهم في الثورة أكبر مما هو باد على السطح، وزكَّى ذلك واقع أن بعض قيادات الثورة اقتربوا في مرحلة من مراحل حياتهم من جماعة الإخوان المسلمين مثل كمال الدين حسين وأنور السادات بل وجمال عبد الناصر نفسه.

3 - أنه في تلك اللحظة لم تكن الكنيسة القبطية في أحسن أحوالها؛ لأن بطركها الأنبا يوثاب كان يواجه أزمة داخل كنيسته نشأت من صراع بين التقليد والتجديد. وكانت الكنيسة، بواقع ما طرأ خلال الحرب العالمية الثانية وبعدها، قد أصبحت – بحكم الظروف – وحدها في الحياة القبطية ودون قيادة سياسية بارزة يعترف بها الكل؛ المسلمون قبل الأقباط، كما كان في زمن مكرم عبيد. ولم تكن الكنيسة في ذلك الوقت مؤهلة لهذا الدور، ومن سوء الحظ أن العائلات القبطية الكبيرة قصرت نشاطها على المجال الاقتصادي والمالي، وبالتالي فإن الدائرة القبطية كانت خالية سياسيًّا ليس لها نائب معتمد أو مرشح مقبول...

وبنظرة عامة على وضع التمثيل القبطي في برلمانات الثورة يتضح أنه لم ينجح بالانتخاب منذ 1952م وحتى 1962م سوى نائب قبطي واحد، وهو فريد فايق فريد في برلمان 1955م، وقد اعتقل عام 1958م في حملة الثورة على الشيوعيين. أما برلمان 1964 فقد انتخب له نائب واحد وتم تعيين ثمانية. وفي برلمان 1969م تم انتخاب نائبين وتعيين سبعة.


علاقة متوترة مع السادات

وإذا وصلنا إلى مرحلة السبعينيات فسنجد أن العلاقة بين الدولة والأقباط بلغت أوج تدهورها. وكانت البداية في أحداث الخانكة في السادس من نوفمبر عام 1972م - وكان يصادف عيد الفطر المبارك - حيث أحرق مجهولون كنيسة قبطية بنيت بدون ترخيص، وفي اليوم التالي قام عدد كبير من القساوسة والرهبان - يتقدمهم البابا شنودة بنفسه - بمسيرة مشيًا على الأقدام حتى موقع الكنيسة، وهو ما استفز قطاعًا كبيرًا من المسلمين فأحرقوا عددًا من المحلات القبطية. لكن الأهم هو أن الرئيس الراحل أنور السادات اعتبر هذه المسيرة تحديًّا مسيحيًّا وتمردًا علنيًّا على حكمه. ومنذ ذلك الوقت ترعرعت روح العداء بين الرئيس السادات والبابا شنودة الذي عُيِّن في بداية عهد السادات رئيسًا للكنيسة القبطية، وحاول السادات استقطاب بعض العناصر القبطية المناوئة للبابا الذي واصل بدوره تحديه للرئيس السادات وأعلن رفضه لخططه، في الوقت الذي كان السادات يحرص على الظهور بمظهر الرئيس المؤمن، واتخذ لدولته شعار العلم والإيمان، إضافة إلى الظهور القوى للجماعات الإسلامية.

وهذه الأوضاع لم تَرُق للأقباط، فزادت عزلتهم  في المجتمع، وانسحبوا بشكل شبه كامل إلى الكنيسة. وبلغ الصدام بين الرئيس السادات والبابا شنودة ذروته بعد الأحداث الطائفية التي شهدها حي الزاوية الحمراء عام 1980م، وقبل ذلك رفض البابا اتفاقية السلام مع إسرائيل. وحين اتخذ السادات قرارًا باعتقال أكثر من ألف وخمسمائة من قيادات مصر الدينية والسياسية في الخامس من سبتمبر 1981م كان البابا شنودة أحد الذين تضمنهم القرار، ولكن في شكل تحفظ في أحد الأديرة، وعلى رغم هذا التوتر شهد تمثيل الأقباط في البرلمان تحسنًا طفيفًا؛ إذ تم انتخاب ثلاثة في أول برلمان في عهد السادات وهو برلمان 1971م وتم تعيين تسعة، وفي آخر برلمان عام 1979م تم انتخاب أربعة وتعيين عشرة.


النفق المظلم ومحاولات النجاة

لم يتحسن الوضع كثيرًا منذ بداية الثمانينيات، فرغم أن الرئيس مبارك لم يستمر في رفع الشعارات السابقة التي لا تلقى استحسان الأقباط، بل وبادر في بداية عهده برفع الإقامة الجبرية عن البابا، وأعاده إلى كنيسته، فإن حالة العزلة والسلبية القبطية كانت قد تمكنت من النفوس، وغذاها تزايد تحركات أقباط المهجر الذين صعَّدوا حملتهم بشكل منظم ضد الحكومة المصرية، وطالبوا بالتدخل الأجنبي لحماية الأقباط. وقد قوبل هذا المطلب بالرفض من الكنيسة المصرية والقيادات القبطية الوطنية.

وإضافة إلى جهود الدولة المصرية التي سبق الإشارة إليها لتهدئة مخاوف الأقباط، فقد بذلت القوى السياسية جهودًا موازية، وكان من هذه الجهود تجربة التحالف الإسلامي في انتخابات عام 1987م، حيث تم ترشيح القبطي جمال أسعد عبد الملاك على رأس قائمة التحالف في مدينة القوصية بمحافظة أسيوط، ولم يقتصر الأمر على وضع هذا المرشح على رأس القائمة لضمان نجاحه، بل تطلب الأمر أن يقوم المرشد العام للإخوان المسلمين وقتها "حامد أبو النصر" بزيارة خاصة للدائرة، وإصدار بيان يطالب فيه أنصاره وعموم المسلمين بانتخاب هذا القبطي، وهو ما حدث فعلاً. وقد أراد التحالف الإسلامي بهذه المبادرة التأكيد للأقباط أن مكانتهم محفوظة في المشروع الإسلامي، وهو ما كرره حزب العمل ذو التوجه الإسلامي في انتخابات 1995م، ولكن أيًّا من مرشحيه لم يوفق. كما يحاول الإخوان مرة أخرى للدورة المقبلة. وفي الوقت نفسه، رشحت أحزاب المعارضة المصرية الأخرى مرشحين أقباطًا لم يوفقوا بدورهم.

وكانت صدمة انتخابات 1995م قاسية جدًّا على الأقباط لعدم ترشيح الحزب الوطني الحاكم أي مرشح قبطي، ولعدم فوز أي من مرشحيهم سواء المستقلين أو من الأحزاب المعارضة الأخرى. ورغم أن قطاعًا من الصفوة القبطية الراغبة في الترشيح يحاول تجاوز هذه الصدمة، إلا أنه قد يواجه باستمرار الصدمة لدى القطاعات الشعبية القبطية وهم جمهور الناخبين، مما سيؤثر سلبًا على نتائج الانتخابات القادمة وقد لا نكون مبالغين إذا قلنا إن تمثيل الأقباط في البرلمان القادم لن يشهد طفرة كبيرة، اللهم إلا إذا رشح الحزب الوطني الحاكم عددًا معتبرًا من الرموز القبطية، وترك المرشحين الأقباط الآخرين سواء المستقلين أو من ينتمون لأحزاب المعارضة دون تدخل. 

 

 

اقرأ أيضًا:  

التدخلات الخارجية في الصراعات الدينية القومية الراهنة

الانتخابات المصرية.. النظام يحدد قواعد اللعب

مصر تسعى لاستثمار زيارة بابا الفاتيكان سياسيًّا وسياحيًّا       

ندوة مصرية تحذِّر من استغلال أمريكا للحوادث الطائفية        

أقباط مصر ينتقدون "الدور الخارجي" في إحداث الفتنة      

20  قتيلاً في مواجهات بجنوب مصر         

أقباط مصر: احتفالات حزينة بالعيد بسبب أحداث الكشح

إخوان مصر يرشّحون أقباطًا في الانتخابات!             

 

قضايا سياسية

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع