بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

الاتجاه الوسطي في الفكر السياسي الإسلامي الأمريكي

قراءة في فكر مؤسسي مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (كير)

بنسلفانيا - علاء بيومي


ذاع في الآونة الأخيرة الحديث عن الاتجاهات الوسطية المعتدلة للمجتمع الأمريكي المسلم في عدد من أشهر الدوريات الأمريكية، فعلى سبيل المثال نشرت مجلة يو إس نيوز آند ورلد ريبورت  U.S. News &World Report   الشهرية في عددها الصادر في يونيو من هذا العام مقالة مطولة بعنوان "الإسلام الوسطي": الإسلام ينمو سريعًا بالولايات المتحدة والمسلمون يعيدون رسم صورتهم لدى المجتمع الأمريكي"، كما صمتت كثير من الأقلام التي طالما اتهمت مسلمي أمريكا والعالم بالتطرف.

شعار منظمة كير

وقد رأينا أن نتناول آراء مدرسة جديدة في الفكر السياسي الإسلامي الأمريكي كان لوجودها أكبر الأثر في تدعيم ونشر الاتجاه الأمريكي المسلم الوسطي في العقد الأخير، ألا وهي مدرسة مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (أو "كير" كما يطلق عليها في اللغة الإنجليزية) بروادها الثلاثة عمر أحمد ونهاد عوض وإبراهيم هوبر. وسوف نتناول محاور ثلاثة: 1) أنشطة وإنجازات كير. 2) الفكر السياسي الأمريكي الإسلامي المعاصر وبعض أهم خصائصه. 3) تصور الرواد الثلاثة لأهم مقومات الوسطية السياسية للمسلمين بالمجتمع الأمريكي.

كير وقراءة تاريخ المسلمين بالولايات المتحدة

في الأول من شهر يونيو عام 1994م أسس عمر أحمد ونهاد عوض وإبراهيم هوبر مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية "كير" كأول منظمة حقوق مدنية أمريكية إسلامية متخصصة في استقبال حالات التمييز العنصري والديني التي وقع ضحيتها المسلمون بالولايات المتحدة، وحالات تشويه صورة المسلمين والإسلام في الإعلام الأمريكي. وتقوم "كير" بالضغط على الطرف المقابل، الذي قد يكون رجل أعمال أو سياسيًّا أو صحفيًّا أو دار نشر أو مؤسسة صناعية عن طريق مخاطبته رسميًّا لرفع ما أوقعه من ضرر بالمسلمين أو بصورة الإسلام في مؤسسته؛ فإذا ما رفض شنت "كير" عليه حملة دعائية جماهيرية لا تنتهي إلا بتراجع الخصم عن موقفه.

و"كير" في حملاتها لا تلجأ إلى القضاء إلا كخيار أخير. وغالبًا ما تعقب "كير" مثل هذه الحملات أو تسبقها بحملات تعليمية ودعائية؛ لتحسين صورة الإسلام والمسلمين بالولايات المتحدة.

وخلال سنوات عمره الستة تلقى المجلس حوالي ثلاثة آلاف قضية من قضايا التمييز العنصري ضد أبناء الأقلية الأمريكية المسلمة، واستطاع تحقيق نجاحات عديدة دافع فيها عن حقوق المسلمين الأمريكيين وغير الأمريكيين ضد مجموعة من كبريات المؤسسات الأمريكية العالمية كشركة "نايكي" العالمية للصناعات الرياضية، وشركة "كوكاكولا" للمشروبات الغازية، وشركة مطاعم "بيرجر كينج"، ومؤسسة "سيمون أند شوستر" أكبر شركات النشر باللغة الإنجليزية في العالم، وشركة "سكولاستك" أكبر شركات الطباعة والنشر الأمريكية، وشركة "سيلكترون" أحد أكبر شركات معدات الاتصالات الإلكترونية في العالم، وجريدة "لوس أنجلوس تايمز" الشهيرة.

 احتياجات المسلم الأمريكي

و"كير" في ما تطرحه من مشروع ومنهج، كَمَن لخَّص واستجاب لبعض أهم حاجات المجتمع الأمريكي المسلم في المرحلة التاريخية التي يمر بها، فالمجتمع المسلم الأمريكي يخطو في هذه السنوات خطوات سريعة على طريق التكامل مع الجماعات الأمريكية الأخرى غير المسلمة تكاملاً إيجابيًّا يحفظ له أصالته وهويته الإسلامية، وهو يحتاج أكثر ما يحتاج في هذه المرحلة لجهود دعائية ضخمة تعمل على إعادة تشكيل صورته وصورة قيمه الإسلامية لدى الجمهور الأمريكي كخطوة مسبقة على أية عمليات تعايش أو تكامل إيجابية، وهو ما تحمله "كير" على عاتقها وتسعى إلى تحقيقه من خلال جهودها الإعلامية الضخمة.

ويحتاج المجتمع - في الوقت ذاته - من يبث فيه الأمل ويشعره بالقوة والمنعة والعزة ومن يعيد إليه حقوقه وكرامته إذا ما فقدها، وهو ما تبنته كير خلال عشرات المئات من الحملات الناجحة التي شنتها.

وقد فهمت "كير" أن الأمريكيين المسلمين - خاصة المهاجرين والأمريكيين من الأصل الأفريقي منهم - هم قليلو الثقة بما هو سياسي؛ ففضلت العمل مع الجماهير والإعلام والقضاء. وقد فهمت أن المواطن الأمريكي المسلم وغير المسلم يحترم الدين ويعتز به كفرد – إلى حد بعيد – فمالت للمحافظة والالتزام الواضحَيْن في كل ما تفعله. كما فهمت كير- كما يرى عوض – أن المسلم الأمريكي قد ملَّ، بل قد كره الانقسام والتطرف والصراع، فعمدت إلى جمع المسلمين على القواسم المشتركة وعدم الخوض في القضايا الخلافية، وتصفية الأجواء ورأب الصدع ومالت إلى الوسطية.

كير تخطو إلى الأمام

وقد انعكس ذلك بكل خير على نجاح كير الملفت للنظر، حيث نمت كير خلال ست سنوات فقط - من منظمة صغيرة يديرها عوض وهوبر ويرأس إدارتها عمر أحمد تعمل بمكتب صغير بمدينة واشنطن - إلى مؤسسة ذات شهرة وهوية وتقاليد مميزة تتعدى ميزانيتها السنوية المليونين من الدولارات، ويعمل بها حوالي خمسة عشر متخصصًا. وفوق ذلك تمتلك مبنى من ثلاثة طوابق على بعد خطوات من أحد أهم مراكز صناعة القرار بالعالم - وربما أهمها جميعا - ألا وهو الكونجرس الأمريكي، بالإضافة إلى فروع ثمانية ومكاتب عديدة بأهم المدن الأمريكية والكندية بعد أن أصبح المجلس نموذجًا يسعى المسلمون الأمريكيون لتكراره والاحتذاء به، كما أصبح مديروها أحمد وعوض وهوبر شخصيات عامة معروفة ومستشارة في المجتمعَيْن الأمريكيين المسلم وغير المسلم.

كما تبوأ المجلس مكانة رفيعة داخل المجتمع الأمريكي المسلم. فكير - كما يرى عمر أحمد - هي واحدة من مؤسسات قليلة يجمع عليها غالبية أفراد وجماعات المجتمع الأمريكي المسلم. وفَهْم حجم هذا الإنجاز يتطلب فهم طبيعة المجتمع الأمريكي المسلم الشديدة التعدد والتعقيد في آن واحد، فالمجتمع الأمريكي بصفة عامة مجتمع مزيج يتكون من ديانات وأعراق عديدة، تربَّى أبناؤه على النقد كمزاج عام للتفكير وعلى الفردية كأسلوب عام للحياة.

وفي وسط هذا المحيط المجتمعي الأمريكي المتقلب يعيش المجتمع المسلم متفردًا بكونه أكثر المجتمعات الأمريكية تعددًا وربما تباعدًا، فهو مجتمع ينقسم أبناؤه بين عشرات الهويات الوطنية والعديد من الأعراق واللغات والمذاهب الدينية، ولا تجتمع غالبيته إلا على أشياء قليلة أهمها هو رغبتهم في المحافظة على ديانتهم الإسلامية.

وفي وسط هذه الظروف الصعبة استطاعت "كير" خلال ست سنوات فقط كسب رضاء وولاء غالبية أفراد وطوائف المجتمع الأمريكي المسلم، فـ"كير" تساعد وتتلقى مساعدات من طوائف المجتمع المسلم كافة، كما تضم طاقمًا من الخبراء والموظفين شديدي الاختلاط من عرب وأفارقة وأمريكيين من أصل أفريقي وأمريكيين من أصل أوربي وأبناء الجيل الأمريكي المسلم الثاني. وتكاد تكون "كير" مدعوَّة إلى كافة محافل المسلمين ومستشارة من قبل غالبية جماعاتهم. وأهم من ذلك هو قلة حجم النقد الموجَّه إلى كير من المجتمع الأمريكي المسلم كما يؤكد هوبر.

وقد انعكس إجماع مسلمي أمريكا الشمالية على - التفافهم حول - "كير" على نظرة المجتمع الأمريكي غير المسلم إليها، فقد أصبحت مُهابة من قبل كبريات المؤسسات الأمريكية بعد أن ساعدت عشرات المئات من المسلمين بالولايات المتحدة للحصول على حقوقهم في ممارسة الدين الإسلامي، وفي عدم التمييز ضدهم من قبل عشرات المئات من أكبر المؤسسات الأمريكية. ويومًا بعد يوم تصحح "كير" نظرة الإعلام الأمريكي للإسلام والمسلمين بعد أن أصبحت مرجعًا تعود إليه كبرى شبكات الإعلام الأمريكية كوكالات السي إن إن والواشنطن بوست والنيويورك تايمز.

وعلى الصعيد السياسي تعددت لقاءات ممثلي كير مع الرئيس الأمريكي والوزراء الأمريكيين ورجال الكونجرس الأمريكي، للتعبير عن وجهة نظر المواطن المسلم الأمريكي في القضايا السياسية الهامة أو للمطالبة بحق من حقوق المسلمين الأمريكيين، أو أحيانًا للترحيب برؤساء وملوك البلدان الإسلامية - كما حدث مؤخرًا في حفلات استقبال مَلِكَي الأردن والمغرب والرئيس اليمني - كممثلين للمسلمين الأمريكيين.

   "كير" والهوية الأمريكية الإسلامية الناشئة

        ما زال المجتمع الأمريكي المسلم يعيش طور النشأة والتكوين على مستويات عديدة بما في ذلك مستوى الهوية ذاته، فما زالت أعداد كبيرة من مسلمي أمريكا وأعداد أكبر من مسلمي البلدان الإسلامية ينظرون إلى الهوية الإسلامية الأمريكية نظرة استغراب وربما نفي، حيث يعيش عدد ليس بقليل من أبناء الجيل الأول من المهاجرين المسلمين بالولايات المتحدة لسنوات وربما لعقود بأمريكا، مشتتين بين انخراطهم الاقتصادي والاجتماعي في المجتمع الأمريكي ومخزونهم السياسي القديم المتأزم مع الكثير من سياسات النظام الأمريكي خاصة على المستوى الخارجي.

وغالبًا ما يدخل هؤلاء في مناظرات مطولة مع أبناء الجيل الثاني من مسلمي أمريكا الذين استطاع البعض منهم الوقوف على هويات أمريكية إسلامية هي من الذكاء والتطور بحيث تحتفظ بجوهر من القيم الإسلامية، وتتسلح بآخر ما توصل إليه العصر من علم وتكنولوجيا، وتبتعد عن أن تكون هويات وطنية ضيقة.

وقد يعزى قدر كبير من النجاح الذي حققه قادة كأحمد وعوض وهوبر إلى قدرتهم على تطوير هويات أمريكية إسلامية متجانسة وقوية، فلم يَعُد التساؤل الهام حول ما إذا كان ينبغي على المسلمين البقاء في الولايات المتحدة أم الرجوع إلى بلدان العالم الإسلامي يعيق ثلاثتهم عن العمل لخدمة المسلمين بأمريكا، فهوياتهم تستقل إلى حد كبير عن المكان وترتبط ارتباطًا أساسيًّا بالتجمع المسلم أينما وجد، وبالقيم الإسلامية القابلة للتطبيق - من وجهة نظرهم - في كل زمان ومكان، وهم يؤمنون بضرورة السعي لبناء حياة إسلامية أفضل كفريضة إسلامية لا تنتهي الحاجة إليها أينما عاش المسلم؛ ومن ثَمَّ ركَّزوا كافة إمكاناتهم في خدمة المجتمع المسلم الأمريكي.

ومثل هذا التركيز للقدرات يُعَدُّ أمرًا ضروريًّا لخدمة أية مجتمع يعيش طور تكوينه بما تتميز به تلك الفترة من كثرة الحاجات وتعاظم التحديات والطموحات، فالمجتمع الأمريكي المسلم اليوم في حاجة شديدة ليس فقط لموارد مادية، وأبواق إعلامية، ومحافل أكاديمية، ولكنه في حاجة أيضًا لمفكرين ورؤى إستراتيجية وكثير من الحاجات الأساسية.

التحديات الصعبة

أما تحدياته فهي عظيمة، تأتيه من داخله - من بعض أبناء المسلمين الرافضين لوجود المسلمين في أمريكا وبعض أبناء المسلمين المحبين لمثل هذا الوجود، ولكنهم كثيرو الخصام فيما بينهم. وهو ينتظر تحديات أعظم من أطراف متربصة به تمتلك أدوات إعلامية عالمية جبارة كبعض فئات الفكر الصهيوني والمسيحي المتطرف والانحلالي المعادية لكل ما هو إسلامي أو مسلم، حتى إذا ما شبَّ وحاول موازنة نفوذها على صنَّاع القرار بالمجتمع الأمريكي انقضت عليه بلا رحمة.

وأعظم من حاجات وتحديات هذا الوجود الوليد هو طموحات أبنائه المخلصين، وذلك لأسباب عديدة أولها إيمان قادة كأحمد وعوض وهوبر بالطبيعة الرسالية لوجودهم بالولايات المتحدة والعالم.

فكما يرى عوض أن المسلمين في أمريكا يقفون على ثغرة من أهم ثغرات المسلمين، فكون الله سبحانه وتعالى قد أسكنهم الولايات المتحدة، فما ذلك إلا لحكمة قدرها الله - عز وجل - يحتاجونها كتجمع أمريكي مسلم، ويحتاجها إخوانهم المسلمون في البلدان الإسلامية، وتحتاجها البشرية جمعاء.

"فكير" تنظر لنمو المجتمع المسلم الأمريكي كفرصة ومسئولية، فهو فرصة لقرب أبنائه من دوائر صناعة القرار العالمي في عصرنا هذا، متمتعين بكل ما يتمتع به المقربون من مثل هذه الدوائر من فرص تعليم ودخول مرتفعة وتكنولوجيا متوافرة وأهمية مضمونة لدى صانع القرار، فالمسلم الأمريكي له حق التصويت مثل أي مواطن آخر، ويستطيع - إذا أراد - التأثير على صانع القرار الأمريكي بطرق عديدة هي في متناول يديه.

وهي مسئولية لأن الله سوف يحاسب المسلمين في أمريكا على مثل هذه القدرات: فيم أنفقوها؟ خاصة وأن العديد من إخوانهم المسلمين ببلدان العالم المختلفة في أشد الحاجة إلى المساعدة، وأن السياسة العالمية كلها في حاجة إلى صوت وهدي إسلامي بعد تعاظم الأخطار العالمية من أسلحة دمار شامل وظلم، وقهر عالمي اقتصادي، وانتهاكات حقوق الإنسان واضمحلال خلقي وبيئي يتخطى حد الكوارث، فالمجتمع المسلم الأمريكي هو مجتمع عظيم الطموحات رغم تحدياته الكثيرة، فهو يطمح في مساعدة العالم.

و"كير" تُعَدُّ نموذجًا رياديًّا لجيل جديد من المسلمين بالولايات المتحدة استطاع التخلص من آثار ثقافة اللافعل المتوارثة بين بعض أبناء المسلمين، وثقافة الفعل اللامنضبط المنتشرة بين أبناء المجتمع الأمريكي، واستطاع بناء أمل جديد على أساس واقعي هو حجم النجاح الملموس الذي حققته "كير" كمؤسسة.

تعريف "كير" للاتجاه الوسطي للمسلم الأمريكي

في أوائل عام 2000م نشرت مجلة "ذا لينك The Link " الأمريكية مقالة لنهاد عوض المدير التنفيذي للمجلس بعنوان "المسلمون في الوسطية الأمريكية"، والمقال يُعَدُّ نموذجًا لمجهودات عديدة تبذلها "كير"؛ لترسيخ الاتجاه الوسطي للمسلمين بأمريكا. وتتبع كير في وسطيتها منهجًا مركبًا يرى وسطية أية مؤسسة أو جماعة كسعي دائم لربط نفسها بأقطاب عدة في آن واحد.

وتنطلق وسطية كير من نظرة مؤسسيها للإسلام كدين، ودولة، وكسياسة، وأسرة وكقانون عام، وقيم فردية في آن واحد، فهم يجمعون على أن انحراف فكر أو عمل جماعة ما عن الوسطية غالبًا ما يبدأ بتبنيها أفكارًا وأيديولوجيات تهمل بعض أبعاد الظاهرة البشرية لصالح أبعاد أخرى. وهم يرون أن الإسلام يحمي الفكر من الزلل عن الوسطية بتأكيده على النظرة الشمولية للإنسان والحياة والشرع الإلهي؛ ولذلك يرى عوض أن كير تعيش حالة تحدٍّ دائمة لربط نفسها بكل نواحي وجود المسلمين بالولايات المتحدة، من مشاركة سياسية، وتعليم لأطفال المسلمين بالمدارس الأمريكية، وحماية للمساجد، وحماية للمسلمين اقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا، ودعوة الآخرين إلى الإسلام.

كما تنطلق وسطية كير من إيمان مؤسسيها بأهمية – ما يطلق عليه عوض - وحدة الخطاب أو التجانس، فأقوال وأفعال الرواد الثلاثة دائمًا ما تميل إلى الوسط لإيمانهم بضرورة عدم وجود أكثر من وجه واحد أو صورة واحدة لأفعالهم وأقوالهم ومؤسستهم لدى كل أفراد المجتمع الأمريكي من مسلمين أو غير مسلمين على حد سواء. وعوض يؤمن بأن وحدة الخطاب هي خاصية أصيلة من خصائص الخطاب الإسلامي، وذلك لما يمتلكه من قوة حجة وطبيعة سمحة في آن واحد.

وتنطلق ثالثًا من تركيز الرواد الثلاثة على قيم المسامحة والسماحة والسلام والتعاون كمنهج عام للتعامل مع المسلمين وغير المسلمين في المجتمع الأمريكي؛ وهو منهج تشتد الحاجة إليه في التعامل مع المسلمين قبل غيرهم، فما أكثر الصراعات التي تمزق جسد الأمة الإسلامية اليوم بلا هوادة؛ لذا يقِرُّ المفكرون الثلاثة أن كير منذ نشأتها أخذت على نفسها عهدًا بعدم الخوض في القضايا الخلافية بين المسلمين، وعهدًا آخر بمساعدة أي مسلم بغض النظر عن مذهبه أو انتمائه. وبالمثل يتعامل مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية مع الجماعات الأمريكية غير المسلمة، وكذلك يري نهاد عوض أن السبب الرئيسي لتقبل المجتمع الأمريكي لكير هو خطابها الوسطي المتسامح والذي هو أصدق تعبير عن عقيدتها الإسلامية المنادية بالتسامح والسلام والتعاون والوسطية.

كير: الفكر والحركة

وأول ما تسعى كير إلى الارتباط به من أقطاب – لتحقيق الوسطية - هما قطبا الفكر والحركة، فأفكار المفكرين الثلاثة دائمًا ما تبحث عن وسط يربطها بالواقع اجتماعيًّا واقتصاديًّا وسياسيًّا، وهو يبتعد عن أن يكون تنظيرًا فكريًّا منعزلاً عن واقعه. ساعد على ذلك مناخ الحريات السياسية الأمريكية، وطبيعة المجتمع الأمريكي كمجتمع منظمات ومؤسسات، وفلسفة المجتمع الأمريكي البرغماتية التي تحض على الحركة، بالإضافة إلى طبيعة الفكر الإسلامي كفكر يحض على النشاط والحركة.

والرواد الثلاثة أحمد وعوض وهوبر هم حركيون ونشطاء أولاً قبل أن يكونوا مفكرين ومنظرين، فأحمد وعوض هما رجلا سياسة وعلاقات عامة من الطراز الأول تمدهما خلفيتهما الفلسطينية الأمريكية برغبة قوية في العمل والحركة الدائبَيْن. أما هوبر المدير الإعلامي للمجلس فهو صحفي ينظر إلى قلمه كأداة للدفاع عن حقوق المظلومين وتغيير الواقع لا كأداة للكلام المعسول المنمق. والثلاثة معًا يؤمنون بضرورة موافقة الفكر للواقع فهو لا يسبقه وإن حاول تغييره، فأحمد يعتقد أنه هو وعوض وهوبر لا يسعون إلى تطبيق أفكارهم على أرض الواقع إلا إذا شعروا بتقبل المجتمع لأفكارهم. ولا يعني ذلك سلبية المفكرين الثلاثة، فكما يرى هوبر أن وظيفة مركز الأبحاث الذي يملكه المجلس هو بناء حقائق وأفكار علمية تصف الواقع وتشكله.

 وثانيًا تسعى كير لتحقيق الوسطية من خلال ربط نفسها ربطًا متوازنًا بالجماعات المختلفة المكونة للمجتمع المسلم الأمريكي. فكما يرى عمر أحمد أن كير في سعيها نحو الوسطية تعتمد على ربط منظورها وأنشطتها بالمجتمع الأمريكي المسلم؛ ولما كان هذا المجتمع هو مجتمع شديد التعدد، يتكون من جماعات عرقية ودينية ولغوية ومذهبية عديدة، كان الارتباط به ومحاولة جذب اهتمام وولاء مختلف أبنائه وطوائفه المتعددة هو خير ضمانة للتوسط والاعتدال.

التمويل المادي

ولوسطية كير بُعْد ثالث مؤسسي مادي، فالرواد الثلاثة لا يبحثون عن الوسطية في فراغ بل يبحثون عنها في إطار عمل مؤسستهم الناجحة. والنجاح عندهم ذو بُعْدين: مادي ومعنوي. وكما يرى عمر أحمد - أن اعتماد كير على المجتمع المسلم الأمريكي كمصدر أساسي لمواردها المادية حماها من الوقوع في دوائر الانحراف عن الوسطية التي تجتذب العديد من المؤسسات الأمريكية الإسلامية وغير الإسلامية التي تعتمد في مواردها على مصادر محدودة أو مصادر أجنبية، فتقع في فخ إرضاء سيد واحد غالبًا ما يكون غير مدرك لطبيعة المجتمع الأمريكي وحاجات المسلمين المقيمين به. أما كير فقد أحدثت توازنًا وربطت نفسها ماديًّا بآلاف المسلمين الأمريكيين وغير الأمريكيين كضمانة مبدئية للوسطية داخل المجتمعين الأمريكي والإسلامي.

 وهناك بُعْد رابع طريف حديث لوسطية كير ألا وهو بُعْد التركيز والتخصص، فكما يرى إبراهيم هوبر أن وسطية كير تنبع جزئيًّا من إدراكه هو وأحمد وعوض، وأن حاجات المسلمين في الولايات المتحدة في المرحلة الحالية هي حاجات لا نهاية لها في الوقت الذي تقتصر فيه إمكانيات المسلمين على موارد محدودة جدًّا، ومن ثَمَّ كان التخصص والتركيز عاملين ضروريَّين لنجاح أية مؤسسة؛ لذا عمدت كير للتخصص في خدمة المسلمين في الولايات المتحدة في قضايا الإعلام والحقوق المدنية، مما أضفى عليها وسطية من نوع جديد هي وسطية التركيز والتخصص، بعيدًا عن التشتت وعدم الوضوح أو ضيق الأفق.

  وتعتمد كير في فكرها وعملها ووسطيتها على جيل جديد من القادة والمفكرين والسياسيين المسلمين بالولايات المتحدة تساعد كير في إيجاده وتنمو معه؛ وهو جيل مسلم أمريكي وسطي معتدل يرى في الإسلام طريقًا للوسطية والسلام في أمريكا والعالم أجمع.

 

اقرأ أيضًا:  

منع الطلبة من الصلاة في المدارس الأمريكية

 "كير": تحميل الطيار المصري مسئولية الحادث جهل بالدين الإسلامي  

 

قضايا سياسية

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع