|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
هل تبني القبيلة الدولة الصومالية كما قوضتها؟! محمد عاشور معهد الدراسات الإفريقية - جامعة القاهرة
وقد تصاعدت الآمال في استقرار الأوضاع في الصومال في ظل نجاح المساعي الجيبوتية في اجتياز العقبات التي اعترضت طريق المفاوضات وهددت بنسفها في بعض مراحلها، وفي المقابل حذر البعض من المبالغة في التفاؤل في ظل التحديات والعقبات التي ما زالت تهدد نجاح المبادرة.
أولاً: المبادرة الجيبوتية: الأهداف
وأسباب النجاح.
ثانيًا: تحديات التسوية واحتمالات
فاعليتها. أولاً:
المبادرة الجيبوتية: الأهداف وأسباب
النجاح إن
تقييم المبادرة الجيبوتية واحتمالات
نجاحها يقتضي البدء بأهداف المبادرة
التي حددتها لنفسها عند إطلاقها في شهر
سبتمبر عام 1999م حينما أعلنها الرئيس جيلي
أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة،
والتي تلخصت في: 1-
حق الشعب الصومالي في ممارسة حقه
الديمقراطي في اختيار قادته. 2-
العمل على تحويل الفصائل الصومالية
العسكرية إلى أحزاب سياسية تتنافس على
السلطة عبر انتخابات ديمقراطية. 3-
نزع أسلحة الفصائل الصومالية المتحاربة
وإخضاعها لسلطة القانون والمسارعة إلى
إنشاء جهاز شرطة صومالي تمثل فيه جميع
القوى السياسية في الصومال. 4-
دعوة المجتمع الدولي للمسارعة في تقديم
المساعدات المالية لإعادة بناء الصومال. يكشف
التأمل في أهداف المبادرة الجيبوتية وما
تحقق منها، أنها قد أحرزت نجاحًا ملحوظاً
فيما يتعلق بالهدف الأول الخاص بحق الشعب
الصومالي في اختيار قادته، حيث شارك في
المؤتمر نحو ألف مواطن صومالي يمثلون قوى
المجتمع الصومالي المختلفة من مجموعات
تقليدية وحديثة قاموا باختيار أعضاء
البرلمان البالغ عددهم 245 موزعين على أسس
قبلية، وقد قام هؤلاء الأعضاء باختيار
رئيس مؤقت للجمهورية من بين 16 مرشحاً
للرئاسة. ويرى
المراقبون أن أحد أهم أسباب نجاح
المبادرة الجيبوتية في تحقيق ذلك الهدف
يرجع إلى إدراك القيادة الجيبوتية
لخريطة التحالفات والتوازنات القائمة
على أرض الصومال، انطلاقاً من واقع
انتماء الرئيس الجيبوتي جيلي إلى قبيلة
العيسى التي هي في حقيقتها أحد قبائل
الصومال الكبرى؛ حيث استطاع الرئيس جيلي
سحب البساط من تحت أقدام قادة الميليشيات
العسكرية الصومالية وأمراء الحروب من
خلال الاتصال المباشر بقيادة وزعماء
القبائل التي تنتمي إليها هؤلاء الأمراء
والقادة؛ علاوة على نجاح القيادة
الجيبوتية في المزاوجة بين سياستي
الجزرة والعصا من خلال إغراء الأطراف
المختلفة بالمشاركة في أعمال مؤتمر
المصالحة، والتلويح بفرض عقوبات
اقتصادية وعسكرية على المناطق والأقاليم
غير المتعاونة والتهديد بتقديم قادة
الميليشيات المناوئة إلى محاكم خاصة
كمجرمي حرب؛ وهو الأمر الذي دعمته بعض
تصريحات مسئولي الأمم المتحدة التي
أشارت إلى احتمال إقامة مثل هذه المحكمة،
فضلاً عن إعلان الاتحاد الأوروبي
والولايات المتحدة الأمريكية عن
مساندتهما غير المحدودة للصوماليين،
التي تصل إلى حد إمكانية التدخل العسكري
لدعم وفرض مقررات مؤتمر المصالحة. وعلى
صعيد آخر يمكن القول إن المناخ الإقليمي
ساعد بدوره على نجاح المبادرة الجيبوتية
في تحقيق أول أهدافها، حيث أدت الحرب
الحدودية الإثيوبية - الإريترية وما
صاحبها من تحركات سكانية عبر الحدود
وتوترات داخلية في كلتا الدولتين، إلى
تنبيه أذهان قادة الدولتين إلى خطورة
غياب حكومة مركزية مسئولة في دولة
الصومال، التي تحولت أرضها إلى ساحة
مستباحة لكافة الأنشطة المشروعة وغير
المشروعة، لا سيما تجارة السلاح أو
تهريبه لهذا الطرف أو ذاك من القوى
الرسمية وغير الرسمية المتصارعة. أكثر من
ذلك فإن بقاء النموذج الصومالي
واستمراره بمثل بحد ذاته مصدراً للتوتر
والتهديد للدول المجاورة نتيجة لقابليته
للتكرار فيها. وعلى
الصعيد ذاته؛ وبالرغم من بعض الملابسات
الناجمة عن حساسية بعض دول منطقة القرن
الإفريقي تجاه التحركات والمواقف
العربية لا سيما الموقف المصري؛ فإن
المشاهد أن حرص القيادات العربية
والقيادة المصرية على بيان موقفها
الداعم للمبادرة الجيبوتية قد أسهم في
تضييق المساحة المتاحة للمناورة أمام
"أمراء الحرب" ومعارضي المبادرة
الجيبوتية في الصومال. ويضاف
إلى أسباب نجاح المبادرة الجيبوتية
سالفة البيان ويسبقها سبب جوهري يتمثل في
تمسك الشعب الصومالي بحقه في أن تكون له
دولته، وهو الأمر الذي انعكس في عدة
مواقف أبرزها: المظاهرات التي شهدتها
شوارع مقديشو ضد السفير المصري، حينما
أدى عدم التنسيق وسوء الإدراك إلى
الاعتقاد بأن ثمَّة تحركًا مصريًّا
منافسًا للمبادرة الجيبوتية. وتبدَّى
التمسك الشعبي الصومالي – كذلك -
بالمبادرة الجيبوتية في أجلى صوره،
حينما خرجت مجموعات صومالية في مناطق
متفرقة من البلاد متظاهرة لأول مرة ضد
مندوبيها من أبناء جماعاتهم في المؤتمر
الذين طالبوا بزيادة عدد المقاعد
المخصصة لهم في البرلمان، حيث طالب
المتظاهرون المندوبين قبول ما يعرض
عليهم من مقاعد وعدم التشدد في مطالبهم
من أجل وحدة الصومال وعودتها إلى المجتمع
الدولي؛ الأمر الذي يشير إلى نجاح
الإدارة الإعلامية الجيبوتية التي واكبت
أعمال مؤتمر المصالحة الصومالي، حيث
تمَّ نقل وقائع أعمال المؤتمر مباشرة عبر
القناة الفضائية الجيبوتية باللغة
الصومالية، الأمر الذي أتاح الفرصة لحشد
الرأي العام الصومالي خلف المبادرة وكشف
مناورات الفرقاء والمعارضين
والمنشقِّين عن المؤتمر وتضييق النطاق
عليها.
تحديات التسوية واحتمالات فاعليتها على
الرغم من النجاح الذي أحرزته المبادرة
الجيبوتية، فإن الأمر لا يخلو من مجموعة
من العقبات والتحديات ثقيلة العيار التي
تهدد بنسف منجزات المبادرة. وتتمثل
أهم وأعقد التحديات في استمرار معارضة
ثلاثة من قادة الميليشيات والفصائل
الصومالية، حيث اتهم الجنرال جامع محمد
غالب حكومة جيبوتي بالتدخل في شئون
الصومال وأعلن انسحابه من عضوية
البرلمان الانتقالي، وأعلن الجنرال محمد
سعيد حرث (مورجان) عدم قبول ترشيحه في
عضوية البرلمان الصومالي الذي شُكِّل في
"عرتا" في جيبوتي دون علمه
واستشارته وقال إنه حبر على ورق. وأشار
مورغان أنه ضد فكرة تشكيل حكومة انتقالية
في ظل غياب أهم قادة الفصائل الصومالية
عن المؤتمر، وقال إن جيبوتي قد تجاهلتهم
وإنهم لن يقبلوا بأي تسوية سلمية قبل
تحرير منطقة كسمايو من ميلشيات حسين
عيديد الذي تسيطر على منطقة جنوب مقديشو.
ومن ناحيته أعلن حسين عيديد رفضه
الاعتراف بمقررات مؤتمر المصالحة التي
صدرت في جيبوتي، وهدد بإغلاق حدود البلاد
ومنافذها أمام المندوبين المشاركين في
المؤتمر ورئيسهم وحكومتهم. وتتمثل
مجموعة التحديات الثانية في الصيغة
الائتلافية القبلية التي تمثل القاعدة
وحجر الأساس في المبادرة الجيبوتية، حيث
إنه على الرغم من أن تلك الصيغة بذاتها
تعتبر أحد عوامل نجاح المبادرة
وفاعليتها فإن مخاطرها تتمثل في هشاشة
تلك الصيغة التي قامت عليها المؤسسات
الفاعلة في البلاد، كالهيئة التشريعية
والتنفيذية والمنطلقة من ضرورة إنهاء
كافة الجماعات والقبائل وتمثيلها في
مختلف المؤسسات، وهو أمر رغم أهميته يحمل
مخاطر الانشقاق والتهاوي من أي من
الصدامات المتوقعة بين القبائل
والجماعات المشاركة في الحكم إذا ما
أقدمت أحد تلك الجماعات على الانشقاق على
تلك الصيغة أو عدم الاعتراف بها. وتتصاعد
خطورة تلك التحديات الأخيرة باعتبارها
المدخل الرئيسي والشرط اللازم لإعادة
وحدة الصومال، وقبول "جمهورية أرض
الصومال" وإقليم "بونت لاند"
العودة من جديد إلى الاندماج في صومال
موحد، ذلك أن فشل المؤسسات السياسية
المتفق عليها في "عرتا" في أداء
الدور المنوط بها سيؤدي إلى تمسك تلك
الأقاليم بموقفها الرافض للانضمام
لمسيرة الصالحة. والحق
أن احتمالات نجاح المبادرة الجيبوتية
ومخرجاتها يتوقف بقدر كبير على مدى
النجاح في معالجة التحديات سالفة البيان
ومواجهتها، وهو الأمر الذي يتطلب السعي
بجدية لتحقيق الأهداف الثلاثة الأخرى
للمبادرة، المتمثلة في العمل على تحويل
الفصائل العسكرية إلى أحزاب سياسية،
ونزع أسلحة تلك الفصائل وإخضاعها لسلطة
القانون، وإنشاء جهاز شرطة صومالي تمثل
فيه جميع القوى السياسية الصومالية،
وأخيراً دعوة المجتمع الدولي للمساعدة
في تقديم المساعدات المالية لإعادة بناء
الصومال. ويمكن
القول إنه إذا كان الشعب الصومالي قد
أفصح عن رغبته وإرادته لعودة بلاده إلى
خريطة المجتمع الدولي، وإذا كانت جيبوتي
قد نجحت - على قلة إمكاناتها ومواردها - في
الوصول إلى صيغة مقبولة بدرجة كبيرة
لإقامة دولة الصومال من جديد، فإن
المجتمع الدولي مطالب بالوفاء
بالتزاماته تجاه أحد أفراده. ويأتي الدور
الإقليمي - والعربي منه تحديداً - في
مقدمة الأدوار اللازم تفعيلها خلال
المرحلة القادمة لدعم مقررات مؤتمر
المصالحة: ذلك أنه لا يكفي الدعم المعنوي
الذي أبدته كافة دول المنطقة بالاعتراف
بمقررات المؤتمر وما أسفر عنه من مؤسسات،
بل يتطلب الأمر المسارعة بتقديم
المساعدات المالية اللازمة لدعم تلك
المؤسسات واستقرارها، ويرتبط بذلك حجب
المساعدات عن القوى المعارضة لمساعي
البناء وجهود المصالحة على نحو يحول دون
إمكانات تهديد تلك القوى لما تم تحقيقه
من منجزات حتى الآن. علاوة
على ما سبق فإن المسارعة بإنشاء محكمة
حرب أو التهديد بإنشائها يمكن أن يمثل
أداة ضغط فاعلة على "أمراء الحرب"،
لا سيما في حال التلويح بإمكان العفو
عمَّن ينضم إلى مسيرة المصالحة والبناء
في فترة زمنية معينة. ويرتبط بذلك أيضاً
ضرورة حسن إدارة عملية اقتسام السلطة
بشأن المناصب الرسمية في البلاد على نحو
يحقق أكبر قدر من التوافق العام
والتأييد، وهو أمر لم تغفله القوى
المنظمة والمشاركة في مؤتمر المصالحة
بجيبوتي. كما
أن السعي لتشكيل قوة مسلحة موالية
للحكومة الصومالية الجديدة مدعومة
إقليميًّا ودوليًّا يمثل خطوة هامة
باتجاه إعادة الأمن والاستقرار في
البلاد، وهو أمر يسهل تحقيقه في ظل تمتع
الرئيس الجديد بدعم وتأييد المحاكم
الشرعية ورجال الأعمال في الصومال،
فضلاً من انتمائه لقبائل الهاوية التي
ينتمي إليها حسين عيديد، الأمر الذي يضعف
من قدرة الأخير على حشد معارضة للرئيس
الجديد وحكومته. ختاماً:
يمكن القول إن احتمالات مسار التسوية في
الصومال لن تخرج عن أحد تصوُّرين أولهما
والأقرب للتحقق من وجهة نظري - هو انتقال
جهود التأسيس وإنشاء المؤسسات إلى مرحلة
الترسيخ والاستقرار – مع بعض جيوب
المعارضة هنا وهناك – حيث يتوقع نجاح
الحكومة الانتقالية والبرلمان في الدخول
إلى الجزء الجنوبي من الصومال وتكوين
دولة الصومال في ذلك الجزء؛ لتكون النواة
والخطوة الأولى لإعادة دولة الصومال
القائمة قبل عام 1991م عبر مفاوضات
المباشرة بين الحكومة الجديدة وقيادات
كل من "جمهورية أرض الصومال" وإقليم
"بونت لاند" الذي يتوقع أن يكون أكثر
مسارعة في العودة للوحدة حال بروز مؤشرات
نجاح الحكومة الجديدة واستقرارها. والتصور
الثاني المتوقع هو إخفاق الحكومة
الجديدة وأنصارها في ترجمة الاتفاقات
إلى واقع فعلي، خاصة إذا لجأ المعارضون
تحت وطأة مصالحهم المهددة بالضياع حال
قيام دولة مركزية إلى الأساليب السوداء
كالاغتيال والتخلص من رموز الحكومة
الجديدة وأعضاء البرلمان والعزف من جديد
على وتر القبلية، حيث يتوقع أن يؤدي ذلك
إلى ترسيخ واقع تجزئة البلاد إلى شمال
منقسم إلى جزأين "جمهورية أرض الصومال"
وإقليم "بونت لاند" وجنوب ممزق بين
قبائل وعشائر متناحرة تحكمها قواعد فرض
الأمر الواقع. وعلى
الرغم من تشابك خيوط الأزمة وتعقدها فإن
على أساس المعطيات القائمة - وفي ضوء ما
هو متاح من بيانات - يمكن القول إن
الصومال دخلت مرحلة النقاهة وإنها في
حاجة للعناية المركزة من المجتمع الدولي
والإقليمي لمساعدتها على اجتياز ما قد
يطرأ عليها خلال هذه المرحلة من أزمات
عابرة.
اقرأ
أيضًا: الصومال
بعد عقد من الصراع.. استمرار واقع التفتت
والتجزئة مؤتمر
عرتة.. هل ينهي الأزمة الصومالية؟ رئيس
الصومال الجديد وصل مقديشيو في غياب
المعارضة خلافات
برلمان الصومال تهدد بعودة الحرب
الأهلية انتخاب
ديرو رئيسًا للبرلمان الصومالي رئيس
الصومال الجديد: الحكومة القادمة تضم
جميع الفصائل
|
|
|||||||
|
|||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
|||||||