|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
مساهمات
الزائرين
القيادات
العربية الجديدة.. قيادات إدارة منزوعة
السياسة
أثينا
- شادي الأيوبي
وعندما
بدأت عمليات التغيير – التي كانت نتيجة
الموت أو الانقلاب– بدت الشعوب
وكأنها تفيق من سبات عميق، وتحاول أن
تفهم كيف أن الزعيم الذي كانت تهتف
بحياته لسنوات طويلة لم يكن سوى بشر
كسائر البشر، وكالطفل الذي يتحسس
الأشياء بحذر ليكتشفها، بدأت تمارس
حياتها الجديدة –بعيدا عن الزعيم الأب-الذي
كان من أساسيات الحياة المادية
والروحية، وكانت أجهزة الإعلام قد
رسمت حوله هالة مقدسة من الخلود والقوة
والعظمة، وربطت مجد الأمة بل وبقاءها
ببقائه، بل إن بعض الزعماء لم يكن يتورع
عن إطلاق صفات مثل علم الخفايا والنوايا
على نفسه، وكانت النتيجة إيجاد أجيال
بكاملها من الشعوب هي نسخة طبق الأصل عن
بعضها البعض: لها ألسنة لتأكل بها، دون أن
تتجرأ على النقد البسيط، وأعين ترى بها
بالقدر المسموح، وآذان تسمع بها بالقدر
المسموح، وتحمد الله على بقائها على قيد
الحياة وعلى نعمة الأمن التي يرجع فضل
وجودها واستمرارها إلى الأب الزعيم. وجاءت
الحكومات الجديدة إلى الحكم لتحصد حصاد
سنوات طويلة من زرع النظام الشمولي المر
ولتجد أمامها ملفات سياسية واقتصادية
وإدارية عالقة بانتظار من يجرؤ على
فتحها، ولتكتشف أن جل إنجازات النظام
السابق لم تتعد عقد المؤتمرات الشعبية
الحاشدة، وإلهاب حماسة الجماهير بالخطب
النارية وإلهاءها بقضايا لا تخصها من
قريب أو بعيد، بينما بقيت هياكل الدولة
الإدارية المهلهلة دليلا صارخا على أن
هموم المواطن كانت آخر ما يهم النظام
والقائمين عليه. وكان
لا بد للحكومات الجديدة التي لم يكن لها
نفس الرصيد التاريخي عند الجماهير من أن
تتبع سياسة التغيير ولو الظاهري وأن تشعر
الشعوب بشيء من الانفتاح ولو المتوهم،
فبدأت ببث جرعات مبرمجة من الحريات
والديمقراطيات دون أن يفهم إن كانت
الخطوة التالية بعد هذه الجرعات هي
الاستمرار في سياسة الانفتاح أم أنها
مجرد تصفية جو للتمكين للعهد الجديد
وتهيئة الجماهير لفترة حكم ماراثونية
ثانية تسود فيها مبادئ وقيم العهد القديم
بوسائل وأساليب حديثة. إن
الحكومات الجديدة وإن لم يكن من المتوقع
أن تأتي بتغييرات جوهرية تسمح بانتقال
وتداول السلطة بالشكل الصحيح خلال الأمد
المنظور، فإن أسباب اختلاف البيئة
المحلية والإقليمية والدولية وتغير
مستوى الوعي لدى الشعوب وانتقالها من
التأييد الأعمى الصادر عن العواطف
والمشاعر إلى تأييد الفكر والنقد
والوعي؛ دفعت بعض السمات المخالفة
لسمات العهد القديم إلى البروز –أو سمح
لها بذلك-ومن المنتظر توالي هذه السمات
لتشكل معالم العهد الجديد، وذلك وفق
معادلات المصالح الدولية والتوازنات
السياسية القائمة. سياسة
الترقب والبحث عن الحلفاء واليوم
لا تزال كثير من ملامح
وسياسات العهود الجديدة غير معروفة
وغير واضحة تمامًا، والواقع أن هذا
التمهل والتريث له أسبابه المعروفة،
فالحكومات الجديدة لا تزال في حالة ترقب
للأوضاع الدولية والتطورات الإقليمية،
خصوصا مع دخول عصر العولمة التي اقتحمت
الحصون الحديدية، وكشفت الستار عن
الكثير من المحرمات السابقة، ومع ظهور
التكتلات الإقليمية وتكتلات المصالح
الاقتصادية والجغرافية. ويبدو
أن القادة الجدد بانتظار أخذ مواقع
لحكوماتهم على الخريطة السياسية الجديدة
ونيل المباركات والتأييد من القوى
العالمية والإقليمية المتنفذة، حيث إن
عصر الدول القوية المكتفية بقواها
الذاتية قد ولى إلى غير رجعة، وحل مكانه
عصر التكتلات والتحالفات كما هو ملاحظ في
معظم الساحات الدولية. كذلك
فإن العهود الجديدة لم تنس أمر المعارضة
السياسية المحلية التي غالبا ما كان
ينتهي أمرها بالإقصاء والملاحقة، والتي
ينتشر أفرادها على شكل تكتلات في الدول
المجاورة أو في العواصم الأكثر انفتاحا
وديمقراطية، حيث يتمتعون بحصانة سياسية
وحرية إعلامية جعلت منهم على الدوام مصدر
إزعاج وإحراج للحكومات الوطنية. أفكار
جديدة للواقع الجديد ولن
يكون بإمكان العهود الجديدة أن تتصف بنفس
صفات العهود البائدة، ولا السير على نفس
سياساتها؛ لأن الزمان لا يعود إلى
الوراء؛ لذا كان عليها البحث عن سياسات
وأفكار جديدة لتكون مرتكزا لها في بسط
شرعيتها وإظهار كفاءتها في إدارة دفة
الحكم، ولا شك أنها سوف تجد في تحديث
المجالات الإدارية وفتح السوق أمام
الحركة التجارية الحرة وإتاحة فرص العمل
للكفاءات المهنية والعلمية خير وسيلة
للتقرب إلى الجماهير المثقفة خصوصًا
الشباب الذين لم يعيشوا فترة الصدامات
العنيفة والاعتقالات العشوائية التي
كانت تجري في الأيام السابقة. لماذا
فئات الشباب بالتحديد؟ تكمن
حكمة التطلع إلى فئات الشباب في أنهم-
إضافة إلى تحملهم قيادة المجتمع في
المستقبل- يتطلعون نتيجة الضغوط
الاقتصادية وبروز المشكلات الاجتماعية
المختلفة (السكن، وغلاء المعيشة، وتأخر
سن الزواج) إلى إصلاحات جذرية في مجالات
الوظائف وفتح السوق للأعمال التجارية
والصناعية الحرة التي لم تزل مجالاتها
الحيوية حكرا على الدولة وأتباعها. وهؤلاء
بالطبع لن يكونوا مهتمين بالإصلاح
السياسي ولا بإطلاق الحريات السياسية
بشكل أساسي بسبب غرقهم في تأمين لقمة
العيش، إضافة إلى انعدام شهيتهم نحو
السياسة، فهم بعيدون تمام البعد عن العهد
الذي كانت فيه تعددية حزبية ومعارضة
فعالة وكلمة حرة قبل أن تصير السياسة
سياسة الحزب الواحد بل سياسة الفرد
الواحد. وهم
فهموا الممارسة السياسية وكأنها حق مقدس
لفئة معينة من الموالين للنظام، ولم
يتعودوا المعارضة إلا في الحدود المسموح
بها، إذ إنهم عندما بدءوا يعون الحقائق
كان النظام الشمولي قد ثبت دعائمه واستقر
في الحكم واستراح من شغب الأحزاب
المعارضة التي نشأت مع نشأة الحزب الحاكم
ونازعته السيطرة على السلطة والانتشار
بين الجماهير لفترة طويلة من الزمن.
بين
السلف والخلف: خطوات إلى المستقبل مشدودة
بروح الماضي ومن
خلال القراءة الأولية في السياسات
الحكومية الجديدة نستطيع أن نرصد بعض
التحولات والتغييرات في سياساتها عن
سياسات الأنظمة التي ورثت عنها هذه
الحكومات كرسي السلطة، والواقع أنها
فروقات في مجال تسيير الإدارات أكثر منها
في تغيير السياسة العامة للدولة، وأهمها: أ-
على صعيد الحاكم نفسه: 1-الانتقال
من عهد الأب الروحي والزعيم الملهم الذي
لا يخطئ، وإذا حدث وأخطأ فلا مجال إلى
محاسبته، بل إن أخطاءه كلها مغفورة،
والذي تنشر حوله هالة العظمة والاحترام،
والذي يصفي المعارضين ويقصي المنتقدين
وسط تصفيق الجماهير الجاهلة التي تعلمت
حب من يذلها وتعظيم من يهينها، إلى مجرد
رئيس دولة دون ألقاب تفخيم ولا صفات
إلهام وزعامة، رئيس يسعى إلى كسب تعاطف
الشعب ورضاه، ويمتلك الجرأة الأدبية
للاعتراف بالخطأ والاعتذار عند التقصير،
وبالطبع فلا مجال إلى إزاحته أو محاسبته
إذا أخطأ. وحسب الشعوب من نعمة
الديمقراطية هذه المرة كون الرئيس نفسه
يعترف بالخطأ أمامها! 2-
كذلك الانتقال من عهد الزعيم الخبير
الملم بكل الشؤون السياسية والاقتصادية
والعسكرية –وهذه الأخيرة غالبا ما
تكون الخبرة الوحيدة الحقيقية كون معظم
الزعماء الشموليين من الضباط في القوات
المسلحة الذين استولوا على الحكم
بالانقلابات المسلحة الدامية- الزعيم
الذي يحكم البلد بدون مشورة والذي يعين
المقربين في المناصب المختلفة دون
اعتماد الكفاءة والخبرة ـ إلى الرئيس
الذي يتعاون مع فريق من الخبراء
والإخصائيين في مختلف المجالات والذي
يدير الإدارات والمرافق الحكومية حسب
المناهج العلمية الحديثة، وحسب قوانين
وفنون علم الإدارة، وهؤلاء لن يكونوا فقط
من المؤيدين للنظام، بل سوف يمتد البساط
الإداري الجديد ليشمل المحايدين وبعض
المعارضين الذين لا تشكل معارضتهم حرجا
للنظام، بل تؤدي خدمة له لما توهم من وجود
حرية تعبير واحترام للحريات. ب-
على صعيد إدارة الدولة وسياساتها
الداخلية والخارجية 1-الانتقال
من التشكيلات الحكومية شبه الملكية إلى
التشكيلات الأقصر عمرًا والأقل نفوذًا
حيث شهد النظام الشمولي خلطا غريبا بين
هذه الأجهزة وسيطرة النفوذ العابر
للوزارات والدوائر على سير عملها، ومن
الهياكل الإدارية المقيدة الأيدي إلى
هياكل جديدة مختصة ذات فعالية وإن محدودة. 2-الانتقال
من سياسة نشر العقائد القومية والحزبية
في الداخل والخارج، وبث صورة المواطن
الصالح على أنه المواطن الموالي للنظام
والمشارك في النشاطات الحزبية والذي لا
يرى إلا الحسنات والإيجابيات إلى بث صورة
المواطن الصالح الذي يؤدي عمله بإخلاص
وأمانة، ويحترم القوانين والأنظمة
العامة، وإنهاء حالة التعبئة الشعبية
وتفريغ الطاقات في مجال رفع المستوى
المعيشي وزيادة الإنتاج . 3-
الانتقال من سياسة كبت التيارات الدينية
التي تتدخل في الشؤون السياسية إلى
السماح لبعض المظاهر الدينية التقليدية
بالظهور لتغطية الفراغ الناتج عن انحسار
الفكر القومي، لكن هذه التيارات لن تشكل
أي خطر أو إحراج للنظام طالما أن فهمها
للدين لا يخرج به من دور العبادة
والأحوال الشخصية. 4-الانتقال
من السياسة الخارجية التي كانت تصطنع
قضايا النضال القومي وتمتد اهتماماتها
لتشمل القضايا الإقليمية والدولية ولا
تتورع عن تقديم الدعم إلى أنظمة ومجموعات
وأحزاب لا فائدة من دعمها لشعبها سوى ما
يتوهم النظام وينشر عبر وسائله من مصالح
مزعومة ومحاربة المبادئ والنظم المعادية
إلى حكومات تتبنى سياسات أكثر عقلانية
وأقل اندفاعا في القضايا الخارجية،
خصوصا مع وصول ميزانية الدولة إلى حالة
من العجز الشديد نتيجة سياسات الدعم
الخارجي غير المدروس والإنفاق الداخلي
غير المسؤول، ومع انكشاف عدم جدوى هذه
السياسات، بل وضعها البلاد في حالات عداء
دائم مع دول أخرى هي في غنى عنه، إضافة
إلى أن الدعم المذكور كان دائما يوزع
بطريقة المحسوبيات، ولا يوجه لخدمة
القضية محل النزاع. 5-الانتقال
من سياسة الأحلاف الدولية الخارجية ذات
المعايير الأيديولوجية إلى سياسة
الأحلاف الاقتصادية والجغرافية، وكان
انهيار الحلف الاشتراكي وانتهاء الحرب
الباردة وخفوت حلف عدم الانحياز،
وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية
بزعامة العالم من أهم أسباب انتشار هذا
النوع من الأحلاف بسبب السياسة
الرأسمالية التي تميل إلى فرض مبادئها
بعيدا عن الحروب والنزاعات العسكرية،
وتفضل في مقابل ذلك الإخضاع الاقتصادي
وفرض التبعية الفكرية والثقافية عبر
سياسة العولمة، وعبر المبادئ والأفكار
والمؤسسات الداعية إلى فتح الحدود
وانتقال المبادئ والحضارات بين الشعوب
دون قيد أو شرط. 6-تجاوز
الكثير من الخلافات التي كان النظام
السابق قد افتعلها أو تسبب بها مع دول
الجوار والأنظمة الإقليمية، وهذه تعد من
أهم حسنات العهد الجديد لما أتاحت
للمواطنين في تلك الدول من حرية أكبر في
التنقل والتبادل التجاري . مآخذ
مبررة على العهد الجديد بالرغم
من التغييرات السابقة الذكر فإن العهد
الجديد لا يزال يحتفظ بملامح وراثية من
العهد السابق تكاد تجعل من مظاهر
الانفراج المعلنة أقرب إلى تغيير مرحلي
في سياسة ثابتة منها إلى منهجية دائمة،
وتطلق الكثير من التساؤلات المشروعة حول
المستقبل ومن أهم هذه الملامح:
1-طبقة
المنتفعين والمصفقين، وهؤلاء التصقوا
بالحكم حتى أصبحوا جزءا منه، وبسبب أعوام
طويلة من النزاع مع المعارضة اقترفوا
خلالها الفظائع للمحافظة على السلطة،
فقد أصبحت علاقتهم بالنظام علاقة ارتباط
مصيري بحيث لو زال أحدهما فسيكون الزوال
مصير الآخر. 2-لم
تفلح الحكومات الجديدة في التخلص من
الفساد الإداري من رشاوى واختلاسات
مالية وسيطرة أصحاب النفوذ على الإدارات
والمرافق الحكومية، وتمريرهم لكثير من
المشاريع والمعاملات
غير القانونية، وإن كان عمر الأنظمة
الجديدة القصير نسبيا في السلطة قد يبرر
لها عدم قضائها على الفساد تماما، فمما
يؤخذ عليها أنها لم تتخذ أي خطوات جادة في
هذا المجال ولا يبدو أن لديها النية
باتخاذها في الأمد المنظور. 3-عدم
اتخاذها أي خطوات جادة لتطوير عملية
انتقال السلطة وإصلاح الوضع السياسي
وإطلاق الحريات والسماح لمختلف التيارات
السياسية والفكرية بالعمل وفق ما تنص
عليه دساتير البلاد. 4-
لم تتغير ولو بشكل بسيط عملية تربية
وتدريب الأجهزة الأمنية ولم تستبدل روح
الاستعلاء على المواطن والاستخفاف
بحياته لدى تلك الأجهزة، ولا يزال أمن
الدولة هو الأولوية المطلقة التي يباح من
أجلها دوس الكرامات وانتهاك الحريات. 5-بالرغم
من الخطر الواضح الذي يهدد شخصية الأمة
وكيانها الثقافي جراء سياسة العولمة
فإن سياسة اللامبالاة تجاه هذه
القضية المصيرية هي الرد الوحيد من جانب
النظام وأجهزته. وهي في الواقع امتداد
لسياسة الحكم الشمولي تجاه المواطنين.
6-أنها
لا تعدو عن كونها حلقة متممة للسياسات
الدولية والإقليمية للقوى الكبرى أو على
أحسن الظن غير متعارضة معها، فكما كان
حكم الأنظمة الشمولية ببطشه وتهوره
متناغما مع سمات فترة الحرب الباردة من
تهديدات نووية وحرب نجوم وعمليات تجسس،
تأتي الأنظمة الجديدة لتسمح بفتح الحدود
أمام كل الثقافات الوافدة دون رقيب في ظل
فقدان الأمة لمناعتها الثقافية الناتجة
عن سياسة الكبت المستمر وإجبار العقول
المبدعة على الهجرة أو الانكفاء
بالتجاهل حينا وبالمحاربة أحيانا أخرى. خلاصة
وتقويم بعد هذا العرض لمميزات النظم الجديدة والمآخذ عليها وبانتظار ظهور المزيد من سياساتها يبقى على الشعوب النظر جيدا في سياسات القوى الكبرى لما لها من تأثير مباشر على الأوضاع المحلية وكذلك عليها التزام الحذر والصبر وهو الشيء الأهم الذي تعلمته لفترة طويلة من الزمن وقد يكون من الصعب عليها أن تستمر عليه، لكنه بالتأكيد لن يكون من المستحيل.
اقرأ
أيضا:
عبد
الله الثاني ملك المملكة الرابعة.. شرعية
كبيرة واستقرار يحتاج إلى دعم القيادات
العربية الجديدة ومستقبل النظم السياسية فاينانشيال
تايمز: القادة الشباب يرسمون مستقبل العالم
العربي بعد
عام على بوتفليقة الأزمة السياسية: هل إلى
خروج من سبيل؟
|
|
||||||
|
||||||
|
||||||