بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

‏تسويق الحلول المغشوشة*

بقلم : فهمــي هويـــدي


‏(1)‏ قبل أيام قليلة - في ‏30/ 8 - نقلت وكالة "رويترز" للأنباء الرسالة التالية من تل أبيب‏:‏ قال وزير العدل الإسرائيلي يوسي بيلين - أحد مهندسي اتفاق أوسلو ومن أبرز الحمائم -‏:‏ إن اللغة الدبلوماسية ستلعب دورًا حاسمًا في مشكلة القدس‏،‏ التي تعطل التوصل إلى اتفاق ينهي صراعًا مستمرًّا مع الفلسطينيين منذ أكثر من نصف قرن‏.‏ وأضاف في تصريحه الذي بثته إذاعة الجيش الإسرائيلي أن الجانبين يتطلعان إلى التوصل إلى صيغة بناءة لتقريب الخلافات بينهما‏،‏ والنقطة الرئيسية هي تسمية الوضع الراهن‏؛‏ لأن الجميع يعرفون أنه لن يحدث تغيير حقيقي في الوضع الراهن‏،‏ ومن ثَمَّ فالقضية أصبحت محصورة في المسمى الدبلوماسي الذي ستتم صياغته حين يحل السلام‏،‏ وحين يكون الأمر متعلقًا بمسميات‏،‏ أتصور أنه من غير المستحيل تخطي الفجوة القائمة‏.‏
إذا دققت في الكلام جيدًا‏،‏ فستجد أنه يعبر بدقة عن المنطوق الذي أوردناه في البداية‏،‏ وهو أن الوضع الراهن للقدس المتمثل في السيطرة الإسرائيلية لن يتغير‏؛ ولذلك فالجهد منصب على صياغة ذلك الوضع بلغة دبلوماسية ذكية مضللة إن شئت الدقة‏،‏ تمرر وتسكن في الوقت ذاته‏.‏
          كلام بيلين ليس جديدًا‏،‏ لكنه ردده من قبل في مقالة له نشرت في ‏3/ 8،‏ ووزعتها "لوس أنجليس تايمز" على صحف عديدة في أنحاء العالم‏،‏ وفيها تحدث عن الصعاب العاطفية المتعلقة بحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين‏،‏ والحاجز الرمزي المتمثل في وضع القدس‏،‏ أي أنه هوَّن كثيرًا من شأن اثنتين من أخطر قضايا الصراع العربي - الإسرائيلي‏،‏ فجعل مصير خمسة ملايين لاجئ مجرد مشكلة عاطفية‏،‏ واعتبر القدس مسألة رمزية‏.‏

فيما يتعلق بالقدس وحلها الرمزي‏،‏ فإنه أشار إلى أن إشكالها يُحل إذا ما تم الاتفاق على صيغة تسمح للإسرائيليين والفلسطينيين بأن يؤكد كل منهما أن المدينة عاصمة له‏! وهي الصيغة التي تقضي بأن يقبض الإسرائيليون على المدينة‏،‏ بينما يأكل الفلسطينيون الهواء‏!‏
         ‏(2)‏ مجلة نيوزويك زادت الأمر وضوحًا في عدد أول أغسطس الماضي‏،‏ فقد ذكرت نقلاً عن أحد مساعدي باراك أن الحل المطروح يجعل من أورشليم عاصمة إسرائيل الحقيقية والأبدية المقصود هو مدينة القدس التاريخية‏،‏ بينما تصبح القدس عاصمة لدولة فلسطين‏.‏ وهذه العاصمة الأخيرة ستضم بعض أحياء القدس العربية والقرى والنواحي التي ضمت إلى المدينة بعد توسيعها في أعقاب احتلال ‏67، حيث هم لا يمانعون أن تعلق عليها لافتة القدس‏،‏ إرضاء لأشواق العرب والمسلمين الذين تعلقت أفئدتهم وأشواقهم بالاسم‏!‏
    شرحت نيوزويك ما وصفته "بالصفقة المثالية" التي يمكن التوصل إليها لإغلاق ملف الصراع العربي - الإسرائيلي على النحو التالي:‏

معاهدة تنسج بإتقان تحقق سلامًا شاملا‏ً،‏ ولكنها تصاغ بلغة ذكية وبارعة‏!‏ تسمح لكل زعيم أن يقول إنه لم يخرج عن مواقفه المبدئية والنهائية‏،‏ فإذا أخذنا مشكلة اللاجئين‏،‏ فإن صفقة بشأنها قد تتضمن بيان تعاطف يأمل الإسرائيليون في أن يرضي المطالب الفلسطينية‏،‏ وهو ما يعني مجرد الإعلان عن أن إسرائيل مسئولة عن طرد الفلسطينيين ومتأثرة جدًّا مما حدث لهم‏!‏ يضاف إلى ذلك برنامج لجمع شمل العائلات‏،‏ يشمل عددًا رمزيًّا قوامه ‏70‏ ألف لاجئ أو نحو ذلك من بين الخمسة الملايين لاجئ - وبرنامج لتقديم بلايين الدولارات من المساعدات للذين لا يسمح لهم بالعودة رشوة لإسكاتهم‏!‏ وهو ما اعتبره يوسى الغير - أحد مستشاري باراك‏،‏ نوعًا من حلقات الوصل الخلاقة المطلوبة؛ لأنها تسمح للفلسطينيين بأن يقولوا إن الإسرائيليين قبلوا بالمسئولية‏،‏ وتسمح للإسرائيليين أن يقولوا لا‏،‏ لم نقبل‏!‏

أضافت المجلة أنها ليست قضية تنازل من أي من الجانبين‏،‏ بقدر ما هي صيغة لغوية، وأن باراك قد يوافق في النهاية على الإقرار بحق اللاجئين في العودة إلى دولة فلسطين الجديدة‏،‏ ولكن ليس لإسرائيل‏،‏ وسيؤدي ذلك عمليًّا إلى منع كثير من اللاجئين من العودة‏؛‏ لأن عرفات نظرًا لافتقاره إلى الأرض الكافية لا بد أن يحد من أعداد العائدين‏،‏ وقد أقر الناطق الفلسطيني حسن عبد الرحمن بأن البحث جار في آليات لتسوية مشكلة اللاجئين‏.‏

هكذا فإن الصراع جرى اختزاله في النهاية في حدود الصيغة اللغوية والدبلوماسية البارعة‏،‏ التي تمكن للإسرائيليين وتسكن أو تخدر الفلسطينيين والعرب‏،‏ وتسمح في النهاية لكل طرف بأن يرضي جمهوره‏،‏ وإن كان المطلوب من الطرف الفلسطيني أن يخدع جمهوره ويوهمهم بأنه حقق لهم سلام الشجعان‏،‏ الذي من أجله خاض العرب الحروب وسقط الشهداء وتواصلت التضحيات على مدى نصف قرن‏!‏

المثير في الأمر أن الغش في الصفقة لا يحدث في السر‏،‏ ولا يتم بالاحتيال أو المداراة‏،‏ ولكنه يمارس علنًا، ويشار إليه صراحة‏،‏ بحيث يحاط الملأ علمًا بحقيقته‏،‏ حتى لا يلتبس الأمر على أحد، ويظن أن تغييرًا حقيقيًّا سوف يطرأ على الوضع الراهن‏.‏
    ‏(3)‏ الأمر ذهب إلى أبعد فيما يتعلق بالقدس‏،‏ ذلك أن الأحاديث المتداولة بشأنها ظلت ومنذ احتلال القدس الشرقية في عام‏67،‏ محصورة في إجراءات توسيع حدودها وتهويدها‏،‏ غير أن تطورًا مثيرًا حدث هذا العام منذ فتح ملف قضايا الوضع النهائي في قمة كامب ديفيد الثانية‏،‏ فقد بدأ الحديث عن حقوق للإسرائيليين في الحرم الشريف نفسه‏،‏ وتداولت الأوساط السياسية - الإسرائيلية علنًا ولأول مرة فكرة اقتسام الحرم مع المسلمين‏،‏ وقرأنا تصريحات لبعض المسئولين في السلطة الفلسطينية ممن تابعوا مسلسل التفاوض في كامب ديفيد أحمد قريع وآخرون أن الأفكار التي طرحها الإسرائيليون في هذا الصدد تفتح الباب لاحتمالات هدم المسجد الأقصى مستقبلاً‏،‏ ذلك أنهم طرحوا مبدأ السيادة الرأسية على الحرم‏،‏ التي تعني أن يمنح الطرف الفلسطيني الحرم وما فوقه في الهواء‏!‏ - أما السيادة على ما تحت الحرم فتبقي من اختصاص الطرف الإسرائيلي‏..‏ ماذا تعني تلك الفكرة؟

لا يحتاج الأمر إلى بحث أو جهد من أي نوع؛، لأن الإسرائيليين أرادوا بتلك الصياغة الماكرة أن يفتحوا الباب أمام احتمالات العثور على هيكل سليمان تحت المسجد‏،‏ وإذا ما تحقق لهم ذلك يومًا ما‏،‏ فإن الخطوة التالية المفترضة لن تكون سوى هدم المسجد لإقامة الهيكل الموهوم‏!‏

ومن باب ادعاء السخاء والكرم فإن رئيس الوزراء إيهود باراك عرض في قمة كامب ديفيد أن يمنح الفلسطينيون نفقا تحت الأرض - من الحصة الإسرائيلية في الصفقة - كي يستخدمه المسلمون في الوصول إلى المسجد الأقصى،‏ بحيث يدخلونه كمتسللين ولا يؤذون الأعين الإسرائيلية المهيمنة على المكان والمدينة‏!‏

بعدما سرب الخطاب الإسرائيلي الماكر إلى الإدراك العام أن لليهود حقوقًا في الحرم الشريف‏،‏ فوجئنا بأن الطرف الفلسطيني في كامب ديفيد وافق على منح أجزاء من منطقة الحرم للإسرائيليين‏،‏ مثل حائط المبكى الذي هو عند المسلمين حائط البراق‏،؛ إذ فيه ربط النبي محمد عليه الصلاة والسلام براقه ليلة الإسراء والمعراج‏!‏

غني عن البيان أن إعطاء هذا الجزء من الحرم للإسرائيليين يُعَدُّ منفذًا آخر لاستمرار العبث الإسرائيلي بكل ما تحت المسجد‏،‏ خصوصًا إذا تذكرنا أن المدينة يراد لها أن تبقى تحت السيادة الإسرائيلية‏،‏ وأن الحاخامات يُصِرُّون على أن الهيكل يقبع تحت المسجد‏.‏
   ‏*‏ ملحوظة‏:‏ حين اشتبك المسلمون واليهود وحدثت الاضطرابات في القدس عام ‏1929م،‏ بسبب ملكية حائط المبكى،‏ شكلت عصبة الأمم لجنة دولية للتحقيق في ملكية الحائط‏،‏ وأعدت تقريرها الذي نشر عام‏ 1930م،‏ وجاء فيه ما نصه‏:‏ تصرح اللجنة استنادًا على التحقيق الذي أجرته بأن ملكية الحائط وحق التصرف فيه‏،‏ وما جاوره من الأماكن المبحوث عنها في هذا التقرير‏،‏ عائد للمسلمين‏،‏ ذلك أن الحائط نفسه ملك المسلمين‏،؛ لكونه جزءاً لا يتجزأ من الحرم الشريف‏..‏ والرصيف الكائن عند الحائط‏،‏ حيث يقيم اليهود صلواتهم‏،‏ هو أيضًا ملك للمسلمين‏.‏
   ‏(4)‏ فكرة اقتسام الحرم خرجت من عباءة الادعاء بأن الأديان الثلاثة لها حقوق متساوية في القدس‏،‏ وهي مقولة ظاهرها البراءة‏،‏ وقد تمت صياغتها أيضًا بطريقة خبيثة على النحو الذي وجدناه – مثلاً – في تصريح الكاردينال إدوارد كاسيدي‏،‏ رئيس المجلس البابوي للحوار مع الأديان‏،‏ الذي قرأت أنه يهودي الأصل‏،‏ وله نفوذه الواسع في مؤسسة الفاتيكان‏.‏

قال الكاردينال كاسيدي في تصريحه‏:‏ إن القدس عاصمة إسرائيل‏،‏ وهذا أمر مهم جدًّا لا ريب‏،‏ لكنها مهمة أيضًا بالنسبة للمسلمين الذين يعيشون فيها‏،‏ وطالب بأن يكون لليهود والفلسطينيين والمسيحيين مكان في المدينة‏.‏

حين يقرأ المرء التصريح مرة ثانية‏،‏ يجد أنه مسكون بكم من المغالطات والخبائث ويتعذر معه افتراض البراءة في دوافع الرجل ومقاصده‏،‏ فهو في كلامه لا يعتبر أن طرفي المعادلة هم الفلسطينيون والإسرائيليون‏،‏ وإنما يخرج المسيحيين من الفلسطينيين كي يصبحوا طرفًا ثالثًا‏،‏ ربما لكي يكون للفاتيكان دور في اللعبة‏،‏ ويعتبر الفلسطيني مرادفًا للمسلم‏،‏ بحيث لا يكون النزاع بين الفلسطينيين والإسرائيليين‏،‏ وإنما يغدو نزاعًا بين المسلمين والمسيحيين واليهود‏،‏ يسقط فيه الاعتبار السياسي الذي هو الأصل‏،‏ ويظهر منه البعد الديني وحده‏،‏ وتغدو المطالبة بالقدس مطلبًا إسلاميًّا فقط‏،‏ وليس فلسطينيًّا بإطلاقه‏.‏

الأنكى من ذلك أن كاردينال الفاتيكان تحدث عن أهمية أن يكون للفلسطينيين واليهود والمسيحيين مكان في القدس‏،‏ الأمر الذي بدا تهوينًا شديدًا من شأن المدينة بالنسبة للفلسطينيين‏،‏ من حيث إنه حوَّل الحق الوطني الأصيل إلى مجرد مكان - كأن القدس ليست سوى فندق يطالب المسلمون بحجز غرفة فيه‏،‏ وكأنما كون المدينة لها قيمة دينية استثنائية يجعلها أرضًا مشاعًا لقيطة‏!‏

الأحزاب الدينية في إسرائيل لها موقفها الصريح من موضوع المسجد الأقصى الذي تتبنى فيه رأي مجلس الحاخامات وحكاية هيكل سليمان الذي يقبع تحت المسجد‏،‏ هذا متوقع ومفهوم‏،‏ لكن الجديد في الأمر أن أكثر السياسيين العلمانيين هناك أصبحوا يتحدثون بدورهم علنًا عن اقتسام الحرم‏،‏ فهذا إيهود أولمرت رئيس بلدية القدس‏،‏ يرفض تعريف الحرم بأنه موقع إسلامي وقد نقلت عنه صحيفة هاآرتس قوله‏:‏ إن الحرم ليس موقعًا إسلاميًّا‏،‏ إن جزءاً منه فقط مرتبط بالإسلام‏،‏ الحرم هو قبل كل شيء موقع يهودي واسمه يدل على ذلك‏:‏ جبل الهيكل - بيت المقدس - المقدس اليهودي‏.‏
       وربما كان موقف يوسي بيلين وزير العدل الإسرائيلي هو الأكثر تأكيدًا للتحول الجديد في الموقف من الأقصى،‏ فهذا العلماني القح أصر في حديث أخير لصحيفة الحياة اللندنية - في‏ 8/ 19‏ - على تسميته بـجبل الهيكل الذي اعتبره‏:‏ أقدس الأماكن بالنسبة إلى اليهود‏،‏ وأقدس من حائط المبكى‏؛‏ لذلك فلا بد من منفذ غير مقيد إليه‏.‏
   ‏(5)‏ طويلة وبغير نهاية‏،‏ قائمة المصطلحات والعبارات الملتبسة التي تستخدم الآن في خطاب الشأن الفلسطيني حتى يخطر لي أن أدعو إلى تشكيل فريق من الباحثين يتولى رصد وملاحقة المصطلحات والعبارات الشيطانية التي تدس في ثنايا ذلك الخطاب للتمويه حينا، وللتخدير والتمرير في أحيان أخرى كثيرة‏،‏ فريق مماثل لتلك المجموعات التي تتولى مهام اكتشاف الألغام المبثوثة وتطهير الأرض منها أولاً بأول‏.‏
   خذ مثلاً تلك العبارات التي سبقت الإشارة إليها كصياغة للموقف الإسرائيلي من قضية اللاجئين‏،‏ التي تُعَدُّ نموذجًا للصياغات الماكرة التي ترضي السامع بينما تجهض القضية‏.‏ من ذلك القول بأن إسرائيل يمكنها النظر في إبداء التفهم تجاه معاناة الشعب الفلسطيني وأخذها في الاعتبار‏،‏ لكنها لن تتحمل أي قسط من المسئولية عن التسبب في تلك المعاناة الكلام قاله الرئيس كلينتون، وهو كلام يوحي بأن إسرائيل تقدر موقف اللاجئين وتحترم مشاعرهم‏،‏ وفي ذلك شبه إقرار بالذنب‏،‏ لكنها غير مستعدة لأن تذهب إلى نهاية المطاف وتتحمل شيئًا من المسئولية عما أصابهم‏.‏
   اللعب الفج بالألفاظ واضح هنا‏؛‏ لأنه لا توجد معاناة بغير سبب‏،‏ وهي فضيحة أخلاقية لا ريب‏،‏ أن يقر طرف بارتكابه ذنبًا ما بحق آخرين‏،‏ ويعرب عن أسفه لوقوعه‏،‏ لكنه يرفض تحمل المسئولية عن الذنب الذي ارتكبه‏،‏ وفي الحالة التي نحن بصددها فالذنب ليس عاديًّا‏،‏ ولكنه جرم كبير يدفع ثمنه الآن قرابة خمسة ملايين شخص‏،‏ لا يزالون مشردين في المخيمات والمنافي‏.‏
   من الصياغات التي يرددها الحمائم الإسرائيليون في هذا السياق أنهم مهتمون للغاية برفاهية اللاجئين‏،‏ وإن بدا ذلك لأول وهلة موقفًا إنسانيًّا محمودًا‏،‏ إلا أن المقصود به في حقيقة الأمر أن إسرائيل تعارض‏،‏ بالمطلق‏،‏ حقهم في العودة‏،‏ وتتبرأ من المسئولية عن مأساتهم‏،‏ وتريد لهم أن يرتاحوا حيث هم‏،‏ بعيدًا عن وطنهم‏،‏ وإذا لاحظت قولهم إن إسرائيل مجرد مهتمة وليست معنية‏،‏ فستدرك من دلالة اللفظ المختار أنها ستسعى قدر المستطاع لتجد من يساعد في دفع تكاليف الرفاهية‏،‏ والمرشح الأول لذلك هم الغربيون والعرب بطبيعة الحال‏.‏
    ‏(6)‏ على صعيد آخر‏،‏ فإن مطالبة القيادة الفلسطينية بالمرونة حينًا وباتخاذ القرارات الصعبة حينًا آخر‏،‏ لا تعدو أن تكون مطالبة بالتنازل عن المواقف المعلنة‏،‏ ومحاولة إقناع تلك القيادة بموقف ما‏،‏ ليست إلا صياغة مهذبة للضغط الذي يمارس لتغيير المواقف‏.‏ أما الموقف المتوازن الذي يدعي الفلسطينيون لاتخاذه في أي قضية خلافية‏،‏ فلن يكون سوى الموقف الأمريكي الذي يصوره بحسبانه حلاًّ وسطًا بين الرؤيتين الفلسطينية والإسرائيلية‏،‏ بينما هو في حقيقته بديل إسرائيلي سرب إلى الأمريكيين‏،‏ فتبنوه واعتبروه حلاًّ متوازنا تعب عليه الوسيط وأراد إنقاذ الموقف المعقد‏.‏
    إذا جاز لنا ألا نسترسل فقد نتحدث عن إجراءات بناء الثقة‏،‏ التي هي دعوة مبطنة للتطبيع‏،‏ وعن إعادة الانتشار‏،‏ التي قرأناها انسحابًا بينما هي مجرد تغيير مواقع‏،‏ وإعادة ترتيب الحصار‏،‏ وعن الأفكار التي تستدعي لسد الفجوات‏،‏ وهي في حقيقتها بحث عن صيغ أكثر التواء للاستجابة للمطالب الإسرائيلية‏.‏ وعن سلام الشجعان‏،‏ الذي لا يراد به أكثر من تثبيت الأمر الواقع والالتزام بحدود المشروع الإسرائيلي لإنهاء القضية الفلسطينية‏...‏ إلخ‏.‏

إننا لا نستطيع أن نلوم الذين يلجأون إلى الغش والخداع لبلوغ مرادهم‏..‏ فالحرب - التي ما زالت مستمرة رغم كل شيء - خدعة في نهاية المطاف‏..‏ لكن اللوم كل اللوم ينبغي أن يوجه إلى الذين ينطلي عليهم الخداع ولا يترددون في تصديقه‏..‏ سواء من باب العبط أو الاستعباط‏!‏

----------------

* نقلاً عن الأهرام القاهرية بتاريخ 5/9/2000  

 

 

قضايا سياسية

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع