|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
"الماس" يشحذ صراعات إفريقيامحمد
عاشور
ففي
سيراليون وأنجولا والكنغو ونيجيريا- رغم
وجود الكثير من العوامل التي تذكي نيران
الصراع الدائر هناك، كالخلافات العرقية
والإثنية والطموحات الشخصية- فإن أحد
الأسباب المعروفة للصراع أيضًا هو سعي كل
طرف من أطراف الصراع للاستيلاء والسيطرة
على مناجم الماس في البلاد، وهو السعي
الذي يمثل غاية ووسيلة في الوقت ذاته،
فمن ناحية تمثل السيطرة على تلك المناجم
مصدرًا للقوة والسطوة والرفاهية، ومن
ناحية أخرى، تمنح إمكانات قوة يمكن
توظيفها في شراء الأسلحة والأتباع
وتمويل الحرب وهو الأمر ذاته الذي ينطبق
على موارد أخرى كالبترول والعاج وغيرها
من الثروات الطبيعية. ويلاحظ المراقبون أن العديد من القوى الإقليمية والدولية قد سارعت للتدخل بمساندة هذا الطرف أو ذاك من أطراف الصراع في كل من سيراليون والكنغو، وهو ما يفسره البعض منهم بعلاقات المصالح بين النخب الحاكمة أو طموحات تلك النخب. وتفصيل ذلك كما يلي: سيراليون: أشار
المحللون إلى أن التدخل العسكري من جانب
"قوات التدخل لدول غرب إفريقيا" (الأيكوموج)
إنما هو في حقيقة الأمر تجسيد للدور
الإقليمي لنيجيريا في تلك المنطقة، حيث
مثلت القوة النيجيرية عصب القوات
المتدخلة والممول الرئيسي لها، كما
تواترت أنباء عن تورط تلك القوات في
عمليات استغلال وتهريب الماس في
سيراليون، الأمر الذي أدى إلى تصاعد
المواجهات مع تلك القوات التي وصفها
معارضوها بأنها تخدم مصالحها الخاصة
وليس مصالح سيراليون. أنجولا: يتركز
في أنجولا العديد من المعادن والموارد
الطبيعية الثمينة كالبترول والماس،
العاج، الذهب، البلاتين، الحديد،
الكوبالت، النحاس وحتى اليورانيوم، كما
أن البلد غني بمصادر المياه والتربة
الخصبة. وعلى الرغم من ذلك تعاني أنجولا-
منذ ثلاثين عامًا وحتى الآن، باستثناء
شهور قليلة - من حرب أهلية تدور رحاها بين
حكومة البلاد الرسمية التي تسيطر عليها
الحركة الشعبية لتحرير أنجولا برئاسة
دوس سانتوس، والاتحاد الوطني لاستقلال
أنجولا التام المعروف باسم "حركة
يونيتا" بزعامة جوناس سافيمبي، وقد
ساعدت المنافسات الدولية في حقبة الحرب
الباردة على استمرار الصراع بين
الجانبين كنموذج لحالات الحرب بالوكالة
في ظل استناد كل طرف من الأطراف الداخلية
إلى حليف خارجي شرقي أو غربي، ومع انتهاء
الحرب الباردة تصاعدت الآمال بالتوصل
إلى تسوية لهذا الصراع، إلا أن تطور
الأحداث يشير إلى أن الصراع قد اكتسب قوة
دفع ذاتية أصبحت كفيلة بالحفاظ عليه دون
الحاجة إلى سند خارجي مباشر. فالحكومة
تسيطر على المناطق الغنية بالبترول في
حين تسيطر حركة يونيتا المعارضة على
المناطق الغنية بالأحجار الكريمة لا
سيما الماس، الأمر الذي يوفر لكلا
الطرفين الإمكانات الاقتصادية اللازمة
للاستمرار في المواجهة، وذلك على الرغم
من فرض المجتمع الدولي- ممثلاً في الأمم
المتحدة- عقوبات ضد حركة المعارضة سنة 1993م
ممثلة في حظر الاتجار في الماس غير
المشروع، حيث باتت تلك العقوبات شكلية في
ضوء استمرار الطلب الخارجي على شراء
ثروات المناطق الواقعة في نفوذ حركة
يونيتا عبر وسطاء ووكلاء يقومون بالبيع
والشراء لصالح الحركة. أكثر من ذلك، فإن
الشركات الأجنبية العاملة في الأقاليم
المتصارع عليها- وأحيانًا البعيدة عن
الصراع- تقوم بدفع الضرائب والرسوم
للحكومة الرسمية، وفي الوقت ذاته تدفع
إتاوات لحركة المعارضة لتأمين مناطق
عملها، وهو ما يفسر عدم تعرض تلك
المشروعات لمخاطر الحرب. وتبرر الشركات
ذلك السلوك المزدوج بأنها لا تعلم من
سيكون بالسلطة غدًا! وتقدر الأمم المتحدة
مبيعات الماس التي تتم بشكل غير قانوني
في أنجولا بنحو 4 ملايين دولار تستخدم في
تمويل نفقات حركة المعارضة، ويساعد على
ذلك طبيعة الماس كمورد يسهل إخفاؤه
وتهريبه. الكونغو: لا
تقل الكنغو الديمقراطية ثراءً عن
أنجولا، حيث تقدر ثرواتها بنحو 58 مليار
دولار. ويدور هناك صراع دامٍ بين النظام
الحكومي بزعامة لوران كابيلا من ناحية،
ومعارضيه من قبائل التوتسي من ناحية
أخرى، وهو الصراع الذي شهد تورط عدة دول
إفريقية بمساندة هذا الطرف أو ذاك من
أطراف الصراع. والمتأمل في جوهر الصراع
يلاحظ أن اللاعبين الأساسيين هم كابيلا
رئيس الكنغو الديمقراطية وروبرت
موسيفيني رئيس أوغندا وروبرت موجابي
رئيس زيمبابوي، ومرة أخرى–
بصرف النظر عن الأسباب العديدة لهذا
الصراع- يلاحظ أن أولئك الرؤساء الثلاثة
تجمعهم صفات مشتركة هي المحسوبية
لأقاربهم والفساد، وسعي كل طرف للحصول
على أكبر مكاسب ممكنة من الصراع
والاستفادة من ظروف الحرب لعقد صفقات تتم
بأبخس الأثمان وأصعب الشروط. فمن
بين تفسيرات دعم زيمبابوي لنظام كابيلا
ارتباط النظامين بعقود واستثمارات تقدر
بملايين الدولارات، حيث وقَّعَت الشركات
العاملة في مجال الصناعات التسليحية في
زيمبابوي عقدًا قيمته 50 مليون دولار
لإمداد الكنغو ببعض السلع والمعدات،
فضلاً عما يتردد من امتلاك بعض كبار رجال
الأعمال الزيمبابويين الأعضاء في الحزب
الحاكم والمقربين من الرئيس موجابي (رئيس
زيمبابوي) لشركات تعمل في داخل الكنغو في
مجال النقل والإمداد، واستخراج المعادن
كالكوبالت والنحاس، الأمر الذي يعني أن
انتصار كابيلا هو فوز ومصلحة لهؤلاء
المساندين له. وعلى
الجانب الآخر، يُصِرَّ الرئيس الأوغندي
يوري موسيفيني على أن تظل قواته موجودة
على أرض الكنغو من أجل القضاء على
القواعد العسكرية هناك للعارضين له،
وتأمين حدوده مع الكنغو الديمقراطية.
ورغم الأسباب المعلنة للنظام الأوغندي
في تبريره لدعم متمردي الكنغو
الديمقراطية، والتي تدور في مجملها حول
الدفاع عن حقوق الإنسان وتأمين حدود
البلاد والقضاء على معارضي نظام
موسيفيني من أعضاء تنظيم جيش الرب، فإن
العديد من الشواهد تشير إلى أن ثروات
الكنغو الديمقراطية كانت واحدة من
مغريات النظام الأوغندي للبحث عن دور في
تلك الحرب، حيث تواترت الأخبار عن تورط
جيش أوغندا ورجال أعمال أوغنديون في سرقة
ذهب وماس من الكنغو. نيجيريا: شهدت
نيجيريا العديد من حركات الاحتجاج
والتمرد لأسباب عديدة من بينها الأسباب
الاقتصادية، وكان من أبرز تلك الحركات
وأقساها- فعلاً ورَدَّ فعل- حركة التمرد
التي نشبت في شرق البلاد، حيث تتركز
جماعات الأيبو عام 1967م وأسفرت عن حرب
أهلية استمرت حتى عام 1970م. وكان من بين
أهم أسباب الصراع إحساس الأيبو بأن
ثرواتهم بالجنوب الشرقي مستغلة لصالح
أهل الشمال الأمر، الذي دفع بهم للمطالبة
بالانفصال. وقد شهدت البلاد عام 1995م
نموذجًا مصغرًا للتمرد سالف البيان، حيث
نظَّم سكان منطقة "أوجوني" في منطقة
دلتا النيجر الغنية بالبترول حركة تمرد
ضد السلطة السياسية بالشمال، والشركات
متعددة الجنسية العاملة في مجال استخراج
البترول (إنجليزية وهولندية بالأساس)
متهمة إياها بضخ ذهب نيجيريا الأسود، دون
مراعاة صالح القبائل المحلية التي تتعرض
أراضيهم للاستغلال وبيئتهم للدمار،
لصالح غير أهل المنطقة سواء من سكان
الشمال النيجيري أم مواطني الغرب، وقد
أعرب سكان الإقليم عن رفضهم أن تكون أغنى
منطقة في البلاد هي أقل المناطق استفادة
من عائدات البترول؛ ولذا نظمت عدة حركات
شبابية عمليات استيلاء على منشآت ومضخات
البترول في بلادهم، الأمر الذي أدى في
كثير من الأحيان إلى توقف عمليات استخراج
البترول، وخسائر للشركات العاملة
بالمنطقة وصلت إلى 600 ألف برميل يوميًّا ،
فضلا عن الإتاوات التي كانت تلك الشركات
تضطر لدفعها لهذه التنظيمات لإنهاء
عملياتها أو الإفراج عن رهائنها. وقد
قوبل ذلك الاحتجاج بالقمع وأسفر عن إعدام
تسعة من المتمردين واعتقال آخرين خلال
شهر نوفمبر عام 1995م. الخلاصة
حاصل ما تقدم أن الموارد الطبيعية تلعب دورًا فاعلاً على الصعيد السياسي من حيث اعتبارها غاية للصراع السياسي وأداة له، على أن الوجه الآخر للصورة أن الصراع السياسي بدوره يؤثر في حجم الموارد وطبيعتها، سواء تعلق الأمر بالموارد البشرية واستئصالها وتشريدها خلال الصراعات العسكرية، أم الموارد الطبيعية واستنزافها من خلال الاستغلال الجائر لها والتفريط فيها بأبخس الأسعار، وإهمالها وعدم القدرة على استثمارها في ظل مناخ عدم الاستقرار الذي يصاحب الصراع. الأمر الذي يشير إلى ما يمكن تسميته الحلقة المفرغة بين ضعف الموارد والصراع السياسي.
اقرأ أيضًا: التكنولوجيا تُحوّل أفريقيا الجائعة إلى مُصدِّر للمنتجات الزراعية القمة الإفريقية- الأوربية: أهداف جيدة والتطبيق صعب فيشر: لن نعفي إفريقيا من ديونها إفريقيا وأوروبا.. من التجارة الخرساء إلى قمة القاهرة إفريقيا وتحديات الألفية الثالثة جولة أولبرايت والسـياسة الجديدة تجاه إفريقيا إفريقيا..حصاد عام مضى حروب..انقلابات..انتخابات القمة
الأفرو أوربية الأولى .. صراع الأولويات
|
|
|||||||
|
|||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
|||||||