|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
صراع الحرية في إيران أ.د.
محمد السعيد عبد المؤمن
شعارات
الثورة بين المحافظين والإصلاحيين ربما
يحاول المحافظون الإمساك بأصالة شعارات
الثورة من خلال المحافظة على إطارها
العام، وما حققته من إنجازات في مجالات
العمل المختلفة: من سياسي، واجتماعي،
واقتصادي، بغضّ النظر عن ثقلها وقيمتها
الحقيقية في حياة الناس، ودون أن تتحول
إلى مجرد رموز تتفاوت مع ما يرصد تحتها من
أعمال، في حين يسعى الإصلاحيون إلى تطوير
هذه الشعارات لتعبر عن متطلبات المرحلة
الجديدة التي تمر بها إيران. وهذا
التطوير الذي عبروا عنه بالإصلاح يقتضي
إدخال عناصر جديدة إليها، إضافة إلى
تغيير بعض المفاهيم التي علقت بها نتيجة
بعض الممارسات الخاطئة، فضلاً عن إصلاح
هذه الأخطاء، وكذلك إعادة النظر في بعض
المسائل والقيم والأهداف. وقد يبدو أن
الصراع الدائر بين المحافظين
والإصلاحيين يتمركز حول شعار واحد من هذه
الشعارات وهو شعار الحرية، وما يتصل به
من أبعاد سياسية وثقافية واجتماعية
واقتصادية، تجسم في قضية حرية الصحافة،
باعتبارها وسيلة النقد وكشف الانحراف عن
مبادئ الثورة وشعاراتها، إلا أن هذه
القضية تتزامن مع قضيتين جوهريتين
أخريين هما: قضية تقنين ولاية الفقيه،
تعميقًا للديمقراطية، وتجسيدًا لشعار
الجمهورية الإسلامية، ومن ناحية أخرى
قضية تحديد أبعاد الإصلاح بواقعية ودون
تطرف في كافة المجالات السياسية
والاجتماعية والاقتصادية والثقافية،
وتتداخل معها -من ناحية ثالثة- مسألة
العلاقات مع الغرب، وخاصة الولايات
المتحدة الأمريكية، التي تجسد شعار
الاستقلال. وقد
اشتد الصراع حول هذه القضايا الثلاث منذ
وجدت حركة الإصلاحيين ترحيبًا جماهيريًا
كبيرًا، خاصة في أوساط الشباب، والأوساط
النسائية، مما أدى إلى نجاح أحد
الإصلاحيين في تولي منصب رئيس
الجمهورية، وهو الرئيس خاتمي، وكذلك
نجاح الإصلاحيين في الحصول على أغلب
مقاعد مجلس الشورى الإسلامي في
الانتخابات الأخيرة. وإذا كانت النخبة قد
وجدت في حركة الإصلاحيين وسيلة لتطوير
النظام ليتجاوب مع الظروف العالمية
الراهنة مما جعلها تتسارع إلى دعمها، فإن
هذا الدعم قد أسهم في اتساع هذه الحركة
لتضم عددًا من المتطرفين من مختلف
الاتجاهات: بين ليبراليين، وديمقراطيين
غربيين، ورافضين لولاية الفقيه، وغيرهم
ممن وجدوا في الحركة الإصلاحية فرصة
لإحياء مطالبهم وتحقيقها. وقد عبّر
رفسنجاني عن هذا الأمر في حديثة إلى
صحيفة همشهري بقوله: "لا شك أن الساحة
السياسية قد صارت أكثر انفتاحًا، ولكن
حدث فيها بعض الأعمال المتطرفة، وهي ليست
متعلقة بالسيد خاتمي ولا بحكومته. هناك
أشخاص يظنون أنفسهم تحت عباءة السيد
خاتمي، وأنا أنصحهم أن يتركوا السيد
خاتمي يستمر في عمله بالقوة التي بدأ بها.
وقد قلت لمن يسمون أنفسهم بخط الإمام في
أول لقاء معهم: إن الشعب قد أعطى صوته
للاعتدال ولم يعطه للتطرف، فلا تسعوا إلى
جذب السيد خاتمي إلى خط مخالف للاعتدال.
"19/10/1378 ه.ش" . ويبدو أن خاتمي يدرك
هذه المشكلة، وحذّر منها مرارًا، حيث
يقول في رسالته إلى وزير المعلومات: "لا
ينبغي أن نَغْفل لحظة عن خطر مثيري
الفتنة في الداخل، فما أكثر ما تنقبت
الفتنة بثوب التدين! فإذا لم نجفف جذور
الفتنة بحسم فمن الممكن أن تؤدي إلى
مشاكل وخسائر جمة". (صحيفة إيران 8/1/1378 ه.ش). والحق
أن الصراع الدائر على الساحة السياسية
الإيرانية صراع حقيقي؛ لأن عناصره عناصر
جادة ومصممة على المضي في تحقيق ما انتوت
عليه، فضلاً عن أن كلا منها لديه
الإمكانات التي تسمح له بالاستمرار، وقد
بلغ الأمر حد الهجوم العنيف على شخصيات
معروفة بعينها على صفحات الجرائد، وأن
يقوم أعضاء في مجلس الشورى الإسلامي
بمهاجمة رئيس الجمهورية، وصار طبيعيًا
أن يُنْتَقَد علماء الدين في عقر دارهم.
يقول عطاء الله مهاجراني في كلمة له في
جمعية التوحيد: "لقد هجرنا سلوك الإمام
الحسين وقدمنا بدلاً منه صورة مثيرة
للاشمئزاز عن الدين في إطار من العنف، إن
الحوزات الدينية في وضع لا يجعلها تهتم
بنهج البلاغة، ولا تقرره ضمن كتبها
الدراسية. حتى القرآن، لولا جهود العلامة
طباطبائي لما وجد مكانا في دروس الحوزة".
(همشهري 22/1/1379ه.ش) كما أصبحت المجالس
الكبيرة، مثل مجلس الرقابة على القوانين
(نكهبان)، ومجمع تحديد مصلحة النظام،
والسلطة القضائية، موضع هجوم ونقد، وإن
قراءة واعية للأحداث التي تقع في إيران
تكشف عن طبيعة هذا الصراع وطبيعة أطرافه،
ولعل محاولة اغتيال الزعيم الإصلاحي
سعيد حجاريان نائب رئيس المجلس المحلي
لطهران، وأسلوب محاكمة المتهمين الذي
يفسره الإصلاحيون بأنه وسيلة للحيلولة
دون اكتشاف الخيوط السرية التي تربط
المتهمين ببعض مراكز القوة العسكرية
والدينية، إشاعة خطة جيش حراس الثورة
للإطاحة بالرئيس خاتمي، إغلاق أكثر من
خمس عشرة صحيفة ومجلة تتحدث معظمها بلسان
الإصلاحيين، مهاجمة مؤتمر الإصلاحيين في
برلين (إيران بعد الانتخابات)، واعتقال
أربعة من كبار الإصلاحيين المشاركين
فيه، وهم: أكبر كنحي، وحميد رضا
جلائييور، وعلى رضا علويتبار، وحجة
الإسلام يوسفي اشكوري، وإخلاء سبيل عدد
آخر، وتعنيف المسؤولين في الإذاعة
والتلفزيون لإذاعة وقائعة، من العلامات
التي تشير إلى تصاعد الصراع بين
المحافظين الإصلاحيين. ويفسر المحلل
السياسي ناصر بيران هذه الأحداث بقوله:
"إن القوى المعارضة للإصلاح هي من قام
بهذه الأحداث خلال الشهور الأخيرة بهدف
إحداث مواجهة بين الإصلاح وبين القيم
والمعتقدات الدينية، في حين إن مجموع
التحديات الجارية بين الإصلاح والقيم له
وجهان متمايزان: الأول طبيعي وتاريخي ولا
يمكن تجنبه، ويمكن أن نلمسه في إدراك
المعارضين له، وقلق طائفة من علماء الدين
والمتدينين حول أبعاد الإصلاح. أما الوجه
الثاني فهو صوري ومصطنع وغير واقعي
تمامًا، حاكته طائفة من اللاهين
السياسيين كنوع من الحرب النفسية وإثارة
المشاعر الدينية للجماهير وتشويش أذهان
النخبة". (أخبار إيران 6/2/1379ه.ش) إن
قضية الإغلاق المستمر للصحف – كما يقول
كامبيز نوروزي أمين نقابة الصحفيين
للشؤون القانونية – لا تتفق مع القوانين
المعمول بها في البلاد من نواحي متعددة:
لذلك فهي ليست قانونية لأن المستندات
التي عرضت مستندات غير صحيحة، والطريقة
التي تتم بها طريقة غير قانونية. (أخبار
إيران 7/2/1379ه.ش) ويقول بيان جبهة الثاني من
خرداد: "إن هذا الإجراء لم يسبق له
مثيل، ويثير التساؤلات، ويستهدف إضعاف
إدارة السلطة القضائية واستقلالها
وأركان نظام الجمهورية الإسلامية، إن
هذا الإجراء ينبغي أن ينظر إليه كحلقة من
سلسلة الإجراءات المتتابعة التي خططت
لها قيادات خلق الأزمات كجزء من
الاستراتيجية الفعالة لأعداء الحكومة،
إن تركيز الدعاية ضد مؤتمر برلين
والترويج المستمر لها من إدارة هيئة
الإذاعة والتلفزيون التي نزلت من مستوى
الهيئة الوطنية إلى مستوى أداة حزبية،
وتفصيل الشعارات وترويجها من أجل إثارة
المشاعر الدينية للجماهير، وعقد
الاجتماعات، وإصدار البيانات، وأعمال
الاعتصام، والمسيرات المشبوهة، كل هذه
الأعمال تشير إلى خلق الأزمات، وإيجاد
التوتر، وتوجيه الاتهام إلى جبهة الثاني
من خرداد والقوى المتدينة الإصلاحية
وأبناء الثورة والإمام المخلصين. إن حرية
الصحافة من جملة الإنجازات القيمة لنظام
الجمهورية الإسلامية، وإن إصلاح الساحة
الصحفية وتلبية احتياجاتها بما يتناسب
مع الأسس العقائدية والموازين القانونية
والأخلاق الإسلامية ضرورة لا يمكن
إنكارها، وهي أكبر وأولى من الجميع، يجب
أن تتحقق في أجهزة الإعلام ومنها الإذاعة
والتلفزيون وجميع المنابر الرسمية وغير
الرسمية". (همشهري 6/2/1379ه.ش) ويعبر
حجة الإسلام أبطحي – مدير مكتب رئيس
الجمهورية- عن موقف الرئيس بقوله: "إن
تعطيل الصحف حركة متعجلة، ولا مبرر لها،
فلا هي رغبة من الزعيم، ولا هي حل لمشكلات
البلاد". (أخبار إيران 6/2/1379ه.ش) في حين
أكد وزير الثقافة والإرشاد الإسلامي أن
هذا الإجراء سوف يؤدي إلى الهرج والمرج
في الساحة الصحفية والإعلامية، وسوف
يغرق مستقبل حرية البيان والقلم في
الغموض والإبهام. (المصدر السابق) فإذا
كان آية الله هاشمي شاهرودي- رئيس السلطة
القضائية- قد وعد بمراعاة الحقوق الصحفية
وفقًا للدستور، وطلب ذلك من المسؤولين في
السلطة القضائية، (همشهري 6/2/1379ه.ش) فقد
أكد الزعيم خامنئي أن صحف الإصلاحيين قد
صارت قاعدة للعدو! وأيده في ذلك آية الله
رفسنجاني الذي أيد إغلاق الصحف، مؤكدًا
أن مؤتمر برلين مؤامرة أمريكية. وإذا كان
رفسنجاني قد ألمح إلى استخدام القوة ضد
من وصفهم بالأعداء والمتسللين، فقد بادر
على شمخاني- وزير الدفاع- إلى التصريح
بأنه "ينبغي أن نعمل بشكل نبعد به أية
شبهة لتدخل القوات المسلحة في السياسية".
(إيران 6/2/1379ه.ش) لكن جيش حراس الثورة الذي
لا يخضع لسلطة شامخاني لم يقل كلمته بعد،
وسيظل العصا التي يمسك بها قادة النظام
لتهديد المتطرفين من الإصلاحيين، خاصة
إذا أثاروا قضية تقنين ولاية الفقيه
وتحديد صلاحياته بالدستور، لأن هذا
سيكون معناه إحداث تغيير جذري في النظام.
وقد أصدر مجلس الخبراء بيانًا أكد فيه
هذه الحقيقة، وجاء في البيان : "إن
نظامنا الإسلامي يتميز بميزتين أساسيتين
هما: الحركة الشعبية، والالتزام
الإسلامي وإن استمراره وقوته رهن بهما،
وإن إضعاف أحدهما يلحق الضرر بالنظام. إن
ولاية الفقيه هي محور الوحدة الشعبية
ونقطة ارتكاز جميع أحباء الثورة، وإن
كلام ولي الأمر هو فصل الخطاب للمناقشات،
وحكمه فصل في الخلافات. ومبدأ ولاية
الفقيه هو العمود الفقري للنظام
الإسلامي، وإن خدشه أو الطعن عليه بشبهات
لا أساس لها يعتبر مخالفًا للشرع المقدس
والدستور. (همشهري 23/1/1379ه.ش) إذا
كان الزعيم خامنئي قد رفض فتح ملف
العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية
واعتبر تطبيع العلاقات معها منافيًا
لمبدأ الاستقلال. وقد أيده في ذلك آية
الله رفسنجاني والمحافظون، إلا أن
الإصلاحيين لم يتوقفوا عن إثارة القضية
في غمرة الصراع، حيث أكدت صحيفة إيران
نيوز الإصلاحية أنه لا مفر من بدء
المفاوضات بين طهران وواشنطن قريبًا
بهدف إعادة العلاقات الدبلوماسية
بينهما، لأن هذا يخدم مصالح الطرفين؛
فالتنمية في إيران بحاجة إلى
التكنولوجيا ورؤوس الأموال الأمريكية،
في حين إن الولايات المتحدة تستطيع
الاستفادة من الموقع الاستراتيجي لإيران
في الحفاظ على مصالحها في الشرق الأوسط. (إيران
نيوز 31/1/1379ه.ش) ولم يصدر حتى الآن قرار
بوقف الصحيفة. وعلى
كل حال، فمن المتوقع أن يتوقف مسلسل
مصادرة الصحف واعتقال الصحفيين، بل
والإفراج عن الصحفيين المعتقلين، وإلغاء
أحكام وقف الصحف المصادرة دعمًا للرغبة
في إعادة الهدوء واستقرار الأوضاع،
وردًا على دعوة خاتمي أنصاره بضبط النفس،
حيث قال في كلمة ألقاها في العرض العسكري
في ذكرى فشل عملية تحرير رهائن السفارة
الأمريكية بطهران: "إن إيران تحتاج
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى الهدوء
والتضامن من أجل بلوغ أهدافها، خصوصًا مع
الاستعداد لبدء أعمال مجلس الشورى
الإسلامي الجديد. وسوف نتمكن بعون الله
من حل المشكلات الأساسية وبناء مستقبل
أفضل." (همشهري 6/2/1379ه.ش). وقد تابع خاتمي
دعوته في لقائه مع أعضاء المجلس المحلي
لطهران بقوله: "ينبغي أن يسعى الجميع
عند نشوب أزمة أو توتر في المجتمع لتحديد
الإطار، والدفاع عن المبادئ، وعدم إضاعة
الطريق، وتأمين مصالح المجتمع، والتحرك
في إطار القانون من خلال التحلي بالتعقل
وضبط النفس. إننا ينبغي أن نهتم بمطالب
الجيل الجديد وتلبية احتياجاته الواقعية
والمشروعة وتوجيه مطالبه، إن إقرار
القيادة الشعبية والحرية في بلد مثل
إيران لن يتحقق إلا بالاعتماد على أصول
هوية هذا الشعب ودينه وأخلاقه، إن الحرية
والقيادة الشعبية والمشاركة الجماهيرية
والمجتمع المدني مطالب لها جذور في
الثورة الإسلامية ويقرها الدستور، لقد
بدأت الثورة مرحلة جديدة من حياتها
الاجتماعية، ومن العبث تجاهل السلطة
لإرادة الشعب". (إيران 10/2/1379ه.ش) ولا
شك أن محاولة قادة النظام إلقاء حالة
التوتر التي تسود إيران الآن على عاتق
أعداء الثورة والنظام لا يستند إلى حقائق
محددة، ورغم أن المتطرفين والمعارضة
الداخلية والخارجية قد استفادوا من هذه
الحالة، فإنهم لم يتسببوا فيها. يقول
برويز ببران –أستاذ
علم الاجتماع بجامعة العلامة طباطبائي- :
"هذه الحركة الاجتماعية الراهنة حركة
سلمية في إطار النظام، وتؤمن بالدستور،
وتطالب بإصلاح ما نتج عن التحولات
الاجتماعية من مشكلات وتراكمات شعبية،
وليست هذه الحركة نتيجة مؤامرة عدة أشخاص
أو نتيجة نشاط عدة مئات من الصحفيين وبضع
عشرات من الصحف، وليست نتيجة أي صدام
فردي مسبق، ولكنها تعبر عن تشكل الوعي
الجماعي." (المصدر السابق) ويشارك معظم
المحللين هذا الأستاذ رأيه، مؤكدين أن
معالجة هذه الحالة بأسلوب غير سليم سوف
يؤدي إلى مضاعفات لا تحمد عقباها. ولا شك
أن دعوة الرئيس خاتمي للهدوء وضبط النفس
سوف تلقى تجاوبًا لأنها تشير إلى أن قادة
النظام في سبيلهم لاتخاذ الإجراءات
الكفيلة بإنهاء الأزمة
أقرأ
حول الموضوع نفسه:
|
|
||||||
|
||||||
|
||||||