|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
الإسلام
والسياسة الأمريكية من الهلع الشيعي إلى الهلع السني
أقرأ
فى هذا المقال: q الخطاب المراوغ.. خطاب الولايات المتحدة q
هل
تساند الولايات المتحدة الديمقراطية
حقا؟
q
هل
تتعامل الولايات المتحدة مع الأنظمة
الإسلامية بمنطق واحد؟
q
صراع
حضارات أم حرب مسيحية جديدة؟
q
من
الهلع الشيعي إلى الهلع السني
ومن
ضمن ردود الأفعال التي تبنتها الإدارة
الأمريكية مؤخرًا ما يُسمَّى
بالسياسة غير الرسمية، التي تستهدف
احتواء الإسلام بطريقة أكثر "مرونة"
من ذي قبل، بمعنى أن الموقف الرسمي
لواشنطن صار لا يعلن العداء ضد الإسلام
ككل، وإنما يُعلن عدائيته فقط للإسلام
السياسي والأسلمة. وهو ما يمكن أن نطلق
عليه "الخطاب المراوغ". ولقد
صار من الأهمية–
بل من الواجب- أن نعيد التفكير في سياسة
أمريكا الخارجية تجاه الإسلام، وذلك
يرجع إلى سببين: أولاً: أن الإسلام أصبح
يحتل أهمية كبيرة في الشئون الدولية
والعالمية. وثانيًا: أن جموعًا غفيرة من
المسلمين أصبحت تعيش في مناطق تؤثر
تأثيرًا واضحًا على المصالح الغربية
والأمريكية. والأحداث الأخيرة التي جرت
في كوسوفا أكبر دليل على ذلك. فقد نال
الشعب المسلم في كوسوفا المساعدات
الأمريكية.. ومن ثمَّ، فإن حالة
كوسوفا تعتبر حالة فريدة من نوعها في
إطار السياسة الخارجية الأمريكية التي
أيدت شعبًا مسلمًا ضد حكومة مسيحية؛
ولذلك فإن مسألة الدِّيْن لم تكن بالأمر
الأساسي في كوسوفا، بل إن الأزمة
الأساسية هي أزمة أوروبية في الأصل
استدعت في البداية رد فعل إنسانيا من
قِبل الولايات المتحدة، ثم استدعت في
النهاية تحركًا إستراتيجيًّا أمريكيًّا. ولقد
أعلن عن انتهاج سياسة محددة تجاه الإسلام
إدوارد دجيرجيان، مساعد وزير الخارجية
لشئون الشرق الأدنى وأفريقيا الشمالية
في عام 1992م، حينما كان جورج بوش رئيسًا
للولايات المتحدة الأمريكية، حيث أكد أن
الولايات المتحدة لا تنظر إلى الإسلام أو
الحركات الإسلامية كعدو داهم، بل إنها
تعترف بحق هذه الحركات في المشاركة في
العملية السياسية. وفي ظل رئاسة بيل
كلينتون، قام مساعد وزير الخارجية
الجديد، روبرت بيليترو، باتباع النهج
نفسه. وتحدث
روبرت بيليترو عن النظرة المتحيزة ضد
الإسلام التي تتشكل في أذهان القارئ
العادي للجرائد، الذي يعتقد دائمًا أن
الإسلام لا يخرج عن إطار الحركة المعادية
للغرب، وعن كونه على استعداد دائم
لاستخدام أساليب العنف والإرهاب من أجل
الوصول إلى غاياته. ويرى بييليترو، أنه
على عكس ذلك، توجد جماعات مسلمة كثيرة
تتسم بالشرعية والمسئولية الاجتماعية،
ولكن في الوقت نفسه - كما يؤكد بيليترو -
توجد جماعات من الإسلاميين تعمل خارج
الأطر القانونية، وتلك الجماعات تستخدم
العنف لبلوغ أهدافها؛ ولذا فهي تندرج تحت
مسمى المتطرفين. ويشير بيليترو إلى أن
هؤلاء المتطرفين موجودون في كل مكان،
سواء في الشرق الأوسط أو في غيره من
المناطق، وهم لا يقتصرون على المتدينين
بل يشملهم أيضًا العلمانيون. ومن هنا،
فيؤكد بيليترو أن الجماعات الإسلامية
تنقسم إلى فريقين: فريق يشارك بطرق سلمية
في نظام الدولة، وفريق آخر يستخدم العنف
ضد حكومته وضد المواطنين، واختتم
بيليترو حديثه قائلاً: " إننا –
نحن الأمريكيين - متوجسون من هؤلاء الذين
يستخدمون العملية الديمقراطية للوصول
إلى الحكم بهدف ضرب العملية الديمقراطية". وبالرغم
من كل تلك المقولات،
فقد ثبت أن ما ألقاه كل من
دجيريجيان وبيليترو عن تغير السياسة
الأمريكية تجاه الإسلام بتفريقها بين
المتطرفين والمعتدلين، وكذلك بين
الإسلام والإسلام السياسي، ثبت أن كل ذلك
لم يتحقق عمليا على أرض الواقع؛ فالسياسة
الأمريكية وردود أفعالها على قضايا
معينة، قلَّما أظهرت ذلك التفريق الذي
ادعته في قراراتها السياسية، فعلى
سبيل المثال، منذ 1992م لم يحدث أن اعترفت
الإدارة الأمريكية بأي قوة إسلامية
معتدلة، وكذلك لم يحدث أنها دافعت عن
حقوق الأحزاب الإسلامية المعتدلة في
المشاركة في الانتخابات مثل جماعة
الإخوان المسلمين أو حزب الوسط بمصر. حتى
القائد الإسلامي التونسي راشد غنوشي –
الذي لم يعترض عليه دجيريجيان أو
بيليترو، بل اعتبراه مقبولاً جدًّا من
الناحية "الإسلامية" - لم ينل "جواز"
الإدارة الأمريكية. وسيطر على إدراك
الولايات المتحدة في
تعاملها مع هذه الأطراف هاجس الثورة
الإيرانية. ومنذ
اندلاع الثورة الإيرانية في 1979م،
والتطرف الإسلامي يُمثل مشكلة مؤرقة
للخارجية الأمريكية. فمنذ ذلك الحين،
والنشطاء الإسلاميون المسلحون يضربون
بيد من حديد على السياسة الأمريكية،
ويروجون للأيديولوجيات القمعية ضد الغرب:
من آية الله الخميني، إلى ابن لادن، إلى
حزب الله، إلى الجهاد الإسلامي. كلهم
أظهروا سياسة "إسلامية" واحدة
تستهدف ضرب المصالح الأمريكية، وكرد فعل
لهؤلاء الناشطين، جاء صاموئيل هانتجتون
ليقدم أطروحته العلمية التي أحدثت ضجة
فكرية بالغة التأثير في الغرب: وهي
أطروحته المشهورة عن "صدام الحضارات"،
وأن الإسلام لديه "حدود دموية" مع
الغرب. ولقد
شكَّل الرئيس الأمريكي رونالد ريجان رد
فعل آخر ضد هؤلاء النشطاء الإسلاميين،
خاصة بعد الحملات الهجومية المتوالية ضد
الأمريكيين، مثل المذابح التي أقيمت ضد
جنود البحرية الأمريكية في لبنان. بمعنى
آخر، لقد وصلت ردود الفعل الأمريكية
المعادية ضد الإسلام إلى أوجها في خلال
الفترة الأولية من رئاسة ريجان، وصارت
"الأسلمة" عدوًّا لا يقل خطرًا عن
الاتحاد السوفييتي، وسُمي الإسلام "بإمبراطورية
الشر". وفي عهد جورج بوش، قام
نائبه دانيل كويل بتشبيه مخاطر "الأسلمة"
بمخاطر النازية والشيوعية.وادَّعت
الإدارة الأمريكية أن التطرف والتشدد
هما المتحدث الرسمي والوحيد للإسلام،
وليس أدل على ذلك مما نشرته جريدة
النيويورك تايمز في صفحاتها الأولى - في
فترة قضية سلمان رشدي - عن كون الإسلام
مربوطًا بالخوميني، أو أن "الإسلام
منقاد من قبل الخوميني"، ومن ثمَّ بدأ
الجميع يتخوف ذلك "الإسلام" ذا
الصبغة الإيرانية. ففي الدول
السُّنِّيَّة مثل مصر والجزائر، صارت
المعارضة الإسلامية يُنظر إليها على
أنها شغوفة بالنمط الإيراني في قيادة
الثورات وقلب الحكومات، وفي الجزائر
أبدت الحكومة تخوفها من تحول عباس مدني
إلى خوميني آخر. وفي السودان، أطلق على
حسن الترابي آية الله في أفريقيا. وهكذا،
استطاع صناع السياسة - متضافرين مع
مسئولي الإعلام –
أن يُساهموا مباشرة في إعطاء صورة واحدة
ومطلقة عن الإسلام، ألا وهي أن الإسلام
لا يعني إلا التطرف والتشدد، وبالتالي
فالقلة المتطرفة صارت تتحدث بلسان
الأكثرية المسلمة. ومن
الجدير بالذكر أن الحكومات السلطوية في
العالم الإسلامي قد استفادت استفادة
مباشرة من تعميم تلك الصورة عن الإسلام،
إذ إنها فطنت سريعًا إلى أن مخاطر
الإسلاميين –
سواء كانت حقيقية أم مصطنعة –
ستترجم إلى معونات أمريكية، هذا
بالإضافة إلى التأييد الأمريكي الذي
سيساند تلك الحكومات، سواء من خلال تخفيف
الضغط عليها في مسألة "الدَّمَقْرطة"
أو من خلال فتح مساحة أوسع في اختراق حقوق
الإنسان، وكما تعلمت تلك الحكومات كيفية
ابتزاز الإدارة الأمريكية في ضخ
المساعدات والمعونات من أجل ضرب التيار
الشيوعي في خلال السبعينيات، تمكنت
أيضًا أن تسلك المسلك نفسه في "استغلال"
واشنطن ماديًّا ومعنويًّا لضرب
الإسلاميين. لقد تمكنت الحكومات في
الدول المسلمة - من الجزائر إلى مصر إلى
تركيا إلى أوزبكستان –
أن تتخذ من "الخطر الإسلامي" ذريعة
وحجة لتبرر بها انتهاكها لحقوق الإنسان،
وقمعها للحريات المدنية، وأخيرًا
مواصلتها في مد كل أساليب الديكتاتورية
ووضعها في ملبس شرعي. وقد وجدنا مثلاً،
أنه في خلال الانتخابات المصرية
والتونسية قد تمت محاصرة القوى
الديمقراطية من قبل الأنظمة الحاكمة
وليس من قِبل الإسلاميين فقط. ونرى
ضرب الإسلاميين متجليًّا في دولة مثل
الجزائر حيث نزلت كل من الولايات المتحدة
وفرنسا بكل ثقلهما لتأييد الحكم العسكري
المتغطرس ضد الحركات الإسلامية، ولم يكن
ذلك بالأمر الهَيِّن على شعب الجزائر
وعلى ذلك الجيل الذي شهد تلك المجزرة،
التي غالبًا ما ستؤدي إلى تعطيل كل ما
يتعلق بالقدرات التنموية لدى ذلك الجيل.
وكما يرى بعض الحكام المسلمين، مثل الملك
حسين عاهل الأردن، والملك الحسن عاهل
المغرب السابق، فقد أدى نبذ
الإسلاميين في الجزائر إلى خسائر فادحة،
بل أكثر من فادحة، لدرجة أن الرئيس
بوتفليقة نفسه أكد تلك الحقيقة.
وبالرغم من أن بوتفليقة قام بعدها بإفساح
بعض المجال لمشاركة القوى الإسلامية،
فإن "الشبح الجزائري" لا يزال يحوم
ويهيمن على الشعب الجزائري. ومن الواضح
أن تركيا تنتهج الطريق نفسها، ولكنها ستنتهجه
بصورة أكثر احتراسًا وتريثًا. هل
تساند الولايات المتحدة الديمقراطية
حقا؟
لم
يتحقق في الجزائر ما تحقق في إيران، إذ لم
يفلح الإسلاميون في قلب نظام الحكم
العلماني إلى نظام إسلامي، وكما قال راشد
الغنوشي: "إن ما استخلصه الإسلاميون
الجزائريون –
بأن الأنظمة العلمانية –مثل
نظام الشاه- ستئول حتمًا إلى
نظم إسلامية أثبت عدم صحته". وكان
نتيجة ذلك أن انتهج الكثير من الإسلاميين
في الدول الإسلامية شتى –
تركيا، الأردن، مصر، المغرب، الكويت،
وحتى الجزائر- مسلكًا جديدًا في
الممارسة، يعكس سعيهم إلى المشاركة في
النظام. وهنا لا بد أن نلتفت إلى حقيقة
مهمة وهي أنه بينما توجد حركات إسلامية
تسعى وراء القضاء على العملية السياسية
وإفسادها، توجد على الصعيد الآخر حركات
إسلامية تنتهج السياسة السلمية على غرار
الشيوعية الأوروبية (Eurocommunism)
. ويمكن أن يحدث ذلك بشرط أن تزول الظروف
الاجتماعية السياسية التي ساندت
السياسات الأيديولوجية، وأطلقت يد القوى
الراديكالية، وأن تتم تقوية المؤسسات
كما حدث في أوربا. أما في حالة وجود
مؤسسات أضعف من أن تحتوي التحديات غير
المشروعة للسلطة والأمن، فإن دمج
الاتجاهات الإسلامة في العملية
السياسية، يصير تحديًّا واضحًا. والحقيقة
أن المؤسسات في داخل العالم الإسلامي
تتسم بالضعف بسبب استغلال الأنظمة
الديكتاتورية للسلطة التي تتلقى مساعدات
دائمة من واشنطن؛ ولذا فنحن أمام
ظاهرة ذات بعدين: من ناحية، تتجه
الإدارة الأمريكية إلى تأييد الحكومات
الديكتاتورية في سبيل احتواء الإسلاميين.
ومن الناحية المقابلة، تضمن تلك
الحكومات أن يستمر النظام المؤسساتي في
ضعفه، وبالتالي جعل "الأسلمة" شيئًا
من الصعب بل من المستحيل تنفيذه. ومن
ثمَّ، فإن المشكلة التي تواجه المجتمعات
المسلمة تتمثل في الديكتاتورية وليس في
الإسلام. والحل لتلك المشكلة إنما
يكمن في تقوية بناء المؤسسات وتدعيم
المجتمع المدني، وليس في تقوية النظام
الديكتاتوري، وهذا الحل هو الطريق ذاته
الذي انتهجته الإدارة الأمريكية لإدراج
الأحزاب الشيوعية الأوروبية في داخل
النظام السياسي بأوروبا. ومن
هنا يمكن أن نقول: إن السياسة الخارجية
الأمريكية وُجِهَت - أولاً وأخيرًا -
بتأثير مصالح الحكومات الديكتاتورية
للدول المسلمة أكثر مما وُجِهَت من قِبَل
العناصر التي تنادي بالاستقرار في
المنطقة. وهذا على العموم يُعَدُّ أحسن
حالاً بالنسبة لحماية المصالح
الأمريكية، وكذلك مصالح الدول المتحالفة
مع للولايات المتحدة. وهناك
تساؤل على جانب كبير من الأهمية وهو:
هل تتعامل السياسة الأمريكية مع الأنظمة
الإسلامية بمنطق واحد؟
إذا
أردنا إعادة النظر في السياسة الخارجية
الأمريكية، فينبغي علينا أن نشكل رؤية
أكثر اتساعًا تشمل ما وراء الشرق الأوسط؛
فواشنطن لم تقصر تفكيرها على "أسلمة"
الشرق الأوسط فحسب، بل امتدت به إلى جنوب
شرق آسيا. وقد تمتعت الإدارة الأمريكية
بعلاقات وطيدة –
ولفترة طويلة –
مع رؤساء دول جنوب شرق آسيا، ولا سيما
أكثرهم توجهًا إلى الإسلام. وسنعرض ثلاثة
أمثلة لثلاث دول تعتبر من أهم الدول
الإسلامية في المنطقة، وهي أندونيسيا
وماليزيا وأفغانستان. ففي
أندونيسيا
اقتضت المصلحة الأمريكية تفضيل مواصلة
تأييد قوى التغيير الإسلامية على تأييد
الفصائل العلمانية في الجيش الإندونيسي
التي تعتمد على استخدام العنف؛ ولذلك فقد
أيدت الإدارة الأمريكية وصول عبد الرحمن
وحيد إلى الحكم كرئيس دولة، وميجاواتي
سوكارنو بوتري كنائب رئيس، وأخيرًا أمين
ريس كمتحدث عن البرلمان. وكل منهم طالب
بنظام سياسي أكثر انفتاحًا حيث يلعب
الإسلام دورًا مشاركًا. ومن المعروف أن
وحيد وريس لهما علاقة طويلة بأكبر
منظمتين إسلاميتين في إندونيسيا. فوحيد
يرأس "نهضة الأمة" ، وريس كان يرأس
"المحمدية". ومواقف هؤلاء الثلاثة
تجاه الإسلام والديمقراطية تناسب
السياسيات الغربية. وبالنسبة إلى
الولايات المتحدة، فإن وحيد وميجاوتي
وريس أفضل بمراحل من يوسف حبيبي رئيس
إندونيسيا السابق، الذي كان يسعى حثيثًا
إلى "أسلمة" نظام سوهارتو من خلال
دمج القومية الاقتصادية بالإصلاح
الإسلامي؛ وكان ذلك مصدر قلق لكل من
الأقلية المسيحية في أندونيسيا وحلفائها
في الغرب. ماليزيا ونجد
الوضع نفسه يتكرر في ماليزيا، حيث ذهبت
الإدارة الأمريكية –
بمصاحبة صندوق النقد الدولي - إلى تأييد
أنور إبراهيم على حساب محاضر محمد؛ فأنور
إبراهيم –
القائد الإسلامي السابق –
كان أخف وطئًا على أمريكا من محاضر محمد.
فالأول يتسم بانحيازه الشديد نحو الغرب،
بينما يتسم الثاني بانحيازه الشديد ضد
الغرب. وسبب سقوط أنور إبراهيم وعزله عن
السلطة يتلخص في موقف محاضر المناوئ –
وبشدة – نحو
الغرب. باختصار، لقد أثبت أنور إبراهيم
أنه أكثر انتماء للحداثة –
بل ما بعد الحداثة –
عن محاضر محمد المعروف بهجومه الشديد على
صندوق النقد الدولي وبإشعاله لما يسمى
بالمؤامرة العالمية اليهودية ضد ماليزيا. في
الحقيقة، إن الجيش الإندونيسي ومحاضر
محمد كليهما يشكلان قوى علمانية قومية
تضر بالمصالح الأمريكية في منطقة جنوب
شرق آسيا. وهذان المثلان يعكسان عنصرًا
هامًّا في كيفية تعامل السياسة
الأمريكية مع المناطق المختلفة: فما
يسري في منطقة الشرق الأوسط لا يسري في
منطقة جنوب شرق آسيا؛ ولذا لا يمكن القول
بأن أمريكا لديها سياسة موحدة تجاه
الإسلام. أفغانستان وتأتي
أفغانستان كمثل منفرد في جنوب شرق آسيا:
ففي بداية الصراع الأفغاني الروسي –
وحتى نهايته - كانت السياسة الأمريكية
تساند الجهاد الأفغاني، وبالرغم من
الثمن الفادح الذي تتحمله الولايات
المتحدة اليوم نتيجة اتخاذها ذلك
الموقف، فهذا لا يمكن أن ينفي بحال من
الأحوال، مساهمة الإسلاميين
الراديكاليين المسلحين –
مساهمة مباشرة - في تدعيم سياسة أمريكا
الخارجية منذ انتهاء الحرب العالمية
الثانية. لقد
انقلب الموقف الأمريكي بعد عام 1989م، حيث
سعت الولايات المتحدة إلى إبعاد نفسها
بكل وسيلة عن الجهاد الأفغاني، وأن تركز،
بدلاً منه، على العواقب غير المقصودة
التي أفرزتها الحرب الأفغانية. ومن
هذه العواقب: أحمد رمزي يوسف، أسامة بن
لادن، و25,000 ناشط كانوا قد شاركوا في حرب
أفغانستان. ومن الملاحظ أن الإدارة
الأمريكية سارعت –
إبان انتهاء الحرب الباردة –
بحرص شديد على غسل يديها من التجربة
الأفغانية برمتها. والدليل على ذلك، أن
أفغانستان وباكستان صارتا بعد 1989م من ألد
أعداء الولايات المتحدة. وبالرغم من أنه
لم يكن من الخطأ - من قبل الجانب الأمريكي –
تأييد الجهاد الأفغاني، فإنه كان –
بلا شك - منتهى الخطأ انسحاب الولايات
المتحدة من أفغانستان وباكستان في عام 1989م
لتُعْلِن مواصلة مسيرتها ضد الإسلام تحت
لافتة "الغرب في مواجهة الباقين". صراع
حضارات أم حرب مسيحية جديدة؟
تشكل
الهند وروسيا والصين محورًا ثلاثيًّا ضد
الولايات المتحدة. ولعل المنشقين
الكشميريين والشيشانيين والداغستانيين
قد رأوا استفادة فعلية من النموذج
الأفغاني، حيث تبنوا أسلوب القتال
الجهادي نفسه الذي استخدمه إخوانهم
الأفغانيون. ومن المحتمل أن يتكرر ذلك
القتال–
مرات ومرات - في السنوات القادمة: سواء في
الهند أم في جمهوريات روسية أخرى أو حتى
وسط اليوغوريين (مسلمي الصين) في غربِيِّ
الصين. وفي ظل القمة الصينية –
الروسية الأخيرة التي أقيمت في
قيرغيستان، أوضحت الدولتان مدى قلقهما
إزاء تمرد السكان المسلمين في كلا
البلدين، حيث حاولت كل منهما استجداء "عطف"
واشنطن تجاه موسكو وبكين لإنقاذهما مما
يسمونه بالإسلام الإرهابي. ويأتي
السؤال هنا: هل من الواجب على أمريكا أن
تنظر إلى تمرد المسلمين من خلال أعين
اليهود والروس والصينيين؟ أم يجب أن تنظر
إلى تلك الأقليات المسلمة من منظور
المنفعة والمصلحة الأمريكية التي ترى في
تلك الأقليات خير حليف في ظل الصراع بين
الولايات المتحدة من جهة والهند والصين
وروسيا من جهة أخرى؟
ذلك الصراع الذي سيحدد السياسة
الجغرافية في القرن القادم. ولا ننسى أن
المحور الهندي –
الصيني –
الروسي يرتكز أصلاً إلى قلب العالم
الإسلامي، مما يؤدي إلى جعل الأخير في
منتهى الأهمية الإستراتيجية والجغرافية
بالنسبة إلى الولايات المتحدة. وقد يخطئ
صاموئيل هانتنجنتون في فرضيته التي تقوم
على وجوب إنشاء تحالف إسلامي –
كونفوشي ضد الغرب. بل العكس هو الصحيح: إن
المستقبل سيشهد غالبًا تحالفًا غربيًّا -
إسلاميًّا ضد التحالفات الآسيوية سواء
كانت كونفوشية أم هندوسية، وكذلك ضد
تحالفات السلاف مع الأورثوذكس في أوروبا.
ولقد لمسنا ذلك بوضوح في البوسنة
وكوسوفا، حيث وجدت الولايات المتحدة
نفسها تقيم التحالفات مع المسلمين من أجل
توطيد نفوذها في أوروبا، ومد سلطانها
غربًا على حساب روسيا؛ وفي الوقت نفسه،
كانت الولايات المتحدة تواصل مناهضتها
"للأسلمة" في الأراضي المسلمة
بأوروبا. ولذلك
فإن الصراع الحضاري في أوروبا ليس صراعًا
بين الإسلام والغرب، وإنما هو صراع بدأ
أولاً بين الكاثوليكية في كرواتيا
والأورثوذكسية في صربيا، ثم امتد الآن –
ليصير أكثر شمولية واتساعًا- بين الحلف
الغربي (الولايات المتحدة وغربي أوروبا)
من جهة، والمحور الروسي- اليوغسلافي من
جهة أخرى. وهذا المحور ليس بهَيِّن، حيث
يمثل مقاومة ثقافية - حضارية تتمتع
بتأييد واسع بين الشعوب الشرقية
الأرثوذكسية في اليونان: مقدونيا،
بلغاريا، وأوكرانيا. وباختصار، يمكن
القول إن التغييرات الجغرافية
الإستراتيجية الجارية الآن في وسط
أوروبا وجنوبها تمثل بداية قرن رابع من
الصراعات المحتدمة فيما بين الكنيسة
الشرقية والكنيسة الغربية. وقد
تتهم وسائل الإعلام الصربية الحكومة
الأمريكية بضرب المسيحيين لحماية
المسلمين في البوسنة وخاصة في كوسوفا،
وأنها تحاكي ما فعلته سابقاًا مع
الأفغانيين، وحتى الآن يرى الكثير أن
الولايات المتحدة قد أنقذت المسلمين من
مخاطر الإبادة في شرقي أوروبا.
فالولايات المتحدة هي القوة الغربية
الوحيدة التي وافقت على ادعاءات
البوسنيين والألبان بأنهم أوروبيون، وأن
لديهم الحق في التواجد بأوروبا. والفارق
بين أفغانستان والبوسنة وكوسوفا يكمن في
أن دور السياسة الأمريكية في أفغانستان
كان سريًّا ومستترًا، بينما كان معلنًا
في كل من البوسنة وكوسوفا. والصراع
الحضاري في كوسوفا لم يكن أيضًا صراعًا
بين الإسلام والغرب. ولم يكن المسلمون
منقادين بحميتهم الحضارية كما تقترح
مدرسة هانتجنتون، والدليل على ذلك أن
الولايات المتحدة والألبانيين اجتازوا
الحدود الحضارية الفاصلة بينهما لإيجاد
تحالف يسعى إلى ضمان تواجد المسلمين في
شرقي أوروبا، كما أن الحكومات المسلمة لم
ترفع راية الإسلام لتقديم يد العون إلى
الكوسوفيين؛ بل إن سلوبادان
ميلوسوفيتش نفسه تلقى من عبارات التأييد
في عواصم الدول المسلمة (خاصة في بغداد
وطرابلس) ما لم يلاقه جيش تحرير كوسوفا. حتى
إيران – التي
ترفع شعار الجهاد الإسلامي - امتنعت عن
تأييد الكوسوفيين بأسلوب علني. والمعروف
أن إيران قد أيدت –
أكثر من مرة - نظام الحكم المسيحي في
مواجهة قوات المسلمين المنشقة، والمعروف
أيضًا أنها كانت من ضمن الدول الأخيرة
التي نادت باستقلال أذربيجان ودول وسط
آسيا، حيث إنها كانت تفضل رؤية جورباتشوف
وموقفه من مستقبل الاتحاد السوفييتي.
ومؤخرًا قامت إيران إما بتأييد الموقف
الروسي في الشيشان وإما بتفضيل السكوت عن
وحشية الروس في المنطقة. وفي
خلال الصراع الأخير بين الروس
والشيشانيين (خريف 1999) قام وزير الخارجية
الإيراني كمال خرازي بتأكيد وقوفه على
الصف الروسي، ومعاونة روسيا على تدعيم
حملتها في داخل الشيشان. وأخيرًا قامت
إيران بتدعيم الأرمينيين ضد الشيعة
الأذريين في الصراع الدائر بمنطقة
نجارنو - كاراباخ (Ngarno-Karbagh).
وهذا إن دل على شيء إنما يدل على أن
الجمهورية الإسلامية الإيرانية مدفوعة
أولاً بدوافع قومية لا دوافع حضارية. لقد
فاقت المساعدات الأوروبية والأمريكية
التي قدمت إلى اللاجئين الكوسوفيين –
على المستوى الخاص- مساعدات الدول
المسلمة. وفي كل الأوقات، بقيت كوسوفا
تراجيديا إنسانية أوروبية وليست
إسلامية، وهذا المثل يقودنا إلى حقيقة
هامة، ألا وهي: أننا لا نستطيع أن نجزم
بمواقف سياسية معينة من قبل الحكومات
المسلمة، لمجرد أنها مسلمة، فالانتماءات
الحضارية ليست دليلاً كافيًا ليعكس
تصرفات المسلمين. والغرب دائمًا ما
يتصرف تبعًا لمواقف المسلمين الحاصلة
بالفعل، وليس تبعًا لحقيقتهم. وفي
شرق تيمور نجد القساوسة –
في ظل التطورات الأخيرة - قد أسرعوا إلى
الساحة التيمورية ليتواجدوا فيها، بينما
لم يسارع الملالي إلى الساحة الكوسوفية.
إن أندونيسيا –
وهي أكثر الدول اكتظاظًا بالمسلمين - لم
يظهر حيالها المسلمون الاهتمام المتوقع.
وفي المقابل، نجد الكاثوليكيين قد
أظهروا حَمِيَّتهم الحضارية تجاه
المسيحيين في شرق تيمور بصورة ليست وليدة
اليوم فقط، بل تعود إلى السبعينيات،
وبالتحديد عام 1975م، حيث تم رفع هذه
القضية من خلال شبكة عالمية موسَّعة
امتدت من الفاتيكان إلى مجلس النواب
والجامعات الكاثوليكية بالولايات
المتحدة. وإذا نظرنا إلى كوسوفا، فسنجد
أن السلافيين هم الذين انقادوا برؤيتهم
الحضارية لإقامة مظلمة أورثوذكسية تمتد
من أثينا إلى موسكو عبر بالجراد. في
الحقيقة، إن ما حدث في كوسوفا يعكس –
بصورة تطبيقية - طبيعة العلاقة بين الغرب
والمسلمين وتعقدها البالغ؛ ومن ثمَّ فهي
تناقض وتكذب الافتراضات التي هيمنت على
الفكر الغربي منذ عام 1979م، تلك
الافتراضات التي ترسم خطًّا واحدًا من
التعامل بين الإسلام ومفهوم السياسة
الخارجية الغربية. من
الهلع الشيعي إلى الهلع السني
في
التقرير الأخير لوزارة الخارجية
الأمريكية عن "أشكال الإرهاب العالمي:
1999م"، تم تفصيل معنى "الإرهاب"
على أنه عنف متعمد ومدفوع سياسيًّا ضد
أهداف غير مسلحة؛ وتقوم به مجموعات منشقة
عن النسيج الوطني أو مجموعات جاسوسية.
والهدف من تلك العمليات –
غالبًا – هو
التأثير على الجمهور. ويعتبر هذا التصنيف
ضحلاً للغاية، إذ إنه يشرح معنى "الإرهاب"
على أساس هوية مرتكب العنف، وليس على
أساس ماهية هذا الفعل أو الدوافع الكامنة
وراء تلك الجريمة. والحقيقة،
أن السياسة الأمريكية تجاه الإسلام التي
عهدناها لسنوات طويلة تحتاج إلى تمحيص
وتحليل وإعادة نظر. ففي يوم من
الأيام، كان الخطر الإسلامي يعني الخطر
الشيعي، وكان - من ثمَّ - احتواء الإسلام
معناه احتواء الشيعة. وظلت
إيران لفترة طويلة تعتبر العدو الأكبر
والأوحد للولايات المتحدة. وحتى هذه
اللحظة، تعتبر إيران مستبعدة استبعادًا
كاملاً من جانب إسرائيل بسبب تأييدها
لحماس وحزب الله. ففي شرم الشيخ وصف رئيس
الوزراء بيريز طهران بكونها "عاصمة
الإرهاب". وفي لبنان، أجبرت جماعة حزب
الله الولايات المتحدة وإسرائيل على
الانسحاب، وهي تشكل حاليًا القوة
العربية الوحيدة التي تحارب بجدية
وفعالية ضد إسرائيل. وكان
نتيجة ذلك، أن صارت الشيعة قوة إسلامية
ضخمة لا يُستهان بها، وأصبح ينظر إليها
على كونها أكبر قوة إسلامية مسلحة. ومن
ثمَّ، فقد امتنعت الخارجية الأمريكية –
بعد حرب الخليج الأولى- عن مدِّ أي مساعدة
للشيعة في العراق. وفي عام 1991م –
عندما قمع الحرس الجمهوري العراقي حركات
التمرد الشيعية في جنوبي العراق، وكان
ذلك تحت أعين القوات الأمريكية- لم تحرك
الإدارة الأمريكية ساكنًا تجاه استغاثات
الشيعة. إن
السياسة الأمريكية –
في هذه المسألة بالذات - كانت محصورة في
نطاق ما سمَّته وكالات الإعلام بـ"المعارضة
الشيعية التاريخية للولايات المتحدة"،
ويبدو أن السكوت الأمريكي والأوروبي –
سواء على المستوى الحكومي أو الإعلامي –
حيال قمع المعارضة الشيعية في البحرين،
مدفوع بالدوافع ذاتها التي تنطبق على
العراق. وعلى
الوجه المقابل، كان الإسلام السُّنِّي
يعتبر من المنظور الأمريكي أقل خطرًا أو
"أقل شرًّا". فالإسلام السني –
في حالات كثيرة - لم يَسْعَ إلى الطموحات
الإيرانية نحو الهيمنة، وإنما كان
مشغولاً أولاً وأخيرًا بالمسائل
الداخلية. ولحظات "المَدِّ والجَزْر"
للحركات السنية كانت دائمًا محكومة من
قِبل الحكومات والأنظمة، سواء في
السعودية أم باكستان أم ماليزيا. ولقد
رأينا ذلك بصورة مضخمة في دولة مثل
سوريا، حيث قامت حكومة المخابرات تحت
قيادة الرئيس الأسد في 1982م بدك مدينة
حماة، وقمع حركة تمرد الإخوان المسلمين،
فتسبب في قتل أكثر من 100000 شخص. ولا يختلف
الأمر كثيرًا عما يحدث في ظل حكومة بن علي
بتونس، أو في ظل حكومة مبارك في مصر. خلاصة
الأمر،
أن الإدارة الأمريكية لم تكن تجد ضررًا
شديدًا في الإسلام السني. ويمكن القول: إن
المشكلة الوحيدة والمهيمنة –
بخصوص الإسلام السُّنِّي - كانت تنحصر في
العلاقات العامة مع كثير من المسلمين
الذين يتهمون الممارسات الأمريكية
بالازدواجية في حملتها من أجل
الديمقراطية. فبينما نجد الولايات
المتحدة تنادي بالديمقراطية في روسيا،
وشرقي أوروبا، وأمريكا اللاتينية
وأفريقيا، نجدها على الوجه المناقض في
سكوت تام حيال الدول المخابراتية التي
تتجنى على الديمقراطية وتقمع كل من ينادي
بها، وتفعل ذلك كله باسم احتواء
الإسلاميين المتطرفين المتشددين. ومن
فرط معاداة الإدارة الأمريكية للشيعة،
وتخوفها منها، كانت تغض الطرف عن
استثمارات السعودية المعروفة بتسليح
الجماعات السنية؛ وذلك لأن هدف تلك
الجماعات سيعود بالنفع على السياسة
الأمريكية، فهي تستخدم من قِبل السعودية
لإقامة "جدار" حول إيران، يمتد من
آسيا الوسطى إلى الخليج الفارسي. وقد
تبدل الحال الآن وصار الإسلام السني أكثر
خطرًا من الإسلام الشيعي، وانتقل الهلع
الأمريكي من جماعة الشيعة إلى جماعة
السنة.
فقد خَبَت الثورة الإيرانية وخمدت،
وصارت إيران تتخذ خطوات مدروسة لتعديل
سياستها الداخلية والدولية، وفي الوقت
نفسه ظهرت ثمار "الاستثمارات السنية"،
وبدأت الجماعات السنية المسلحة قطف تلك
الثمار التي كانت تترعرع وتنمو في
السنوات الماضية. إن جماعات طالبان، وحركة المجاهدين في كشمير، وشبكات أسامة بن لادن وأحمد رمزي يوسف وتابعيهم المسلحين في أجزاء عديدة من العالم الإسلامي، كل هؤلاء يشكلون قفزة جديدة من حركات التسلح التي تتسم بشدة الطابع الطائفي. ومن المعروف أن القوات السنية المسلحة تركز في البداية على محاربة الشيعة ثم تتجه تدريجيًّا لتصب كل اهتمامها تجاه الغرب. فمثلاً في باكستان، كانت القوات السنية المسلحة – حتى وقت قريب - تركز على المسائل الداخلية، ثم انتقلت الآن إلى توجيه تهديداتها المباشرة ضد المصالح الأمريكية إذا ما اتجهت الأخيرة نحو مطاردة أسامة بن لادن في أفغانستان. ومن
الطريف، أن هذه النوعية الجديدة من
السنيين المسلحين –
التي ساهمت الولايات المتحدة وحلفاؤها
في نشأتها –
تُسرع حاليًا في ملء الفراغ الذي تركته
الشيعة. ومن مصلحة أمريكا أن تنظر إلى ما
هو أبعد من منظومة "الخطر الإسلامي"،
وتمد النظر إلى دلالات أكثر اتساعًا في
المنطقة بمعنى أن الولايات المتحدة
يمكنها أن تستغل التناقض المتواجد بين
قوى السنة وقوى الشيعة. إن
ظهور الجماعات السنية المسلحة في الهند،
باكستان، أفغانستان، الشيشان، والخليج
العربي، ينبئ بنشأة ديناميكية جديدة
تتمثل في الصراع بين السنة والشيعة.
وستقف الولايات المتحدة - ومعها حلفاؤها -
أمام هذه الديناميكية لتستغلها أحسن
استغلال. ولقد بدأت بالفعل سلسلة المجازر
بين الشيعة والسنة، وليس أدل على ذلك من
المذابح التي حدثت للشيعة في مازار شريف
وباميام على أيدي "طالبان"، وكذلك
التربص العسكري الذي رأيناه على الحدود
الإيرانية الأفغانية. الحقيقة
أن تغلغل الجماعة السنية المسلحة في
باكستان وتأثيرها على السياسات الداخلية
والإقليمية ليس بالشيء الهين الذي يسهل
السيطرة عليه من قِبل الإدارة
الأمريكية، بل إنه أمر بالغ التعقيد.
ولذلك فمن الصعب أن تحتويه المنظومة
التقليدية للسياسة الخارجية الأمريكية
التي تقوم على مبدأ أن الإسلام يواجه
العلمانية. إن التعامل مع هذه الظاهرة
السنية يتطلب من الإدارة الأمريكية أن
تعي وعيًا جيدًا زوايا الإسلام المختلفة
سواء في السياسة الإقليمية أم السياسة
المحلية. وإذا
نظرنا إلى الجماعة السنية المسلحة فسنجد
أنها قد استخدمت في إحداث تغييرات سياسية
جَمَّة في داخل باكستان وخارجها، الأمر
الذي أدى إلى إثارة اهتمام بالغ على صعيد
الأمن الأمريكي.
وأحداث كارغيل في صيف 1999م مثل حي أمامنا؛
فقد تم استخدام القوات السنية المسلحة من
قبل الجيش الباكستاني كوسيلة لتغطية
الهجمة الباكستانية على منطقة كارغيل في
كشمير، وقد أدى ذلك إلى إشعال النار من
جديد بين باكستان والهند، وهما القوتان
الوحيدتان اللتان تمتلكان الحل
الإستراتيجي النووي في جنوب آسيا. ومن
ثَمَّ تم نسف سياسة الدبلوماسية التي
كانت قائمة –
طيلة عام كامل- بين رئيسي الوزراء: الهندي
والباكستاني. إن السنية المسلحة تلعب
حاليًا دورًا مباشرًا في تصعيد الخلافات
الهندية –
الباكستانية، ومما لا شك فيه أن ذلك
سيكون له أثر كبير في عرقلة المفاوضات
بين البلدين. والقوات
السنية نفسها التي استخدمت في كارغيل، تم
استخدامها على يد الجنرال برويز مشرف
لقلب حكومة شريف عسكريًّا، وبعد عشرة
أيام من الانقلاب العسكري (أكتوبر 1999)
حدثت مجزرة واسعة أدت إلى مقتل 45 رائدًا
من رواد الشيعة في مختلف المناطق
بباكستان. وكان وراء تلك المجزرة عصابات
طائفية سنية تضمنت مقاتلين من كشمير. وفي
العالم العربي،
يُلاحظ أنه، خلال السنوات الأخيرة، اتجه
الكثير من الرؤساء والملوك العرب إلى
التماس الإسلام والتحدث عنه، إذ وجدوا
أنه من الضروري أن يتبنوا تلك الوجهة.
فنرى الملك عبد الله الثاني يُطْلِق
لحيته كما فعل والده الراحل حسين. ونجد
الحسن – ملك المغرب
الراحل- قد بنى مسجدًا كبيرًا على شرفه،
ثم نجد حيدر علييف رئيس أذربيجان قد أنشأ
مُتحفًا للاحتفال بإسهاماته وخدماته
الجليلة تجاه الدين. فجأة،
تحول الرؤساء العرب "السلطويون"
العلمانيون إلى وضع أنفسهم في قالب جديد
كرؤساء مؤمنين؛ من حسني مبارك إلى حافظ
الأسد إلى عبد العزيز بوتفليقة. وأصبحنا
نرى النخبة المصرية ترتاد المساجد
لتأدية شعائر الصلاة، حتى النخبة
السياسية في تركيا – بما
فيها رئيس الدولة الكمالية –
نراها تصلي في المساجد. وطبعًا في تركيا،
يُعتبر ظهور الرئيس في المسجد أمرًا
عظيمًا وكبيرًا في ظل "المبادئ"
الكمالية التي تهيمن على الدولة التركية.
أضف إلى ذلك، أن الساحة العامة –
على امتداد العالم الإسلامي –
صارت
أكثر ميلاً إلى الإسلام، وتحولت
الدولة إلى المسئول الأول عن تشريع
الإسلام وتطبيقه. ففي مصر مثلاً، نجد
الفارق بين المشروع الاجتماعي الذي
يتبناه الأزهر (والذي تسانده حكومة مبارك)
وبين نظيره الذي تتبناه جماعة "الإخوان
المسلمين" المعارضة ضئيلاً للغاية. إن
الأنظمة العلمانية تحاول أن تكون أكثر
"إسلامية" في وعودها وخطابها، ولكن
ليس من أجل الإسلام نفسه إنما من أجل
التحكم والتسلط.
فإذا دققنا النظر في "إسلامية"
الأنظمة العلمانية في العالم الإسلامي،
فسنجد أنها تطرق بشدة على البرامج
والمشاريع التي تطرحها المعارضة
الإسلامية، ساعية من خلال ذلك إلى تحدي
أي نوع من أنواع الديمقراطية والتعددية. وفى
النهاية لابد أن نطرح تساؤلا هاما: ألا
وهو من أين نبدأ؟ وللإجابة على هذا
السؤال يجب أن ندرك جيدا
أن الأزمات والمشكلات
التي يعانيها المسلمين اليوم، تُشكل
التحدي الحقيقي للغرب؛ الفقر الاقتصادي
والنظام الديكتاتوري في العالم الإسلامي
يُسببان خطرًا حقيقيًّا على المصالح
الغربية. فكل منهما يُعَدُّ أرضًا خصبة
لنشوء التشدد والتطرف والراديكالية؛ فلم
يَعُد بالضرورة التحدث أيديولوجيًّا أو
حضاريًّا ولم يعد إلقاء الضوء على
الهُوَّة الحضارية يصب بالضرورة في
المصالح الأمريكية. فليس من مصلحة
الولايات المتحدة أن ترد على الموقف
الأيديولوجي المنبعث من الإسلاميين
الراديكاليين الذين يشكلون أقلية "مميزة"
من الإسلاميين؛ وذلك لأن السياسات –
كما حدث في كوسوفا– تمثل
رد فعل للأحداث لا للديانات.
ولذا، فإن الولايات المتحدة ليست في
حاجة إلى اتخاذ موقف تجاه الإسلام،
ولكنها في حاجة إلى اتخاذ موقف تجاه
التغييرات السياسية والاجتماعية
والاقتصادية التي يعيش المسلمون في
ظلها، هؤلاء المسلمون الذين يُطِلُّون
على الممرات الجيوستيراتيجية التجارية
التي تهم الغرب. والخلاصة
أن الدين الإسلامي بمحتواه العقائدي لا
يشكل خطرًا على الولايات المتحدة، وإنما
الحقائق السياسية والاجتماعية
والاقتصادية–
التي تهيمن على المسلمين –
هي الخطر الحقيقي الذي يتطلب الاهتمام
الأمريكي.
اقرأ
أيضًا: انتخابات
الرئاسة الأمريكية لعام 2000 ... حيرة
المسلم بين الحزبين الجمهوري
والديمقراطي الانتخابات
الأمريكية: هل يستطيع العرب والمسلمون
إحداث نُقطة تحول؟ أولبرايت
تحرض ضد الإسلام السياسي في آسيا الوسطى
واشنطن
تنفي ربطها بين الإسلام والإرهاب واشنطن
تعارض الديمقراطية بين المسلمين لأنها
تعتبرهم ديكتاتوريين!
إيران
تقبل التفاوض مع الشيطان الأكبر بشروط
الخارجية
الأمريكية تربط بين العمل الخيري
والإرهاب احتفالية
إسلامية في أكبر جامعة كاثوليكية
بأمريكا لا
جديد في تقرير "الإرهاب" الأمريكي
السنوي
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||
|
||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
||||||