بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

شبعا .. هل تعيد ارتباط المسارين اللبنانى والسورى؟

وسام فؤاد


أعلن رئيس الوزراء بإدارة الاحتلال الصهيوني: إيهود باراك قبل انتخابه أن فترة ولايته ستشهد تحقيق الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني المحتل، ولا شك في أن باراك كان يستهدف أمرين: أولهما: الخروج من "المستنقع اللبناني" الذي لم يسفر عن تأمين شمال فلسطين المحتلة كما كان هدف عملية الاحتلال، سواء في 1978 أم 1982 أو غيرها من عمليات الاحتلال التي تمت في لبنان، التي قاربت العمليات العشر. وثاني هذين الأمرين يتمثل في: الضغط على سوريا لكي تُسارع بتقديم تنازلات لتحقيق تقدّم على صعيد المسار السوري، حتى لا يكون هذا المسار آخر عربات قطار التسوية، وهو ما يعني بالنسبة لسوريا أنها لن تحصد منه أي مكاسب باستثناء الفتات، فضلاً عن أنها ستضطر لتقديم تنازلات أكبر في حالة كونها المسار الأخير على صعيد التسوية، وتتيقن إدارة الاحتلال الصهيوني من أن سوريا لن ترغب فيه، وبخاصة مع غدوّها لا تمتلك أية أوراق ضغط أخرى بعد التسوية مع لبنان.

ولكن في مقابلات مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة: تيري لارسن مع الأطراف المعنية بعملية الانسحاب من الأراضي اللبنانية -أعلن تيري لارسن أن الأمم المتحدة ستستخدم خط الحدود الدولية المرسوم في عام 1923، مع التعديلات المتوافق عليها بعد اتفاق الهدنة عام 1949، وهذا يعني أن الأمم المتحدة لن تستخدم الحدود الدولية المعترف بها لتنظيم عملية انسحاب قوات الاحتلال الصهيونية من الجنوب اللبناني، بل هناك "تعديلات" مطلوب من المفاوض الإسرائيلي إجراؤها على خط الانسحاب هذا. وتأتي "مزارع شبعا" في مقدمة هذه التعديلات التي تضغط إدارة الاحتلال الصهيوني لإدخالها، حيث تراها ضرورية لأمنها.

والسؤال الذي يطرح نفسه بإلحاح الآن هو: لماذا تحوّل الاحتفاظ بمزارع شبعا بالذات إلى هدف لإدارة الاحتلال الصهيوني ؟وما تأثير احتفاظ الكيان الإسرائيلي بها حتى الآن على استمرار المقاومة اللبنانية وعلى المسار السوري؟  ولكن وقبل كل هذا ما هي مزارع شبعا؟ وما مدى أهميتها الإستراتيجية؟.

ما هي مزارع شبعا؟

مزارع شبعا هي منطقة مساحتها (250)كم2، تمتد طوليًّا بحدود 24 كم، ويتراوح عرضها (عمقها) بين 15 كم أو 13 كم. وهذه المزارع توجد في قضاء (أي محافظة) حاصبيا. وقضاء حاصبيا أحد الأقضية الواقعة في جبل الشيخ المعروف تاريخيًّا بأنه يشكل الحدود الطبيعية بين سوريا ولبنان، حيث تعتبر سفوحه جهة لبنان لبنانية الهويّة، وأما سفوحه من جهة سوريا فتعتبر سورية الهويّة، والحدود الفاصلة فعليًّا هي رؤوس القمم. ويعتبر مقلب المياه الشرقي سوريًّا، والمقلب الغربي للمياه لبنانيًّا. وجميع مزارع شبعا تقع على السفوح الغربية. وبعد إعلان دولة "لبنان الكبير" في عام 1920م تم ضم الأقضية الأربعة: بعلبك، والبقاع الأوسط، وراشيا الوادي، وحاصبيا، وتم وضع علامات حدودية على امتداد قمم جبل الشيخ في الثلاثينيات بدءًا من القمة الأعلى وعلوّها 281 مترًا حتى وادي العسل بين بانياس والمعز. وتتدرج مزارع شبعا من علو 1200 متر عن سطح البحر كمزرعة برختاء وصولاً إلى مزرعة المعز التي تنخفض لتتساوى بمستوى سطح البحر، بينما تعلو بعض التلال والمواقع في هذه المزارع كالشحل ومقاصر الدود لتبلغ 2000 متر. وتضم هذه المزارع 14 مزرعة، هي: مراع الملول، وبرختا، وكفر دورة، وبيت البراق، والربعة، والمشهد، ورامتا، وقفوة، وزبدين، وخلة غزالة، والقرن، ومزرعة فشكول، والمعز، وبسطرة.

وكانت الدولة اللبنانية تمارس سيادتها على هذه المزارع منذ إعلان دولة لبنان الكبير، سواء في عهد الانتداب الفرنسي، أم بعد استقلال لبنان عام 1943. وكانت هذه المزارع خاضعة لسلطة مخفر دَرَك شبعا بشكل كامل، وكان القضاء اللبناني يمارس صلاحياته كاملة على هذه المزارع. وفي خلال فترة الانتداب أغْفل خط الحدود المرسوم في 1923 ذكر تبعية هذه المزارع، بحيث إن ترسيم بعض الخرائط لم يذكرها، بينما وضعتها بعض الخرائط عن طريق الخطأ ضمن الأراضي السورية، وفي عام 1946 وجهت الحكومة اللبنانية مذكرة إلى الحكومة السورية في شأن هذا الخطأ في الرصد الجغرافي، ولكن رد الحكومة السورية في حينه، وبموجب المذكرة رقم: ق 574 (124/53) بتاريخ 29/9/1946، جاء فيه أن ما حصل خطأ فني بحت لم يكن القصد منه تعديل الحدود أو إدخال المزارع المذكورة في نطاق سوريا. استتبع ذلك تأليف لجنة سورية-لبنانية في عام 1949 برئاسة الأمير اللبناني الراحل: مجيد رسلان -وزير الدفاع اللبناني آنذاك- واتفقت اللجنة على اعتبار مزارع شبعا جزءًا من الأراضي اللبنانية، وحدّها من الشرق وادي العسل. هذا فضلاً عن تقديم مستندات شرطة وطرابية حدود ومذكرات قضائية وأحكام ومستندات جمارك، ورخص بناء تشير إلى تبعية هذه المزارع من الناحية الفعلية (على صعيد الممارسة اليومية) للحكومة اللبنانية.

إلا أن هذه المزارع وقعت –جلها- في براثن الاحتلال الصهيوني مع احتلال الجولان عام 1967، وتم ضم بقيتها لاحقًا على مراحل منذ عام 70 وحتى 1992، حين تم قَضْم مزرعة بسطرة.

الأهمية الإستراتيجية لمزارع شبعا

تأتي الأهمية الإستراتيجية لمزارع شبعا من مصدرين: أولهما أمني، وثانيهما مائي، بالإضافة إلى عوامل اقتصادية ثانوية على أهميتها.

فعلى الصعيد الأمني: تقع مزارع شبعا على سفوح جبل الشيخ الغربية، وتشرف على الشمال الغربي على وادي القيم ونهر الحاصباني ومرجعيون وحاصبيا. ومن الجنوب الغربي تشرف على سهل الحولة. وموقعها الإستراتيجي هذا يجعلها بالغة الأهمية وفق الحسابات العسكرية لإدارة الاحتلال الصهيوني، ففوق هذه المزارع أقامت الإدارات المختلفة للاحتلال الصهيوني مواقع عسكرية محصّنة عديدة، أهمها مركز التجسس المعروف باسم "المرصد" الذي يعتبر من أكبر مراكز التجسس في المنطقة، وهو مجهّز بأحدث التقنيات المتطورة لكشف ورصد أي تحرّك عسكري أو غير عسكري في كل من لبنان وسوريا والأردن، وحتى الحدود العراقية أيضًا.

وعلى الصعيد المائي: نجد أن إدارة الاحتلال الصهيونية، بحكم سيطرتها على مزارع شبعا الواقعة على السفح الغربي لجبل الشيخ الذي يشكّل أكبر خزّان للمياه في الشرق الأوسط -أصبحت في حكم المهيمنة على مصادر مياه أنهار: بانياس والحاصباني واللدان والوزاني. وتأتي هذه الخطوة في إطار ندرة المياه واتجاه أسعار المياه نحو الارتفاع لدرجة أن بعض المراقبين يرشحها لأن تكون المصدر الأول للتوترات الإقليمية. ويتكامل مع وفرة مصادر المياه تلك، أن إدارة الاحتلال الصهيوني أقامت في هذه المزارع مستعمرة ضخمة لاستقبال يهود الفلاشا التي بدأت تتخذ أهبة الاستعداد لتهجيرهم من إثيوبيا منذ فبراير 2000 بعد التثبت من حقيقة ديانات من تبقّى منهم، حتى لا تتكرر ظاهرة هجرة مسيحيين ومسلمين إلى الأرض المحتلة ليعود أغلبهم إلى ملّته الأصلية بعد أن يحصل على الجنسية.

وأخيرًا على الصعيد الاقتصادي،فالمنطقة تتمتع  بجمال نادر، حيث المساحات الخضراء الشاسعة، بالإضافة إلى التلال والمرتفعات التي تتألف منها أو تحيط بها، ومناخها المعتدل صيفًا يجعلها مركزًا مميزًا للاصطياف والاستجمام في الشرق الأوسط، وتساقط الثلوج في فصل الشتاء فوق العديد من هذه المزارع يجعلها صالحة لإقامة المراكز لممارسة كل أشكال الرياضيات الشتوية، وخصوصًا التزحلق على الجليد، وهو ما لم تضيعه إدارات الاحتلال الصهيوني، حيث أقامت العديد من الفنادق والمنتجعات السياحية ومراكز التزحلق على الجليد في المنطقة الواقعة بين موقعي الشمل ومقاصد الحدود، وهي مناطق تتجاوز في ارتفاعاتها قرابة 2000 متر عن مستوى سطح البحر.

المواقف الإقليمية حيال مزارع شبعا

المقصود بالمواقف الإقليمية في هذا الصدد مواقف ثلاث إدارات: إدارة الاحتلال الصهيوني، والإدارة اللبنانية، والإدارة السورية.

أما إدارة الاحتلال الصهيوني: فإنها نتيجة للمزايا المتعددة لمزارع شبعا، ونتيجة ملاصقتها لمرتفعات الجولان السورية من ناحية ثانية؛ سعت إلى التمسك بمزارع شبعا ووضعها في قبضتها، وحرصت على تسخير كل طاقتها التفاوضية، وحتى نفوذها الدولي لاستبقاء هذه المزارع في قبضتها. ولا شك في أهمية الغرض الإستراتيجي الذي سيق من قبل لتبرير تمسك إدارة الاحتلال بهذه المزارع، إلا أن ثمة سببًا إستراتيجيًّا آخر يجعل بقاء هذه المزارع في يدها أمرًا بالغ الأهمية، فتكرار نموذج المقاومة اللبنانية في سوريا في حال استمرار تهميش المسار السوري أمر وارد، لكنه يمكن أن يتحول إلى أمر ذي احتمالية عالية في حالة توفر مثل هذه المرتفعات القريبة من الجولان، وكعادة الإدارة السورية دائمًا فإنها تنقل الصراع لغير أراضيها، حيث ستعمل على استغلال مزارع شبعا عبر عمليات تسلل فدائية على أن تتحمل لبنان فاتورة تأجيج النيران حول الجولان، ما دام ثمة من هو على استعداد لتحمل فاتورة إعادة الإعمار. وفي هذا السياق تعتبر إدارة الاحتلال الصهيوني أن مزارع شبعا هي جزء من الأراضي التي احتلتها من سورية في 1967، وليست أراضي لبنانية، وتستند في تبرير موقفها هذا إلى خرائط الأمم المتحدة، التي أكدت بدورها أنه ليس لديها ما يثبت ملكية لبنان لمزارع شبعا، باستثناء جزء صغير منها. وقد أبدت إدارة باراك استعدادها مؤخرا للانسحاب من هذا الجزء وليس من كل مزارع شبعا. وهو ما يعتبر مؤشرا لإمكان تسليمها في النهاية بالمطالب اللبنانية، حتى تغلق نهائيا ملف الجنوب اللبناني، وتحرم سوريا من إمكانية استغلاله في المفاوضات حول الجولان المحتلة.

وأما عن الإدارة اللبنانية: فإنها تحمل موقفين: أولهما موقف إدارة الأزمة، حيث تبذل قصارى جهدها في إثبات لبنانية مزارع شبعا، وثانيهما: موقف إدارة المحصلة، حيث تؤكد مؤسسة الرئاسة اللبنانية، ومؤسسة الحكومة، ومؤسسة المجلس التشريعي على أنه مع عدم انسحاب قوات الاحتلال الصهيونية من بقية الأراضي اللبنانية -سينظر لبنان لانسحابها من سائر الأراضي اللبنانية باعتباره مجرد عملية إعادة انتشار، وعليه ستبقى القضية عالقة، ومن ثم يستمر "النضال / الجهاد/ الكفاح" لحين استرداد بقية الأراضي اللبنانية المحتلة. وهو الموقف نفسه الذي أكد عليه في أكثر من مناسبة الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، وآخرها الجمعة(26/5) ، حيث وضع لإسرائيل شرطين لاستتباب الهدوء على الحدود مع لبنان، وهما الانسحاب الكامل من مزارع شبعا، والإفراج عن السجناء اللبنانيين في السجون الإسرائيلية، وأكد أنه لا خيار أمام باراك، وأن المزارع ستعود والمعتقلين سيعودون.

وأما عن الإدارة السورية: فإن موقفها يتسم بقدر كبير من التعقيد، وخصوصا في ظل احتمالات الانسحاب الإسرائيلي الكامل من شبعا، حيث ستجد نفسها مضطرة لمراجعة إستراتيجيتها التي قامت على استخدام المسار اللبناني، والضغط، من خلال حزب الله، على إسرائيل لتحسين شروط التفاوض حول الجولان. ونجد أن الإدارة السورية تلتزم الصمت في هذه المرحلة حيال سعي لبنان إلى إثبات ملكية مزارع شبعا في ضوء تقديم مستندات اجتماع اللجنة الثنائية اللبنانية السورية في عام 1949، التي قررت كون الحدود الدولية بين البلدين هي حدود المسح العقاري بينهما، مما يثبت لبنانية مزارع شبعا.

احتمالات حصول الإدارة اللبنانية على شبعا

في هذا المقام يمكن المقارنة بين الموقف المصري من عدم الانسحاب الإسرائيلي من طابا، والموقف اللبناني من عدم الانسحاب الإسرائيلي من مزارع شبعا، على الرغم من الفارق يبن القضيتين، حيث تبلغ مساحة طابا كيلو متر واحد مربع، بينما مساحة مزارع شبعا تبلغ مساحتها 250 كم2، بالإضافة إلى كونها منطقة إستراتيجية ،في هذا الإطار إذا أصرت إدارة الاحتلال الصهيوني على موقفها، فهذا يعني أن لبنان سيعتبر الانسحاب الباقي مجرد إعادة انتشار لقوات الاحتلال الصهيونية وليس انسحابًا كاملاً كما ينصّ قرار مجلس الأمن رقم  425، تمامًا كما أصرّت مصر على أن سيناء لم تتحرر كاملة حتى استعادت طابا من خلال التحكيم القانوني الدولي وهنا يضع لبنان أمام أحد احتمالين: أولهما يؤكد تواصله مع الإدارة السورية وتضامنه معها في سبيل دفع المسارين معًا نحو بؤرة التركيز من خلال استمرار أعمال المقاومة، وثانيهما: أن تحذو الإدارة اللبنانية حذو مصر في قضية طابا فتطالب بعرض الأمر على التحكيم  الدولي من خلال محكمة العدل الدولية أو هيئة تحكيم خاصة. والملاحظ حتى الآن أن الإدارة اللبنانية تصرّ على خيار استمرار المقاومة ووحدة المصيرين السوري اللبناني، غير أن المراقبين يشيرون إلى أن هذا الخيار سيلقى مقاومة دولية، خاصة من جانب الدول الكبرى التي تصر على إغلاق ملف المسار اللبناني ونزع فتيل العنف منه، مما قد يدفع لبنان دفعًا إلى قبول التحكيم، وهو الإجراء الذي تكاد تتفق الدول العربية على قبوله في هذه الآونة، ولا يزال الخيار رهن ارتباط وتدافع المصالح السورية اللبنانية.

 

اقرأ أيضًا:

لبنان يرفض التخلي عن السفوح الغربية لجبل الشيخ      

رياح الحرية تهُبّ على جنوب لبنان

اليوم: عيد قومي للمقاومة والتحرير         

إسرائيل تعرض انسحابًا منقوصًا من "شبعا"        

قضايا سياسية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع