|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
الرأي العام العربي والإسلامي خارج الدوائر الرسمية
تونس - صلاح الدين الجورشي
شكلت حرب الشيشان مركز اهتمام على المستويين الدولي والإسلامي، فبالرغم من أن هذه الحرب لم تدفع حتى الآن الغرب بشكل عام والولايات المتحدة الأمريكية بشكل خاص إلى وقفة حازمة شبيهة بما حصل في كوسوفو -وذلك لاعتبارات متعددة- إلا أن صمود المقاتلين الشيشانيين، وطريقة إدارتهم للمعركة جعل الأزمة سياسيًّا وإعلاميًّا تبقى حية و متحدية لكل محاولات تهميشها واختزالها.ورغم المسافة الجغرافية واختلاف اللغة والتجربة التاريخية إلا أن هذه الحرب أبقت على حالة من التفاعل الشعبي النسبي لدى قطاعات عديدة من شعوبنا، صحيح أن هذا الشعور لم يرتقِِ إلى ما بلغه بالنسبة للقضية الفلسطينية أو المسألة الأفغانية أثناء المواجهة مع النظام الموالي للاتحاد السوفييتي، لكن مع ذلك أبرزت المرحلة الأخيرة وجود رأي عام إسلامي متعاطف مع القضية الشيشانية ومعادٍ بشكل صريح للسياسة الروسية. وهذا المقال محاولة للوقوف عند التباين الحاصل بين المواقف الرسمية لمعظم الدول الإسلامية، وموقف الرأي العام الذي أصبح قادرًا على صياغة رؤيته باستقلالية واسعة عن حكوماته. حالة التفكك هذه تجعل الكثيرين يتعاملون مع الأحداث السياسية وغيرها بسطحية شديدة، ولا يستطيعون أن يحددوا بدقة علاقتهم بما يجري حولهم، فكما اكتشف الرأي العام العربي والإسلامي فجأة شعبًا يُعرف "بالبوسنة والهرسك"، وبلدة يطلق عليها "كوسوفو"،و بدأ يتحدث منذ فترة عن جمهورية الشيشان. هذه الأحداث، رغم طابعها المأساوي والدموي، فإنها أخذت تسهم في السنوات الأخيرة من القرن العشرين في إعادة رسم الخارطة الدولية في ذهن مسلمي اليوم، هؤلاء الذين استغرقتهم دولهم القطرية وهمومهم المحلية، ففقدوا تدريجيًّا التعاطي بحماس مع القضايا التي تتجاوز الدائرة الضيقة لوطنهم الصغير، خاصة بعد أن خرجت القضية الفلسطينية من سياق الصراع الجماعي ودخلت في منطق التسوية والدعوة إلى "نظام شرق أوسطي جديد"، كما أسفرت القضية الأفغانية عن حرب أهلية مفتوحة. هذه الرهانات لا تخلو من قدر من الصواب، لكن ذلك لا يحجب حالة الضعف والتفكك التي تعاني منها الدولة الروسية، وهو ما يفسر تراجع سياستها الخارجية، وعجزها عن فرض وجهات نظرها في أحداث تمس في بعض الأحيان أمنها القومي، كما حصل في كوسوفو أو في العراق ومسيرة "السلام" متعدد الأطراف. هذا الضعف دفع حكومة الكرملين إلى القيام بمصالحات مع أعداء الأمس: الصين واليابان. صحيح أن روسيا لم تخرج من التاريخ بمجرد انهيار الاتحاد السوفييتي، وأنها تمر حالياً بمرحلة انتقالية عسيرة من الاقتصاد الموجه إلى اقتصاد السوق ومن الدولة البيروقراطية إلى الدولة الديمقراطية، وأن الإمكانيات الاقتصادية التي تتمتع بها روسيا، إضافة إلى قوتها العسكرية ونخبتها العلمية وتاريخها الطويل وموقعها الاستراتيجي، كل ذلك يجعل منها دولة عظمى مستقبلية، وبالتالي يجب أخذها بعين الاعتبار في كل سياسة بعيدة المدى. هذا التفكير هو الذي جعل كل دول العالم الإسلامي تقريبًا تحجم عن الاعتراف بجمهورية الشيشان، بما في ذلك حركة طالبان غير المعترف بها من أغلب دول العالم، وذلك خوفًا من ردود الفعل الروسية، وحرصًا على استمرار العلاقة مع موسكو بعيدًا عن التوتر والتصعيد السياسي، لهذا لم يحتج الوفد الإسلامي الذي شكلته منظمة المؤتمر الإسلامي، عندما منعته السلطات الروسية من الاطلاع على حقيقة الأوضاع والاتصال بالقيادة الشيشانية. أما على الصعيد الشعبي، فقد اهتزت الصورة الإيجابية التي كانت تتمتع بها روسيا خلال الحرب الباردة، فروسيا القوية حليفة حركات التحرر الوطني والقضايا العادلة والشعوب المستضعفة، انقلبت إلى روسيا الضعيفة التي يموت فيها الفقراء جوعًا وبردًا، ويتحالف فيها السياسيون مع المافيا، ويتظاهر فيها الجنود والضباط من أجل استلام رواتبهم المتأخرة، وتلهث حكومتها وراء البنك العالمي وصندوق النقد الدولي لاستجداء القروض والمساعدات. ازدادت هذه الصورة سوادًا في الأشهر الأخيرة عندما تابع الرأي العام العربي والإسلامي صور النساء والأطفال وهم مكدسون إلى جانب بعضهم البعض طيلة أيام للسماح لهم بالفرار من جحيم الآلة العسكرية الروسية التي لم تميز بين المقاتل والمدني، بل وقتلت وجرحت من الأبرياء العزل أضعاف ما نالت من حاملي السلاح. وبلغت الصورة أقصى درجات القتامة عندما عجز أكثر من مائة ألف جندي روسي مدججين بأحدث وسائل الفتك -بما في ذلك قنابل النابلم، في ظل غطاء واسع من مختلف أنواع الطيران الحربي- عن النيل قيد أنملة من صمود بضعة آلاف من الشيشانيين وإصرارهم على الدفاع عن أرضهم بعد أن أقسموا على الشهادة أو الانتصار!! بل إن هؤلاء المقاتلين الذين يصفهم الكرملين بالإرهابيين، نجحوا في الانتقال من الدفاع إلى الهجوم بعد أن اخترقوا الحصار المفروض على عاصمتهم غروزني التي حولها القصف الروسي إلى مدينة أشباح بتحطيم أغلب مبانيها، وقتل كل مظاهر الحياة فيها!! فبعد أن كانت وسائل الإعلام الروسية تنقل لجمهورها وقائع الانتصارات الكاسحة، وتتحدث عن الربع ساعة الأخيرة من الحرب، دفعتها الأحداث لتبدأ في الكشف عن الواقع الحقيقي للحرب وضريبتها القاسية في الأرواح والعتاد، والقلق وفقدان الرؤية وإقالة الجنرالات المتصلبين، والتفكير في الرجوع إلى الحل السياسي والبحث عن قناة للتفاوض مع القيادة الشيشانية، هكذا أخذ الخبراء والصحافة الدولية يشيرون إلى الشبه بين الورطة في القوقاز والمستنقع الأفغاني الذي تورط فيه الكرملين في مرحلة الترنح. فبعد الوقفة الحازمة مع السكان المسلمين في كوسوفو، رغم حجم الأخطاء المفجعة التي ارتُكبت في حقهم، لم ينجح الغربيون في إخفاء المناورة التي ميزت موقفهم من المسألة الشيشانية؛ بعض المصادر تحدثت عن حصول مقايضة تمت بين روسيا والغرب، يغض الروس الطرف في البلقان، مقابل أن يترك الغرب موسكو تعالج الحالة القوقازية على طريقتها. إن أوروبا وأمريكا، مع إدراكهما لأهمية وخطورة معضلة القوميات في الجمهوريات الروسية، يفضلان بقاء روسيا دولة موحدة ولو على حساب شعوب مقهورة تم استعمارها منذ ما لا يقل عن ثلاثة قرون، بدل أن يتفاقم انحلالها مما يجعل كامل المنطقة في تلك الدائرة الاستراتيجية مقبلة على سلسلة من الاهتزازات والتطورات مجهولة العواقب. لهذا حافظت أمريكا وأوروبا على نسق مساعداتهما لموسكو، وشجعا البنك العالمي على تقديم القسط المخصص لإسعاف الاقتصاد الروسي، ولم يلجأ إلى أي وسيلة من الوسائل التي يمكن أن تربك حكام الكرملين. كما لا يستبعد أن يكون بعض صناع القرار في الغرب قد توقعوا أن تنجح موسكو في تسوية الملف الشيشاني عن طريق القوة، وإذا ما تم ذلك فقد يكون فيه خير، إذ أن العواصم الغربية لم تكن مطمئنة للخطاب الأيديولوجي الذي يرفعه القادة الشيشان، والقائم على الإسلام والاستقلال وتطبيق الشريعة. كما يخشى الغرب أن تنساق كامل منطقة القوقاز في هذا الاتجاه الذي لا تخفى انعكاساته وتداعياته على دوائر أوسع بكثير من جمهوريتي الشيشان وداغستان. بغض النظر عما ستسفر عنه الأحداث العسكرية على الميدان، ودون الدخول في حيثيات السياسة الشيشانية وحجم الأخطاء والتناقضات التي وقع فيها قادتهم، فإنه بفضل التلفاز تمكن ملايين المسلمين من متابعة الحرب الشيشانية، التي وفرت لهم فرصة أخرى للتعاطي مع السياسة الدولية باستقلال عما تنتجه دولهم من سياسات وما تتخذه من مواقف، قد يكون هناك توزيع أدوار غير متفق عليه بين الحكومات والشعوب، لكن هل يمكن بعد كل ما يجري بطريقة علنية وشفافة على الصعيد العالمي محاصرة ظواهر "التطرف" التي لم تعد تتغذى فقط على انحرافات فكرية أو سياسات محلية خاطئة، بل أصبحت تستمد مبررها أيضًا من سياسات دولية ترتكز على الكيل بمكيالين: دعم سكان تيمور للاستقلال عن الأرخبيل الإندونيسي في أسوأ ظرف تمر به أكبر دولة إسلامية، بينما يحرم الشيشانيون من حقهم في إقامة دولتهم المستقبلة، رغم ملايين الشهداء الذين قدموهم، ورغم عدالة قضيتهم؟
انظر : - الشيشان .. الحرية أو الموت - الحرب الحقيقية تبدأ بعد اقتحام جروزني - الشيشان .. الصراع المحتوم - الحرب في الشيشان ترفع بوتين وحزبه |
|
|||||||
|
|||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
|||||||