|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
التمرد الأوروبي الأمني على واشنطون
بون- أحمد عبد الفتاح
هل في المساعي الأمنية الأوروبية استقلال أمني عن الولايات المتحدة الأمريكية أم هي مجرد تطوير للقوة الدفاعية الأوروبية داخل حلف شمال الأطلسي بزعامته الأمريكية ؟.. الأمريكيون يرون في المساعي الأوروبية خطرًا ويقدرون أنّ هدفها هو التميز الأوروبي بسياسة أمنية مستقلة عن واشنطون، ويحذرون من ذلك، بينما يؤكّد الأوروبيون بلهجة يصعب تصديقها، صفاء نواياهم تجاه الأمريكيين وتمسكهم بالتحالف معهم وبزعامتهم، ويلوّحون بالعجز عن الاستقلال بأنفسهم، ويشيرون إلى مطالبة واشـنطون منذ زمن بعيد بأن يرفع الأوروبيون في حلف شمال الأطلسي حجم القسـط الذي يتحملونـه من الأعباء .. ولكنهم يفسرون ذلك بأنه يعني أيضا رفع حجم القسط الذي يتحملونه من مسئولية صناعة القرار، لا سيما وأن الأمر لم يعد يرتبط بتحرك عسكري للدفاع عن النفس .. كما كان يقضي الهدف الرسمي الذي أعلن للحلف عند تأسيسه في الأصل، وقبل تعديل صياغته أكثر من مرة في التسعينيات. وبلغ عدد المشاركين في اللقاء الماضي حوالي 200 خبير متخصص، وسياسي مسئول، منهم 30 وزيرًا للخارجية أو الدفاع من 30 بلدًا، وكان مما يلفت النظر في الحضور أنه تجاوز النطاق الأوروبي والأطلسي، بالمشاركين من الصين والهند وإندونيسيا علاوة على اليابان، كما لفت النظر مشاركة ضيوف من دول البلطيق الثلاث، التي ترى موسـكو في احتمال انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي تجاوزًا للخطوط الحمراء، باعتبارها كانت تابعة للاتحاد السوفييتي قبل انهياره.. هذا علاوة على الانزعاج الروسي الشديد من التوسعة الأطلسية شرقا، وعلاقتها بالحرب الأخيرة حول كوسوفا .. وهو ما لم ينعكس في ندوة ميونيخ فقط، بل في الصياغة الجديدة للمهام الأمنية للقوات العسكرية الروسية أيضا، والتي رافق الإعلان عنها انتقال السلطة في الكريملين من بوريس يلتسين إلى فلاديمير بوتين. وكان تعيينه بعد أربع سنوات قضاها في الأمانة العامة لحلف شمال الأطلسي مقصودًا، فهو من الموثوقين لدى واشنطون، كما أن صلاته جيدة نسبيًّا مع موسكو للدور الذي قام به في عقد اتفاق الزمالة الروسية-الأطلسية، وأقدر على ممارسة الجهد الديبلوماسي المطلوب في المرحلة الراهنة التي تعتبر انتقالية، ما بين الارتباط المطلق بالزعامة الأمريكية الأطلسية، وما بين التميز الأمني الذي لا يتحقق دون أن تكون لأوروبا قدرات عسكرية كافية، مما يتطلب سنوات عديدة. ودق ناقوس الخطر من جديد في واشنطون كما سبق أن دق مرافقًا لخطوات سابقة، مثل الإصرار الأوروبي الشديد عند تجديد هياكل حلف شمال الأطلسي على مواقع أفضل في قياداته العسكرية، وهو ما انتهى بتنفيذ الرغبات الأمريكية على حساب الأوروبية.. وكذلك عند العمل على وضع صياغة جديدة للاتحاد الأوروبي الغربي، المنظمة الأمنية الوحيدة على مستوى أوروبي دون مشاركة أمريكية .. وانتهت تلك الجولة أيضا بتحقيق الرغبات الأمريكية وبقاء المهام المقررة دون مستوى الاستقلالية عن الحلف. أما الآن فقد اقترنت خطوة تعيين سولانا الإدارية بخطوات عملية، كان من أبرزها:
وسجلت فرنسا نجاحا جزئيا في البداية، بالحصول على تأييد ألمانيا وتشكيل أول فيلق أوروبي مشترك خارج نطاق حلف شمال الأطلسي، ولكن بقي المشـروع محدود الحجـم والأثر، ثم نجحت ثانية عبر تنشيط منظمة " الاتحاد الأوروبي الغربي " المشـار إليها، وهي منظمة أوروبية دفاعية قديمة، لم تتحرك منذ تأسـيسها قبل خمسين عاما، فعادت لتجتمع وتناقش وتقرر وتتحرك، وكان أبرز لقاءاتها في يوليو / تموز عام 1992 م قرب بون، حيث قرر وزراء الخارجية والدفاع في دولها الأعضاء أن تشمل مهامها القيام بعمليات الإنقاذ في حالات الطوارئ والكوارث، وإجراءات عسكرية لحفظ السلام، وهو ما كان يعتبر إلى ذلك الحين من اختصاصات الأمم المتحدة فقط، بالإضافة إلى عمليات تسـتهدف التغلب على النزاعات بما في ذلك إجراءات إحلال السـلام -وهو التعبير المتداول بقصد التدخل العسكري- مما يعني تجاوز مهام الدفاع بالمفهوم التقليدي للكلمة. وسعت المنظمة في الفترة التالية لإثبات وجودها إلى جانب حلف شمال الأطلسي، كما كان في توليها دورا رمزيا في مراقبة مقاطعة توريد السلاح منطقة البلقان، ولكن بقيت هذه الخطوة وخطوة تشكيل فيلق عسكري ألماني-فرنسي، مقيدتين بالحذر الألماني الشديد وبالضغوط الأمريكية المضادة، حتى كشفت حرب البلقان أوضاع الأوروبيين المعتمدين كلية على الأمريكيين عسكريًّا، وآثار ذلك على صعيد القرار السياسي-الأمني، مثل: متى يكون التحرك العسكري المحتمل؟.. وضدّ أي جهة ؟.. وبأي حجم وكيفية ؟.. فآنذاك ازداد الإلحاح على تميز أوروبي أكبر، وانضمت دول أوروبية أخرى مثل بلجيكا وأسبانيا إلى مشروع الفيلق الأوروبي المشترك، ثم كانت حرب كوسوفا التي تجاوزت حدود القرار السياسي إلى أسلوب التعامل الأمريكي مع الحلفاء الأوروبيين، فقد كان الانزعاج شديدًا من التأخر في تقديم الصور والمعلومات التي يجمعها الأمريكيون عبر الأقمار الصناعية، وهو مما أشار إليه حتى الأمين العام لحلف شمال الأطلسي جورج روبرتسون، البريطاني الأصل والأقرب إلى الأمريكيين سياسيا، ولكن بشيء من اللباقة الديبلوماسية. وكان أبرز المواقف في ميونيخ بهذا الصدد، تأكيد وزير الخارجية الألماني يوشكا فيشر أن حالة كوسوفا يجب أن تبقى "حالة استثنائية" لا ينبغي تكرارها بينما اعتبر وزير الدفاع الأمريكي ويليام كوهين هذه الحالة نموذجًا لما ينبغي صنعه في المسـتقبل أيضًا، ووجد على ذلك تأييدًا من جانب وزير الدفاع البريطاني جيوفري هون فقط، وما يزال الخلاف قائمًا أيضًا بشأن اتخاذ قرار الحرب خارج مجلس الأمن الدولي، وبما سبب أزمة في العلاقات الغربية-الروسية. كذلك فقد كانت القرارات العسكرية الأمريكية في حرب كوسوفا من أسباب انزعاج الأوروبيين، لا سيما الإصرار الشديد على عدم استخدام القوات البرية، وهو ما ترك آثاره في ندوة ميونيخ أيضًا، حيث أكد أبرز القادة العسكريين، ويسلي كلارك وكلاوس ناومان أن تحقيق النصر العسكري في فترة وجيزة فقط، كان "ضربة حظ " وأن عدم استخدام القوات البرية كان غلطة عسكرية جسيمة. ويواجه الأوروبيون العقبات المالية بالدرجة الأولى فاستمرار الركود منذ سنوات يجعلهم مضطرين إلى اختصار النفقات الدفاعية، وهو ما اتخذه الطرف الأمريكي منطلقًا للتشـكيك في المواقف الأوروبية بصدد تعديل توزيع الأعباء في الحلف، وهو ما لم يجد جوابًا أوروبيًّا مقنعًا في ندوة ميونيخ. وفي مقدمة ما يحتاج إليه الأوروبيون لتحقيق قدر نسبي من الاستقلال العسكري، أن تتوفر لديهم شبكة مضمونة للقيادات الميدانية العسكرية ومراقبة العمليات في حالة الحرب، وشبكة اتصالات إلكترونية فعالة على الصعيد العسكري، وإمكانات استطلاعية جوية أفضل، وذخائر من أسلحة قادرة على إصابة أهدافها بدقة أكبر، فضلاً عن وسائل النقل السريع، وغير ذلك مما يحتاج إلى سنوات عديدة ونفقات ضخمة لتوفيره. كما تواجه الخارطة الأمنية الأوروبية مشكلات خلفتها حقبة الحرب الباردة ، ففي الوقت الحاضر توجد في حلف شمال الأطلسي 11 دولة من أصل 15 دولة عضوًا في الاتحاد الأوروبي، ويسري شبيه ذلك على منظمة الاتحاد الأوروبي الغربي، كما تمثل تركيا وضعًا خاصًا لدورها البارز في حلف شمال الأطلسي وفي المخططات الأمريكية على صعيد المنطقة المحيطة بها، مقابل علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي رغم الموافقة الأخيرة على ترشـيحها المشروط للعضوية. وفي إطار معارضة وزير الدفاع الأمريكي ويليام كوهين للتميز الأوروبي وتشكيكه في أقوال الأوروبيين بهدف تخفيف أعباء واشنطون في الحلف، أشار إلى وضع تركيا، فعدَّد ثلاثة شروط أمريكية لدعم المبادرة الأوروبية، وهي: تحسين القدرات الدفاعية الأوروبية الذاتية والقصد رفع المخصصات المالية لتغطية ذلك، ثم ربط الدول غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بشكل شامل في الصيغة الأمنية الأوروبية، وخص تركيا بالذكر، ثم عدم السماح بوقوع شرخ في العلاقة القائمة عبر المحيط الأطلسي .. وهي الصيغة الديبلوماسية لتأكيد بقاء الكلمة الأخيرة في الحلف، ومن خلاله في واشنطون. وللشكوك الأمريكية ما يبررها، فالتحرك الأوروبي واضح الاتجاه .. رغم حرص المشاركين في ميونيخ على إنكار وجود ما يستدعي المخاوف، كما يؤخذ من أقوال عدد من المسئولين الأوروبيين، فوصف وزير الدفاع البريطاني ذلك بأنه كلام لا أصل له، وأبرز وزير الدفاع الألماني أن "مفاتيح الأمن" باقية في اليد الأمريكية على كل شيء، واكتفى وزير الخارجية الألمانية بالقول إن في المخاوف الأمريكية مبالغة لا مبرر لها. ولكن يبدو أن الأمريكيين أيضًا يتحركون في اتجاهين في وقت واحد، أحدهما بذل المستطاع للحيلولة دون انفصال الأمن الأوروبي عن حلف شمال الأطلسي الذي يهيمنون على قيادته وطاقاته، والثاني هو التحرك المستقبلي بصورة مستقلة عن الأوروبيين، علاوة على ما هو معروف من تحركات عسكرية لم تؤخذ المصالح الأوروبية فيها بعين الاعتبار. وهذا مما يشير إليه المشروع الأمريكي الجديد لبناء شبكة صواريخ دفاعية أمريكية محضة، مما يتلاقى على معارضته الأوروبيون والروس والصينيون .. فالأوروبيون يخشون من أن يؤدي ذلك إلى تفاوت نسبة "الحماية العسكرية" بين منطقة وأخرى من الأرض التابعة لحلف شمال الأطلسي، والروس سبق أن ردّوا على المشروع الأمريكي بتعطيل التصديق على اتفاقات سابقة للحد من التسلح، بينما اعتبر الصينيون الخطوة الأمريكية مدعاة لجولة جديدة من السباق على التسلح. وأبرزت الندوة الماضية في ميونيخ ارتفاع درجة الاهتمام بالمنطقة الآسيوية، وهو ما لم يقتصر على مشاركة خبراء من المنطقة فقط، وإنما امتد إلى محتوى المواضيع المطروحة على بساط الحوار، الذي كشف عن استمرار تباعد التصورات التي كانت قد أطلقتها موسكو على أمل تكوين " شبكة أمنية آسيوية " فرغم تلاقي المشاركين في المؤتمر من البلدان الآسيوية على التحذير من مظاهر الهيمنة الأمريكية الانفرادية عالميا، بما في ذلك ميدان العولمة، استمرت النظرة إلى أمن المنطقة مرتبطة بكل بلد على حدة، وكان موقف الخبراء اليابانيين ظاهرًا في استمرار الاعتماد على التعاون الأمني مع الأمريكيين، بينما كرر المشاركون في المؤتمر من الصين التأكيد على العودة إلى مبادئ الأمم المتحدة، رافضين التدخل الخارجي بحجة حماية حقوق الإنسان على وجه التخصيص، ويمكن القول إن الموقف الهندي مضى إلى درجة التصريح باستعداده للقيام بأدوار عسكرية مستقبلية تجاه الظاهرة الإسلامية في المنطقة، تحت عنوان حماية العلمانية الديمقراطية، وبحجة النظر إلى الأمن الآسيوي بمنظار دولي
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||
|
||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
||||||