|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
بون - أحمد عبد الفتاح
تنص معاهدة الاتحاد الأوروبي ولوائحه الداخلية على ثلاثة أسباب يمكن أن تستدعي اتخاذ قرار بتجميد حقوق عضوية إحدى الدول فيه، وهو ما يتطلب عملية طويلة الأمد لإثبات الاتهام، السبب الأول: إدانة تلك الدولة بمخالفة القواعد الديمقراطية الأساسية، كحظر حزب من الأحزاب السياسية فيها دون مبرر دستوري أو حكم قضائي .. والسبب الثاني: إدانتها بانتهاك حقوق الإنسان على مستوى يكفي لإجراء مضاد من حجم تجميد حقوق العضوية، وذاك ما تبتّ فيه المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان وليس المجلس النيابي الأوروبي أو مجلس الوزراء أو المفوضية في بروكسل .. والسبب الثالث: ارتكاب ما يتناقض بصورة مباشرة مع روح مبادئ معاهدة الاتحاد أو نصها .. ومن المؤكّد أنّ النمسا لم تصنع شيئًا من ذلك، ولم يزعم أحد من المسئولين الأوروبيين أنها صنعته، وجلّ ما قيل: إنّهم يخشون أن تمارس الحكومة الجديدة سياسة عدائية للأجانب بسبب مشاركة حزب "الحرية" فيها .. وهذا ما انطلقت به التصريحات الرسمية من كل حدب وصوب، واستندت إليه الإجراءات العملية بسرعة تثير الاستغراب عند مقارنتها بردود الفعل الأوروبية أو الأطلسية على أحداث سابقة من قبيل المذابح في البلقان أو في قفقاسيا !.. وما إن ظهر اتجاه الريح السياسية الجديدة في فيينا، حتى تبدّلت لغة المواقف الأوروبية، فلم تعد تتحدث مثلا عن عجز الطرفين عن الوصول إلى برنامج ائتلافي مشترك، كما يحدث في كثير من الدول الغربية، بل بدأ الأسلوب الغوغائي يغلب على كثير من التصريحات الرسمية بشكل مثير .. وأول ما ظهر ذلك كان في ردود الفعل الأوروبية على إعلان فولفجانج شوسل عزمه على إجراء مفاوضات ائتلافية مع الحزب الثالث، حزب الحرية بزعامة هايدر. والأصل أن هذا ما يقرره منطق اللعبة الديمقراطية في الغرب، فمعطيات الائتلاف الثنائي متوفرة وفق المقاييس الأوروبية، فكلاهما حزب يميني، أو كما يقال عن أحدهما إنّه من يمين الوسط، وعن الثاني إنه من أقصى اليمين أو اليمين المتطرف، وعلى أية حال فالائتلاف بينهما هو الأرجح عادة بالمقارنة مع الائتلاف السابق والطويل الأمد بين حزب الشعب اليميني وحزب الاشتراكيين اليساري. هذا المنطلق التقليدي في متابعة الانتخابات ونتائجها في البلدان الغربية، لم يجد طريقه إلى تصريحات المسئولين الغربيين تجاه الحدث النمساوي، كذلك لم تعد توجد قيمة للركن الأول في النهج الديمقراطي الغربي، وهو أن حزب الحرية قد حصل على ثقة الناخبين، وبنسبة عالية تؤهله حتى لاستلام رئاسة الحكومة .. بدلاً من تلك المنطلقات كان المحور الرئيسي للتعقيب على بدء المفاوضات الائتلافية الجديدة، هو أن رئيس حزب الشعب شوسل، إنّما تحوّل للتفاهم مع هايدر وحزبه، بسبب مطامعه الشخصية .. أن يصبح في منصب المستشار النمساوي بأي ثمن، أي حتى بالائتلاف مع ذلك الحزب المغضوب عليه .. وهو اتهام لا ينال من شوسّل فقط، بل من حزبه أيضًا، -والذي يقبل به زعيمًا- وهو يعطي مطامعه تلك الأولوية على مصلحة البلاد !.. وبدأت المواقف الأوروبية تنطلق " رشـًا ودراكًا " كما يقال، وتبدو قيمتها السياسية من خلال بعض المقارنات !.. المقارنة الأولى من الساحة الأوروبية .. ففي الأسبوعين الأخيرين من كانون الثاني / يناير الماضي صدر عن مجلس وزراء الاتحاد الأوروبي وعن التجمع النيابي للمجلس الأوروبي قرار يؤكّد أن الدول الديمقراطية الأوروبية لا ترى في حرب الإبادة الروسية ضد الشعب الشيشاني المستمرة منذ أربعة شهور، مبررًا لتوجيه تحذير جادّ مقترن بخطوات فورية وإجراءات محدّدة ضد موسكو، كيلا تتضاءل أمام فلاديمير بوتين فرص مكافأته من جانب الناخبين الروس على الحرب الإجرامية بانتخابه رئيسًا لروسيا .. ثم بعد أيام معدودة تحرك الأوروبيون أنفسهم .. فوجه رئيس الوزراء البرتغالي أنطونيو جوتيريس، بصفته الرئيس الحالي للاتحاد الأوروبي، رسالة تحذير للساسة النمساويين، من أن يشارك الحزب المنتخب ديمقراطيًّا في حكومة ائتلافية بحال من الأحوال .. ولم يرتدع النمساويون، فاتخذ المجلس النيابي الأوروبي في الثاني من شباط / فبراير قراره بتأييد اتخاذ إجراءات أوروبية مضادة للنمسا الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي .. وعزز المجلس الوزاري للاتحاد الموقف نفسه !.. المقارنة الثانية من الساحة الأمريكية .. وكانت وزيرة الخارجية الأمريكية مادلين أولبرايت في موسكو مؤخرًا، حيث شاركت وشاركت معها دول عربية عديدة، في مؤتمر حول ما يسمّى السلام ومستقبل السلام في "الشرق الأوسط"، أثناء قصف لبنان .. وأثناء قصف جروزني .. ولم يكن عسيرًا أن تجمع بين أجواء السلام ووقائع الحرب للحفاظ على العلاقات مع موسكو، فقد تخلى المنظور الأمريكي منذ زمن بعيد عن قياس الأحداث وتقويمها، واتخاذ موقف منها وفق معايير الإنسان وحقوقه أو القانون الدولي ومواثيقه، فلا التقتيل في لبنان في حرب عدوانية بينة، ولا حرب الإبادة ضد الشعب الشيشاني بدعوى وجوده داخل حدود الدولة الروسية .. لا يستدعي أن تبدل واشنطون تعاملها مع موسكو، ولكن ما إن عادت أولبرايت إلى واشنطون من جديد حتى أعلنت في الرابع من شباط / فبراير الجاري، أن الحكومة الأمريكية تدعم الإجراءات الأوروبية ضدّ النمسا، وأعلنت عن استدعاء السفيرة الأمريكية في فيينا، وعن تخفيض مستوى العلاقات الثنائية إلى أدنى درجة ممكنة !.. وفي مدريد اجتمع يوم 10 شباط / فبراير ممثلو 37 حزبًا يمينيًّا، من المحافظين والمسيحيين، في الاتحاد الذي يجمع هذه الأحزاب على المستوى الأوروبي ومن بينها حزب الشعب النمساوي، فطالبت الأحزاب البلجيكية والفرنسية والإيطالية واللوكسمبورجية والهولندية بفصل ذلك الحزب بدعوى خروجه على المألوف ودخوله في ائتلاف مع حزب الحرية اليميني "المنبوذ".. وكان قد فُصل عن اتحاد أحزاب الأحرار الأوروبية منذ عام 1991 م .. وكأن فرنسا وإيطاليا مثلاً، لم يسبق أن تشكلت فيهما حكومات ائتلافية تضم الشيوعيين في أشد فترات الحملة على الشيوعية من أقصى اليسار المتطرف .. أو كأن الحكومات الائتلافية الأولى مع أحزاب الخضر لم تكن مقترنة بحملات حزبية حاولت خنق حركة الخضر البيئية الأولى بدعوى تطرفها اليساري !.. بل يمكن أن يصل الأمر إلى صبغة التعامل مع "الإرهابيين" وفق مقاييس الأوروبيين، أو مع من يخوضون " حربًا دينية دامية " .. كما هو الحال مع حزب شين فين اليميني في أيرلندا الشمالية، الذي يعتبر الجناح السياسي لمنظمة الجيش الأيرلندي السري، ورغم ذلك فقد أصبح هذا الحزب شريكًا في حكومة السلام المتعثر هناك .. ونتيجة لوساطة أمريكية وجهود بريطانية مكثفة وتأييد أوروبي شامل !.. ما الذي يعطي تطور الأحداث في النمسا أبعادًا أخرى ومقاييس أخرى، ويوجب مواقف سياسية غربية أخرى ؟.. يبدو أحيانا كما لو أنّ مصطلح " الازدواجية " لم يبتكر إلا لوصف السياسات الغربية المعاصرة !..
ولكن المسئولين في أوروبا يعددون أسبابًا كثيرة، يدور محورها جميعًا حول شخص يورج هايدر زعيم حزب الحرية، إذ لا يوجد في برنامج الحزب ما يمكن أن يدينه، ولا مارس حتى الآن سياسة لم يمارسها سواه من أحزاب صغيرة وكبيرة في الساحة الأوروبية، ولكن الانزعاج أو القلق -كما يتردد باستمرار في تصريحات رسمية وشبه رسمية- تسببه مواقف هايدر وأقواله، التي يمكن عند الانطلاق من حديث خصومه عنها، أن نضع لها ثلاثة عناوين: عداء للاتحاد الأوروبي، عداء للأجانب، وتمجيد للنازية!.. وقبل النظر في ذلك ينبغي التأكيد .. ليس فيما سبق ولا فيما يلي من حديث يورد تساؤلات يطلقها أيضا كثير من المحللين الإعلاميين الغربيين الناقدين لمواقف حكومات بلادهم .. ليس فيه أدنى درجة من محاولة للدفاع عن يورج هايدر وحزبه اليميني المتطرّف، إنما هي محاولة استيعاب الوجوه المتعددة للسياسات "الديمقراطية" .. ولا ريب أنّ ردود فعل الساسة الغربيين على التطورات السياسية الداخلية في النمسا، وتجاوزهم بكل بساطة قواعد الديبلوماسية وسائر ما يتحدّثون عنه بشأن الديمقراطية ومعاييرها .. صادر عن أسباب ما، يبدو أنها لا ترتبط بهايدر وحزبه إلا من حيث أنهم "المادة المناسبة" لتحقيق غرض ثابت من الأصل. ويمكن البحث عن الأسباب الحقيقية للمواقف الغربية عادة في إطار المصالح المادية مثلا .. كما يمكن البحث عنها في إطار تأثير النفوذ الصهيوني حتى عندما تتناقض المواقف مع المصالح المادية المحضة، لا سيما بعد أن وصل ذلك النفوذ إلى ما وصل إليه في واشنطون في عهد بيل كلينتون، إنما الثابت هو صعوبة البحث عنها فضلاً عن العثور عليها في إطار ما يقرره المنطق المعتاد في الحياة الديمقراطية الغربية !.. بل ينقلب هذا المنطق فجأة .. كما كان مثلاً في ردود الأفعال على محطة إخبارية ألمانية استدعت هايدر إلى حوار تليفزيوني، يديره رجل إعلامي معروف هو إيريش بومي، الذي مُنح في العام الماضي جائزة أفضل مدير لحوار سياسي تليفزيوني .. وكانت حصيلة الحوار أنّ هايدر أسقط حجج خصومه في تلك الندوة بوضوح .. ولكن لم تكن التعليقات في اليوم التالي تقول إن هذا لضعفها أو المبالغة فيها .. بل أصبح التعليل الرئيسي هو أن "إيريش بومي" كان مقصرًا فلم يقم بالإعداد لندوة الحوار بما يكفي !.. لا ريب في أنّ هايدر يسـتخدم أسـلوبًا غوغائيًّا في خطبه، كأن يطلق على المستشار النمساوي السابق فرانيتسكي لقب " صاحب الكرش الضخم " .. أو قوله عن منح القروض للشرق إنّه " لا فارق بين أن يأخذ أموالنا نشّال روماني أو يأخذها وزير أحمر " .. وهذه الغوغائية مرفوضة .. ولكن ماذا عن الأسلوب المتبع في توجيه الاتهامات الثلاثة المذكورة عن سياسة هايدر وحزبه أوروبيًّا، وتجاه الأجانب، وعلى صعيد النازية ؟.. وحتى تصريحاته الأخيرة بأن النمسا يمكن أن تمارس حق "النقض" في الاجتماعات الأوروبية، وهو ما أكّدت وزيرة الخارجية النمساوية الجديدة فيريرو فالدنر عدم التفكير به .. حتى هذه التصريحات لا تتجاوز حدًا أدنى مفهومًا من ردود الفعل على سياسة الإجراءات المضادة، والمقاطعة، وسحب السفراء، والانسحاب من اجتماعات يحضرها الطرف النمساوي، ولم يصل رد الفعل النمساوي على أية حال إلى ما سبق أن مارسته فرنسا وبلجيكا وبريطانيا أحيانًا ـ وعرف بسياسة "الكرسي الفارغ" وهو التغيب عن اجتماع حاسم وتعطيل القرارات فيه، باعتبارها لا تصدر إلاّ بالإجماع .. حتى شلّت أعمال المجموعة الأوروبية شهورًا عديدة !.. بغض النظر عن غوغائية هايدر، وتطرّف حزبه اليميني، وسياساته التي يمكن رفضها بمقاييس عديدة، يصعب استيعاب ردود الفعل الأوروبية على مشاركة حزبه في الحكم -وبقائه هو خارج الحكومة- على أنها الرد على سياسته المعادية للاتحاد الأوروبي، والواقع أنّ ما يجري الآن عبارة عن سياسة الاتحاد الأوروبي المعادية للنمسا .. بحجة هايدر !.. وعداء الأجانب بالذات بات ذريعة لدى معظم الأحزاب الأوروبية، اليمينية واليسارية، الصغيرة والكبيرة، المتطرفة وغير المتطرفة، لأنّ أجواء ارتفاع البطالة .. وازدياد الهجرة من الشرق بعد سقوط الستار الحديدي، وازدياد الهجرة من الجنوب بعد تحويل هوة الثراء والفقر وهوة التخلف والتقدم إلى سياسة دولية ثابتة .. جميع ذلك يوجد تربة خصبة للحملات الغوغائية الحزبية لتحقيق غرض الوصول إلى السلطة فحسب !.. ذاك ما صنعه هايدر وحزبه .. فهو في هذا الموضوع وسواه من الأحزاب والساسة الأوروبيين سواء .. كأن يدعو إلى إلغاء الميزات الممنوحة للعمال الأجانب لأنها تسبب المزيد من البطالة، أو أن يوزع حزبه في معركة الانتخابات منشورات تدعو إلى وقف استغلال قوانين اللجوء السياسي، أو وضع حد لغلبة الهوية الأجنبية على النمساوية .. فهذا ومزيد عليه هو ممّا تردده أحزاب "مرموقة" عديدة في الساحة الأوروبية بمجموعها، ويمكن بالقياس عليه القول إن السياسة الرسمية الأوروبية سياسة معادية للأجانب كسياسة ذلك الحزب اليميني المتطرف في النمسا .. أحد المعلقين الإذاعيين الألمان يقول عشية استلام الحكومة النمساوية الجديدة للسلطة: "توجد عبارة تقول: نحن عازمون على مكافحة الهجرة غير القانونية من جذورها ونطالب بأن تلتزم الدول المعنية باستقبال من نعيدهم إليها من مواطنيها المهاجرين" ثم يتابع المعلق فيقول : ".. ليست هذه العبارة من نص الاتفاق الائتلافي في فيينا، بل من نص البيان الصادر عن اجتماع الرؤساء ورؤساء الحكومات من الدول الأعضاء الخمس عشرة في الاتحاد الأوروبي، في قمة تشرين أول/ أكتوبر الماضي في هيليسنكي". ويبلغ عدد الأجانب في الاتحاد الأوروبي 5 % من السكان، أي 18 مليونًا من أصل 370 مليون نسمة .. وتتراوح النسبة ما بين 1.3% في أسبانيا و34 % في لوكسمبورج .. أما في النمسا فقد بلغت 9 %، وكانت في حدود 5 % قبل عشرة أعوام، وهو تسارع لم تشهد مثله دولة أوروبية أخرى في تلك الفترة، وأصبح نصيب الأجانب في حدود 10% من العاملين بمجموعهم في النمسا. وعند الإشارة إلى ما تشهده أسبانيا من أحداث عدوانية على المغاربة .. أو ما شهدته ألمانيا من اعتداءات عنصرية على الأتراك .. كأمثلة على سواهما، يمكن القول إنه لا يُستغرب إقبال الناخب النمساوي على التصويت لصالح حزب يقوم بحملة معادية للأجانب .. وقد يكون الفارق الرئيسي أنّ في بعض البلدان الأوروبية الأخرى سياسات مماثلة تجاه الأجانب، تتبناها أحزاب "مرموقة " بسياسات تتجنب الأساليب "الغوغائية" عادة .. ولكن لا تتجنب ذلك أثناء المعركة الانتخابية، وقد يقولها بعض المسئولين الحزبيين من الدرجة الثانية أو الثالثة لجلب أصوات الناخبين، دون أن يقولها مرشح من المرتبة الأولى كيلا يتعرض لنقد سياسي أو إعلامي .. فالاختلاف على صعيد السياسة تجاه الأجانب بين حزب وحزب في أوروبا، هو اختلاف الأسلوب والإخراج والتوقيت، أما المضمون، فقد يشرحه -على سبيل المثال- ما صدر عن اجتماع ثنائي لوزيري داخلية فرنسا وألمانيا أثناء الحملة الأوروبية ضد النمسا بسبب هايدر وحزبه، وكان منه تأكيد الجانبين العزم على وقف تيار الهجرة إلى البلدان الأوروبية بما يضمن عدم ارتفاع نسبة الأجانب فيها
تابع في نفس المقال:
السمعة النازية .. والأصابع اليهودية
موضوعات أخرى |
|
|||||||
|
|||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
|||||||