English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

إرهاب إيتا: مشكلة دولة ومعضلة أمة

إسبانيا - نوال السباعي


أصبح من اليقين الثابت أن منظمة "إيتا" الإرهابية الباسكية الانفصالية استغلت هدنة الأربعة عشر شهرًا مع الحكومة الإسبانية؛ لتجديد بنيتها التحتية وقواعدها المسلحة، وتدريب وتجنيد المزيد من رجال الكوماندوس، الذين بدوا الآن على أعلى درجة من الاستعداد في هذه الحملة الجديدة التي تشنها "إيتا" على الدولة الإسبانية.

إدانات؛ تصريحات رنَّانة؛ تنديدات؛ مظاهرات واسعة النطاق؛ تشييع للجنائز؛ ثم مراسم دفن مؤلمة... هذا هو المشهد الذي تعيشه إسبانيا منذ أكثر من ثلاثين عامًا، لكنه - منذ مطلع شهر يوليو2000 - أصبح مشهدا شبه يومي، وقد بلغ عدد القتلى سبعة أشخاص، وتجاوز عدد الجرحى الثلاثين، فضلاً عن عمليات التخريب التي يشهدها الشارع الباسكي ساعة فساعة، في محاولة للتصعيد لم يسبق لها مثيل.. فإيتا ما عادت تتورع عن اختيار ضحاياها من اليمين أو اليسار، أو من رجال الأمن، وحدهم كانوا أو أمام سمع وبصر أطفالهم وزوجاتهم، والمسرح هو الخارطة الإسبانية بكاملها.

آخر ضحايا "إيتا" كان قد لقي حتفه يوم 29/7 إثر وصوله إلى المستشفى بعد أن قام أحد عناصر المنظمة باغتياله برصاصتين في مؤخرة رأسه أثناء تناوله القهوة، وكان الرجل يشغل منصب الحاكم المدني لمقاطعة غيبوثكوا الباسكية عن الحزب الاشتراكي، وكان قد وصل لِتَوِّه من نفي اختياري خارج إسبانية بسبب التهديدات اليومية التي كان يتلقاها من المنظمة. ويوم 24/6 و12 و26/7 انفجرت ثلاثة سيارات ملغومة إحداها في مركز مدينة مدريد تسببت بجرح تسعة أشخاص، ويوم 16/7 قامت إيتا بقتل أحد نواب حزب الشعب الحاكم عن مدينة "ملغة".

أمام هذا الحجم المريع من العمليات الإرهابية لا بد من التساؤل ماذا تريد إيتا؟ إيتا تريد الاستقلال وهو أمر يستحيل على أية حكومة إسبانية مجرد التفكير فيه؛ لأن ذلك يعني استجابة للإرهاب غير مسبوقة في تاريخ الدِّول، كما يعني استيقاظ النعرات القومية الهاجعة في أكثر من إقليم إسباني يطالب أبناؤه بالاستقلال بطرق أكثر هدوءًا ومنطقية أو فعالية من هذه التي تتبعها إيتا.

رئيس الحكومة الإسبانية خوسه ماريا أثنار.. لم يقطع زيارته الرسمية التي كان يقوم بها إلى كل من الجزائر وموريتانيا أثناء حملة "إيتا"، لكنه أطلق تصريحات رنانة قال فيها: "إن الإرهاب لن يرغمه على الركوع"، مما أدى إلى حملة من ردود الفعل الغاضبة عليه، وقال له أحد زعماء الأحزاب القومية الباسكية: "اسأل كلينتون أو بلير إن كان أي منهما يعتبر حل مشكلات بلاده ركوعا"! مما أرغم رئيس الحكومة الإسبانية على تعديل تصريحاته حيث قال: "إن حكومته تطالب إيتا بأن تفهم بأن حل المشكلة الباسكية لن يكون إلا عن طريق الحوار، وعلى إيتا أن تعرف أن الشعب لن يقبل بتجاوز قواعد اللعبة الديمقراطية".

الشعب من جهته ما زال يخرج بعد كل عملية إرهابية إلى الشوارع والساحات في مظاهرات واسعة النطاق؛ ليعبر في صمت وانضباط عن رفضه للإرهاب والقتل، وعن دعمه لحكوماته المتعاقبة في مواقفها من محاربة هذا الوباء بالأساليب الديموقراطية. مع التأكيد على الرفض الكامل لمجرد التفكير في منح الاستقلال لإقليم الباسك.

اقرأ في هذا المقال:

إيتا على الساحة من جديد

التركيب الداخلي لمنظمة إيتا

لماذا لم تستطع الحكومات الإسبانية القضاء على إيتا؟!

إيتا.. معضلة أمة لا تريد أن تركع

وطن الإرهاب

إقليم الباسك حقائق وأرقام

 

           

إيتا على الساحة من جديد

جاءت حملة إيتا لتنهي بصورة نهائية أي احتمال لتجديد الهدنة التي كانت قد استمرت أربعة عشر شهرًا (سبتمبر- أيلول 1999م إلى يناير - كانون الثاني 2000م) توقفت فيها المنظمة الإرهابية عن عمليات الاغتيال، إلا أن الشارع الباسكي استمر في الاشتعال بصورة يومية إلى درجة سجلت فيها قوى الأمن في الإقليم أكثر من 900 جنحة وجناية وعملية اعتداء على الأشخاص أو المنشآت أو الممتلكات الشخصية، في هذا الإقليم الذي لا يتجاوز فيه عدد المؤيدين للمنظمة 15% من السكان الذين يلجمهم الخوف والإرهاب الذي تمارسه إيتا على الشعب الباسكي بانتظام، حاملة إياه على الصمت وهو يراقب انهيار الأوضاع الأمنية والاقتصادية في أرضه.

وكانت إيتا قد أعلنت عن إنهاء الهدنة ووقف مباحثات السلام مع الحكومة الإسبانية في أواسط سبتمبر 1999م، وقامت على الفور بمحاولة شديدة الخطورة لإسماع صوتها في المحافل الدولية، وذلك عن طريق إعداد شاحنتين، ملغومة كل منهما بألف كيلو غرام من المتفجرات، وتركتا بالقرب من أهم المراكز السكنية والتجارية الحساسة في مدريد ليلة عيد الميلاد لتحدثا مجزرة غير مسبوقة في أوروبا، لولا أن أجهزة الأمن استطاعت الكشف عنهما وإبطال مفعول المتفجرات.

وكانت إيتا قد عزت قرارها بوقف الهدنة إلى عدم استجابة الحكومة إلى مطالبها خلال فترة مباحثات السلام - وعلى رأسها نقل سجناء المنظمة إلى سجون الباسك قريبًا من ذويهم - بل لقد قامت قوى الأمن أثناء فترة الهدنة باعتقال المتحدث الرسمي باسم إيتا في خطوة اعتبرت من قبل الجميع إغراقًا في الصلف السياسي الذي لا ينبغي أن تتصرف به حكومة ديمقراطية أثناء انهماكها في مَدِّ الجسور للتفاهم مع مجموعة إرهابية بمثل هذه الأهمية والخطورة، خاصة وأنها كانت قد أعلنت وضع الأسلحة من طرف واحد، طمعًا في حل المشكلة على الطريقة الأيرلندية التي بدت في ذلك الحين ناجعة.

من الملفت للنظر أن منظمة إيتا ومثيلتها الأيرلندية بدأتا بتغيير الأطر الفكرية العامة التي كانتا قد تحركتا خلال أعوام طويلة ضمن حلقاتها، واكتسبتا بسبب ذلك عطف ومساعدة بعض المحافل الدولية، وذلك قبل أن تمتص الحرب الباردة وجود الفكر اليساري وتوجه للشيوعية ضربة قاصمة في عقر دارها أوروبا، مما ساعد المنظمتين على البقاء حتى اليوم كآخر بؤرة من بؤر الإرهاب التقليدي في أوروبا، وخاصة منظمة إيتا التي ركبت موجة الفكر اليساري التحرري ضد حكم فرانكو، ثم الانفصالي الاشتراكي، ثم الانفصالي القومي، وذلك بعد ثلاثين عامًا من حرب العصابات، وأكثر من ثمانمائة قتيل، وعشرات المختطفين، وعشرات الآلاف من المتضررين والمعاقين الذين بَدَوا أثناء فترة الهدنة على استعداد للعفو عن مجندي إيتا مقابل أن يستتبَّ الأمن والسلام في إسبانية التي لم تعرف أجواء من الازدهار كهذه التي عاشتها خلال الفترة التي تركت فيها إيتا القتل كوسيلة لإسماع صوتها محليًّا وعالميًّا.   

التركيب الداخلي لمنظمة إيتا

ينقسم الجهاز العام لمنظمة إيتا إلى ثلاثة أقسام:

المؤسسة السياسية القانونية:

تتشكل من حزب سياسي معترف به لدى الدولة، ويقدم مرشحيه بشكل دائم في جميع الدورات الانتخابية، وقد استطاع الفوز بأربعة مقاعد في البرلمان الإسباني في مدريد عام 1996م، وكان أحد هؤلاء النواب الأربعة قياديًّا تاريخيًّا بارزًا في المنظمة، وقد فاز في الانتخابات على الرغم من أنه كان يقضي فترة سجن قانونية بتهمة المشاركة في تنظيم مسلح يهدد أمن الدولة، وكان يُؤتَى به من السجن للمشاركة في الجلسات البرلمانية، كما كان قد تم القبض عليه في مبنى مجلس الشعب في مدريد بعد أن أفرج عنه، وذلك بتهمة العودة للتعاون مع المنظمة الإرهابية!.

وإذا كان هذا المشهد من أروع الأمثلة التي يمكن للديمقراطية التباهي بها لدى عرض وجهها المشرق، فإن الجناح السياسي لإيتا بدا دائمًا غير مخدوع البتة بمساحات الحرية الدستورية هذه، التي قد تبدو- للوهلة الأولى- مذهلة لمن لم يعتد الحياة في ظل دولة الحق والقانون، ولم يكن ممثلو الجناح السياسي لإيتا في البرلمان يمارون الحكومة الإسبانية، ولم تَلِن لهم قناة في مطالبتهم الدءوبة باستقلال إقليمهم وإصرارهم على اتهام الحكومات الإسبانية المتعاقبة بشن حرب سرية ضد إيتا وعناصرها للقضاء عليهم بطريقة غير مشروعة.

وتصدر عن هذا الحزب - الذي يغيِّر اسمه كلما صدرت أوامر قضائية بإغلاق مكاتبه - صحيفة يومية ناطقة رسميًّا باسم المنظمة.

المؤسسة التقنية:

هي المؤسسة المختصة بتوزيع المجندين وإيوائهم وتزويدهم بالأوراق المزورة اللازمة لهم، وإعدادهم حركيًّا ونفسيًّا وفكريًّا، وتتواجد قيادة هذا الجهاز بكاملها في الأراضي الفرنسية.

المؤسسة العسكرية التنفيذية:

تعمل على إعداد العناصر الفاعلة في المنظمة، وتجهيزهم عسكريًّا، وتزويدهم بالخرائط والخطط والأسلحة اللازمة، وتعمل المؤسسة التقنية على تخصيص مجموعات فدائية تتألف من 2 - 3 عناصر توجه إلى المناطق الاستراتيجية التي خصصتها المنظمة لتنفيذ عملياتها.

مصادر التمويل:

تراوح مصادر تمويل المنظمة بين عمليات السطو المسلح على المصارف، وعمليات اختطاف كبار رجال الأعمال الباسك الذين يتلكؤون في دفع ما تسميه إيتا "الجزية الثورية"؛ إذ تعمد إلى المطالبة بملايين البيسيتات (العملة الأسبانية) مقابل الإفراج عن ضحاياها الذين قد تمتد فترات احتجازهم إلى أكثر من عام أحيانًا بسبب تدخل قوات الأمن، أو حتى يتمكن ذوو المختطفين من جمع الفدية وتأديتها.

وتعمد إيتا بين الحين والآخر إلى اختطاف هؤلاء الأشخاص وتسجنهم في قبور تحت الأرض تبلغ مساحة الواحد منها مترا ونصف المتر المربع، وتتركه هناك لأكثر من عام ونصف أحيانًا، في عزلة تامة، حتى عن سجَّانيهم، ويخرجون - إذا خرجوا من هذه السجون المقابرية - وقد خسروا ثلث وزنهم على الأقل، إضافة إلى المشكلات النفسية والعصبية التي تصاحبهم مدى الحياة! ولم تستطع قوى الأمن الإسبانية ولا الفرنسية إلا الإفراج عن اثنين فقط من المختطفين خلال ثلاثين عامًا من هذا الكابوس الذي حرم فيه أكثر من أربعين شخصًا حريتهم وأمنهم وأسرهم.

وتتداول قوى الأمن معلومات مفادها أن إيتا ما زالت تتلقى مساعدات من الخارج ومن بعض الدول العربية وبعض دول أمريكا اللاتينية، التي تبذل محاولات مباشرة وغير مباشرة للضغط على السياسات الإسبانية خاصة والأوربية عامة، حيث تعتبر إسبانيا إحدى أكثر الدول في العالم تورطًا في المشكلات العويصة التي تعانيها مستعمراتها السابقة في أمريكا الجنوبية.

كما كانت قد تسربت أنباء أخرى غير مؤكدة عن تورط الحكومة الاشتراكية السابقة في دفع رشاوى باهظة إلى المنظمة الإرهابية؛ لتوقف عملياتها خلال مناسبات معينة مثل مباريات كأس العالم في إسبانيا عام 1984م، ومعرض إشبيلية الدولي والألعاب الأولمبية عام 1992م.    

لماذا لم تستطع الحكومات الإسبانية القضاء على إيتا؟!

استطاعت إيتا أن تكون الشَّوكة الأكثر إيلامًا في خاصرة ثمانية حكومات إسبانية متتابعة منذ استتباب عهد الديمقراطية في البلاد عام 1979م، ولم تستطع واحدة منها أن تواجه هذه المشكلة أو تتعامل معها بشكل يوقف الإرهاب ويضع حدًّا لمعاناة البلاد والعباد، وذلك لأسباب أهمها ما يلي:

1 - قناعة قطاع واسع من الشعب الباسكي بشرعية جهاده ضد الدولة الإسبانية، وهذا ما تنبهت له الحكومة الاشتراكية خلال السنوات الأخيرة من عهدها، واستغلته الحكومة المحافظة الجديدة أحسن استغلال، حيث أثارت قطاعات الشعب الباسكي الأخرى ضد العنف وضد الأعمال المسلحة، وبدا إقليم الباسك في الآونة الأخيرة وكأنه ساحة للصراعات الداخلية بين أبناء الشعب الواحد.

2 - التزام الدولة الإسبانية - بشكل عام - بالأساليب القانونية التي تفرضها الديمقراطية، حيث تمنع منعًا باتًّا عقوبة الإعدام، ولا يمكن لمواطن إسباني أن يقضي في السجن أكثر من ثلاثين عامًا مهما بلغت جريمته من الوحشية. كذلك فإن السجناء يعاملون بطريقة مبالغة في الإكرام، حيث يعتبرون مرضى اجتماعيين. أما سجناء إيتا فما فتئوا يتلقون معاملة أكثر من خاصة، وقد اعتبروا دائمًا سجناء سياسيين، ومنحوا داخل السجون امتيازات خاصة، وتمَّ فصلهم عن بقية السجناء الذين كانوا يخشونهم ويخافون انتقامهم، وقد تصرف هؤلاء على الدوام كسادة السجون الإسبانية، على الرغم من إصرار جميع الحكومات على توزيعهم على مختلف السجون الإسبانية البالغة البعد عن الإقليم.

3 - استناد المنظمة إلى فكر قومي استطاع أن يتطور ويتأقلم مع مختلف الظروف والمتغيرات للمحافظة على ثقافة خاصة بالإقليم تُمِدّ الشبيبة بقوة روحية خاصة، جعلت من مجنديها فدائيين وشهداء في نظر بعض شرائح الشعب الباسكي التي تدعمهم وتمدهم بالغالي والرخيص.

4 - وجود منظمة غال G.A.L، وهي منظمة سرية تتألف من مجموعة من كبار رجال الأمن في الدولة، وقد بدأت هذه المنظمة القيام بأعمال إرهابية مضادة لإرهاب إيتا، ونفذت خلال أكثر من 25 عامًا أعمال الخطف والقتل والتعذيب والاعتقال غير القانوني لبعض من اشتبه بانتمائهم إلى المنظمة. وقد كشفت التحقيقات الرسمية التي بدأت عام 1992م  – وما زالت دائرة - عن تورط العديد من كبار رجال الدولة في مختلف الحكومات المتعاقبة، مما أدى إلى استقالة عدة وزراء في حكومات "فيليبه غونثالث".

ولقد كانت قضية "الغال" واحدة من أهم قضايا الفساد التي تسببت في سقوط حكم الاشتراكيين بعد ثلاثة عشر عامًا قضوها في السلطة، كما تبين الآن أن قضية "الحرب القذرة" هذه ضد إيتا تعود إلى وقت أبعد مما كان يظن، وأن جميع الحكومات الإسبانية المتعاقبة كانت متورطة في تأسيس "الغال" أو دعمها وتمويلها بما في ذلك حكومة "أدولفو سوارس" التي قادت إسبانية في عملية الانتقال السلمية نحو الديمقراطية ودولة الحقوق والحريات.   

إيتا.. معضلة أمة لا تريد أن تركع

أصبحت إيتا اليوم مشكلة معقدة ليس بالنسبة إلى الأمة الإسبانية فحسب، بل أيضًا الاتحاد الأوربي، وذلك على الرغم من ازدهار اتفاقيات التعاون بين مختلف هذه الدول في المجالَيْن الأمني والقضائي، خاصة وأن الحكومة الإسبانية اليمينية اضطرت - تحت ضغط التحالف مع الأحزاب القومية - إلى الإقرار- وبنص الدستور - بأن إسبانيا أمة متعددة القوميات واللغات والثقافات. وتم الفصل الأخير من منح مختلف الأقاليم والمقاطعات الإسبانية حكمًا ذاتيًّا، حتى بدت بعض المقاطعات في المحافل الدولية كمقاطعة "كاتالونيا" وكأنها دولة مستقلة.

إيتا من جهتها بدت - بجهازها العسكري - قوة ضاربة فرضت في إقليم الباسك نوعًا من "الشرعية" غير القانونية وغير الإنسانية، إلا أنها الصوت المسموع الذي تركب موجته اليوم تلك الشعوب التي تفتقد الاحترام الدولي، كما تفتقد القدرة على النمو الذاتي والتأثير الفعال في مختلف شرائح المجتمع لإقناعها بفكر تريد أن تتبناه، فتلجأ إلى قوة النار والقتل، ظنًّا منها أن هذه هي الطريقة المثلى لفرض وجهات نظرها في أسرع وقت ممكن، وليس ما فعله قتلة بلغراد عن العالم ببعيد، ولا عن أوروبا بغريب.

فلئن كان شعب الباسك يعتبر نفسه أمة مستقلة ذات دعائم قومية متميزة، ولكنها مكملة للأمة الإسبانية، تمكنه من التعايش معها في إطار الدولة أو القطر أو حتى المصالح المشتركة، فإن إيتا بوسائلها الدموية ليست إلا معول هدم فتَّاك في جسد هذه الأمة التي بدأت بالتفكك بسرعة مذهلة وبدرجة أكبر مما كان متوقعًا، ولم يقف هذا التفكك إلا بعد أن حقق حزب الشعب المحافظ في الانتخابات الأخيرة نصرًا ساحقًا تمثل في أغلبية عظمى في البرلمان خوَّلته وقف الأحزاب القومية الباسكية والكاتالانية عند حدودها، ووقف تدخلها في مسارات الأحداث عن طريق التحالفات السياسية مع الحكومة.

وتحاول إيتا وجناحها السياسي نفخ روح الانتقام في صفوف الشعب الباسكي، بينما تدور رحى حرب طاحنة بين السلطة القضائية والسلطة التشريعية في البلاد. وعلى الرغم من صدور أحكام بحق وزير الداخلية الأسبق وإيداعه السجن، وكذلك أبرز القيادات في أكثر من وزارة من وزارات الاشتراكيين الأربعة التي حكمت إسبانية بين عامي 1982م و1996م، فإن الشائعات تتردد عن إبرام اتفاق سري بين مختلف رجال الحكم في إسبانيا يُدعى "حلف الصمت"، يرمي لحماية كيان الدولة من الانهيار والحيلولة دون تهديد الديمقراطية الإسبانية الشابة.

التهديد الحقيقي الذي يواجه الأمة الإسبانية اليوم يتمثل في ولادة تيار غاضب من الناس الذين بدأت أصواتهم بالارتفاع والتكاثر؛ لإيقاع عقوبة الإعدام بمجندي إيتا المتورطين بجرائم الدم، أو تشديد عقوبات السجن لتستمر مدى الحياة، وفي ذلك خرق واضح للأسس الديمقراطية التي قامت عليها إسبانيا الحديثة، والتي دفعت ثمنًا باهظًا للوصول إليها. وعلى الرغم من أن الأغلبية الكبيرة من المواطنين الإسبانيين ما زالت تطالب باحترام الديمقراطية والحفاظ على وحدة الصف الديمقراطي في مواجهة هذه المعضلة الخطيرة، فإن إيتا تشكل تهديدًا جديًّا للمجتمع الإسباني الذي برهن في أكثر من مناسبة عن قدرة فائقة على ضبط النفس ورفض مقارعة الإرهاب بوسائل "عالم ثالثيَّة" لا تخرج في حقيقة الأمر عن كونها عنفًا وحشيًّا تمارسه الدولة ضد المجتمع، تأخذ فيه البريء بجناية المذنب الذي غالبًا ما يبقى طليقا، بينما تعيش الشعوب رازحة تحت آفة الأحكام العرفية، دون أن تحرز الدولة أي تقدم يذكر؛ لا في مجال القضاء على الإرهاب ولا في مجال الحفاظ على استقرار المجتمع وأمنه، ولا في استرداد هيبتها وثقة الناس في عملها من أجل تطور المجتمع ونموه، وهو ما استطاعت إسبانيا تحقيقه على الرغم من امتداد عمر الإرهاب فيها إلى ما يقارب نصف القرن، فلقد أثبتت الحكومات الإسبانية المتعاقبة أن الإرهاب معضلة يجب ألا توقف نمو الأمم وازدهار المجتمع، وكان هذا هو بالضبط ما عناه رئيس الحكومة الإسبانية الحالي "خوسه ماريا أثنار" عندما قال: "لن تستطيع إيتا بإرهابها أن ترغمنا على الركوع؛ لأن الشعب الإسباني لا يريد تجاوز قواعد اللعبة الديمقراطية في مكافحتنا لهذه الآفة، وما زال يراهن على دولة المؤسسات والحق والقانون والقضاء النزيه المستقل، ووحدة الصف بين جميع فئات الشعب وممثليه السياسيين أو الاجتماعيين، كوسائل وحيدة للقضاء على الإرهاب في بلادنا".   

وطن الإرهاب

أثبتت ظاهرة الإرهاب بمفهومها الحالي أنها ظاهرة لا وطن لها ولا قومية ولا دين، وأن الذين يحلو لهم أن يجعلوها وقفًا على العرب والمسلمين لا يتمتعون بأية مصداقية منطقية، ولكنها سطوة الإعلام الغربي الذي أصبح من القوة بما يستطيع معه الوصول إلى كل ركن في الأرض، وإلى كل زاوية من زوايا القناعات الإنسانية،  فيُمارس فيها الإرهاب على طريقته الخاصة في فرض رؤاه على وسائل الإعلام، وهي رؤى المهيمنين على صناعة الرأي والمديرين في الوقت نفسه لدفة هذه الآلة الجبارة.

وقد جاءت الحملة الأخيرة لمنظمة إيتا الإرهابية الباسكية بعد النكسات الخطيرة التي أصابت مشروع السلام في أيرلندا؛ لتؤكد بقاء منظمتي "إيتا" و"الجيش الجمهوري الأيرلندي" لا كشوكة في عين كل من إسبانيا وبريطانيا فحسب، ولكن في سياسات الاتحاد الأوروبي الداخلية والخارجية من جهة، وفي توجهات  – جهات أخرى – لا تقل أهمية اليوم في عالم اتخاذ القرارات وصناعة السياسات على المدى القريب والبعيد داخل أوروبا وخارجها؛ إذ كانت هذه الأطراف تُروِّج لدخول الغرب قرنه الجديد وقد فرغ من مشكلاته كلها، وعلى رأسها موضوع الإرهاب الأوروبي؛ لتتفرغ لمعالجة إرهاب من نوع آخر تريد له أن يكون "البعبع" البديل الذي تجتمع حوله السيوف الأوروبية وتجد فيه آلة الحرب الأوروبية مبررًا لوجودها وحافزًا لاستمرارها في إنتاج الأسلحة وبيعها. ولقد كان هذا هو السبب الرئيسي الذي دفع جميع هذه الجهات - لأول مرة - لاتخاذ موقف إعلامي موحد ورنَّان من إعلان إيتا إنهاءها الهدنة واستئنافها الحرب ضد الدولة الإسبانية، فأوروبا كانت تريد الوصول عام الألفين إلى ذروة التاريخ - تاريخها هي - وقد استتبَّت لها الأمور في هذا العالم، وكأنه لم يعد لديها إلا مشكلة الإرهاب الإسلامي شبحها المفضل الواقف على حدودها السياسية والتاريخية، الذي يهدد تواصل شبكة العلاقات الإنسانية والحضارية بين هذين العالمين المحكومين خلال ألف عام بسوء الظن المتبادل، وتكريس التاريخ لخدمة التعصب وتسخير الجغرافية المصطنعة لتذليل كل الصعوبات أمام مضي أوروبا قدمًا في امتصاص خيرات هذه الأمة وثرواتها.

ولا يمكن لأحد أن ينكر أن الشعوب الأوروبية شعوب عنيفة، وليس إلا أن نستحضر في الذاكرة محاكم التفتيش أو أهوال الحربين العالميتين الأولى والثانية، وهذا العنف لم يتولد إلا من طبيعة الثقافة الأوروبية التي تزرع في نفوس أبنائها الاستعلاء والتعصب العرقي، وتمنحهم المبررات الكافية للتدخل في شؤون الآخرين الذين لا يستطيعون التفكير ولا التدبير دون مساعدة الأوروبي والاستعانة بماله وذكائه وخبرته! إن هذا الشعور بالاستعلاء وهذه التربية على الاستخفاف بالآخر وامتلاك الحق في استخدامه والسيطرة عليه، هو ما زرع العنف في الشخصية الأوروبية وجعله متوارثًا – وبعمق - بين الأجيال، لكنه كان – ودائمًا - محكومًا بنوع مثير للانتباه من ضبط النفس، فهو عنف محكوم بوضوح الهدف والرؤية، وليس سداد الهدف وصواب الرؤية دائمًا، فلقد كان العنف الأوروبي بصورة عامة عنفًا موجَّهًا بالقدرة على الاحتمال وبإرادة فائقة لصب فوران الثورات في تنظيمات اجتماعية أو سياسية مدروسة الأهداف والتحركات، فالمنظمات الإرهابية الأوروبية لا تتحرك دون دراسة ووعي وفكر عميق ودعم شعبي وقاعدة سياسية تستند إليها.

وإسبانيا نفسها من أكبر مصدري الأسلحة إلى إفريقية المنكوبة، كما أنها متورطة بصورة لا تقبل الجدل في معضلة الصحراء الغربية المغربية، وتذكر التقارير الصحفية ومنظمات حقوق الإنسان في إسبانيا ذاتها أن إسبانيا كانت تبيع لقبائل "الهوتو" و"التوتسي" المتحاربة في رواندا وبورندي أكبر قدر من الأسلحة في حربهما. كما أن إسبانيا متورطة في أكثر من منطقة في أمريكا الجنوبية – حيث مستعمراتها السابقة - كما أنها متورطة في الفليبين.   

إقليم الباسك حقائق وأرقام

يقع إقليم الباسك شمال إسبانيا على حدودها مع فرنسا، ويطل جزء منه على البحر الكانتبري؛ مدخل المحيط الأطلسي، ويتشكل من عدة مناطق هي: نابارا، غيبوثكوا، بيثكاجا، وإقليم الباسك الفرنسي الذي يقع ضمن الحدود الفرنسية.

تبلغ مساحة الإقليم ما يقارب 18000 كم2. وعدد سكانه 3 ملايين نسمة من أصل تعداد الشعب الإسباني البالغ 39 مليون إنسان.

إحياء الهوية الباسكية:

يتحدث الباسكيون اللغة الباسكية التي تدعى "الأيوشكيرا"، ويعتبرها علماء اللغة أصعب لغة في العالم. وقد عمل الباسكيون على إحياء لغتهم حتى في تلك المناطق التي كانت قد اختفت منها تمامًا، وذلك عن طريق افتتاح المدارس التكميلية، وطبع الكتب، وتدريسها للناشئة في البيوت وفي حلقات نهاية الأسبوع، وتخصيص قنوات إذاعية وتلفزيونية لا تنطق إلا بهذه اللغة.

كما يقوم الإخصائيون الباسكيون في علوم الاجتماع والنفس والتاريخ بوضع الموسوعات المختصة بتاريخ الباسك، وترسيخ تراثه وحفظه من خلال المحافظة على الأناشيد والأغاني الشعبية، وحتى تلك الترانيم التي اعتادت الأمهات هدهدة مواليدهن بها. كما نشطت حركة التأليف الأدبي باللغة الباسكية، وإحياء الموسيقى الباسكية، واتخذ الأدب الباسكي منحى متميزًا عن بقية الآداب الإسبانية، وخصصت عشرات الجوائز للأدباء والشعراء الذين تتم عملية اختيار الفائزين منهم وفق مقاييس رفيعة اضطرتهم مع الزمن إلى الارتفاع بمستوى الأدب الباسكي إلى أفضل المستويات الأدبية العالمية المعروفة.

جذور الحركة القومية الباسكية:

وتعود جذور الحركة القومية الانفصالية الباسكية إلى عام 1883م، حيث بدأ القادة في الإقليم تنمية المشاعر القومية المحلية المرتبطة بالمشاعر الدينية العميقة، والمدعمة بالتميز العرقي المتعصب، والاستقلال عن بقية الشعوب الأوروبية المجاورة، بما فيها الشعبان الإسباني والفرنسي.

وقد تم تشكيل أول خلية انفصالية قومية على هذه الأسس منذ مائة عام في الإقليم تحت اسم "الحزب القومي الباسكي"، تحت شعار "شعب أوروبي متميز يتكلم لغة أوروبية مختلفة"، وعندما قامت الجمهورية الإسبانية الثانية، أعلن الباسكيون أول مقاطعة إسبانية مستقلة بناء على نتائج الانتخابات المحلية التي أجريت عام 1936م، وذلك قبيل الحرب الأهلية الإسبانية التي اشتعلت بين اليمين واليسار الإسبانيين  بعد قيام القوى اليسارية - وعلى رأسها الحزب الشيوعي الإسباني - بالإعلان عن قيام تلك الجمهورية التي سميت بالثانية، وتم منح الانفصاليين الحكم الذاتي في كل من الباسك وكاتالونيا، حتى إذا قاد "الجنرال فرانكو" حملته العنيفة لإعادة اليمين إلى سدة الحكم والحيلولة دون انفراد الانفصاليين بالحكم في مقاطعاتهم، والقضاء على الحرب الأهلية المريعة بين الطرفين، أبلى هؤلاء بلاء منقطع النظير، فضرب عليهم فرانكو الحصار، وأذاقهم التقتيل والاعتقال والتعذيب، مما ساعد على ولادة تيارات جديدة من الشعور القومي الانفصالي القائم على عداوة شديدة لإسبانيا واعتبارها دولة محتلة. وبدأ ذلك الشعور بالتبلور وأخذ شكله النهائي عام 1960م، حيث بدأ تشكيل الخلايا السرية، وتبلورت فكرة الكفاح المسلح، وأعلنت إيتا عن نفسها "كمنظمة الباسك الانفصالية"، معتمدة محاور ثلاثة: ثقافية وسياسية وعسكرية. وقامت بأول عملية لها عام 1968م، ونفذت أول اغتيال استعراضي لواحد من كبار رجال الدولة في حينها والساعد الأيمن لفرانكو.

إقليم الباسك بين فرنسا وإسبانية:

يقع إقليم الباسك في أراضي دولتين أوربيتين هما إسبانية وفرنسا، وما فتئ التعاون الوثيق بين الشعب الباسكي الفرنسي والشعب الباسكي الإسباني يعرب عن نفسه في الماضي والحاضر بإيواء الفارين من إسبانيا من مجندي إيتا، وتقديم الدعم المادي والمعنوي، والتنسيق العسكري والسياسي بين الطرفين. وما فتئت الأراضي الباسكية الفرنسية تشكل عمقًا إستراتيجيًّا على غاية من الأهمية بالنسبة إلى مجندي إيتا العاملين في إسبانيا، معتمدين في ذلك على السمعة بالغة السوء التي كان يتمتع بها نظام فرانكو الديكتاتوري في الأوساط الأوروبية، وخاصة الفرنسية الاشتراكية المنفتحة أثناء الستينيات على عاصف الأفكار والمبادئ التي كانت تدعى في حينها بالتقدمية.

إلا أن هذا الحال لم يَدُم، ففرانكو قد قضى نحبه عام 1979م، وإسبانيا خطت خطوات مذهلة في مجال التطور والنمو نحو حدود الدولة الديموقراطية، ودخلت في منظومة الوحدة الأوربية. وبدأت منذ منتصف الثمانينيات مرحلة من التعاون الوثيق بين فرنسا وإسبانيا في مجالي الأمن والقضاء، وبدأت فرنسا بملاحقة واعتقال وتسليم أهم عناصر إيتا المقيمة في أراضيها، وذلك مقابل دعم إسبانيا هذه في مواقفها الرامية إلى إبراز هوية أوروبية متميزة في المحافل العالمية.

كانت فرنسا من قبل قد حالت - من خلال سكوتها عن إقامة منظمة إيتا في جنوبها - دون انتقال أعمال الإرهاب إلى أراضيها التي لم تنجُ من بعض التفجيرات والاغتيالات بين الحين والآخر كلما انكشف الموقف عن شيء من الشدة في الموقف الفرنسي، إلا أن فرنسا اتبعت دائمًا أسلوب التعتيم الإعلامي على هذه الأعمال الإرهابية في أراضيها، واستطاعت أن تتهم بها جهات أخرى، وليس إلصاق التُّهم بالتجمعات الإسلامية المقيمة في فرنسا عنا ببعيد، خاصة وأن هذه القضية كانت إحدى أهم الفضائح السياسية التي تكشفت عقب موت الرئيس الفرنسي الأسبق "ميتران".

لقد بقيت الأراضي الفرنسية خلال أعوام طويلة قاعدة صلبة استثنائية يكمن فيها مجندو إيتا، وينطلقون لتنفيذ عملياتهم الإرهابية، كما يهربون إليها حيث مخازن أسلحتهم وخيرة قيادييهم، الشيء الذي بدأ يتغير وبصورة جذرية منذ عام 1997م، حيث بدأت الحكومة الاشتراكية الثالثة بالتوقيع على معاهدات الأمن والدفاع المشترك مع مختلف الدول الأوروبية، وفقدت "إيتا" بذلك المبرر الرئيسي لإقامتها في فرنسا، وللجوء عناصرها سياسيًّا لأي دولة أوروبية بدعوى القهر السياسي في إسبانيا، فلقد غدت إسبانيا دولة توفر الحريات لمواطنيها، واستتب فيها النظام الملكي الدستوري الديمقراطي، وذابت معظم الفروق السياسية - لا النفسية - بين برامج الحكومات والأحزاب الرئيسية اليسارية واليمينية، كما هو الحال في جميع الدول الأوروبية منذ سقوط جدار برلين، وضاق الخناق على إيتا شيئًا فشيئًا، تماشيًا مع السياسات الإسبانية الجديدة باعتبارها جزءاً من المنظومة الأوروبية التي كانت تأمل أن تستقبل أوروبا ألفيتها الثالثة وقد اختفت من أراضيها بؤر الإرهاب التي كانت قد انتشرت إبان الحرب الباردة والتي كانت ترجو لها أوروبا أن تكون باردة فقط في أراضيها، لولا هذه المنظمات الانفصالية التي انتشرت في أنحاء مختلفة منها وباسم الفكر الثوري الذي روَّجت له روح العصر والدعايات العريضة في حينها، التي كانت تستند إلى رغبة عميقة لدى الشعوب في الانخلاع من ربقة النظم التسلطية والاستعمارية.  

 

اقرأ أيضا:

الأمم المتحدة تقر اتفاقًا ضد تمويل الإرهاب  

واشنطن تنفي ربطها بين الإسلام والإرهاب  

مئات الآلاف يتظاهرون في مدريد ضد الإرهاب

شرطة لندن تتعهّد بالتفرقة بين الإسلام والإرهاب  

أفراح أسبانيا الكروية تحولت أحزانًا! ـ  

مساع عربية لمؤتمر دولي ضد الإرهاب  

 

 

قضايا سياسية

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

بث مباشر: 28/11

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع