بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

فاتورة تعويضات إفريقيا عن الرق

777 تريليون دولار.. من يدفعها؟

محمد عاشور - رانيا حسين


في ظل تجاهل ورفض أوروبي وحماس كبير إفريقي، برزت على السطح قضية التعويضات الإفريقية عن حقبة الاسترقاق التي تعرضت لها القارة على يد الأوروبيين بالأساس؛ وقد قدرت تلك التعويضات في بعض الكتابات بنحو 777 تريليون دولار، وذلك بناء على تقديرات منظمة تطلق على نفسها اسم "لجنة تعويضات العالم الإفريقي واستعادة الحقيقة". وقد اعتبرت أن ذلك المبلغ إنما هو تقدير جزافي لا يرقى بحال إلى التعويض الحقيقي عن ممارسات حقبة استنزاف موارد القارة البشرية عبر خمسة قرون من عمر القارة، خاصة إذا ما قورنت تلك التعويضات المطلوبة بما تطالب به الجماعات اليهودية العالم الغربي من تعويضات، أحدثها – ولن يكون آخرها – مطالبة بعض الشركات الألمانية – من بينها شركات فولكس واجن، بي إم دبليو ودايملر- كرسلر، سايمنز، بنك درسدنر والبنك الألماني – بتعويضات تبلغ نحو 20 بليون دولار عن استغلال تلك الشركات لليهود كعمال سخرة خلال الحقبة النازية، وقد تمَّ عقد اجتماع في 24 أغسطس 1999م بين تلك الجماعات اليهودية وممثلي الشركات الألمانية لبحث ذلك الموضوع، وذلك علاوة على المطالبات اليهودية تجاه الدول الأخرى كسويسرا والنمسا وفرنسا وبريطانيا. ويخلص أنصار التعويضات الإفريقية من ذلك إلى أنه إذا كانت تلك هي طبيعة وحجم المطالب اليهودية عن فترة استغلال وقهر لم تتجاوز عقدًا من الزمان، فإن التعويضات الإفريقية على النحو المذكور لا يجب أن يثير أي اندهاش أو معارضة، خاصة في ظل التاريخ الطويل والمأساوي لرحلة الرق في إفريقيا.

 

خلفية تاريخية عن تجارة الرقيق في إفريقيا

يعتبر البرتغاليون أبرز من مارس تجارة الرقيق في إفريقيا، حيث شرعوا في تلك التجارة منذ الأربعينيات من القرن الخامس عشر الميلادي، لا سيما في إفريقيا الغربية حيث قامت أهم حصونهم ومراكزهم لجمع وتصدير العبيد في أرجويم عند مصب نهر جامبيا، وستياجو (قرب الرأس الأخضر حاليًا)، وسان جورج دي مينا في غانا حاليًا، ثم جزيرة ساوتومي أمام مصب نهر النيجر التي كانت تُعَدُّ أكبر وأهم المراكز الأربعة في جمع الرقيق قبل شحنهم إلى البرازيل وغيرها من مناطق العالم الجديد، حيث رخصت الحكومة البرتغالية للأوروبيين في ساوتومي بالمتاجرة في هذه "السلعة" البشرية مع المناطق الإفريقية المواجهة للجزيرة، لا سيما مملكة بنين، ولم يلبث نشاط التجار أن امتد إلى الكنغو ثم إلى أنجولا، حيث قُدِّر عدد العبيد الذين تمَّ نقلهم عبر لواندا بحوالي 2500 نسمة في الفترة من 1575 - 1587، وارتفع إلى ثلاثة أمثاله خلال السنوات التالية على تلك الفترة؛ الأمر الذي جعل لواندا تعرف باسم "الأم السوداء" إشارة إلى شهرتها في إمداد البرتغال بحاجتها من الرقيق. وخلال الحقبة الممتدة من 1530م حتى 1600م بلغ عدد الأفارقة الذين تم نقلهم من الحصون البرتغالية وحدها إلى العالم الجديد وأوروبا نحو مليون نسمة، ولم تلبث الدول الأخرى أن دخلت ميدان تجارة الرقيق، فأخذ الهولنديون والفرنسيون والإنجليز يقيمون الحصون والمراكز التجارية لصالحهم. حتى الدنمارك دخلت هذا الميدان ذا الربح الوفير، وأغراهم بذلك ضعف البرتغال في الميدان الإفريقي حين أخذت المستعمرات الهندية جل انتباههم.

وقد كان دخول هذه الدول الجديدة إلى ميدان تجارة الرقيق وبالاً على سكان إفريقيا؛ إذ قاموا متضامنين بما يمكن تسميته الاسترقاق الجماعي، في ظل تنافس محموم بين الشركات التابعة لهذه الدول للاستئثار بأكبر حجم ممكن من تلك التجارة. وكان التنافس بين هذه الشركات الأوروبية يؤدي بهم إلى أن تَسِمَ كل شركة رقيقها بعلامة خاصة كما توسم الماشية، وكانت تلك العلامة في الغالب حرفًا في مكان ما من أجسادهم.

وتجدر الإشارة إلى أنه على الرغم من أن كافة المجتمعات القديمة قد عرفت ظاهرة الرق بشكل أو آخر، وأن أوروبا نفسها كانت تبيع أبناءها وترحلهم إلى العالم الجديد، فإن ظاهرة الرق في إفريقيا ظل لها طابعها المميز حيث غلب عليها طابع العنصرية؛ الأمر الذي جعل ممارسة الرق أشد عنفًا وأكثر وحشية، ولا أدل على ذلك من إقدام بعض الجنود الألمان على نسف مواطنين أفارقة في مستعمراتهم في القارة بالديناميت على سبيل التسلية! ناهيك عن عمليات بتر الأطراف والقتل عند أقل بادرة للاعتراض أو التمرد على الواقع المأساوي لهؤلاء الرقيق، فضلاً عن طول حقبة الاستنزاف التي تعرضت لها القارة والتي قاربت خمسة قرون كاملة. ويشير تقرير لمنظمة اليونسكو صادر في عام 1987م إلى أن ما فقدته إفريقيا من أبنائها في تجارة الرقيق بنحو 210 مليون نسمة معظمهم من الشباب والرجال الأقوياء، وهو ما أدى إلى حرمان القارة من الأيدي العاملة الحقيقية وتعميق تخلفها الاقتصادي، إضافة إلى ظاهرة الخلخلة السكانية التي تعانيها بعض المناطق لا سيما تلك التي تعرضت بدرجة أكبر للاستنزاف.

التعويضات بين السوابق التاريخية والأسس القانونية

على الرغم من أن حق إفريقيا في التعويض عن الآثار المدمرة التي لحقت بها من جرَّاء تجارة الرقيق واضح، فإن المجتمع الدولي - الغربي بالأساس - ما زال يصم أذنيه عن سماع تلك المطالب الإفريقية على الرغم من أن ذات العالم الغربي يفتح الباب على مصراعيه للمطالب اليهودية بالتعويض عمَّا تعرض له اليهود من اضطهاد خلال الحقبة النازية، ويقبل الدخول في مفاوضات جادة حول تلك المطالب للخروج بقرارات ومشروعات للتعويض على نحو ما سلف بيانه، وهي التعويضات التي تمثل سوابق تاريخية واقعية يمكن الاستناد إليها لدعم المطالبة الإفريقية بالتعويض عن حقبة الاستعمار والرق التي كانت سببًا في ثراء العديد من الأسر والعائلات الأوروبية المرموقة التي عملت في مجال تجارة الرقيق.

والواقع أن المطالب الإفريقية تستند ليس فقط إلى السوابق التاريخية للتعويض وإنما أيضًا إلى مجموعة من المبادئ والقواعد القانونية الدولية التي يمكن أن تمثل أساسًا قانونيًّا لتلك المطالب. والمفارقة أن تلك المبادئ والقواعد صاغها أحد المحامين البريطانيين هو الورد أنتوني جيفورد في ورقة قدمها إلى مؤتمر دعت إليه الجماعات الراعية لفكرة المطالبة بالتعويضات، وعقد تحت رعاية الزعيم النيجيري الراحل مسعود أبيولا في عام 1993م في أبوجا بنيجيريا.

وقد حاول أنتوني جيفورد في ورقته أن يقدم إطارًا قانونيًّا لدعوى التعويضات الإفريقية، انطلاقًا من قناعته أن هذا الإطار سيكون كفيلاً بنجاح الدعوى وإثارة اهتمام الهيئات الدولية لأخذها بجدية. وقد قدم جيفورد مجموعة من القواعد والإجراءات في الصدد تتمثل في:

أ - اعتراف القانون الدولي بأن الضالعين في جرائم ضد الإنسانية عليهم التزام بدفع تعويضات لهؤلاء الذين أضيروا من جراء هذه الجرائم، ومن ثَمَّ فلا يوجد حائل قانوني يمنع هؤلاء الذين عانوا تبعات جريمة الرق من المطالبة بتعويض مناسب. ويرى جيفورد أن أحد تبعات تجارة الرق تتمثل في التفرقة العنصرية التي يتعرض لها المواطنون السود في بريطانيا والولايات المتحدة على الرغم من اختفاء مثل هذه التفرقة على الصعيد القانوني.

ب - أن الدعوى لا بد أن تقام نيابة عن كل الأفارقة في إفريقيا وفي الشتات، ضد الحكومات التي تقدمت وأثرت بفضل تجارة الرقيق وعلى حساب المواطن الإفريقي، وأن تتولى هيئة أو منظمة تمثيلية مناسبة القيام بذلك.

جـ - أن تقوم مجموعة من الخبراء بتقدير حجم التعويض المناسب أخذًا في الاعتبار النواحي المختلفة لظاهرة الرق وما أحدثته من آثار.

د - أنه في حالة عدم تسوية النزاع بين الأطراف المعنية يتم عرض المسألة برمتها على محكمة دولية خاصة، وهي عملية لن تكون سهلة نظرًا للطبيعة الخاصة للقضية، حيث تتعدى حدود الدول وتتناول أمورًا لم يسبق تناولها، الأمر الذي يعني أن المرافعات في تلك القضية ستتطلب وجود مؤرخين وعلماء آثار وفنانين وكتابًا وسياسيين وعلماء اجتماع وغيرهم، إلى جانب المحامين، لتقديم الأدلة أو تفسيرها بصدد تلك القضية.

وأخيرًا يدعو جيفورد إلى ضرورة ممارسة الدول الإفريقية ضغوطًا معنوية قوية على الهيئات المعنية؛ سواء كانت هذه الهيئات رسمية ساهمت بشكل رسمي أو بآخر في جريمة الرق، أو أثرياء ثبت أن أصل كنوزهم وثرواتهم جاء من هذه الجريمة، كما ينبغي على الدول الإفريقية أن تتجنب الانزلاق إلى قضايا فرعية عديمة الجدوى كمسألة مصير التعويضات حال أخذها أو كيفية توزيعها إلى غير ذلك، بل يجب أن تعمد إلى إنشاء مؤسسات بحثية وتعليمية لدعم مطالبها ومتابعتها متابعة علمية.

 

بين الحماس والفاعلية

على الرغم من الاعتراف بوجاهة الحجج والمبررات سالفة البيان، تظل الحقيقة هي أن التساؤل الرئيسي بشأن قضية التعويضات هو: هل تقبل أوروبا سداد "ديونها" سالفة البيان لإفريقيا؟ والإجابة القاطعة هي النفي؟ ذلك أن إفريقيا لا تملك سوى "الحق" و"الحقيقة"، وهما أمران لا يجديان فتيلاً مع الأمة الأوروبية سليلة التراث الروماني صاحب المبدأ الشهير "القوة تنشئ الحق وتحميه". وعليه فإن الشوط ما زال طويلاً أمام إفريقيا كي تستطيع أن تطالب بتعويضات عن موجة السلب والنهب التي تعرضت لها، حيث يقتضي ذلك أن توحد صفوفها وطاقاتها لإقامة كيان إفريقي قادر على الصمود والمنافسة في عالم لم يَعُد يعرف سوى الكيانات الكبرى القوية. على أن المفارقة أن إفريقيا حال توحُّدها لن تكون بحاجة للتعويضات.

وبالنظر إلى البَوْن الشاسع بين الواقع الراهن للقارة وبين المستقبل المأمول فلا عجب أن تثور من آن إلى آخر قضايا تزيد من أحلام أبناء القارة وأوهامهم وتصرفهم عن الاجتهاد والعمل لتغيير الواقع، فلماذا العمل ولو دفعت أوروبا التعويضات لتغير حال القارة؟!

 

 

قضايا سياسية

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع