بيغوفيتش:
انسحاب أم استمرار؟
أ.د. محمد م. الأرناؤوط
مدير بيت الحكمة- جامعة آل البيت- الأردن
مع
الحملة المنافسة القوية التي سبقت
الانتخابات المحلية الأخيرة في البوسنة
التي جرت في مطلع إبريل / نيسان الماضي،
وتمخضت عن بعض التراجع لـ "حزب العمل
الديموقراطي" الذي يقوده علي عزت
بيغوفيتش، بدأ الحديث يتصاعد من حين إلى
آخر عن مسئولية عزت بيغوفيتش، وعن
انسحابه المحتمل من الحياة السياسية
لإفساح المجال لزعامة جديدة تقود الحزب
بنجاح في الانتخابات القادمة.
أسباب
الاستقالة
والواقع
أن هذه التسريبات/ الرغبات لم تكن تنبع من
بعض أوساط الحزب فقط، بل إن معظمها كان
يأتي من جهتين: المعارضة التي استقوت
بنتائج الانتخابات المحلية، وأصبحت تأمل
بنتائج أفضل في الانتخابات القادمة،
والإدارة الدولية التي لم تعد تخفي
رغبتها في انسحاب عزت بيغوفيتش من المسرح
وانتخاب شخصية أقل "أصولية" وأكثر
أوروبية منه.
وفي
هذه الظروف لم يتوان عزت بيغوفيتش نفسه
عن الإعلان عن رغبته في الانسحاب من
الحياة اليساسية، وبالتحديد من زعامة
الحزب ومن منصبه كعضو في رئاسة البوسنة/
الرئيس المشارك، في تشرين الأول / أكتوبر
القادم "بسبب الوضع الصحي" كما يقول.
ولكن
إحدى الصحف البوسنية نشرت فجأة في يوم
الجمعة 19/8/2000 "خبطة" صحفية تقول
إن عزت بيغوفيتش لن ينسحب من الحياة
السياسية على الرغم مما يقوله من حين إلى
آخر، وقد دفع هذا جريدة "دنفني أفاز"
المعروفة التي تصدر في سراييفو إلى إجراء
لقاء خاص مع عزت بيغوفيتش في اليوم
التالي (السبت 19/8/2000) حول هذا الموضوع
بالذات.
بيغوفيتش
يحدد مواقفه
وبرزت
في هذا اللقاء .. ثلاثة مواقف جديدة تلفت
الانتباه:
1-
التأكيد على الموقف المعلن بالانسحاب من
الحياة السياسية / رئاسة البوسنة في
أكتوبر / تشرين الأول القادم "بسبب
الوضع الصحي"، مع ترك هامش للانقلاب
على هذا الموقف بسبب الوضع الحالي في
البوسنة "الذي تتلاعب فيه الإدارة
الدولية بالمصالح القومية للبشانقة".
2-
التشدد في نقد الإدارة الدولية المسؤولة
عن تطبيق "اتفاقية داتيون" مع أنه
اعتبر أن حزبه ليس في صراع مع الإدارة
الدولية في حد ذاتها وإنما مع "الجهل
والظلم" الذي تمارسه الإدارة الدولية
في حق حزبه (تضخيم بعض الأخطاء التي
ارتكبها الحزب قبل الحرب، وفي أعقابها،
وتجاهل النتائج الإيجابية التي حققها
الحزب على الأرض، ومنها الدفاع عن
البوسنة والتأكيد على التسامح وعدم
الانتقام ..الخ).
3-
التصعيد في نقد المعارضة التي "تروج"
إلى أن قصة الانسحاب من الحياة السياسية
ليست سوى حجة لإبعاد الرأي العام عن
المشاكل الحادة التي يعاني منها "حزب
العمل الديموقراطي" وفي هذا الإطار
فضل عزت بيغوفيتش التوجه إلى الشعب
مباشرة للاحتكام إليه عما قدمه هو وحزبه،
حيث صرح "أن الشعب ليس غافلاً عما
حوله، إذ يرى بنفسه المشاكل كما يرى
أيضاً ما تحقق على الأرض".
وبشكل
عام فقد بدا عزت بيغوفيتش في هذا اللقاء
كأنه يريد أن يتوجه إلى الرأي العام
بخطبة وداع تجمع ما بين الدفاع والهجوم،
وبالتحديد الدفاع عن الإنجازات التي
حققها هو وحزبه خلال الخمسية الأولى 1990-
1995 (الاستقلال والدفاع عن البوسنة)
والثانية 1995 –2000 (بناء الدولة الحديثة
بالاستناد إلى اتفاقية دايتون) على الرغم
من ارتكاب بعض الأخطاء التي اعترف بها،
والهجوم الحاد على الأطراف التي تريد
انسحابه من الحياة السياسية (الإدارة
الدولية والمعارضة المحلية).
لمحة
ذاتية
وتجدر الإشارة إلى أن عزت بيغوفيتش
المفكر والسياسي ورجل الدولة ولد في
شاباتس البوسنية عام 1925 واصطدام في وقت
مبكر مع السلطة نتيجة لاهتماماته
الفكرية (الإسلامية) المغايرة للمواقف
الشيوعية، إذ انضم في شبابه إلى منظمة
"الشبان المسلمين" التي تأسست في
سراييفو على نمط مثيلتها في القاهرة،
وحكم عليه عام 1946 بالسجن لمدة ثلاث
سنوات، وبعد خروجه من السجن تابع دراسة
الحقوق (1956) وحصل على شهادة المحاماة (1962).
وفي غضون ذلك أخذ يتابع تكوين نفسه من
خلال القراءات المتواصلة ونشر بعض
المقالات باسم مستعار. واشتهر في
يوغوسلافيا حين ألف "البيان الإسلامي"
الذي قدم بسببه إلى المحاكمة في سراييفو
عام 1983 مع 12 مثقفاً بتهمة "الأصولية"
وحكم عليه بالسجن لمدة 14 سنة. وتبين
لاحقاً أن المحاكمة كانت مفبركة، فأطلق
سراحه في نهاية 1988. وفي مطلع 1990 ساهم في
تأسيس "حزب العمل القومي" الذي أصبح
من أكبر الأحزاب في البوسنة وأصبح رئيساً
للحزب في أيار (مايو) 1990 ثم رئيساً
للبوسنة، وبرز خلال حرب الاستقلال
للبوسنة 1992 – 1995، حين ساهم بفكره ونشاطه
وحضوره في تأمين الدعم للبوسنة في أصعب
الأوضاع، وفي غضون ذلك كان يعمل على
تأليف كتابه "الإسلام بين الشرق
والغرب" وحصل على جائزة الملك فيصل (1994)
وغيرها من الجوائز التي دعمت مكانة بلاده.
وتوج عمله في التأليف في نهاية 1999 بنشر
مذكراته "هروبي إلى الحرية – ملاحظات
من السجن 1983 – 1988).
اقرأ
أيضا:
عزت
بيجوفيتش: تصحبك السلامة!
البوسنة:
الفساد أسقط حزب بيجوفيتش
بيجوفيتش:
المجموعة الدولية متحيزة ضد مسلمي
البوسنة
البوسنة:
"أدهم" و"صفوت" مرشحان لخلافه
بيجوفيتش
قضايا سياسية
|