بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

محمد السادس في عام:
انفراجة سياسية، واقتصاد ضعيف، وسياسة خارجية متوازنة

الرباط - مصطفى الخلفي


عملية انتقال السلطة ليست عملية عادية في النسق السياسي المغربي، ذلك أن الدور المحوري لشخصية الملك داخله يجعل أي انتقال يؤثر بشكل كبير على حركية النسق ورهاناته وإمكاناته، وتوازناته الداخلية. ورغم حساسية هذه العملية، فإن انتقال السلطة إلى الملك محمد السادس كان انتقالاً سلسًا هادئًا، كما أن العهد الجديد لقي دعمًا دوليًّا قويًّا والتفافًا من لدن عموم القوى السياسية الوطنية، كما وَلَّد تطلعات شعبية هائلة في إحداث نقلة نوعية في التطور السياسي والاجتماعي للبلاد.

اقرأ في هذا المقال:

 السياسة الداخلية

أ - أسلوب الملك محمد السادس في الإدارة السياسية

ب - التيار الإسلامي والعهد الجديد

ج - المجال الاقتصادي والاجتماعي

السياسة الخارجية

أ - العلاقات المغربية الأوروبية والأمريكية

ب - العلاقات المغربية العربية والإسلامية


السياسة الداخلية

أ - أسلوب الملك محمد السادس في الإدارة السياسية

يمكن القول إن المجال السياسي استقطب أهم إنجازات العهد الجديد، على خلاف باقي المجالات التي لم يبارح معظمها مستوى الوعود والإعلان عن الخطط والبرامج. وقد شهد هذا الحقل تغيرات ملموسة، أبانت عن وجود نوع من الجرأة والسرعة في أسلوب الملك محمد السادس، وهو ما تدل عليه الوقائع التالية:

- التأكيد في خطاب 20 أغسطس 1999م على سُمُوِّ المرجعية الإسلامية، والتمسك بمقتضيات "البيعة"، وأن شخص الملك مقدس لا تنتهك حرمته، وهو موقف اعتبر ردًّا غير مباشر على أطروحات بعض العناصر العلمانية والحداثية التي دعت إلى تحديث المؤسسة الملكية والسير وفق النموذج الإسباني الذي يعتبر الملكية مؤسسة رمزية.

- السماح بعودة المعارض السابق إبرهام السرفاتي (1999/10/1)، وبعده عودة عائلة المختطف المغربي المهدي بن بركة، زعيم المعارضة في الستينيات.

- إعفاء إدريس البصري وزير الداخلية الأسبق (1999/11/9)، كما تم قبل هذا الإعفاء  تعيين الكولونيل ماجور لعنيكري على رأس جهاز المحافظة على التراب الوطني (الاستخبارات الداخلية)، وفي ربيع السنة الجارية تم إعفاء محمد المديوري رئيس مديرية الحرس الملكي، ومدير الأمن الخاص، وبرمجة سياسة تحجيم وإضعاف محكمة لجهاز وزارة الداخلية المتضخم، وذلك عبر القيام بعملية تغييرات واسعة في 1999/12/31 عبر إصدار قرار بتعيين 43 شخصية في وزارة الداخلية ضمنها 29 شخصية جديدة، فضلاً عن إعفاء جل رجالات الوزير السابق.  

- تأسيس لجنة تحكيمية للبَتِّ في طلبات تعويض ضحايا التعذيب والاعتقال التعسفي والاختطاف القسري، والبدء في مسلسل منح التعويضات (يوليو 2000م).

- إلغاء قرار وزير الداخلية الأسبق المتعلق بمنع السماح للأحزاب السياسية باستغلال القاعات العمومية في تنظيم أنشطتها الجماهيرية.

إلا أنه في المقابل تراكمت بعض التطورات السلبية الدالة على استمرار المنطق "المخزني" في أسلوب الحكم (المخزن مصطلح يصف طبيعة النظام السياسي المغربي التقليدي، والمتسم بطابعه القمعي من جهة، والتحكيمي من جهة أخرى) إلى قيام وزارة الداخلية بانتهاج سياسة الحد من الحريات، سواء في مواجهة حركة المعطلين 20 يونيو، أو في مواجهة جماعة العدل والإحسان (أحداث الشواطئ)، وقبلها حجز عددي "المستقل الأسبوعي" وle quotidien بسبب نشر مذكرة إلى من يهمه الأمر للدكتور عبد السلام ياسين، وكذا منع عددي le journal و"الصحيفة" أواسط أبريل المنصرم، رغم أن ذلك فُسِّر بسعي الدولة لاستعادة الهيبة.

      في هذا السياق نفسه، برزت مشكلة حادة تتعلق بضعف تفاعل الجهاز الحكومي مع الدينامية التي برزت في أسلوب عمل المؤسسة الملكية. وما عزز من ذلك ارتفاع حدة النقد للتجربة الحكومية التي تقودها المعارضة، حيث إن حصيلة الثلاث سنوات الماضية كانت سلبية، واتسمت خلالها الحكومة بالبطء والعجز عن تطبيق الوعود التي رفعتها، باستثناء محافظتها على التوازنات المالية العامة في ميزانية الدولة، وقد أدى هذا النقد إلى توتر العلاقات بين أحزاب الائتلاف الحكومي رغم تقديم الوزير الأول تصريحًا حكوميًّا آخر أمام البرلمان في أواسط يناير 2000، والإسراع بتقديم مشروع المخطط الخماسي، وهو ما طرح بإلحاح ضرورة مراجعة التركيبة الحكومية عبر تقليص عدد أعضائها من 43 وزيرًا إلى حوالي 25، ورفع درجة الانسجام والتكامل بين مكوناتها.

تحليل هذه الوقائع يبرز أن التغييرات التي انتظرتها القوى السياسية في طبيعة النظام السياسي المغربي لم تتحقق، حيث حافظت المؤسسة الملكية على وظيفتها المزدوجة والمتمثلة في الجمع بين الحكم والتحكيم، فالملك حاكم وحكم بين الأطراف، بل إن رغبات الأطراف السياسية المتعلقة بتصفية الوجوه السلبية للعهد السابق التقت مع رغبات العهد الجديد في إعادة هيكلة النسق السياسي المغربي وفق أسلوب اشتغال الملك الجديد، فضلاً عن دور ذلك في تقوية شعبية المؤسسة الملكية، وتعميق التفاف القوى الحزبية والاجتماعية حولها. إن موقع الملك كحاكم برز بوضوح في الإبقاء على ما يُسَمَّى بالمجال الملكي الخاص والمرتبط بوزارات السيادة، خار ج دائرة التناوب السياسي الفعلي، حيث إن التعيينات التي تمت فيها (كاتب الدولة في وزارة الخارجية وكذا السفراء، وزير الداخلية، وكاتب الدولة في الداخلية، فضلاً عن التعيينات الخاصة بالولاة والمحافظين في الجهات والمناطق) ارتبطت بالملك مباشرة. كما برز أيضًا في تدخله المباشر في معالجة الاختلالات التي يعرفها سير الحكومة. وهو ما يعني في المحصلة استمرار المؤسسة الملكية في ريادة المبادرة السياسية بالبلاد والتحكم في التوازنات السياسية.


ب - التيار الإسلامي والعهد الجديد

ثمة تطورات وتحولات مثيرة في المشهد الحركي الإسلامي، سواء في علاقة مكوناته بالحكم أو في العلاقات البينية أو في مستوى العطاء والفعالية الميدانية.

وسنعرض في البداية لأهم تطورات علاقة الحكم بأهم فصائل الحركة الإسلامية المغربية، ممثلة في حركة التوحيد والإصلاح وحليفها السياسي حزب العدالة والتنمية، وجماعة العدل والإحسان.

أما بالنسبة إلى حركة التوحيد الإصلاح وحزب العدالة والتنمية، فقد شكلت السنة الأولى من عهد الملك محمد السادس مرحلة غنية في تطوير أدائها وحضورها السياسي والإعلامي، مبرزة بذلك أهمية اختيار خط المشاركة السياسية في التغيير الاجتماعي، وأبرز التطورات التي عرفها خط المشاركة تتمثل في:

- تأسيس فريق نيابي للحزب بالبرلمان (1999/10/9).

- عقد المؤتمر العادي للحزب في أواخر نوفمبر  1999بمشاركة غالبية الفاعلين السياسيين في البلاد.

- استدعاء د. أحمد الريسوني (رئيس حركة التوحيد والإصلاح) لإلقاء درس في إطار الدروس الحسنية التي تلقى أمام الملك كل رمضان، وكان الدرس حول مقاصد البعثة المحمدية.

- الترخيص بتنظيم مسيرة شعبية بمدينة الدار البيضاء (كبرى مدن المغرب والتي تبعد عن العاصمة 40 كم)، معارَضَة لمسيرة "رسمية" نظمتها أحزاب الائتلاف الحكومي بالرباط.

- مساهمة قيادات من الحركة في اللجنة المكلفة بدراسة مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، (وهي خطة أُعدَّت على ضوء توصيات مؤتمر بكين، ولاقت معارضة إسلامية وطنية قوية بسبب البنود المخالفة للشريعة الإسلامية فيها، وحصل نوع من التجميد لها حاليًا).

- تسليم وصل الإيداع القانوني للحركة في 29 يونيو 2000 الذي اعتبرته قيادة الحركة من حسنات العهد الجديد.

تفسِّر هذه التطورات التقييم الذي عبَّرت عنه قيادة الحركة بمناسبة مرور سنة من العهد الجديد، حيث اعتبرتها "سنة متميزة، وعرفت مزيدًا من تعزيز الحريات، وعناية أكثر بالملف الاجتماعي، ومعالجة جريئة للعقد السياسية المزمنة التي خلفها العهد السابق، كالسماح بعودة المعارض السابق أبرهام السرفاتي، وتعويض ضحايا الاختطاف والتعذيب والاعتقال التعسفي، واعتراف الدولة بما ارتكب من أخطاء في حقهم، ورفع الإقامة الجبرية عن د. عبد السلام ياسين، بالإضافة إلى التفكير في تفعيل دور المساجد والعلماء، بل نجد أن د. أحمد الريسوني يعتبر أن هناك عدة أمارات تدل على أن هناك رغبة تسير بشكل متدرج نحو إحداث تغييرات جذرية في معالجة مشاكل البلاد".

رغم ذلك فالحركة وحليفها السياسي استثمرت وجودها في العملية السياسية؛ لتناهض مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، كما احتفظت لنفسها بمسافة معينة تجاه التجربة الحكومية، كانت آخر تطوراتها إصدار الحزب لمذكرة سياسية تنتقد أداء الحكومة، الذي اعتبرته في جزء منه يتنافى مع المرجعية الإسلامية، كما يعجز عن "مواكبة الخطوات البناءة لعاهل البلاد"، وتدعو لإعادة هيكلتها وتحسين طرق عملها، وهو ما يمثل موقفًا ضمنيًّا للحركة تجاه النقاش السياسي الدائر حول التعديل الحكومي بالبلاد.

    أما بخصوص جماعة العدل والإحسان فإن أهم التطورات تتمثل في رفع الإقامة الجبرية عن مرشد الجماعة د. عبد السلام ياسين في أواسط مايو المنصرم، وهي خطوة تعتبر، نسبيًّا، نشازًا في العلاقة بين الجماعة والسلطة، حيث سبقها رفض الترخيص للجماعة بتنظيم مسيرة تضامنية مع الشيشان في رمضان الماضي، كما تعرض إعلام الجماعة لتضييق مستمر، حيث تكرر منع توزيع "رسالة الفتوة" التي يصدرها شباب الجماعة، ومنعت للمرة الثانية (2000/7/17) جريدة "العدل والإحسان" من التوزيع بقرار من الإدارة العامة للأمن الوطني التابعة لوزارة الداخلية وبدون مبرر قانوني.

     إضافة إلى تطورات منع توزيع إعلام الجماعة، تمت مواجهة محاولات الجماعة لتنظيم المخيمات، التي تحولت إلى ما يسمى "حرب الشواطئ"، حيث قامت الجماعة بالنزول إلى الشواطئ العامة الشعبية، والدخول في احتكاكات مع السلطة أدت إلى المتابعة القضائية لعدد من أعضاء الجماعة.

    إزاء هذا المسار الذي ينحو إلى التصعيد، عقدت الجماعة ندوة صحفية يوم 2000/7/10، وأعلنت فيها أن "المسألة يجب أن تحل في الإطار السياسي"، وأن "أمام السلطة ثلاثة خيارات: إما سلوك نهج مواجهة العدل والإحسان بالقوة والعنف والمحاكمات والإرهاب، وهذا خيار قامت به مجموعة من الدول واختاره المغرب للتعامل معنا في مرحلة من المراحل، وكانت النتائج معروفة لدى الجميع، أو خيار التجاهل وغض الطرف، وكأننا لا نوجد بالمرة، وهذا خيار أحسن من سابقه، لكنه لا يحل المشكل بالمرة؛ لأنه قد تقع مناوشات بين الحين والآخر من طرف السلطة وليس من قبلنا. أو أن تكون السلطة أكثر رشدًا، وهذا يحتاج إلى حوار ونقاش وانفتاح، يحتاج كذلك إلى اعتبار مصلحة الأمة والشعب بعيدًا عن كل المتاهات".

      يكشف مجموع هذه التطورات عن أن السياسة العامة للحكم تجاه الحركة الإسلامية اتسمت في السنة الماضية باستمرارها على نفس نهج الملك الراحل الحسن الثاني، المتمثلة في تقريب وإدماج التيارات المعتدلة والمؤمنة بالعمل من خلال المؤسسات السياسية وفق شروط اللعبة السياسية، وفي المقابل تحجيم التيارات الرافضة والحد من تمددها في المجتمع. أما التيارات الهامشية فاعتمد تجاهها سياسة التجاهل.

وبموازاة ذلك تمَّ التحضير لسياسة جديدة لتدبير الحقل الديني بالبلاد، عبر العمل على إعادة هيكلة المجلس العلمي الأعلى والمجالس العلمية الجِهَوِيَّة، وضع سياسة خاصة بالمساجد، أعلن عنها في خطاب العرش.

    التحدي المستقبلي المطروح في هذا الملف يرتبط بتنامي هواجس التخوف من المد الإسلامي، والحديث عن تهديده لعملية الانتقال الديموقراطي بالبلاد، حيث بدأ بعض الأوساط تطرح احتمال تشكل خطر إسلامي على استقرار النظام السياسي بالمغرب، محيلة على التجربة التركية لأخذ العبرة، لا سيما في ظل التنامي السياسي لتجربة حزب العدالة والتنمية، وبموازاتها التوترات الحاصلة في العلاقة بين السلطة وجماعة العدل والإحسان، ولعل من الإرهاصات الأولى لذلك الصدام الحاد لوزارة الداخلية مع عموم فصائل الحركة الإسلامية في قضية الشواطئ، واستثمار القوى العلمانية واليسارية لهذا الصدام في الدفع في اعتبار الإسلاميين نسخة واحدة وأن الخيار الأسلم في التعامل معهم هو اعتماد سياسة حصار        وتحجيم ومواجهة، بل إن بعض الجهات العلمانية عبَّرت عن استعدادها العملي لتقدم التغطية الإعلامية لهذه المواجهة، ومما تفسر به هذه التطورات هو تخوف الأحزاب اليسارية من الهزيمة في الانتخابات القادمة.


ج - المجال الاقتصادي والاجتماعي

بمجرد إكمال السنة الأولى من عهد الملك محمد السادس، تجددت الانتقادات الموجهة إلى مستوى مردودية الأداء الحكومي في المجال الاقتصادي - الاجتماعي، سواء الصادرة عن المؤسسات المالية الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي)، أو الفاعلين الاقتصاديين المحليين، ذلك أن "الإنجازات" المعلنة لم تَرْقَ إلى مستوى التكيف مع السنة الثانية للجفاف، ولا إلى تحقيق هدف التأهيل الاقتصادي للبلاد، ومن أبرز المؤشرات على ذلك:

- العجز التجاري الخارجي بنسبة 50% بالمقارنة بين الدورة الأولى لـ 1999 والدورة الأولى لـ2000م.

-  الجمود الحاد للقطاع الصناعي وتراجع معدل استيراد مواد التجهيز بنسبة 6,7%.

- عدم التناسب بين نسبة النمو الديموغرافي ومعدل النمو السنوي.

- ضعف الاستفادة من التطورات الإيجابية ذات العلاقة بتحويلات العمال المهاجرين.

- استمرار عبء المديونية الخارجية في التأثير على السياسيات العامة للبلاد، فرغم التقلص الذي عرفته هذه المديونية - حيث تراجعت من حوالي 22 مليار دولار إلى 19 مليار دولار – فما زالت خدمة الدين الخارجي تستهلك مايقرب 25% من الميزانية السنوية للدولة.

في هذا الإطار أصدر صندوق النقد الدولي أواخر يوليو المنصرم تقريرًا عن المغرب، اعتبر فيه أن الاستثمار الخارجي يصطدم بالتعقيدات الإدارية والقانونية، وأن معالجة الاختلالات الاقتصادية القائمة تتطلب إعادة هيكلة نظام صرف العملة في اتجاه جعله أكثر مرونة عبر تخفيض قيمة الدرهم. وفي السياق نفسه، تسرب تقرير غير رسمي لبعثة البنك الدولي بالمغرب، يعتبر هو الآخر أن الحالة الاقتصادية للبلاد على حافة الانهيار، وتتطلب اعتماد سياسة اقتصادية جذرية تنقل البلاد إلى مرحلة ثانية ومتقدمة من اللبرالية الاقتصادية، تؤدي إلى تعميق انخراط المغرب في الاقتصاد العالمي وتحرير تجارته الخارجية.

وقد انعكس ذلك على الوضعية الاجتماعية بالبلاد، سواء من حيث تفشي البطالة التي تجاوزت نسبة 22% ، أو من حيث العجز عن الحد من تنامي الفقر الذي يطال ما نسبته 47%  من السكان (13.5 مليون) منهم 5.3 مليون تحت عتبة الفقر (يعيشون بدخل يومي يراوح دولارًا واحدًا)، أو من حيث ضعف مردودية التحرك في الورش الاجتماعية مثل ورش محاربة الأمية، حيث يسجل بالمغرب ما نسبته 55%  من الأميين، وهي معطيات تفسر احتلال المغرب المرتبة الـ 124 في تقرير التنمية البشرية للأمم المتحدة. 

     تفسر هذه المعطيات، بالسحب التدريجي لملف التأهيل الاقتصادي من يد الحكومة، خصوصًا بعد صدور تقرير سلبي لبنك المغرب (البنك المركزي) في هذا الشأن، وهو ما تجلى في سحب مسؤولية وزارة المالية عن صندوق الحسن الثاني للتنمية، وتأسيس لجنة خبراء في المناطق الصناعية والاستثمار تعمل تحت إشراف الملك. كما تفسر هيمنة الهم الاقتصادي بقوة على خطاب العرش الذي أعلن فيه الملك عن تأسيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي.


السياسة الخارجية:

أ-العلاقات المغربية الأوروبية والأمريكية

منذ شهر ديسمبر 1999 وحتى يوليو 2000، عرفت السياسة الخارجية للبلاد عدة تطورات هامة، تتمثل أهم عناصرها في خلق توازن في أجندة السياسة الخارجية، على المستوى العالمي، وذلك في تناغم نسبي بين المؤسسة الملكية والجهاز الحكومي.

ازدادت وضعية المغرب، ازدادت ارتهانًا بالفضاء الأوروبي والأمريكي، لا سيما بعد الزيارة الملكية لكل من فرنسا (مارس 2000م) والولايات المتحدة الأمريكية (يونيو 2000م). لقد تأطرت السياسة الخارجية في هذا المجال بعدة أهداف أهمها: السعي لجلب الاستثمارات الخارجية، وتحويل الديون الأجنبية إلى استثمارات محلية، ودفع الموقف الدولي إلى الحياد بخصوص قضية الصحراء المغربية، وتفهم الموقف المغربي بصددها، وتقوية الموقع التفاوضي للمغرب أمام المؤسسات الدولية كالأمم المتحدة والبنك الدولي والاتحاد الأوربي، فضلاً عن الهدف الأساس المتمثل في خلق تعارف دقيق بين العهد الجديد والقوى الدولية، ليس فقط على صعيد شخص الملك، بل على صعيد الأسلوب والفريق ككل، وما يتيحه من إمكانات وما يشغل باله من قضايا وملفات، وسنتوقف على ثلاث دول هي فرنسا والولايات المتحدة وإسبانيا.

وشهد المغرب تركيزًا وتنافسًا فرنسيًّا - أمريكيًّا عليه، وإسبانيا بدرجة أقل. وعند المقارنة بين حصيلة الزيارة لكل من فرنسا والولايات المتحدة، نجد أنه باستثناء قضية الصحراء المغربية التي يوجد شبه موقف فرنسي - أمريكي موحد حولها، فإن حصيلة الزيارة لفرنسا كانت أكثر أهمية من الزيارة الأخيرة للولايات المتحدة، رغم أن هذه الأخيرة فاقت الأولى في حفاوة الاستقبال. ففرنسا حوَّلت ما مجموعه700 مليون فرنك فرنسي إلى استثمارات، كما أقرت مساعدة مالية للمغرب بقيمة 100 مليون فرنك. أما أمريكا فلم يتجاوز الأمر 110 ألف طن من القمح تضاف إلى 100 ألف قدمت على هامش زيارة أولبرايت إلى الرباط في بداية سبتمبر 1999م، وتوقيع بعض الاتفاقيات الخاصة بالملاحة الجوية والتعاون العلمي بين وكالة ناسا والمركز الملكي للاستشعار الفضائي، والتعاون في قطاع الطاقة ومكافحة الجفاف.

وأما إسبانيا، فإن إنهاء العمل باتفاقية الصيد البحري شكَّل "بؤرة" التوتر في علاقاتها مع المغرب، لا سيما بعد انعكاس ذلك على الصادرات المغربية للاتحاد الأوروبي، وتفجر موجة عنصرية ضد المهاجرين المغاربة. ونضيف لذلك التدخل الإسباني الرافض لبناء المغرب لمركز للطاقة النووية بطانطان خاص بتحلية ماء البحر، بدعوى مخاطره على البيئة، وهو ما أدى إلى تأجيل البت في الموضوع، الذي كان من المقرر أن يحسم على هامش زيارة الرئيس الصيني للمغرب في خريف 1999م. ويندرج في هذا السياق أيضًا المواقف السياسية المستفزة المعبر عنها إبان الانتخابات التشريعية الإسبانية حول سبتة ومليلية.


ب- العلاقات المغربية العربية والإسلامية

باستثناء الجزائر وقطر مؤخرًا، واصل المغرب سياسة تطوير وتحسين علاقاته بالمحيط العربي والإسلامي، خصوصًا في اتجاه المملكة العربية السعودية، وتونس، ومصر، وموريتانيا، وليبيا، والإمارات العربية المتحدة، والبحرين، والأردن. وتحكمت في ذلك اعتبارات السعي للحفاظ على موقع مؤثر للمغرب في محيطه العربي، ففضلاً عن الزيارات الملكية، واجتماعات اللجان المشتركة، ثم تفعيل بيت مال القدس الذي عقد مجلسه الإداري، وكذا السياسة الحذرة للمغرب تجاه الكيان الصهيوني، التي تجمع بين الحفاظ على حد أدنى من التطبيع معه، في مقابل عدم الانخراط في خطوات متقدمة، فقد برز في البداية أن المغرب سيسارع لتقوية علاقاته بالدولة العبرية، خصوصًا بعد زيارة وزير خارجية الكيان الصهيوني في أواسط يناير المنصرم، إلا أنه ظهر بعد ذلك نوع من التريث وترك التطبيع غير الرسمي يمهِّد الأرضية للمستقبل، مع الإشارة إلى الاحتضان المغربي القوي لموريتانيا بعد خطواتها للتطبيع الديبلوماسي مع الكيان الصهيوني في نوفمبر 1999م.

وفيما يتعلق بالجزائر فقد ظهر أن التوتر الحاد الذي عرفته العلاقت المغربية – الجزائرية منذ بداية سبتمبر 1999م يتجاوز بكثير الأسباب المعلنة، والمتمثلة أساسًا في اتهام المغرب بإيواء الجماعات المسلحة واستثمار ذلك في تعبئة الرأي العام الجزائري للتصويت على قانون الوئام المدني، بحيث أن جهود الوساطة المتعددة التي قام بها عدد من الأطراف لم تفلح، كما لأن الخطوات التي تمت على صعيد البلدين هي الأخرى فشلت في تحقيق التقارب المنشود. الواقع أن مشكلة الصحراء المغربية والتدخل الدولي الأجنبي السافر في المنطقة، فضلاً عن تقدم عملية الانتقال الديموقراطي بالبلاد، تشكل العائق الرئيسي أمام تقدم الجزائر للاستجابة للدعوات المغربية بالتفاهم والتعاون، بل إن التصريحات الأخيرة للرئيس الجزائري في الموضوع أدت إلى إشاعة جو من اليأس في صفوف النخبة السياسية المغربية تجاه احتمال حصول تقارب بين البلدين.

أما بخصوص قضية الصحراء المغربية فقد عرفت تطورات دالة، تمثلت أولاً في الإعلان عن مقاربة جديدة تتجاوز المقاربة الأمنية، وتنطلق من تفعيل اللجنة الملكية للشؤون الصحراوية، وإعادة هيكلة المجلس الاستشاري، وثانيًا في اعتبار أن اتخاد قرار جذري بخصوص التفاوض حول مستقبل الصحراء لا يخص الملك وحده، بل يمس الأحزاب السياسية والشعب المغربي ككل، وثالثًا اتباع نفس معالم السياسة السابقة تجاه المخطط الأممي (نسبة إلى الأمم المتحدة)، القائمة على التشبث بهذا المخطط مع المطالبة بإشراك عامة الصحراويين دون استثناء، واعتبار ذلك خطًّا أحمر لا تنازل عنه، وفي المقابل رهن نتائج ما أسماه الملك بـ"المساعي الحميدة" لتجاوز المأزق الحالي لخطة الاستفتاء بموافقة الشعب المغربي عليها.

 

 

اقرأ أيضًا:

الحركة الإسلامية المغربية .... تحديات التحول إلى المشاركة السياسية

 الأزمة السياسية بالمغرب وخيارات الإسلاميين

 انقسام واسع في المغرب حول "إدماج المرأة في التنمية"

إسبانيا تُحبط مشروعًا لمحطة مياه نووية بالمغرب

 تعيينات واسعة للقيادات في أقاليم ومحافظات المغرب

 اختلالات خطيرة تواجه الاقتصاد المغربي  

عبد السلام ياسين: قادرون على اكتساح أي انتخابات في المغرب

 المغرب تواجه "المصايف الإسلامية" 

 

 

 

قضايا سياسية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع