English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

في الدلالات السياسية لفوز قصاب وهزيمة بيريز

جلال الدين عز الدين علي


تأتي انتخابات رئيس الدولة في إسرائيل على أثر استقالة الرئيس السابق عيزر وايزمان نتيجة تورطه في تلقي الرشوة، ومخالفات فساد أخرى لم يحاسب عليها بحكم التقادم، وهو أمر بات يَصِم المسئولين الإسرائيليين من رئيس الدولة إلى رئيس الوزراء والوزراء، إلى أدنى المستويات التنفيذية، حيث انتشرت ظاهرة التحقيقات مع المسئولين الإسرائيليين لسبب أو آخر، وإدانة بعضهم، أو عدم توجيه تهم إليهم لأسباب فنية محضة، وهو أمر بقدر ما يعبر عن سيادة القانون في إسرائيل، وخضوع الجميع لطائلته، يُعَبِّر أيضًا عن انتشار خرق القانون على أعلى المستويات، وشيوع الفساد متعدد الأنواع: المالي والإداري والأخلاقي، بما يخل بشرف هؤلاء المسئولين وأهليتهم، ويمثل في نهاية الأمر مظهرًا لأزمة شرعية حادة يعانيها النظام السياسي الإسرائيلي في المرحلة الراهنة، إضافة إلى أزماته الأخرى (أزمتي الهوية والتكامل وأزمة شرعية الوجود).

وبصرف النظر عن الطبيعة الشرفية الاحتفالية لمنصب رئيس الدولة في إسرائيل، التي لا تتجاوز بعض المراسم التي يؤديها في إطار القانون، مثل تكليف الحكومات، وقبول استقالتها، واعتماد المبعوثين الدبلوماسيين، وإصدار العفو العام، وغيرها، فإن انتخاب الكنيست موشيه قصاب بأغلبية 63 صوتًا مقابل 57 صوتًا لشيمون بيريز يعكس دلالات ذات مغزى هام بالنسبة إلى الظروف التي تمر بها الحلبة السياسية الإسرائيلية في المرحلة الراهنة.

عزلة الكنيست

أولى هذه الدلالات هي ما عبر عنه وزير المعارف المستقيل يوسي سريد من أن الكنيست أصبح بمثابة جزيرة معزولة عن الشعب، بدلاً من أن تعبر عن ذلك الشعب، حيث كانت الاستطلاعات المتكررة ترجح فوز بيريز- ذي الخلفية السياسية العميقة والمكانة العالمية المتميزة - على موشيه قصاب الذي لا يتجاوز عمره - 54 سنة - خبرة بيريز كسياسي ودبلوماسي بارز، تولى مختلف المناصب العليا في السياسة الإسرائيلية، بما فيها رئاسة الوزراء، ناهيك عن حصوله على جائزة نوبل للسلام، وتبنِّيه المشروع الشرق أوسطي.

وقد انتقدت وزيرة البيئة داليا إسحاق منذ عدة أيام - في مناسبة أخرى - الكنيست النقد ذاته، حيث أعربت عن إحباطها من حالة الكنيست الراهنة، وكون أعضائه مشغولين بالمساومات الحزبية والشخصية الضيقة، والحفاظ على هذه الحكومة وإسقاط تلك، مبتعدين عن مصالح المواطنين واهتماماتهم. وهو النقد ذاته الذي لا يكف المسئولون الآخرون عن توجيهه ووصف الحياة الحزبية والسياسية الإسرائيلية الراهنة بأنها مزرية.

الصراع اليهودي الشرقي - اليهودي الغربي

والدلالة الثانية في هذا السياق مرتبطة بما سبق، حيث اعتبرت عضو الكنيست كوليت أفنتال من حزب إسرائيل واحدة أن التصويت بانتخاب قصاب "كان تصويتًا إثنيًّا، وحرم إسرائيل من انتخاب الرئيس الذي يجلب لها الشرف الأعظم"؛ وذلك نظرًا إلى تصويت نواب حزب شاس الديني اليهودي الشرقي الذي يمثل اليهود من أصل مغربي في إسرائيل (وعددهم نصف مليون) لصالح قصاب المولود في إيران، بغض النظر عن مدى خبرته ومكانته داخل إسرائيل وخارجها بالمقارنة ببيريز ذي الأصل الأوروبي.

والحقيقة أن معظم رؤساء إسرائيل كانوا من أصول أوروبية، ومثَّلوا طبيعة الدولة الإسرائيلية كثمرة للمشروع الصهيوني الغربي. وفي كل مرة كانت تُجْرى الانتخابات لاختيار رئيس لإسرائيل كان العامل الإثني يتفجر، ويُلوِّح المرشح اليهودي الشرقي بأصله، واعدًا بأن يكون خير ممثل للجياع والمشردين من أبناء الطوائف الشرقية التي تمثل قاع المجتمع الإسرائيلي. كما كان إخفاقه يبرر على الفور بكونه من اليهود الشرقيين ليس إلا. وعلى الرغم من أن اليهود الشرقيين شغلوا كثيرًا من المناصب العالية في إسرائيل؛ من رئاسة الأحزاب، وعضوية الكنيست، إلى الوزارة، إلى رئاسة أركان الجيش، فإن المناصب الرمزية التي تمثل الدولة بأكملها كرئيس الدولة، كانت لليهود الغربيين في الأغلب، أما منصب رئيس الوزراء – الأكثر أهمية في السياسة الإسرائيلية – فكان دائمًا محتكرًا لليهود الغربيين.

ومع ذلك تمثل هذه المقولة التي طرحتها كوليت اتجاهًا في التفكير طالما شكا منه اليهود الشرقيون، وهو أن اليهود الشرقيين يُصَوِّتون لليهود الشرقيين، كما لو أنهم لا يميزون بين الأكفأ للمنصب، وأنهم لا يتحلون بالرشادة التي يفترضها أنصار ذلك الاتجاه ضمنيًّا في اليهودي الغربي. وكما لو أن الغربيين بالمقابل ليسوا عنصريين إلى هذا الحد. وكما لو أن اليهودي الشرقي المرشح لمنصب ما لا يملك من المؤهلات أكثر من انتمائه الشرقي، وهو الاتجاه الذي يكرس الانفصال بين الطائفتين من المستوطنين اليهود في فلسطين.

 رسالة إلى رئيس الوزراء

والدلالة الثالثة لفوز قصاب وثيقة الصلة بالتوقيت الذي طرحت فيه مسألة انتخاب رئيس الدولة، وعلاقة هذه المسألة بالموقف من حكم باراك وسياسته، حيث تمر إسرائيل بسلسلة من الأزمات والانهيارات الائتلافية، فقد اعتبر كثير من السياسيين والمحللين أن انتخاب نواب الكنيست "قصاب" جاء بمثابة رسالة توضح لباراك أن مرشحه - هو وحزب العمل - لا يحظى بالأغلبية، وأن سياسته غير مقبولة، تأكيدًا للرسائل السابقة التي وجهها الكنيست لباراك على خلفيات متعددة، وليس فقط سياسته تُجاه عملية تسوية القضية الفلسطينية، فقد طرحت منذ توليه الحكم في يوليو 1999م سلسلة متواصلة من اقتراحات حجب الثقة عن حكومته؛ مرة من العلمانيين (شينوي) احتجاجًا على خضوعه للمتدينين، ومرة من العرب (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، والقائمة العربية الموحدة) احتجاجًا على تمييزه العنصري اليهودي ضدهم، وعلى تعنته في عملية التسوية ضد إخوانهم من الفلسطينيين والسوريين، ومرة من اليمين (إسرائيل بيتينو والليكود) بسبب سلوكه في عملية التسوية الذي اعتبروه تنازلاً... إلخ. وأيد حزب شاس هذه الاقتراحات رغم كونه شريكًا في الائتلاف الحكومي، احتجاجًا على ضعف أداء باراك في المجالات الاجتماعية... وجاءت الرسالة الأخيرة من الكنيست كحلقة في هذا المسلسل المتواصل، وعلى الوتيرة نفسها التي عاناها سلفه بنيامين نتانياهو وانتهت بالإطاحة به قبل اكتمال مدة حكمه القانونية.

من ناحية أخرى، تجدر الإشارة إلى أن ترشيحات أخرى لباراك باءت بالفشل، حتى على مستوى حزبه (حزب العمل)، عندما رشح شالوم سيمحون لمنصب رئيس الكنيست وفاز أبراهام بورج بالمنصب، وعندما ألقى بثقله وراء آفي حزقيل لمنصب رئيس لجنة الكنيست، وفاز بالمنصب صالح طريف. وهو ما يعكس نوعًا من التحدي والصراع بين رئيس الحزب ورئيس الحكومة إيهود باراك، والمحيطين به في حزبه وفي الكنيست وحتى في الحكومة التي استقال معظم أقطابها. وفي كل الأحوال يُتَّهم باراك بالكبر وعدم الاعتداد بالآخرين؛ لكونه منتخبًا من قبل الشعب مباشرة. وهي التهمة التي وُجِّهَت أيضًا إلى كل من رابين ونتانياهو في التعامل مع المحيطين بهما من حزبيهما. (مع الأخذ في الاعتبار أن رابين لم يكن منتخبًا بطريقة مباشرة وإن كان قانون الانتخاب المباشر لرئيس الوزراء سن في عهده).

الرئيس ومهمة توحيد الشعب

وأخيرًا، لا يمكن إغفال تصريحات كل من قصاب وبيريز ووايزمان وغيرهم من الساسة الإسرائيليين على خلفية انتخابات رئاسة الدولة وغيرها من المناسبات المتنوعة التي أكدوا فيها أن المهمة الأساسية لرئيس الدولة، وللسياسة الإسرائيلية، هي العمل على توحيد الشعب الإسرائيلي وتجاوز الانقسامات، باعتبار أن هذه القضية هي الأولوية المحورية في السياسة الإسرائيلية اليوم، وبالتحديد منذ اغتيال رئيس الوزراء الأسبق إسحاق رابين وتفجر الصراع الداخلي بين مختلف أقسام المجتمع الإسرائيلي: من العرب واليهود، والعلمانيين والمتدينين، واليمينيين واليساريين، واليهود الشرقيين واليهود الغربيين، وتشظي الساحة الحزبية بناء على هذه الانشطارات المتعددة والمتداخلة، إلى حد بات يَشِلُّ فاعليات الكيان الإسرائيلي على المستويين الداخلي والخارجي، ويهدد وجوده أكثر من أية تهديدات أخرى خارجية. ولعل منصب رئيس الدولة في ذاته هو مؤشر إلى حاجة الإسرائيليين المُلِحَّة إلى وجود رمز يسمو فوق الانقسامات الهيكلية التي يعانيها المجتمع والحياة الحزبية، ويشعر الإسرائيليين - ولو وهميًّا - بالتوحد.

 

اقرأ أيضًا:

خريطة الانقسامات الداخلية الإسرائيلية

بيريز: ضرورة اغتنام فرصة العولمة

بيريز السياسي المنحوس

قضايا سياسية

 

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع