بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

الفاتيكان والصراع العربي- الصهيوني

نافذ أبو حسنة


 لعب الفاتيكان وبابا روما أدوارًا أساسية إزاء الأحداث الكبرى في القرن العشرين، بل ساهما في صناعة بعض منها، ويستعرض الكاتب في هذا البحث- الذي نشر بالتعاون مع مركز الدراسات الفلسطينية بغزة- العناصر التالية:

تمهيد

السلطة المطلقة وحركات الاعتراض

النشاط السياسي المنتظم للفاتيكان

السعي المتجدد إلى السلطة الزمنية

الفاتيكان والصراع العربي- الصهيوني

 


تمهيد

ذات يوم.. تساءل الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين ساخرًا: كم فرقة يملك هذا البابا؟ وعندما انهارت دول أوروبا الشرقية الشيوعية.. قيل: إن بابا روما لعب الدور الأساسي في هذا الانهيار الذي بدأ في بلده الأصلي بولندا.

جاء كلام ستالين محمولاً على السخرية، ويمكن الافتراض أن اتِّهام البابا في التسبُّب بانهيار الدول الشرقية الشيوعية ينطوي على قدر من المبالغة. وبين هذين الحدين (السخرية والمبالغة).. فإن الفاتيكان وبابا روما لعبا أدوارًا سياسية إزاء الأحداث الكبرى في القرن العشرين، لا بل ساهما في صناعة بعض منها. وهما كانا بذلك يتابعان إرثًا طويلاً من النشاط السياسي للكرسي الرسولي، ذلك أنه قد حسمت ومنذ وقت طويل الإجابة على السؤال حول ما إذا كان الفاتيكان يلعب دورًا سياسيًا أم لا؟ وأصبح السؤال المتداول متركزًا حول المدى الذي يبلغه هذا الدور وآليته وحجم قدرته على التأثير. وبدا مع الوقت أن ذلك الافتراض "الدراسي" باعتبار الثورة الفرنسية حدًا فاصلاً بين ممارسة الكنيسة سلطة زمنية إلى جانب سلطتها الروحية، واقتصار سلطتها على الجانب الروحي هو "نظري" تمامًا، ولا يأخذ كثيرًا من الوقائع اللاحقة بعين الاعتبار؛ إذ ثبت أن الفاتيكان يملك قوة تأثير كبيرة، وأن الاستخدام السياسي لهذه القوة كان ولا يزال حقيقة قائمة، تشهد تطورًا مستمرًا وتعتمد أشكالاً معقَّدة في الأداء.

ثمة أكثر من مجال لتتبُّع هذه الحقيقة، وإذا كان التركيز قد جرى منذ أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات على دور البابا في أوروبا الشرقية فإن قضايا الصراع العربي- الصهيوني تشكِّل ميدانًا رحبًا لتتبُّع هذا الدور، وعلى الدرجة نفسها من الأهمية.. الموقف من لاهوت التحرير، وطبيعة التحرُّك باتجاه إفريقيا.

تسعى هذه الدراسة إلى مقاربة دور الفاتيكان في قضايا الصراع العربي- الصهيوني، مسبوقًا باستعراض تاريخي مكثَّف لتطوُّر أداء الكنيسة والباباوات السياسي.


السلطة المطلقة وحركات الاعتراض

يرى "روبرت بالمر" في ملاحظة وافرة الدقة أن الكنيسة طالما أكَّدت بصفتها سلطة روحية أن ميدانها -العناية بالنفوس- لا يقع في حال من الأحوال تحت سلطة الحكم. بيد أن الدين المسيحي ارتبط ارتباطًا وثيقًا منذ القرون الأخيرة من حياة الإمبراطورية الرومانية بالسلطة الزمنية. فقد بدأت العصور الوسطى بسقوط روما عام 476م تحت ضغط هجمات القبائل البربرية الجرمانية، والتي استقرَّت في أنحاء مختلفة من أوروبا، ليؤدي اندماجها بالسكان الأصليين، واعتناقها المسيحية إلى تشكّل نواة الدول الأوروبية الحديثة. حيث تولَّى الباباوات تتويج بعض الأباطرة، واندلع صراع على السلطة بين الطرفين، انتصرت فيه الباباوية وسيطرتها المطلقة لتصبح مصدرًا وموئلاً في آن معًا لكل سلطة، وحكم الملوك والأباطرة مستمدين سلطتهم، أو "حقهم الإلهي في الحكم" من سلطة الكنيسة وقوّتها.

لقد شهدت تلك الفترة تدهورًا في الحياة الفكرية، بينما كانت كلمة البابا مسموعة إلى حدّ يجعلها موضع التنفيذ فور إطلاقها، على شاكلة ما حدث في نداء "البابا أوربان الثاني" الذي أطلق الحروب الصليبية لقرنين من الزمن.

تأثَّرت مجمل نواحي الحياة الأوروبية بالسلطة المطلقة وغير المحدودة للكنيسة، بحيث إن التطورات الأوروبية اللاحقة تبدو وثيقة الارتباط بمدى قوة وضعف الكنيسة في إطار عملية صراعية مع القوى المناهضة لسيطرتها؛ إذ أن الكنيسة الكاثوليكية "قادت في البدايات المبكرة جدًا الحملات الضارية ضد عالم الحرفة الحرة، والتجارة العالمية النشطة، فكانت الحروب الصليبية، وكان التحالف مع التتار وتحريضهم على غزو المنطقة العربية، ليشكل ذلك دون أن تقصده الكنيسة العوامل الفعّالة الأولى التي مهَّدت لظهور الرأسمالية. وفيما بعد كان الرهبان الكاثوليك في مقدمة الحملات الأوروبية التي توجَّهت لفتح طريق الهند، وإزالة المعوقات أمام روّاد الرأسمالية، وكذلك الأمر بالنسبة لاجتياح أمريكا".

ويمكن الافتراض بأن تحرُّك الرهبان لم يكن متجهًا رأسًا نحو هدف سياسي مباشر، بيد أن الكنيسة التي أسّست على هذا النحو للنظام الرأسمالي الاحتكاري أصبحت في موقع الدكتاتورية شبه المطلقة، بما يعوق صعود قوى النظام الجديد، فقد شكّلت الكنيسة في بدايات عصر النهضة محاكم التفتيش الرهيبة، وراحت تبيد الناس بعشرات الآلاف ذبحًا وحرقًا بسبب مخالفتهم لعقيدتها.

وفرضت وصايتها على الفكر عمومًا مدافعة عن سلطانها الزمني والروحي، لتتحوّل بذلك إلى معوق عنيد وعقبة كأداء أمام صعود النظام الرأسمالي الذي كان له الدور الرئيسي في التأسيس له". وهي ستواجه بعد ذلك حركة اعتراض قوية تمثّلت في ثورات فكرية تدعو إلى سلطة المعرفة، وإلى محاربة الغيبيات، وإلى نشر الإلحاد كطريق للخلاص النهائي من سلطة الكنيسة، على أن التحدي الأبرز الذي واجهته تلك السلطة كمن في "حركة الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر ثم في الثورة الفرنسية".

معروف أن النظام الرأسمالي لم يستقرّ إلا بصعود البرجوازية التي حدّت من سلطة الكنيسة، لكن هذا الأمر عبر مخاضًا عسيرًا؛ إذ حتى عشية الثورة الفرنسية.. كانت سلطة الكنيسة قوية جدًا، وأصبحت متعددة، ذلك أن الإصلاح البروتستانتي الذي أضعف سلطة البابا والكنيسة الكاثوليكية إنما جبر هذا الإضعاف لصالح الكنائس المنشقة الجديدة في أجزاء من أوروبا، فيما بقيت سلطة الكنيسة الكاثوليكية على حالها في الأجزاء الأخرى، فالكنيسة كانت تمنح "بركتها للدولة وتدعو المؤمنين إلى طاعة السلطة الشرعية، وتفرض رقابتها على الأخلاق، وتسعى في أفضل الأحوال إلى إضفاء الطابع المسيحي على ممارسة السلطة، وفي أسوأها إلى حماية مصالحها الزمنية الخاصة". وكانت تضفي على الملوك الذين يكرِّسهم الباباوات صفات من مثل الملك المسيحي جدًا (في فرنسا)، والملك الكاثوليكي (في إسبانيا). وحامي الإيمان (في إنكلترا).

ومن موقع سلطتهم تلك.. لعب الباباوات دورًا أساسيًا في تحريك التوجُّهات الاستعمارية الأوروبيه، مضفين عليها طابع الحروب الدينية المقدسة (حملات الأسطول البرتغالي مثلاً)، تمامًا كما كان عليه الحال في وصف الحروب الصليبية، في حين أن أهداف تلك الحملات الاستعمارية كانت بعيدة كل البعد عن مسألة الدين ونشر المسيحية.

لكن الوقت لم يطل حتى تضفي الكنائس على الصراع الديني والحروب في داخل أوروبا الصفة المقدسة ذاتها، فقد انعكس الخلاف بين الكنائس صراعًا مريرًا، فاضطهد الكثالكة، حيث كانت السلطة للبروتستانت، واضطهد الأخيرون من قبل الكاثوليك وحتى عام 1750 الذي شهد انخفاضًا في حدة العداءات الدينية.. كان اضطهاد أتباع المذاهب الأخرى والحروب تحمل صفة الحروب الدينية، وتوسم بالقداسة.

وفي ظل هذه الصراعات.. بقيت الكنيسة الكاثوليكية هي الأقوى؛ إذ كانت "تقوم على أساس تنظيم هرمي قوي يتربع على قمته الحبر الأعظم، وإن كانت عصمة البابا عن الخطأ لم تقرّ بعدُ كعقيدة من عقائد المذهب الكاثوليكي، فإن المكانة التي كان يتمتَّع بها الحبر الأعظم كانت تجعل منه مرجعًا للأساقفة في نزاعاتهم مع حكومات بلادهم، وكان الأساقفة كافة يُعدّون في كل مكان من الشخصيات العامة المرموقة، وكان أسقف روما بصفته بابا عاهلاً دنيويًا يحكم إيطاليا الوسطى والولايات الباباوية، وكان يملك أيضًا أفينيون في جنوب فرنسا، وكان الإكليروس ككل يملك ثروات طائلة، وكانت أملاك الكنيسة معفاة من الضرائب بصورة عامة، وكان للكنيسة قانونها الكنسي ومحاكمها الكنسية، بغية تأمين حماية أملاكها، وفرض رقابتها على رجال الدين وتوجيه المؤمنين".

ومن المأمون القول: إن هذا الحجم من السلطة الزمنية للكنيسة قد أثار أنماطًا متعددة من الاعتراضات، فكثر المتمردون على الكنيسة، ووجهوا بقسوة خلفت احتقانات لتمردات جديدة كان يعني كل منها خسارة الكنيسة لجزء من سلطاتها المطلقة، حتى تحوَّل دور الكنيسة في المجتمع إلى مشكلة شائكة في كل أرجاء أوروبا.

وإذا كان يمكن إعادة جزء كبير من ذلك إلى الحروب الدينية بين المذاهب الكاثوليكية واللوثرية والكالفانية والإنجليكانية والبروتستانتية.. فإنه لا شيء يدفع إلى مناهضة حقيقة أن حجم تدخّلات الكنيسة، واستمداد الحكام سلطتهم من سلطتها كان عاملاً باعثًا على مزيد من التفجّرات التي سوف تأخذ في فرنسا شكل "الثورة" التي طرحت المبادئ المعروفة عن الحرية والمساواة، وواقع الحال أن ترددات الحدث الفرنسي قد طالت كل أوروبا، وحتى العالم الجديد، فانفجرت الثورة الأمريكية، وبالإجمال.. يمكن اعتبار هذا الحدث وتردّداته نقطة انعطاف أساسية بالنسبة لسلطة الكنيسة المطلقة، وهناك ما يشبه الإجماع على أن الثورة الفرنسية بمبادئها العلمانية قد أضعفت بنسبة غير قليلة سلطة الكنيسة الزمنية.

غير أنه من المثير حقًا أن نشهد أشكالاً لاستعادة سلطه الكنيسة في الأطوار اللاحقة للثورة الفرنسية، حتى ليبدو وكأن السلطات الحاكمة ترى حاجة لها في إسناد الكنيسة ودعمها، ففي عهد نابليون الأول.. وضع كتاب من نوع كتب "علم الحال المسيحي" التي تعرف باسم الـ "كاتشيزم" في الاستعمال للكنائس الكاثوليكية في جميع أنحاء الإمبراطورية الفرنسية، وهو مرتَّب على طريقة السؤال والجواب، كما هو معتاد ومتعارف عليه في أمثال هذه الكتب الدينية.

إن السؤال الأساسي الذي يطرحه الكتاب: "ما هي واجبات المسيحيين نحو الأمراء الذين يحكمونهم؟ وما هي على وجه أخص واجباتنا نحن نحو إمبراطورنا نابليون الأول؟.. يلي ذلك جواب طويل يذكر هذه الواجبات بالتفصيل، ثم يأتي سؤال آخر يعقبه جواب حاسم: لماذا فرضت علينا كل هذه الواجبات؟ "لأن الله الذي يخلق الممالك ويوزعها كما يشاء أغدق على إمبراطورنا خصالاً ومزايا كثيرة، ونصَّبه سلطانًا علينا، وجعله وكيلاً لقدرته، وصورة له على الأرض، ولهذا السبب.. كان تقديم الاحترام والخدمة إلى إمبراطورنا بمثابة تقديم الخدمة والاحترام إلى الله نفسه".

لا شك في أن هذا النص الذي يذكّر بفكرة "التفويض الإلهي في الحكم" يبدو مستهجنًا بعد عواصف الثورة الفرنسية، والتغيرات التي رافقتها أو تبعتها، غير أنه يجب النظر إليه بمثابة بحث من السلطات عن مسوِّغات داعمة للحكم أكثر منه رغبة في استعادة سلطة مطلقة للكنيسة، والأمر هنا مرتبط باستثمار القدرة على التأثير، مع هبوب رياح "عصر القوميات"، وهي التسمية التي أطلقت على القرن التاسع عشر، وما شهده من تحوّلات كبيرة في الخارطة الأوروبية، ونشوء دولها على أساس قومي، وعلى فكرة أن "كل أمة من الأمم تكوِّن جماعة عضوية اجتماعية طبيعية ذات كيان معنوي خاص، فيحق لها أن تستقل في إدارة شئونها، دون أن تخضع لمشيئة أمة أخرى، وأن تؤسس دولة خاصة بها مستقلة ومنفصلة عن غيرها".

تزامن نشوء الدول القومية مع هبوط جذري متواصل لسلطة الكنيسة، قابله صعود البرجوازية الأوروبية إلى مواقع القيادة، وهو صعود غالبًا ما وصف بأنه نصر على الكنيسة والإقطاع، بمعنى النصر على السلطة الزمنية للكنيسة، وعلى نمط علاقة إنتاجية نشأ في ظلها وحمايتها، وتبادلت معه مكوِّنات القوة، كما تزامن صعود البرجوازية مع حركات فكرية مناهضة للكنيسة، بل وحركات تهاجمها، وتتجاوز العلمنة إلى الإلحاد، ولكن في كل الأحوال.. فإن المستهدف أساسًا لم يكن الجانب الروحي إلا بقدر ما كان هذا الجانب يشكل غطاءً لفرض سلطة مطلقة تتجاوز الديني إلى الدنيوي.

ويجب أن نشير بوضوح إلى أن انحسار السلطة الزمنية للكنيسة لم يعن غياب تأثيرها، فقد ظلت عاملاً حاضرًا وإحدى مكوِّنات رسم السياسات التي تضعها السلطة في حسابها، وإلى أمد قريب.. كانت الكنيسة مستمرة في إضفاء طابع "التقديس" على الحروب.

لقد عالج الكاتب التشيكي الساخر "ياروسلاف هاشيك" هذه المسألة بطريقته في روايته المشهورة "الجندي الطيب شفيك"، فالرواية تدور حول الجندي شفيك في الحرب العالمية الأولى، وعلى الجبهتين المتحاربتين.. كانت الكنيسة حاضرة تحضّ الجنود على التضحية من أجل الدين والملك، وكان الملك هنا أو هناك إما كاثوليكيًا أو أرثوذكسيًا أو بروتستانتيًا.. سوف يشهد استثمار القدرة على التأثير أنماطًا متعددة، بالتزامن مع ترتيب الكنيسة، وخاصة الفاتيكان لآليات عملها وفقًا للدور الجديد.


النشاط السياسي المنظَّم للفاتيكان

أدركت الكنيسة التي لعبت الدور الذي أنيط بها في الحرب العالمية الأولى أنها يمكن أن تكون طرفًا في رسم السياسات، أو شريكًا في تنفيذها فقط، بقدر ما تريد السلطات السياسية.. وليس العكس، ورأت انطلاقًا من هنا ضرورة تنظيم دورها بما يلائم المرحلة الجديدة، والتي بدأت تظهر فيها عوامل استقطاب مختلفة عن السابق.

لقد كان من النتائج المباشرة لتشكُّل الدول القومية أن خسر البابا بصفته عاهلاً دنيويًا يحكم الولايات الوسطى الإيطالية سلطتة، وفقد آلاف الكيلومترات من الأراضي التي كانت تخضع لسلطته مع دخول قوات جاريبالدي إلى روما، وصار على الباباوات الآن تلمُّس حدود دورهم الجديد الذي لم يتبلور إلا بعد مرور خمسين عامًا. فقد أصبحت العلمانية هي سمة الدولة في أوروبا، وفي مجمل العالم المسيحي، وظهرت إمبراطورية ملحدة في روسيا وجوارها القريب، فيما كان الوضع الأوروبي بعد الحرب لا يتَّسم بالاستقرار، ونذر الحرب القادمة تلوح في الأفق. كما سوف تواجه الكنيسة واقع شعوب مضطهدة تحت سيطرة الاستعمار الأوروبي، أو سلطاتها الظالمة، في حين تدين هذه الشعوب بالمسيحية، وكان على الكنيسة هنا أن تبذل جهودًا للتأثير في السياسات وتحديد مواقف منها.

في 11 فبراير1929.. تم التوقيع في روما على معاهدة تا ريخية بين موسوليني (الزعيم الإيطالي) وأمين سر الدولة من قبل البابا بيوس الحادي عشر، ويقضي هذا الاتفاق بتنظيم العلاقة بين روما والفاتيكان، وإنشاء دولة الفاتيكان ذات المساحة البالغة 44 هكتارًا، والتي تخضع فقط للسلطة البابوية، وقد أتاح هذا الاتفاق فرصة انطلاقة جديدة أمام الفاتيكان، وبرز في مقدمة اهتماماته حماية مصالح الكاثوليك وحرياتهم وإعادة التأكيد على مبادئ الإنجيل على الصعيد الكوني أيضًا. وفي ظل الاضطراب الناشئ عن نتائج الحرب العالمية الأولى.. سعى الفاتيكان إلى عقد اتفاقات ومعاهدات مع الدول الأوروبية للحفاظ على أوضاع الكاثوليك، وتأمين إشرافه الرعوي عليها، ونجح البابا بيوس الحادي عشر في توقيع اتفاقات مع تشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا ورومانيا والبرتغال ودول البلطيق، كما سعى إلى ترميم أوضاع الكنيسة الكاثوليكية، واستعادة دورها في حدود ما تسمح به المعطيات القائمة في الساحة الدولية آنذاك، لكن ما سهَّل مهمة البابا في حينه هو حصول نوع من التلاقي بين عدد من الدول الغربية والبابا في النظرة إلى الخطر الذي تشكِّله الإيديولوجيا الصاعدة في روسيا ودول الاتحاد السوفيتي، فوجَّه البابا رسالة إلى جميع الكنائس الكاثوليكية والكنائس الأخرى في أوروبا عام 1931، حدَّد فيها موقفه الشاجب والمناهض للشيوعية، كما أن رسالته لم تخلُ من انتقادات ملطفة للنظام الرأسمالي.

سوف يتابع الفاتيكان هذا المنهج ليواجه ارتباكًا واضحًا إزاء ظاهرة النازية الخطرة. تميل بعض المصادر إلى الحديث عن دور تصاعدي للفاتيكان من هذه الظاهرة، بزيادة انتقاده لها كلَّما اتضح خطرها، فهو اعتقد بداية بإمكانية التوصُّل إلى اتفاق معها، ولأجل ذلك.. عقد الفاتيكان معاهدة مع فون باين في يوليو 1933"، الأمر الذي سوف تستغلّه الصهيونية لاحقًا، وتقوم بحملة ابتزاز ضخمة للفاتيكان بدعوى تأييده للنازية، ولكن بعيدًا عن الحملات الصهيونية وأغراضها.. يمكن الافتراض أن الدبلوماسية الفاتيكانية تحرَّكت من منطلق "براجماتي" تجاه النازية، فهي كانت تريد تحقيق حضور للكنيسة وحماية مصالح الكاثوليك، وربما أعجبها عداء النازية للشيوعية، بينما النازية ليست حركة "إلحادية"، بيد أن البابا وجد نفسه مضطرًا إلى شجب النازية في مارس 1937م في مذكرة كنسية علنية، دون أن يكون هذا الشجب العلامة الفارقة في موقف الفاتيكان من النازية، لا سيما وأنه عاد ليكون في موقف مرتبك إزاءها، وإزاء التطوُّرات التي خلَّفتها نذر الحرب العالمية الثانية واندلاعها فيما بعد؛ إذ كان المونسينور"باتشيلي"-أمين سر البابا بيوس الحادي عشر وفي نفس الوقت القاصد الرسولي في برلين-، وقد أطلق البابا نداء للسلام عام 1938، لكن صرخته كانت كصرخة في وادٍ، وكرَّر باتشيلي النداء عام 1939، وفي حينه.. وجد نفسه في موقف حرج؛ إذ أعلن الفاتيكان حياده، وأكَّد أنه يسعى قبل أي شيء إلى الحد من اتساع الحرب والتدمير"، ومع اشتداد الفظائع النازية.. شجبها الفاتيكان، ولكنه ظل على حياده مذكرًا "بمبادئ السلام بين الأمم".

لا يزال موقف باتشيلي الذي أصبح البابا بيوس الثاني عشر محاطًا بالتباسات، وزادت الحملات الصهيونية من حدة الالتباس، وجعلت من العثور على الحقيقة أمرًا صعبًا، فعند نهاية الحرب العالمية الثانية.. سوف يتعرَّض البابا بيوس الثاني عشر لاتهامات بأنه وقف إلى جانب ألمانيا النازية، التي سيطرت في فترة من فترات الحرب على معظم أوروبا، وفي عام 1945.. قطعت الولايات المتحدة الأمريكية (البروتستانتية) والاتحاد السوفيتي (الشيوعي) علاقاتهما الدبلوماسية مع الفاتيكان، وكان هذان هما القطبين المسيطرين بعد الحرب الثانية، فيما كانت أوروبا محطَّمة، وللمفارقة.. فإنها في هذا الحال تشكِّل القلعة الوحيدة المتبقية من أوروبا المسيحية، وكان على البابا المتهم والمجرح أن يبدأ تحرّكه منها، فساند "فكرة إنشاء الاتحاد الأوروبي بغية مساعدة الدول الأوروبية في استعادة قوتها، وكان يكرِّر ضرورة إنشاء هذا الاتحاد على مسامع كل رئيس دولة أوروبية غربية يزور الفاتيكان، كما اتجه إلى إقامة علاقات مع المنظمات الدولية، فأرسل ممثلاً عنه إلى مؤتمر لاهاي 1948، وأيَّد إنشاء منظمة الأمم المتحدة".

في عام 1958.. توفي البابا بيوس الثاني عشر، وكان يفترض أن تشهد الدبلوماسية الفاتيكانية انطلاقة جديدة بغياب البابا المتَّهم بمساعدة النازية، ولكن المنظمات الصهيونية وجماعات الصهيونية المسيحية في أمريكا والكنيسة البروتستانية الأمريكية شدَّدت من حملتها على البابا المتوفى مذكِّرة بما وصفته بتأييده للنازية، وكان لهذا التشديد أكثر من غرض؛ فغياب البابا المتهم سوف يبطل مبرر الحملة على الفاتيكان، والبابا المنتخب باسم يوحنا الثالث والعشرين يبلغ من العمر سبعة وسبعين عامًا؛ أي أنه سيقضي في الفاتيكان فترة انتقالية، يتم خلالها التمهيد لانتخاب بابا جديد، يجب أن يضع في حسابه دفع الثمن لوقف هذه الحملات التي تجاوزت بيوس الثاني عشر إلى الفاتيكان وكل من يتربَّع على سدته.

وفيما يمكن اعتباره من المفارقات.. فإن يوحنا الثالث والعشرين، والذي عرف باسم "البابا الطيب" نجح في إحداث تحوّل عميق في أوضاع الكنيسة، فقد ركَّز على العمل من أجل السلام في رسالته البابوية عام 1958، واستقبل رأس الكنيسة الإنجليكانية بعد انقطاع بين الكنيستين دام 600 عام، وضاعف لقاءاته مع رؤساء الدول، ودعاهم إلى القضاء على كل مظاهر الظلم والإكراه في بلادهم، أما إنجازه الأهم فكان عقد المجمع الفاتيكاني الثاني عام 1962، والذي حدَّد هدفه بكيفية التوافق بين الكنيسة والأوضاع الراهنة في العالم. كما افتتح بوابة دول أوروبا الشرقية، دون أن يستطيع قطف ثمار توجهه؛ إذ مات في يونيو 1963، بعد خمس سنوات على انتخابه.

تابع البابا بولس السادس نشاط سلفه، وفي عهده ظهرت نتائج المجمع الفاتيكاني الثاني عام 1965، حيث وضع "البابا المبادئ الأساسية لتجديد الكنيسة وتحديثها بُغية تسهيل عملية توحيد المسيحيين، وهكذا تقرَّر أن تزيد الكنيسة من انفتاحها على العالم المعاصر، وهذا ما اعتبر في حينه بمثابة عودة الكرسي الرسولي للعب دوره على الساحة العالمية".

كان عهد بولس السادس حافلاً بالنشاط، وساعد في ذلك استعادة أوروبا لعافيتها، ولكن الكنيسة البروتستانتية الأمريكية لم تكن تنظر بعين الرضا لاستعادة الفاتيكان دوره، وفي الجهة المقابلة.. فإن تأييد الفاتيكان للغرب في الحرب الباردة، واستمرار موقفه المناهض للشيوعية: لم يكن ليشعر الاتحاد السوفيتي بالارتياح؛ إذ بدا الفاتيكان وكأنه جزء من المعسكر الغربي المناهض للاتحاد السوفيتي ودول الكتلة الشرقية الدائرة في فلكه.

كما كان على الفاتيكان أن يحدِّد موقفه من حركات التحرُّر التي عمَّت مختلف أرجاء العالم، وشارك فيها رهبان كاثوليك في أمريكا اللاتينية، فيما عرف بـ"لاهوت التحرير".

ففي عام 1968.. عقد عدد من رجال الدين واللاهوتيين ندوة في مدينة البندقية، جرى فيها نقاش حرّ تحت شعار "الظلم الاجتماعي والثورة"، وعولجت في هذه الندوة موضوعات عدة، بما في ذلك اللجوء إلى العنف من قبل رجال الدين المسيحيين، وجاء في واحدة من الخلاصات التي توصل إليها المنتدون:

"نحن المسيحيين -كأعضاء في الأمة- علينا أن نقرّ بدورنا وواجبنا في تحمل مسؤولياتنا؛ إذ أننا بصمتنا وانعزالنا نكون مساهمين في الخطيئة، وعلى الكنيسة أن تكون في خدمة أولئك المناضلين في سبيل مجتمع أفضل، وعلى صوت الكنيسة أن يرتفع عاليًا داويًا يشارك الأصوات المرتفعة دفاعًا عن الإنسان المسحوق، وعليها أن تدعو كافة المسيحيين للمشاركة في ذلك".

أوجد هذا التحرك مشكلة شائكة أمام البابوية، ولم يُفلح في لجمه الحديث عن أن رجال الدين لا ينبغي لهم المشاركة في العمل السياسي، أو اللجوء إلى العنف في مواجهة السلطات الحاكمة، فالرهبان الكاثوليك في أمريكا اللاتينية أخذوا يحضّون على "أن يتحمل كل مسيحي مسؤولية؛ خاصة أولئك الذين هم -بحسب موقعهم وثقافتهم (أي رجال الدين)- يتمتعون بإمكانيات عمل واسعة".

وكان حرج الفاتيكان نابعًا من كون هذه الثورات المنخرط فيها لاهوت التحرير تنهض في مواجهة أنظمة مدعومة من الغرب والولايات المتحدة، وينشط فيها الشيوعيون، مما يمكن اعتباره ازدواجية في الموقف بين مناهضة الشيوعية في أوروبا، وتشجيع الثوار الشيوعيين في أمريكا اللاتينية.

وقد سعى بولس السادس إلى استيعاب هذا التحرُّك مع الإعلان المتكرر عن مناهضته له. ويمكن اعتبار جهد الباباوات في مناهضة لاهوت التحرير مؤشِّرًا إلى كيفية إدارة الفاتيكان للدبلوماسية، فالكرسي الرسولي سوف يجد الكثير مما يحدث به، فيدعو إلى السلام والمحبة، وهي دعوة صادقة لكنها لا تضيء كل الجانب السياسي من وراء إطلاقها، وهذا دون الاتجاه مع من يحيلون الأمر إلى تحالف الفاتيكان والمعسكر الغربي في مواجهة قوى الثورة الصاعدة في أمريكا اللاتينية حينذاك.

طبع الموقف من لاهوت التحرير عهد بولس السادس بطابعه، لكنه عهد تميَّز برحلات البابا إلى القدس، وخطابه أمام الأمم المتحدة عام 1965م، ومضاعفته التأييد للمنظمات الدولية، وزياراته إلى الهند وإفريقيا وكولومبيا واستقباله عددًا كبيرًا من رؤساء الدول بينهم الرئيس السوفيتي بودجورني، وتحسُّن علاقات الفاتيكان مع العديد من الدول، ومتابعة التحرُّك باتجاه دول أوروبا الشرقية.


السعي المتجدد إلى السلطة الزمنية

عقب وفاة البابا بولس السادس.. انتخب خلفًا له يوحنا بولس الأول، ولكن ولايته لم تدُم سوى ثلاثة وثلاثين يومًا، وأعقب ذلك انتخاب الكاردينال "كارول فويتييلا" -رئيس أساقفة وارسو- باسم البابا يوحنا بولس الثاني ليبدأ معه العهد الأكثر سياسة في تاريخ الفاتيكان منذ انهيار السلطة الزمنية لباباوات روما.

أحيطت وفاة يوحنا بولس الأول وانتخاب يوحنا بولس الثاني بملابسات كثيرة؛ الأرجح أن تصاعدها جاء مرتبطًا بالدور السياسي النشط الذي لعبه الأخير، فقد جرى الحديث عن وفاة غامضة ليوحنا بولس الأول، ومع الحديث عن دور ليوحنا بولس الثاني في انهيار المعسكر الاشتراكي.. أثار البعض تساؤلات عن البابا الأول غير الايطالي، وعن سبب اختياره من بولندا، وذهب البعض إلى حدّ الافتراض بأن هناك ترتيبًا أمريكيًا أوروبيًا غربيًا في اختيار يوحنا بولس الثاني، وعزَّز من إطلاق هذه الافتراضات وثيقة نشرتها المجلة الكاثوليكية "ترنتيا جورني" بتاريخ 21/12/1993، وتفيد بأن أجهزة الاستخبارات الإيطالية لعبت دورًا في عملية انتخاب البابا بولس السادس عام 1963، معرقلة ترشيح كاردينال أرمني، اتهمت شقيقته في العام نفسه بالتعاطف مع النظام السوفيتي عقب قيامها بزيارة ودية لموظف في السفارة السوفيتية بروما. وهناك من كتب: أنه عندما توفي بولس السادس عام 1978.. وجد الكرادلة المجتمعون في الفاتيكان صعوبة في اختيار الخلف، ثم استقرّ رأيهم على انتخاب الكاردينال "لوتشياني" ليصبح البابا الجديد باسم يوحنا بولس الأول، وخلافًا للباباوات أسلافه الذين كان معظمهم ينحدر من أصول نبيلة أو أرستقراطية أو ثرية على الأقلّ.. كان البابا الجديد ابن عائلة فلاحة- عمالية، وكان يعرف عنه التزامه الحماسي بقضايا العمال والفلاحين والفقراء عمومًا، وبقضايا الشعوب المقهورة كذلك، ولكن بابوية يوحنا بولس الأول لم تدُم إلا أسابيع قليلة، ثم توفِّي في ظروف غامضة أثارت كثيرًا من اللغط، خصوصًا وأنه لم يكن معروفًا عنه إصابته بأي مرض خطير أو حتى عادي، وبعد مناقشات طالت أكثر من المعتاد داخل أروقة الفاتيكان المغلقة.. تم انتخاب أول بابا غير إيطالي منذ قرون الكاردينال "كارول فويتيلا"، يومها كثُر الحديث عن مداخلات وضغوط خارجية عبر الكرادلة المختلفين الذين احتمى كل منهم بالقوة التي يمثِّل في بلدة أدَّت إلى انتخاب فويتيلا، وكثر الحديث عن أصول غامضة للبابا الجديد".

سوف تتجدد الأحاديث عن الملابسات مجددًا عقب اعتراف الفاتيكان "بإسرائيل"، ويذكر عفيف الرزاز أن "هناك من قال في بولونيا نفسها ويوم انتخاب الكاردينال فويتيلا رئيسًا للكنيسة الكاثوليكية: إنه لم يكن حتى كاثوليكيًا، وقالت تلك الإشاعة نفسها: إنه ربما كان يهوديًا من أصل تشيكي، ولكن الإشاعة أكَّدت أنه لجأ إلى دير داخل الحدود البولونية منذ أوائل الحرب العالمية الثانية (1939)، وهناك تنصَّر، وبدأ تعلُّم الكهنوت، ثم أصبح كاهنًا بعد نهاية الحرب بعام ونيف..، الكنيسة قالت في حينه: إن مصدر الإشاعة هو الاستخبارات البولونية التي أرادت تحطيم سمعة البابا الجديد داخل بولونيا نفسها لما عرف عنه من عداء شديد للشيوعية، وإن الاستخبارات البولونية استغلَّت في نشر هذه الإشاعة الكراهيةَ العميقةَ التي يكنُّها البولونيون لليهود، ولقرون سبقت ظهور النازية.

من المتصوَّر أن كل ذلك قد جاء وثيق الارتباط بالنشاط السياسي للبابا الأكثر سفرًا في التاريخ، والأكثر إثارة للجدال، والأكثر مساهمة من موقع الشاهد والمشارك في تحوُّلات جذرية كبيرة، وهو البابا الذي تعرَّض لمحاولة اغتيال عام 1981، كشفت عن تشابكات خطيرة في أجهزة الاستخبارات الأوروبية على اختلافها.

إن ما يمكن أن نستخلصه من العرض السابق إجمالاً: أن الممارسة السياسية هي جزء أساسي من عمل الفاتيكان، وتملك هذه الدولة الصغيرة وبالغة التأثير مدرسة لإعداد الدبلوماسيين من الكهنة الذين يتعلَّمون كيفية فهم الدبلوماسية الكنسية، فطريقة التفكير والتصرُّف في هذه الدبلوماسية تختلف عما هي عليه في الدبلوماسية المدنية؛ لأن الدبلوماسيين هم كهنة قبل كل شيء، ويجب أن يدرك الدبلوماسي الرسولي أنه كاهن قبل أن يكون دبلوماسيًا، وهذا ما يتمّ التشديد عليه في المعهد الذي يمضي فيه الطالب أربع سنوات ليحصل على إجازة في القانون الكنسي، ثم يمضي بعدها سنتين في المعهد ذاته في دراسة الدبلوماسية على أنواعها: الدبلوماسية الكنسية، والنمط الدبلوماسي، وتاريخ الدبلوماسية، والقانون الدولي وغير ذلك.

هؤلاء الطلاب يتمّ اختيارهم من قبل الكرسي الرسولي بالذات، ويتم تلقينهم ضرورة المحافظة على سرية المحادثات مع المسؤولين، وعدم التعرّض للأمور والأحداث بطريقة سلبية، وهذه ميزة من مميزات الدبلوماسية الرسولية.

إن الإقرار بواقعة كون النشاط السياسي والدبلوماسي جزءاً أساسيًا من أنشطة الفاتيكان يوازيه الإقرار بأن يوحنا بولس الثاني قد عمل على خلق طريقة جديدة في الدينامية الدينية، مع أولوية مهمة، هي: تأمين الحماية للكاثوليك في الدول الشرقية. وربما تحتمل هذه الإشارة إلى إيلاء الأهمية لحماية الكاثوليك في تلك الدول إطلاق الافتراض لصياغة بكلمات أخرى: العمل على تقويض الأنظمة الشيوعية، وهنا لا نذهب باتجاه المبالغة في جعل البابا صاحب المسؤولية الأول عن هذا الانهيار، بيد أن الموضوعية تقتضي وضع هذا الدور في مكانه الطبيعي. ودينامية البابا لم تقتصر على الوضع في أوروبا الشرقية، فهو قوَّض لاهوت التحرير، وقاد الفاتيكان نحو الاعتراف بـ"إسرائيل"، وأعاد العلاقات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة، وكان له موقف وربما حضور في كل مكان من العالم.

وربما تشكِّل النماذج التي ستعرض فرصة للإطلال على آلية عمل الدبلوماسية الفاتيكانية وتشابكاتها؛ إذ ستظهر في بعض الأحيان كسياسة براجماتية بحتة، بينما يمكن إضفاء صفة النشاط الديني الرعوي عليها في أحيان أخرى، بينما هي في العمق تخدم أهدافًا سياسية.


الفاتيكان والصراع العربي- الصهيوني

يمكن اعتبار موقف الفاتيكان من قضايا الصراع العربي- الصهيوني الأكثر تمثيلاً لتشابكات السياسة الفاتيكانية في العلاقة باليهود وبالعرب وبالإسلام، وبسياسات الدول الكبرى، وبالأراضي المقدسة (القدس أساسًا)، ولا يمكن التوفُّر على معالجة موقفه من الصراع العربي- الصهيوني، بدون الإطلال على هذه التشابكات جميعًا، وبضمنها بالطبع الأنشطة الهادفة إلى تسوية الصراع العربي- الصهيوني.

منذ بداية هذا الصراع وسياسة الفاتيكان بصدد الشرق الأوسط تسير في اتجاهين:

1 - اتجاه يهدف إلى توطيد العلاقات بين الكنيسة الكاثوليكية والعالم العربي، حتى يتسنَّى للفاتيكان حماية مصالح المسيحيين في الشرق أولاً، ثم بناء جبهة واحدة مع المسلمين ضد تيارات الكفر والإلحاد "والمقصود بها الشيوعية". 

2 - اتجاه يوازي الاتجاه الأول، ويهدف إلى إيجاد صيغة للتفاهم بين المسيحية واليهودية رغم العداء المستحكم بينهما، بسبب إيمان المسيحيين بثبوت جريمة اليهود في صلب المسيح". 

ويلاحظ "جورج عيراني" أنه "منذ قيام إسرائيل برز موقف تطوري تجاهها، تميَّز بالمزج بين الأحكام الدينية المسبقة والبراجماتية السياسية، وعقب حرب 1967.. آثر الكرسي الرسولي إجراء محادثات غير رسمية مع الحكومة الإسرائيلية، بهدف تحديد وضع المصالح الكاثوليكية في فلسطين".

تدفع ملاحظة عيراني -إضافة إلى الحديث عن اتجاهين في سياسة الفاتيكان- تجاه الصراع العربي- الصهيوني: إلى استبيان طبيعة العلاقة مع اليهود، والتي تقدِّم إضاءة هامة في فهم التطوّرات اللاحقة.

في عام 1581.. أصدر البابا جريجوري الثالث عشر حكمًا بإدانة اليهود، نصَّ على أن خطيئة الشعب الذي رفض المسيح وعذَّبه تزداد جيلاً بعد جيل، وتحكم على كل فرد من أفراده بالعبودية الدائمة، وقد التزم الباباوات الذين تعاقبوا من بعده هذا الموقف، وفي الأول من مايو عام 1897 عشية المؤتمر الصهيوني الأول.. صدر عن الفاتيكان بيان جاء فيه: "لقد مرت ألف وثمانمائة وسبع وعشرون سنة على تحقيق نبوءة المسيح بأن القدس سوف تدمر. أما فيما يتعلّق بإعادة بناء القدس بحيث تصبح مركزًا لدولة إسرائيلية يعاد تكوينها، فيتحتَّم علينا أن نضيف أن ذلك يتناقض مع نبوءات المسيح نفسه، الذي أخبرنا مسبقًا بأن القدس سوف تدوسها العامة (جنتيل) حتى نهاية زمن العامة (لوقا21/24) أي حتى نهاية الزمن ".

وعندما توجَّه هرتزل برسالة إلى الفاتيكان طالبًا دعمه.. ردَّ عليه البابا بيوس العاشر بالقول: لا أستطيع أبدًا أن أتعاطف مع هذه الحركة (الصهيونية)، فنحن لا نستطيع أن نمنع اليهود من التوجُّه إلى القدس، ولكننا لا يمكننا أبدًا أن نقرّه، إنني بصفتي قيمًا على الكنيسة لا أستطيع أن أجيبك في شكل آخر، لم يعترف اليهود بسيدنا، ولذلك لا نستطيع أن نعترف بالشعب اليهودي، وتاليًا فإذا جئتم إلى فلسطين وأقام شعبكم هناك فإننا سنكون مستعدين كنائس ورهبانًا لتعميدكم جميعًا". وأبلغ بيوس العاشر إلى هرتزل "رفضه إقامة وطن يهودي في فلسطين، لأنه يتناقض مع المعتقد الديني المسيحي".

 وفي عام 1917.. صاغ البابا بندكيت الخامس عشر شعار "لا لسيادة اليهود على الأرض المقدسة". وعارض الفاتيكان وعد بلفور منذ صدوره، واستقبل البابا البعثة العربية الفلسطينية التي زارت الفاتيكان في عام 1921، وتبنَّى رفض منح اليهود أيَّ وضع مميَّز في فلسطين، وذلك من خلال رسالة الكاردينال جاسباري (15 مايو 1922). وتميَّز موقف الفاتيكان خلال هذه الفترة بدعم المسيحيين العرب وتشجيعهم على المشاركة في النضال الوطني العربي ضد الحركة الصهيونية. وعكست الحركة الوطنية عام 1918 هذه المشاركة في أجلى معانيها، ثم تغلغلت المشاركة المسيحية الوطنية في الأحزاب السياسية العربية، وأعطت زخمًا قويًا للمؤتمرات الإسلامية المسيحية. وفي عام 1946.. أرسل الفاتيكان مبعوثًا إلى واشنطن ليبلغ الولايات المتحدة أن الكاثوليك في العالم لا يمكن إلا أن يجرحوا في كرامتهم الدينية، إذا سلمت فلسطين لليهود أو وضعت بصورة عملية تحت السيطرة اليهودية".

وقد تعرَّض الفاتيكان (مثل الدول الكاثوليكية) لضغوط قوية لتغيير هذا الموقف، وخاصة من الولايات المتحدة، فبدأ بعمليات تنازل تدريجي، ففي حين لم يعترف "بإسرائيل"، ورفض بداية قرار التقسيم فإنه عاد للموافقة عليه، وأخذ يحاول العمل على تنفيذ القرار 181، وبخاصة الجانب المتعلق بتدويل القدس، وكل ذلك بدون الإيحاء بأي تغيير في الموقف من الصهيونية بداية، فبعد الإعلان عن قيام "دولة إسرائيل" كتبت صحيفة الفاتيكان "اوبسرفاتوري رومانو": "إن الصهيونية ليست تجسيدًا لإسرائيل كما وصفتها التوراة، الصهيونية ظاهرة معاصرة قامت على أساس الدولة المعاصرة، وهي فلسفيًا وسياسيًا علمانية. إن الأراضي المقدَّسة والأماكن المقدَّسة تشكِّل جزءاً أو قطعة من العالم المسيحي".

وتمثَّل التحدي المباشر للفاتيكان بقيام "إسرائيل" بتهجير مسيحيي الأراضي المقدسة، فسعى الفاتيكان إلى تثبيتهم، وهو أسس عام 1949 البعثة البابوية لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين عبر تقديم السلع والخدمات التعليمية والثقافية والدينية والإنسانية، مستبقًا بذلك الإعلان عن تشكيل الأونروا، وقد تابع جهوده في هذا المضمار، خاصة أثناء زيارة "بولس السادس إلى القدس، والتي مهَّدت للمساعدات التي قدّمت من أجل إقامة جامعة بيت لحم. ولم يكن كل ذلك ليرضي واشنطن و"إسرائيل"، لذلك.. فإن نقطة الانعطاف الهامة في الموقف من اليهود والصهيونية، والتي انعكست على الموقف من الصراع العربي- الصهيوني إنما ترتبط بالاتهامات التي وجّهت إلى الكرسي الرسولي بتأييد النازية، على نحو ما سلفت الإشارة. كما ترتبط بنتائج المجمع المسكوني الثاني الذي انعقد بدعوة من البابا يوحنا الثالث والعشرين، وفق هدف معلن بالتدليل على التسامح الديني، وإرادة التقريب والتفاهم مع جميع الأديان والطوائف".

كانت المنظمات الصهيونية تصعد ضغوطها منذ عام 1960 لاستصدار وثيقة من الفاتيكان بتبرئة اليهود من دم المسيح، وقد صدرت بالفعل وثيقة فاتيكانية بعنوان "نوسترا ايتاتي" تعلن أن موت السيد المسيح "لا يمكن أن يعزى عشوائيًا إلى جميع الذين عاشوا في عهده أو إلى يهود اليوم". وكان البابا يوحنا الثالث والعشرون قد ألغى من الصلاة الكاثوليكية مقطعًا يتحدث عن "اليهود الملعونين" كما ألغى من النصوص الدينية جرم "قتل الرب"، على اعتبار أن الوثيقة المذكورة نصَّت أيضًا على ألا ينظر إلى اليهود كمنبوذين من الرب وملعونين كما لو جاء ذلك في الكتاب المقدس".

ينبغي الإشارة إلى أن المجمع الذي شهد إصدار هذه الوثيقة شهد صدامًا بين الكنائس الكاثوليكية العربية والكنائس الغربية، فقد عارض المسيحيون العرب الاعتراف الديني باليهودية، ومع ذلك.. فإن صدور الوثيقة بدون التحفُّظ العربي عنى انتقال الفاتيكان من الرفض المبدئي المبني على عقيدة دينية لقيام "دولة إسرائيل" إلى التعامل مع الواقع المبني على معطيات سياسية، وهكذا قام بولس السادس بزيارة القدس للحج، رافضًا إعطاء صفة سياسية لزيارته، ولكن دلائل التحوُّل في الموقف جاءت واضحة.

وسعت الجماعات اليهودية والصهيونية إلى استثمار سريع لوثيقة 1965، ولكن عدوان يونيو 1967م ووقوع القدس جميعها في القبضة اليهودية أوجد متغيرًا جديدًا أمام الفاتيكان، فركَّز منذ ذلك الوقت على تدويل القدس، وأظهر تعاطفًا مع الكفاح الفلسطيني، حيث بدأت الإشارة إلى ظهور الوطنية الفلسطينية في خطب بولس السادس، وبحلول نهاية عام 1975.. أعلن البابا أن على الفلسطينيين والإسرائيليين تبادل الاعتراف بحق كل منهما في تقرير المصير ووطن، وبدأت تظهر أيضًا تعبيرات "الشعب اليهودي" في تصريحاته، كما الإشارة إلى ما تحمَّله (الشعب اليهودي) من مآسٍ.

وفي رسالته إلى رئيس البعثة الباباوية عام 1972.. شدَّد البابا على أن شعب الأراضي المقدسة يتمتّع بالحقوق نفسها في تقرير المصير لأي سكان محليين، كما شدَّد على أن الفلسطينيين أو بعضهم مسيحيون، وهذا سبب جوهري للاهتمام بهم، وأخيرًا.. على أن الفلسطينيين شعب يحبه البابا، لأنهم كانوا وما زالوا يختبرون بشكل مأساوي، وهم يرمزون إلى نظريته حول تعزيز السلام بواسطة العدالة، كما كانت صحيفة الفاتيكان تنتقد على نحو متواتر سياسة الاستيطان الإسرائيلية".

وضع البابا بولس السادس القدس في أولوية اهتماماته، واعتبر أن وضعها هو الأساس في العلاقة بين الفاتيكان و"إسرائيل"، وحدّد في خطاب له عام 1967 ثلاث نقاط أساسية:  1 - حماية الأماكن المقدَّسة والطابع التاريخي والديني لمدينة القدس. 

2 - الطبيعة الدولية للقانون الذي يجب أن يطبَّق على الأماكن المقدسة والقدس. 

3 - ضمانات خاصة بالحقوق المدنية والدينية للطوائف في فلسطين". 

يلاحظ جورج عيراني أن البابا في هذا النص تخلَّى عن دعوته إلى تدويل القدس بالحديث عن الدعوة لنظام خاص يتمتَّع بضمانة دولية، وهي صياغة سوف تعتمد لوقت طويل لدى تناول الفاتيكان موضوع القدس، أما بشأن العلاقات مع "إسرائيل".. فقد أكَّد بولس السادس "أنه لا يستطيع المشاركة في أي اتفاق مع بلد لا يعترف به الفاتيكان ولا يستطيع الاعتراف به، طالما استمرت حالة الحرب في الشرق الأوسط قائمة".

وحسب إيضاحات جورج عيراني.. فإن فهم الفاتيكان لمسألة العلاقات ينبني على النقاط الآتية:

1 - إن الكرسي الرسولي يتجنَّب إقامة علاقات دبلوماسية مع دول تفتقر إلى حدود محددة ومعترف بها. 

2 - إحجام الكرسي الرسولي عن الاعتراف بدول ذات أوضاع متغيرة ومثيرة للجدل وهي حالة "إسرائيل" اليوم. 

3 - الخسارة الجوهرية ومنذ القرون الوسطى لسلطة البابا الزمنية، وهو ما يستدعي أن يأخذ البابا في الحسبان النظرة الشاملة، وبلا شك وجهات الكنائس المسيحية في البلدان العربية (المارونية- القبطية). 

4 - الكرسي الرسولي كما هو في علاقاته الدبلوماسية مع الدول الأخرى يطلب ضمانات تتصل بانتظام الوجود والتعليم الكاثوليكي، وهذا أمر يثير قلق اليهود المتزمتين. 

أقام الفاتيكان موقفه من العلاقات على هذه النقاط، وتركِّز الموسوعة الفلسطينية على الضغوط الهائلة التي تعرَّض لها الفاتيكان من الولايات المتحدة (إدارة وكنيسة بروتستانية وحتى كهنة كاثوليك) على مدى السنوات التي تولَّى فيها بولس السادس السدة البابوية، وهذه الضغوط لن تظهر نتائجها إلا مع تولِّي يوحنا بولس الثاني، وهو الأمر الذي أثار ويثير تساؤلات كثيرة على نحو ما جرت الإشارة إليه، فقد بدأت العلاقات مع اليهود ثم الكيان الصهيوني تتسارع منذ عام 1981، وصولاً إلى الاعتراف عام 1994، والخطوات التي تلته.

ففي 9 فبراير 1981.. صافح البابا لأول مرة حاخامًا يهوديًا (حاخام كنيس روما) ما اعتبرته الأوساط الصهيونية واليهودية حدثًا تاريخيًا، وسعت إلى جعل المصافحة عملية متتابعة يكون لها دومًا ما يليها في العلاقات بين الكنيسة الكاثوليكية واليهود، ورأت المنظمات اليهودية والصهيونية ضرورة توظيف عمليات ضغط متزايدة في هذا المضمار، فكان يجري على الدوام التذكير بموقف الفاتيكان من النازية، وأثمرت الضغوط عن صدور وثيقة أخرى عام 1985، تحدَّثت للمرة الأولى عن "إسرائيل مازجة بين اليهود كأتباع ديانة وإسرائيل ككيان، معتبرة أن اليهود تميزوا بأمرين:

1 - تمسكهم بعبادة الله (يهوه). 

2 - وبحب أرض الأجداد (إسرائيل). 

رأت المنظمات الصهيونية واليهودية أن حملتها بدأت تعطي ثمارها، فاستمرَّت في حملات الابتزاز، معتبرة أن البيان (الوثيقة 1985) لم يُقم صلة زمنية بين الشعب اليهودي وبين "دولة إسرائيل"، وأنه رغم دعوته المسيحيين إلى تفهم الارتباط الديني لليهود "بدولة إسرائيل".. فإنه أشار إلى أن وجود دولة إسرائيل وخياراتها السياسية يجب النظر إليها ليس بنظرة دينية، بل استنادًا إلى المبادئ المشتركة للقانون الدولي".

بدا أن الفاتيكان يتعاطى مع الضغوط بجدية، ففي عام 1986.. قام يوحنا بولس الثاني بصفته أسقف روما بزيارة الحاخام الأكبر في روما، ولكن ذلك لم يخفِّف من الغلواء اليهودية، وجرى تضخيم كل موقف يصدر عن البابا، ولا يوافق الأهواء اليهودية في سياق حملة ابتزاز مبرمجة، تلقى تجاوبًا من الكرسي الرسولي. ففي9-8-1989.. قال البابا: "إن الخالق وعد عبر أقواله النبيين ارميا وحزقيال بتحالف جديد مع شعبه في المسيح، نتيجة كفر إسرائيل بإلهها"، وثارت ثائرة اليهود حتى ذهبت الدبلوماسية الفاتيكانية إلى الاعتذار، وسوف تتكرّر هذه الحوادث، عندما قارن البابا بين الإجهاض والنازية، وعندما منح كورت فالدهايم (يتهمه اليهود بأنه نازي متخفٍّ) وسامًا رفيعًا.

وقد وجد الفاتيكان نفسه مضطرًا بشكل دائم إلى ردّ الاتهامات بأنه ساعد النازيين في الحرب العالمية الثانية إلى حد دفع بالمتحدث باسمه "جواكيم نافارو" إلى القول: "إن الفاتيكان ساعد اليهود ومنظمات يهودية أثناء الحرب مثل الوكالة اليهودية والمؤتمر اليهودي الأمريكي".

واقع الحال أن لقاءات البابا مع الزعامات اليهودية في البلدان التي يزورها أصبحت اعتيادية، وأخذ يضمن أحاديثه تأكيد اعتراف الكاثوليك بـ"الارتباط" التقليدي بين اليهود وأرض "إسرائيل"، لكنه ثابر على صياغاته السابقة حول القدس والعلاقات مع "إسرائيل"، وتأييد "السلام" منذ اتفاقات كامب ديفيد، كما الإشارة إلى أن "ما قيل عن الحق في وطن ينطبق أيضًا على الفلسطينيين الذين ما زال عدد كبير جدًا منهم من دون مأوى ولاجئًا".

ومقابل العلاقات المتصاعدة مع الزعامات اليهودية.. كان تعيين الفاتيكان للعربي الفلسطيني ميشال صباح بطريركًا للقدس محاولة لإظهار التوازن، فصباح هو أول عربي يعيَّن بطريركًا للقدس منذ عام 1099م.

وظل الموقف من القدس أولوية لدى الفاتيكان الذي أخذ ينحو باتجاه صياغة تقول بأن "تتخذ إجراءات مناسبة لضمان طابع القدس الخاص، بوصفها ميراثًا مقدسًا تشترك فيه ديانات التوحيد الثلاث بواسطة إجراءات مناسبة، وأن يكفل ذلك بضمان قانوني مناسب لا يكون قاصرًا على ما يريده طرف واحد من الأطراف المعنيّة، وهو ما اعتبره متابعون لسياسات الفاتيكان إضافة للبعد السياسي الحساس إلى الوضع القانوني للمدينة، والحقوق المدنية والدينية للطوائف المعنيّة بالقدس، بما يتضمنه ذلك من وضع اليهود على قدم المساواة مع المسيحيين والمسلمين، وهذا تحوُّل كبير.

حدث هذا التحول عام 1987، الذي شهد انفجار الانتفاضة الفلسطينية، فأظهر البابا تعاطفًا مع الشعب الفلسطيني، ولكنه ضمّن تصريحاته ما يشير بعدم انحيازه من وجهة نظر فاتيكانية، فهو عندما تحدَّث عن أن سكان الضفة الغربية وقطاع غزة ما يزالون من دون وطن ودولة يشعرون فيها أنهم مواطنون لهم حقوق كاملة.. حذَّر الفلسطينيين من الاستجابة لإغراء العنف الأعمى، وقال: "إن الإسرائيليين يتنازعهم القلق من أجل أمنهم"، وفي تصريحات أخرى قال: "إنها صرخات شعب بأكمله "الفلسطينيون" يعاني اليوم أشد المعاناة، ويشعر أنه مستضعف بعد عشرات السنين من النزاع مع شعب آخر تربطه بنفس الأرض، وشائج التاريخ والإيمان".

تظهر هذه التصريحات حجم التبدل العميق الذي ستظهر نتائجه العملية سريعًا، ففي 9-11-1991.. نشرت الصحف إعلان الفاتيكان -عقب لقاء بين الرئيس الأمريكي بوش والبابا-: أن الفاتيكان يقيم الآن مسألة إقامة علاقات دبلوماسية مع "إسرائيل" في ضوء انعقاد مؤتمر السلام في مدريد.

سوف يكون هذا الإعلان ضربة البداية في سلسلة من التطورات التي أوصلت إلى إقامة علاقات دبلوماسية بين الفاتيكان والكيان الصهيوني، وثمة قراءات متعددة لهذه التطورات، فهناك من يرى أنها "التصرف الذي كان مطلوبًا من الفاتيكان لصالح الولايات المتحدة مقابل ما قامت به الأخيرة في بولونيا، ويرى آخرون أنها نتيجة لتدهور الموقف العربي"، وأورد بعضهم أسبابًا، منها: أن "الفاتيكان لم يعد في موقفه السياسي من "إسرائيل" أسير معتقداته الدينية، خاصة وأن البابا قال أمام زعماء يهود أمريكيين: "لا توجد أسباب لاهوتية في العقيدة المسيحية تحظر قيام علاقات بين الفاتيكان وإسرائيل".

يقدم محمد السماك وجورج عيراني، وهما من المهتمين والمتابعين لشؤون الفاتيكان من موقفين مختلفين، مقتربًا أكثر تفصيلاً في قراءة هذه التطورات، فيعتبر السماك أن عوامل أربعة رئيسية لعبت دورًا وراء الخطوات التي قطعتها الاتصالات الفاتيكانية الإسرائيلية. ففضلاً عن تغييب الجانب الديني (العقدي).. يرى السماك أن "الفاتيكان لم يعد قادرًا على أن يبقى وحده خارج مسرح العمل السياسي الدولي والإقليمي الجديد، (بعد بدء المفاوضات العربية- الإسرائيلية)، ولم يعد الموقف العربي من إسرائيل يشكل إحراجًا سياسيًا للفاتيكان، وتاليًا.. لم يعد الفاتيكان يخشى من انعكاس سلبي على أوضاع مسيحيي الشرق، إذا هو بادر إلى الاعتراف بإسرائيل".

أما عيراني فيرى أن الفاتيكان في عجلة من أمره، نظرًا لتسارع المتغيرات الدولية، وتبدل الوقائع على المستوى العالمي. ويعرض أن "الفاتيكان كان قد اختار في الحرب الباردة الانحياز إلى الولايات المتحدة في صراعها ضد الخطر الأحمر، وكان قيام إسرائيل في نظر الفاتيكان تهديدًا وخطرًا عظيمًا، وكانت روما تعتبر الدولة اليهودية طابورًا خامسًا لستالين، وسمة لديكتاتورية الشيوعية التي ينادي بها"، والفاتيكان سعى إلى انتزاع إشراف على الأماكن المقدسة للمسيحيين. وينظر إلى أن تعجّل الفاتيكان يعود إلى العوامل الآتية:

- خشيته من أن يؤدي تزايد التوتُّر في الشرق الأوسط إلى التقليل من أهمية أعمال اللجنة المشتركة المشكلة بين الفاتيكان وإسرائيل (منذ عام 1992.. عقب مؤتمر مدريد).

- رغبة البابا في أن يرى القدس.

- استعجال الفاتيكان للسيطرة على الأحداث التي تتسارع في الشرق الأوسط وأن الرغبة في التوصل إلى معاهدة مع الدولة اليهودية، تنبع من هموم صادقة شرعية، جديرة بالاحترام لإنقاذ الوجود المسيحي في "إسرائيل" و"فلسطين".

تتقاطع مع وجهتي النظر هاتين آراء كثيرة؛ إذ بدا "مفهومًا" لدى كثيرين أن يجري التعلل بالمتغيرات وبالمحادثات العربية "الإسرائيلية" لإقامة العلاقات بين الفاتيكان و"إسرائيل"، بيد أن هذا التفهُّم يسقط دفعة واحدة شروط الفاتيكان التقليدية لإقامة العلاقات مع "إسرائيل" ما يجعل التعلُّل غير مقبول من الفاتيكان بالذات، وثمة إلى ذلك ملاحظة ثانية تتعلَّق بالضغوط الأمريكية على الفاتيكان.

قطعت الولايات المتحدة علاقاتها بالفاتيكان عام 1945، ولم تُعدها إلا عام 1984، بعد لقاءات بين البابا والرئيس ريجان، اللذين توافقا على موضوعات عديدة، تخصّ أوروبا الشرقية أساسًا، غير أن التطورات اللاحقة بشأن الموقف من الصراع العربي- الصهيوني تؤكِّد أن الموضوع كان على بساط البحث، فالفترة الفاصلة بين إعادة العلاقات بين واشنطن وروما ووثيقة 1985 لا تتعدَّى الأشهر.

إن الضغوط الأمريكية واقعة قائمة، وهي ليست شأن الإدارة فقط، فهناك الضغوطات التي تمارسها الكنائس الأمريكية، وهي في معظمها أقرب إلى الصهيونية المسيحية. وقد حدث توافق كبير بين هذه الكنائس والرئيس ريجان.

ومن المعروف أن هناك كنائس أمريكية تتبنَّى أطروحات تتجاوز الصهيونية واليهود في عدائها للعرب والمسلمين. وقد استطاعت أن تجيش دعمًا كبيرًا جدًا للكيان الصهيوني، وهي إن كانت في غالبيتها بروتستانتية وإنجيلية فقد جذبت بعض الكاثوليك على غرار ما حدث في تشكيل "منظمة الكونجرس المسيحي الوطني"، وهي من المنظمات الصهيونية المسيحية، "تم إنشاؤها عام 1980 بهدف: توحيد المسيحيين من الطوائف والمنظَّمات كافة من أجل الوطن القومي اليهودي، وشارك في حفل إنشائها ممثِّلون عن المؤتمر الوطني للرهبان الكاثوليك، والمجلس الوطني للكنائس".

كما أن القس الكاثوليكي الأصولي ديفيد لويس أسَّس المنظمة المسمَّاة "مسيحيين متحدين من أجل إسرائيل".

تضغط الكنائس والمنظَّمات على الإدارة، والإدارة تضغط على الفاتيكان الذي ربما أراد كسب الطرفين بترضية كبيرة على غرار العلاقات مع "إسرائيل" متجاهلاً الخطورة التي تمثِّلها تلك المنظمات المسيحية على المسيحية بالذات، بجعلها أقرب إلى اليهودية منها إلى تعاليم السيد المسيح.

لكن ما يجب أن يلفت الانتباه إليه أيضًا أن بعض تصريحات البابا اقتربت من تغيير مفاهيم عقدية راسخة في الديانة المسيحية؛ إذ أنه اعتبر لدى استقباله حاخام إسرائيل الأكبر "لاو" أن العلاقات بين الدين اليهودي والكاثوليكية هي علاقات لم توجد مع أي دين آخر" متوجًا بذلك سلسلة من التصريحات التي بدأت بوثيقة 1985، تلك التي أعقبت تبرئة اليهود من دم المسيح، فيما أن جريمة الصلب من الثوابت العقدية في الديانة المسيحية.

بالاستناد إلى كل هذه التطورات، وبعد أشهر قليلة من توقيع اتفاق أوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية و"إسرائيل".. جرى توقيع اتفاق اعتراف متبادل بين "إسرائيل" والفاتيكان.

ولم يتطرَّق الاتفاق إلى القدس. وشمل أساسًا قضايا ثنائية من مثل: تعاون لمكافحة العداء للسامية والعنصرية، والتعصب الديني، وتعهد من الفاتيكان بالبقاء بمنأى عن جميع النزاعات الزمنية، ويسري هذا المبدأ خصوصًا على النزاعات في شأن الأراضي والحدود".

اعتبر اليهود والصهاينة هذا الاتفاق نصرًا للشعب اليهودي و"لدولة إسرائيل"، فيما اعتبر الفاتيكان أن الاتفاق "سيمكّن من المساهمة في التأثير لاحقًا على عملية السلام في الشرق الأوسط". وفي 15-6-1994.. جرى التوقيع على اتفاق إقامة العلاقات الدبلوماسية الكاملة، وتبادل الممثلين بين الجانبين.

بعد توقيع اتفاق العلاقات الدبلوماسية.. برزت ثلاثة أمور في غاية الأهمية:

1 - استمر الجدال قائمًا حول القدس، فالفاتيكان كرَّر دعواته إلى ضمانات دولية للقدس، باعتبارها مقدسة للديانات الثلاث، والصهاينة بقوا مصرِّين على رفضهم ذلك، وكرَّروا إعلان تمسكهم بالقدس عاصمة لهم موحدة وتحت السيادة الإسرائيلية، حتى إن شمعون بيريز تهكَّم على البابا قائلاً: ماذا تعني كلمة دولية؟ إن إسرائيل ستضمن الطبيعة التعددية للقدس، وكرر هذا الموقف إسحق رابين، ثم نتنياهو الذي استقبله البابا، وخرج من الاجتماع ليؤكد أن القدس ستبقى موحَّدة تحت السيادة الإسرائيلية".

وبرزت بالمقابل صياغة فاتيكانية للموقف من القدس تقول: "لا يتمتع الفاتيكان بأي صلاحية فيما يتعلَّق بالسيادة على أراضي القدس، وعلى الصعيد الديني.. يريد ضمانات دولية للأماكن المقدسة "وهي صياغة أضعف من كل مواقفه السابقة، ويرد عليها الصهاينة بأنهم يضمنون حرية العبادة". 

2 - في 16-12-1994.. قرَّر الفاتيكان إحياء ذكرى ما تسمى "محرقة اليهود" في حاضرة الفاتيكان بحضور البابا وكبير حاخامي روما ووفد من الناجين من المعسكرات النازية، وردَّد البابا تصريحات وكأنه المسؤول المباشر عما يزعم حول "المحرقة"، ولكن مع ذلك تصاعد الابتزاز اليهودي- الصهيوني.

لقد صرَّح البابا بأن اليهود الذين تشتَّتوا بين دول العالم لألفي عام قد قرّروا العودة إلى أرض أجدادهم، وهذا حقهم "وقد ردّ عليه اليهود بأن هناك أموالاً لليهود "ضحايا النازية" استولى عليها الفاتيكان، وقد جرى تفجير هذه القضية عقب نجاح الصهاينة في عملية ابتزاز كبيرة للمصارف السويسرية. بمعنى أن حملات الابتزاز مستمرة. 

3 - لم يلتفت الفاتيكان بأي قدر من الاهتمام للاحتجاجات العربية حول علاقاته المستجدة مع "إسرائيل"، وقد وجَّه بطاركة عرب فلسطينيون (ميشال صباح- لطفي لحام- سمير قفعيتي- والمفتي سعد الدين العلمي) رسالة إلى البابا توضِّح مخاطر العلاقات على وضع القدس، كما احتج ساسة عرب كثر، ولكن بدون أن يحدثوا التأثير المطلوب. 

وفي عام 1994.. أعلن عن زيارة وفد من م.ت.ف إلى الفاتيكان، ثم عن "علاقات رسمية" ليس لها طبيعة دبلوماسية بين الفاتيكان والمنظمة، ويبدو أن البعض قنع بهذه الترضية، وبما يحاول الفاتيكان إظهاره من ميل إلى التوازن، بالحث على "السلام". وبسبب هذه القناعة.. فإن الفاتيكان وقَّع مع "إسرائيل" اتفاقًا عام 1997 "يمنح وضعًا قانونيًا للكنيسة الكاثوليكية الرومانية في الأراضي المقدسة"، ونص الاتفاق على أنه يسري حيث يطبق القانون الإسرائيلي، بمعنى أنه يشمل شرقي القدس".

أسقط هذا الاتفاق جملة واحدة كل التحفظات السابقة للفاتيكان، ومنطوق شروطه التقليدية، حتى بمقياس "الاستقرار والسلام والعدالة والتوازن" الذي طالما تحدَّث عنه، وهو بدأ في الآونة الأخيرة، وكأنه يريد تظهير "إسرائيل" كحامية للمسيحيين، على غرار موقفه المرتبط بما شهدته مدينة الناصرة الفلسطينية من أحداث (في أبريل 1999) مرتبطة بخلاف على قطعة أرض تابعة للوقف الإسلامي بجانب كنيسة البشارة، بين لجنة الوقف وبلدية الناصرة.

ينبغي الإشارة هنا إلى أن فلسطين لم تشهد مطلقًا أي نوع من المشكلات التي يمكن وصفها بأنها ذات طابع طائفي، ويؤكد بطاركة وأكاديميون فلسطينيون أن الاحتلال "الإسرائيلي" هو المسؤول الأول والمباشر والوحيد عما يتعرَّض له المسيحيون من ضغوط -وخاصة في القدس- أدَّت إلى تناقص كبير في أعدادهم (من 50 ألف إلى خمسة آلاف فقط في القدس الآن) وفي غير القدس، كما أن الاحتلال ينفِّذ اعتداءات على الكنائس والمساجد معًا. وقد أكَّد هؤلاء أيضًا وفي تصريحات متكررة أن الاحتلال هو المسؤول عن تفاقم الخلاف في الناصرة، وهو يعمل على تغذية "فتنة طائفية" يريد لها أن تنفجر بأي ثمن. ولكن الفاتيكان لم يلق بالاً إلى كل هذه التوضيحات، وتوجَّه إلى حكومة "إسرائيل" طالبًا إليها وقف بناء المسجد في الناصرة، أو إنه سيتخذ إجراءات من قبل "إلغاء زيارة البابا المقررة إلى الأراضي المقدسة"، ثم عاد الفاتيكان للتراجع عن ذلك، فجرى الحديث عن عزمه إغلاق الكنائس احتجاجًا".

يمكن اعتبار هذا الموقف نموذجًا لسياسات الفاتيكان الراهنة عقب إقامة علاقاته الدبلوماسية مع "إسرائيل"، والتنازل عن مواقفه التقليدية بشأن القدس.

إذ ليست "إسرائيل" هي الجهة المناسبة للتوجُّه إليها فيما يتعلَّق بموضوع الناصرة، وهو ما يمكن حلّه في إطار حالة التعايش الراسخة والتاريخية بين أبناء الشعب الواحد في مدينة لطالما تجاور المسجد والكنيسة فيها منذ مئات السنين. ولعل هذا الشكل من التدخُّل لا يفعل سوى أن يعقِّد مشكلة هي أقرب إلى الحل بدونه.

يبقى القول تحت هذا العنوان من البحث: إن الفاتيكان يثابر على دعم "عملية التسوية"، ويستمر بشكل دوري في إصدار مواقف تؤكِّد على هذا الدعم.

 

اقرأ أيضا:

- الإسلام السياسي في الصحف البريطانية.. نقيض كل ما هو غربي

- الرئيس بن علي يهاجم الإعلام الفرنسي

 - التناول الإعلامي الأوروبي للشأن الإسلامي.. سلبي

 - المناهج والإعلام أكبر تحديات مسلمي البرازيل

- يوسف إسلام: حملة مضادة ضد أكاذيب الإعلام!

 - نيوزويك: عرفات ليس صلاح الدين

 

 

قضايا سياسية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم