حظي
المؤتمر الأخير لوزراء خارجية الدول
الإسلامية الذي انعقد في العاصمة الماليزية
"كوالالمبور" باهتمام إعلامي لافت على
المستويين العربي والعالمي، على الرغم من
كونه اجتماعًا دوريًا تكررت فيه معظم القضايا
المدرجة على جدول الأعمال، وناقشها الحضور
أنفسهم؛ ليصدروا بشأنها القرارات نفسها
والتوصيات الروتينية التي تسعد طاقم
السكرتارية بالمؤتمر وتريحه، حتى إن الإعلام
الذي لم يجد ضالته في هذه القرارات بدأ يشغل
متابعيه بتسليط الضوء على قضايا فرعية مثل
اختيار الأمين العام الجديد لمنظمة المؤتمر
الإسلامي، والتقارب المصري- الإيراني على
هامش المؤتمر، وتحفظ ماليزيا على قرار يرجئ
النظر في رفع الحصار عن العراق.
ورغم
ذلك وجدنا وسائل الإعلام تشير إلى أهمية هذا
التجمع لكون منظمة المؤتمر الإسلامي ثاني
المنظمات الدولية – بعد الأمم المتحدة - من
حيث عدد الدول الأعضاء، وأن عدد سكان الدول
المنتمية إليها يقترب من ثلث سكان العالم،
وما يمثله ذلك من ثقل سياسي واقتصادي.
ودون
التشكيك في أهمية المنظمة كحد أدنى للتضامن
الإسلامي، ورغم آمالنا العريضة التي نعلقها
على اجتماعاتها ومؤتمراتها في تحقيق المزيد
من هذا التضامن، فإننا نحاول رصد بعض الأحداث
العالمية التي وقعت بالتوازي مع مؤتمر "كوالالمبور"
لعلنا نتلمس موقعنا من خلالها، دون أدنى
محاولة للتفسير التآمري أو البحث عن مشاجب
لواقعنا المتردي، أو حتى إفراغ النصف المليء
من الكوب.
مؤتمر
الدول الصناعية
أهم
هذه الأحداث هو مؤتمر قمة الدول الثمانية
الصناعية الكبرى في اليابان الذي لم يأت بذكر
عن العالم الإسلامي وقضاياه، اللهم إلا
باعتباره جزءًا من دول العالم الثالث التي
ذهب ممثلوها إلى "أوكيناوا" ليتسولوا
إلغاء الديون، ولكنهم لم يظفروا سوى بوعد
تزويدهم بشيء من تقنية الكومبيوتر
والمعلومات! ويقال إن اليابان أنفقت على هذا
المؤتمر نصف مليار دولار (بمعدل 100 مليون
دولار يوميًا) لتستميل الدول الكبرى للبت
النهائي في منحها مقعدا للعضوية الدائمة في
مجلس الأمن الدولي، حيث يدور الحديث منذ
سنوات عن زيادة عدد الدول الأعضاء من خمسة إلى
عشرة، بحيث يعطى مقعدان لليابان وألمانيا،
ومقعد لكل قارة من دول العالم الثالث، ويكاد
يكون الاختيار قد حسم في تمثيل الهند لآسيا
والبرازيل لأمريكا اللاتينية، أما أفريقيا
فقد كان الترشيح يضع مصر بالتنافس مع
نيجيريا، ولم يكن الغرب يخفي دعمه للأخيرة
تحت دعوى أنها الأكثر سكانًا! ثم دخلت جنوب
أفريقيا على الخط لتكون المرشح الأوفر حظًا،
ولتضعف آخر الآمال في وجود إسلامي دائم بمجلس
الأمن الدولي الذي يقود العالم.
قمة
كامب ديفيد
كما
تواكب مع المؤتمر أيضًا قمة "كامب ديفيد"
التي حاولت فيها أمريكا إنهاء الصراع العربي-
الصهيوني من خلال الضغط على السلطة
الفلسطينية لإعطاء تنازلات لإسرائيل في
قضايا جوهرية مثل السيادة على القدس وعودة
اللاجئين، دون أي اعتبار لقرارات الأمم
المتحدة في هذه الصدد، مما أدى إلى فشل
المؤتمر لشعور ممثلي السلطة بالإجحاف الشديد
الذي لا يمكنهم قبوله، رغم أنهم اعتادوا
التنازل، ولكن الغريب ما أعقب هذا الفشل من
تلويح الرئيس الأمريكي بنقل سفارة دولته إلى
القدس، والحملة الديبلوماسية الأمريكية
لمواجهة سعي السلطة للحصول على وعد بالاعتراف
بالدولة الفلسطينية بعد إعلانها المزمع في
سبتمبر القادم، بالإضافة إلى تهديد الكونجرس
بقطع المساعدات عن السلطة الفلسطينية، رغم
قيامه –في الأسبوع نفسه– بإصدار قرارات تخفف
الحصار الاقتصادي الأمريكي على كوبا وتسمح
للأمريكيين بالاستثمار فيها مع أنها مصنفة
كعدو شيوعي متمرد ومثير للقلق!
قمة
شنغهاي
سبق
مؤتمر كوالالمبور مؤتمر قمة في عاصمة إسلامية
أخرى هو قمة مجموعة شنغهاي في العاصمة
الطاجيكية دوشانبي، وضم روسيا والصين وأربع
دول إسلامية في منطقة آسيا الوسطى، وركز
اهتمامه على التعاون في مجال مقاومة الإرهاب
الدولي (الأصولية الإسلامية)، ومقاومة
الحركات الانفصالية (الشيشان في روسيا
وتركستان في الصين)، كما شهدت الفترة نفسها
تقاربًا روسيًا- صينيًا بلغ أوجه بزيارة
بوتين للصين قبل توجهه لليابان، وشهدت
تقاربًا صينيًا- هنديًا تمثل في زيارة وزير
الخارجية الصيني للهند، وتصريحه بأن الدعم
التقني الذي تقدمه الصين لباكستان لا يسمح
لها بتهديد الهند! وشهدت تقاربًا هنديًا-
إسرائيليًا تمثل في زيارة وزير الداخلية
الهندي لإسرائيل وتصريحاته عن التعاون
المشترك في المجال النووي ومقاومة الإرهاب
والإعلان عن شراء صفقة سلاح متقدم من
إسرائيل، الأمر الذي أثار حفيظة جامعة الدول
العربية ودفع أمينها العام لاستدعاء السفير
الهندي بالقاهرة للاستيضاح! وشهد تقاربًا
إسرائيليًا- صينيًا تمثل في عدة زيارات
متبادلة على أعلى مستوى، أسفرت عن صفقة
طائرات إنذار متقدم من إسرائيل للصين، تم
تأجيل تنفيذها مؤقتًا استجابة لضغوط أمريكية.
محادثات
الوحدة الكورية
تواكب
مع مؤتمر "كوالالمبور" مساعٍ مكثفة
لاستقطاب كوريا الشمالية –آخر معاقل
الشيوعية في العالم- إلى حظيرة النظام الدولي
الذي تقوده أمريكا، فبعد زيارة رئيس كوريا
الجنوبية إلى "بيونج يانج" –بضوء أخضر
أمريكي- والحديث خلال الزيارة عن احتمالات
السلام، بل والوحدة ، بدأت الجهود الصينية
لإقناع روسيا بدعم هذه الجهود، مما أسفر عن
زيارة بوتين لكوريا الشمالية، ثم توسطه لعقد
اجتماع بين وزيري الخارجية في الولايات
المتحدة وكوريا الشمالية على هامش مؤتمر
الآسيان في تايلاند، الذي وافق على انضمام
كوريا الشمالية لعضويته، تمهيدًا لانخراطها
في المجتمع الدولي وتسهيلاً لإعادة توحيد
الشطرين الذي إن تحقق لنتج عنه قوة عالمية
جديدة تستثمر الثقل البشري والموقع
الإستراتيجي للبلدين، بالإضافة إلى النهضة
الصناعية والتقدم الاقتصادي في كوريا
الجنوبية، والتفوق العسكري في كوريا
الشمالية، هذا في الوقت الذي تعجز فيه
الأمانة العامة لمنظمة المؤتمر الإسلامي
بجدة منذ عدة شهور عن مجرد جمع وفدي الفصائل
المتناحرة في أفغانستان على طاولة مفاوضات
واحدة!
الهجوم
على جبهة مورو الإسلامية
وأخيرًا
شهدت الفترة نفسها استغلال الحكومة
الفليبينية للاهتمام الإعلامي بقضية الرهائن
المحتجزين لدى جماعة "أبو سياف" –التي
تحوم حولها الشكوك والشبهات- لتشن أعنف هجوم
حكومي على معاقل "جبهة مورو الإسلامية"
منذ عقدين من الزمان، أسفر عن مقتل المئات
ونزوح عشرات الآلاف من المسلمين من قراهم إلى
معسكرات اللجوء البائسة، وفي موقع ليس ببعيد
كشرت أستراليا عن أنيابها في مواجهة الأحداث
الداخلية في فيجي لتذكر العالم بتدخلها
السافر في تيمور الشرقية العام الماضي، مما
يؤكد ما يثار عن تفويضها أمريكيًا لتكون قوة
إقليمية تمثل النفوذ الغربي في منطقة جنوب
شرق آسيا وإقيانوسيا.
عناصر
قوة الأمة
لعلنا
نكتشف بعد هذه الجولة الإخبارية أن الاهتمام
الإعلامي بمؤتمر "كوالالمبور" في
صحافتنا العربية هو مجرد تحبير صفحات ولنسمه
"أمانة نقل"! أما الاهتمام به في دوائر
الإعلام الغربي فهو بمثابة تصريحات مدرب كرة
القدم الحاذق الذي يعمد للإشادة بإمكانيات
الفريق الخصم ليخدره قبل المواجهة. فتلك هي
خريطة العالم الذي يعاد تشكيله فأين موقعنا
فيه؟
يراهن
الكثيرون على ما لدى الأمة الإسلامية من
إمكانيات عملاقة تتمثل في ثقل بشري هائل،
ومساحة جغرافية شاسعة، وثروات اقتصادية
ضخمة، وموروث ثقافي وحضاري متميز، وينتظم هذا
كله عقيدة راسخة، ولكن علينا أن نناقش بعض
الأسئلة التي لا تتعارض مع ثقتنا بهذه
المعطيات، فهل العدد –مجرد الكثرة العددية-
مدعاة للفخر وللاطمئنان؟ نعم لدينا أكثر من
مليار مسلم في العالم، ولكن كم منهم يفهم
الإسلام؟ وكم منهم يمارسه؟ وكم منهم مستعد
للعطاء والتضحية من أجله؟ ثم كم من هؤلاء
جميعًا على قلب رجلٍ واحد؟ ثم ننظر إلى ما
لدينا من مساحات شاسعة وثروات هائلة لنتساءل:
هل هذه المنح الإلهية خاضعة لسيطرة الأمة
وتوظف لمصلحتها؟ وأما عن الموروث الثقافي
والحضاري فإن عزله عن التطبيق يجعله –في أحسن
الحالات- مقتنيات متحفية تبهر السياح
العابرين! وبدون أي إقحام للتشاؤم فإن الرؤية
نفسها تنسحب على سائر المعطيات المطروحة على
محك الفخر والثقة، والرهان على المستقبل الذي
لن يكون رهانًا حقيقيًا إلا بأمرين هما
امتلاك الأمة لإرادتها ووحدة صفها .. فهل
إليهما من سبيل؟
المسلم
متفائل بفطرته المحصنة بإيمان راسخ بأن كل ما
يحدث في الكون هو تقدير العزيز الحكيم،
وواجبنا أن نوقد شمعةً خيرًا من أن نلعن
الظلام، فإن ظلام الكون بأسره لا يستطيع
إطفاء ضوء شمعة. فلنوقدها، ولننطلق من وحدة
الصف العربي والإسلامي ولننزع عنا أغلال أبي
فراس الحمداني يوم قال : "ونحن أناس لا توسط
عندنا .. لنا الصدر دون العالمين أو القبر".
فلماذا ننتظر الحكومات ونقول إما وحدة
اندماجية أو تشرذم انشطاري؟ لماذا لا تنطلق
الوحدة من الشعوب؟ من رجال الأعمال، من
النقابات المهنية، من المؤسسات الثقافية
والشبابية والعلمية والخيرية، من الأحزاب
التي يجمعها توجه واحد، من علماء الدين
والمفكرين والأدباء ؟ لماذا لا نسعى لتكوين
روابط مشتركة تخترق الحدود وتتجاوز القوانين
الإقليمية، فتجبرها على التغيير بصورة
تدريجية متنامية؟ لقد أيقن غيرنا أن حقوق
الشعوب من حرية وكرامة وعدالة ووحدة لا
تستجدى بل تنتزع، فامتلكوا إرادتهم وتقدموا
وأصبحت لهم مكانة مرموقة. أما نحن فما زلنا
نبحث عن موقع