بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

حريق الأقصى ..ثلاثون عامًا.. بعد ذلك اليوم!

نوال السباعي


"أحرقوا المسجد الأقصى".. "أحرقوا المسجد".. الإذاعات تطبل وتزمر كما عاهدتها منذ بدأت أعي ما حولي، ومَن أنا، أبي قد ألصق المذياع على أذنه، وجلس واجمًا حزينًا، الناس رائحون غادون، أراهم من شرفة منزلنا ذاك في دمشق، الجو حار، والأعصاب متوترة، وبدأ الإعداد للحرب.

كميات هائلة من السكر والأرز، والبصل والبطاطا، وفرغت دكان جارنا "أبو أنور" في أقل من ساعتين، ما عاد فيها شيء يشتريه الناس ليخزنوه!! الجميع يتحدثون عن الحرب، لا بد أن مصر – على الأقل – ستعلن الحرب.. لن يسكت العرب، لن يسكت المسلمون!!؟

ما زالت تلك القصة، وذلك الشعور بالاختناق في حلقي، ثلاثون عامًا بعد ذلك اليوم الذي كلل بالعار رؤوسنا، ووضع علامة فارقة في تاريخ نكستنا.. ذلك اليوم الذي أريد أن أتذكره اليوم بعيدًا عن التحليلات السياسية، والتحقيقات الوثائقية، والكتابة الصحفية الباردة القاسية المزعجة التي تريد هز الضمائر، وإيقاظ العباد!.. إنني أريد أن أتذكر وحدي، فمن حقي أن أعود إلى إنسانيتي في غربتها، وأغوص في تلك الذكريات!.

أُحرق "المسجد الأقصى"، وعلقت في ذهني بقايا هاتيك الصور، الناس واجمون أمام شاشات التليفزيون التي تنقل إلينا لهفة أهل القدس، مهرولين – قد فجعوا بأقصاهم – بدلائهم وأكوابهم وأيديهم، يريدون إطفاء ذلك الحريق، جدي يجهش بالبكاء، وإذاعاتنا الثورية التقدمية القومية.. تفح كالثعابين، وتصرخ كالعنقاء، مؤججة نيران الغضب، والحقد، صابة الزيت على النار، موسعة شقة الخلاف بين شرق الأمة وغربها، تكيل اللوم والاتهام لأولئك الرجعيين والمتخلفين والمتآمرين من أعداء الأمة!! ونحن هناك جيل لم يتجاوز العاشرة، كنا نلعب في تلك العشية، فدهمنا الحريق، وانتزعنا الخبر من نشوة اللعب واستغراقه.

حريق المسجد الأقصى، فتح العيون على ضياع فلسطين، الشيء الذي لم تفعله حرب الـ 48 بسبب الخيانات، ولا حرب الـ 67 بسبب الشعارات، وفضح عمق المأساة، واستفحال المصيبة، وكشف عن النيران التي كانت تلتهم أمة رضيت لنفسها تلك المكانة، الشيء الوحيد الذي كانت تحسنه، البكاء والعويل، وقيل وقال!.. السجون مكتظة بكل من سولت له نفسه أن يقول شيئًا، أو يكتب شيئًا أو يفكر في شيء، الدبابات مرابطة دائمًا قرب الساحات العامة، والمشانق متأهبة لتعليق المجرمين والخونة والجواسيس والمتآمرين.. وشعوب تنام وتستيقظ وفي أذنها تطن وترن "إذاعة لندن".. المصدر الوحيد للمعلومات، الصوت الوحيد القادر على صياغة تفكير هذه الأمة وتصورها للأمور، المهيمن الوحيد على مشاعر إنسانيتنا، وترسيخ الإحباط والشلل في عزمه وإرادته!.

ثلاثون عامًا، بعد ذلك اليوم.. مضت الدبابات صارت جيوشًا، وأجهزة أمن أخطبوطية، تصل حتى آخر ركن في الأرض، ناشرة الفزع والهول، تقف حائلاً – منطقيًّا- دون الإنسان وحريته وكرامته ورغبته في قول كلمة حق، في نقد حالٍ مائلة، في اختراع نكتة يحلي بها مرارة الأيام.

ثلاثون عامًا بعد ذلك اليوم.. انقضت، وصارت السجون مدافن جماعية، رموزًا "للمواطن المجهول"، في أوطان يُولد فيها الأطفال، ويكبرون ، وينالون شهادة الثانوية العامة، ويتزوجون، قبل أن يروا آباءهم أو يعرفوا عن مصائرهم شيئًا.

ثلاثون عامًا، بعد ذلك اليوم .. وما زال الحريق يشتعل في قلوبنا، وألسنة اللهب تتلظى، تنزع من حياتنا الأمن، والراحة، والاستقرار والحرية، والكرامة.. ولكنها وعلى الرغم من ذلك كله فلن تنتزع الأمل.. فأشياء كثيرة تغيرت، عقول كثيرة استيقظت وبدأت تبحث عن طريق الخلاص، وكوة النور.

"كريات شمونة" كانت أول الطريق.. والانتفاضة رسمت لنا معالم الدرب الوحيدة الموصلة إلى قدسنا، وبدأت هذه الأمة رحلة العودة إلى الوعي بعد طول غياب، ولم تستطع "إسرائيل" أن تمد حدودها من "الفرات إلى النيل"، بل لم تستطع السيطرة على كل التراب الفلسطيني، فهنالك كان الجيل الوحيد الذي لم ينهزم، جيل "أطفال الحجارة" المقدسة، جيل صلاة الجمعة المتحدية، بنادق وحقد جند العدو، جيل الصمود أمام زحف الطاعون، فلا ينهزم ولا ينخذل أمام المغريات، جيل "إرنون"، رافع الرأس، أبيًّا، ثابتًا.. يُعلمنا في كل يوم نشيدًا للأمل.

وكلما أطبق اليأس، وبدأ الليل حالكًا، وظن الناس أن العدو ماضٍ في استنفاذ مخططاته، وأن النظام العالمي الحالي قد أحكم قبضته، انفرجت الأيام عن ساحات الغد المشرق بالضياء والنور.. وانطلقت من هنا وهناك كتائب حق، صامدة في وجه الطوفان، صابرة في سبيل تبصير الأجيال بملابسات التاريخ، وحقائق الحاضر.. لتسليم الأمانة للمستقبل، الآن القدس – وكما قال القرضاوي – ليست ملكًا لأهل القدس المصابرين، ولا لأهل فلسطين المجاهدين، ولا للمحتسبين من العرب، ولا لأهل الإسلام اليوم، إنها قضية الأمة، وملك الأجيال، وأمانة في عنق كل فرد، الأمس واليوم وغدًا، وحتى يقيض الله "صلاحًا للدين" يفك أسرها.

ولا ينبغي لأحد كائنًا مَن كان أن يسلم أو يستسلم للأمر الواقع الذي يمكن تغييره إذا أردنا، وإذا غيرنا ما بأنفسنا، وإذا ثبتنا على تلك القناعات الراسخة، التي ورثناها من آبائنا، والتي من الأمانة أن نسلمها لأبنائنا، جيلاً فجيلاً، فإن عقائد الأمم وآمالها وآلامها، لا تصنع في ورشات عمل الآخرين، ولكنها ترى النور مع مواليدها، وتخترق الزمن مع اللبن الذي يرضعونه، وتبقى معهم من خلال النظرات والآهات، والسجدات والابتهالات، حاملة الألم والأمل، والعقيدة والقناعة.. والحق.. الذي يجب أن يبقى في نفوس الأجيال حقًّا، ولو اجتمعت الأرض على تشويهه وتزييفه وتطبيع ما يخالفه في حياة هذه الأجيال، التي يجب أن تحمل ذلك الحلم الكبير في قدرتها على إطفاء ذلك الحريق، الذي كان قد اندلع في قلوبنا قبل ثلاثين عامًا.. بينما كنا نلعب في تلك الأمسية.. فأحرق البسمة على وجوهنا، والراحة والطمأنينة في قلوبنا!!.

 

قضايا سياسية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع