بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

ماليزيا: ألغاز العملية الانقلابية الفاشلة

كوالالمبور صهيب جاسم


اقرأ في هذا المقال:

§ وصف ما حدث

§ الجماعات المنحرفة في ماليزيا

§ الحزب الإسلامي هو المستهدف

§ كيف تعاملت الحكومة مع القضية؟

§ قيادة جماعة المعونة

§ تساؤلات تنتظر الإجابة

 وصف ما حدث

في يوم 3 يوليو 2000 طالعت الصحف الماليزيين بخبر يقول: إن 15 رجلاً متشبّهًا بالعسكريين في ملابسهم وحركاتهم دخلوا معسكرين في ولاية بيراق- وسط ماليزيا الغربية-في تمام الساعة الثالثة فجرًا، ثم توجهوا بعدها إلى المعسكر الثاني بعد ساعة وربع، مستولين على ما يزيد على 100 رشاش آلي من طراز "إم –16" وآلاف من العيارات النارية، وأسلحة أخرى ليست كثيرة. وقد كان رئيس العصابة لابسًا ملابس كولونيل، بينما تباينت رتب الآخرين، مما جعلهم يخدعون الحرس الذين كانوا يحرسون المعسكرين ومخازن السلاح، فحتى سياراتهم كانت عسكرية اللون. وروت الصحافة عن رجال الأمن تفاصيل تحركاتهم التي لم تكن مستعجلة فلقد توقفوا ليزودوا سياراتهم الميتسوبيشي باجيرو (4×4) الثلاثة التي كانوا يستقلونها بالوقود من إحدى المحطات.

 ومع طلوع فجر 3/7/2000 كانت الشرطة قد أقامت حواجز على الطرق المؤدية إلى تلك المنطقة التي تعد نائية نسبيًا، كما كان مئات من رجال الجيش قد توجهوا إلى المنطقة التي توجهت إليها العصابة بعد أن تركوا سياراتهم. ولم يتأخر البحث عن مكانهم بعد أن قيل إن إطلاقات نارية سمعت في منطقة ساوك قبيل الفجر لكن الشرطة والجيش بقوا ساكتين في الأيام الثلاثة الأولى.

وفي اليوم الثالث من عمليتهم توجهت المجموعة إلى منطقة أخرى تدعى غريك  آخذين معهم 4 رهائن اثنان من الشرطة وبائع فواكه وشخص رابع من المخابرات، وقيل إن عددهم قد ارتفع إلى ما يقارب 30 شخصا، احتموا في مزرعة فواكه "دوريان "-وهي فاكهة آسيوية– لا تبعد عن الشارع العمومي سوى كيلومترين. وقد سمع على حد تصريحات الجيش إطلاقات نارية عشوائية بالقرب من المكان من الساعة الحادية عشرة ليلا إلى الثانية صباحا مما جعلهم ينكشفون!

وفي اليوم الرابع كانت الحكومة قد تعرفت على عدد من رجال العصابة، وللضغط عليهم جلبت عددًا من أفراد عوائلهم من النساء والأطفال في الصباح الباكر وطُلب منهم مخاطبة أقربائهم من رجال العصابة بمكبرات صوت عن بعد، يتوسلون إليهم أن يسلموا أنفسهم من أجلهم، وأرسل شقيق أحدهم إلى داخل المزرعة ليتفاوض معهم، لكن الصحافة تساءلت عن معرفة رجال الجيش لعوائل بعض الرجال. وتبادل الجيش والمجموعة إطلاق النار أكثر من مرة، لكن التصريحات والتقارير تضاربت في ذلك.

وزير الدفاع الماليزي "نجيب تون رزاق" وصف العملية في اليوم الأول بأنها تمت "بكل سهولة وبأدق تخطيط"، وتحدث "نجيب" عن ضرورة تقوية الترتيبات الأمنية داخل الجيش؛ حيث إن الجنود لم يدققوا في حقيقة من جاء إليهم، خاصة وأن عددًا من أعضاء الجمعية من الجيش.

في البداية لم تعين هوية المستولين على الأسلحة ولم يطلق عليهم أي اسم. كما قال رئيس الوزراء في اليوم التالي إن الحكومة لم تحدد بعد الدوافع وراء الحادثة. لكنه قال إنه يعتبر العملية خطيرة، لكن الوزير نجيب أشار في اليوم الثالث أنهم قد عرفوا هوية هذه المجموعة "لحد ما"، وسماهم بـ"المجرمين" و"المتمردين"، وفي يوم 5/7 أشير لأول مرة من قبل الرئيس العام للشرطة أن جماعة دينية منحرفة تقف وراء العملية ممن يؤمن أصحابها "بالعلم الباطن"، وأن الشرطة قد اقتحمت بيتًا قالت إن المجموعة قد أخفت فيه ستة سيارات ووجدوا فيه "وثائق تثبت أنهم جماعة منحرفة"، وقد تساءل رئيس الحزب الإسلامي "فاضل نور" عن كيفية معرفة الحكومة لهوية الجماعة المنحرفة قبل أن يتحدث أحد من رجال العصابة بشيء وقبل أن يلقى القبض على واحد منهم.

وفي صباح اليوم الخامس أو بعد 108 ساعات انتهت المسرحية بشكل مفاجئ كما بدأت، وأوعز ذلك إلى النداء الذي وجهه نساء وأطفال رجال العصابة إليهم، في النهاية نشرت صور لأفراد المجموعة على الصفحات الأولى من صحف اليوم التالي، وكانت الصور تظهر أنها التقطت سابقًا، وليست ملتقطة لهم بعد القبض عليهم، واسترجعت الأسلحة التي سيطروا عليها.

وكانت خسائر العملية قتيلين من الرهائن، وأحد رجال العصابة، وإصابة خمسة بجروح، لكن الذي تركزت عليه التصريحات هو كون القتيلين من غير المسلمين، وأن هذه جماعة مسلمة منحرفة تعمدت قتلهما وتعذيب أحدهما، بينما لم تقتل العصابة الثالث والرابع "لأنهما كانا مسلمين" أحدهما هندي الأصل، والآخر من سكان الغابات الأصليين، وكلاهما من الأقليات، وقد أظهرت الحكومة تعاطفها مع عائلتي القتيلين وعوضتهم ماليا، وجاءت التحذيرات موجهة لغير المسلمين تحذرهم من دعم الحزب الإسلامي المعارض، وأن ذلك يعني "اللعب بالنار"، لكن قائدًا عسكريًا رد بعد أيام بالقول بأنه قتل غير العسكريين  ليس لدينهما، ولكن لأنهما كانا من الجيش، وأن جماعة "المعونة" حاولت قتل مسلمين آخرين من الجيش، وقال إنهما قد قتلا لرفضهما الكشف عن معلومات متعلقة بخطة الجيش لمحاصرتهم، وقال الجنرال زيني محمد مخاطبًا أقلية "الإبان" التي قتل واحد منها بأن هذه المجموعة: "ليست إلا مجموعة قتلة ولا يمثلون أية علامة على كراهية المسلمين لغير المسلمين".

الجماعات المنحرفة في ماليزيا

في الأيام الأولى للحادثة بدأ الحديث عن وجود جماعات منحرفة أخرى في منطقة غريك التي اختبأ فيها رجال العصابة مثل جماعة صغيرة كانت تسمي نفسها "حزب الله" على حد تعبير الوزير في مكتب رئيس الوزراء عبد الحميد عثمان، الذي قال إن "إدارة تنمية الشؤون الدينية قد استطاعت أن تسيطر على أهم هذه الجماعات التي تنهج نهجا عنيفا". كما أشير في تصريحات الوزراء إلى "الفكر الجهادي الخاطئ الذي تحمله المجموعة"، مع أن شيئا لم يذكر على لسان رجال العصابة في عمليتهم مما قد يمت للإسلام بصلة، لكن رئيس رابطة صينيي ماليزيا ووزير المواصلات قالا إن العنف كسلوك قد لا يكون محصورا على المسلمين "فربما يكونون نصارى أو هندوسًا أو غيرهم ..". وبدأ عدد من المسؤولين والوزراء الحديث بمثل هذا الموقف عن ضرورة ما أسموه بـ"معاني الجهاد الحقيقية"، محاولين إظهار أن ما قامت به الجماعة أو العصابة كان بسبب اعتقاد أعضائها بأن هذا هو الجهاد، كما ذكرت اسم العصابة قبل نهاية العملية بساعات، وقيل إن اسمها "المعونة"، وإن عددًا من أعضائها من المهنيين والمتعلمين تعليمًا جيدًا، وبعضهم من الجيش والشرطة على حد تعبير وزير الداخلية عبد الله بدوي، ووزير الدفاع وغيرهما، لكن بدوي قال إن تقارير لم تصل لسلطات الأمن من قبل عن جماعة المعونة ولذلك لم تتخذ الحكومة أي إجراء ضدها لأنها مسجلة كجمعية للتدريب على فنون الدفاع عن النفس.

في البداية ظهر وكأن الحكومة ستقوم بحملة شديدة على الجماعات المنحرفة، فأعلنت عدة ولايات أنها قد حددت أسماء جماعات صغيرة، كما طالبت من جمعيات السيلات الرياضية بأن لا تستخدم فيها ألقاب مثل "الأستاذ الكبير" و"الخليفة"، مع أنها تقابل ما يسميه الصينيون في نوادي فنون الدفاع عن النفس الصينية -كالكونغ فو والتاي تشي وغيرها- من التسميات المشابهة. وأعلنت إدارة الشؤون الدينية في ولاية سلانغور المحيطة بالعاصمة أنها قد عينت 20 جماعة منحرفة من بين 80 جمعية وجماعة مسجلة لديها، وذلك حسب تصريح رسمي لمتحدث باسمها يوم 11/7 ، لكن إحصاءات الحكومة تشير إلى أن أعداد المنضمين لهذه الجماعات قليلة قد لا تزيد في مجموعها عن 2000 شخص في كل البلاد وليس لها أثر واسع، وتواجه الإدارة الدينية انتقادات لبطئها في مواجهة الجماعات المنحرفة، وباعتراف مسؤول في الإدارة الدينية، فقد احتجز عدد ممن ينضم إلى هذه الجماعات، لكنهم عادوا لأنشطتهم بعد إطلاق سراحهم.

ومن بين الجماعات التي تتضمنها القائمة الرسمية لما يعتبر في عداد الجماعات المنحرفة: الطريقة النقشبندية – طريقة نور الدين بوتيه– طريقة الحاج غزالي عثمان – طريقة علم الحقيقة وقد انقسمت على نفسها – طريقة علم تجلي أحمد لاكسمانا – طريقة حسن اناك لذكر الله – طريقة المراتب السبعة – جماعة الرافضين للسنة (القرآنيون)– طريقة قهار بن أحمد – الإسماعيلية –  القاديانية – جماعة الإسلام – الطريقة الزمنية – طريقة أم خديجة – طريقة إسلام محمد صلى الله عليه وسلم – الشيعة.

وعلى إثر الحادثة أصبح أمر التعامل مع من يعتبر من "الجماعات المنحرفة" من مهمة رجال الشرطة وإدارة الشؤون الدينية، ولقد أسست لجنتان مختلفتان للتحقيق بالحادثة، ونظام رقابي جديد لتنبيه الحكومة لظهور جماعة منحرفة تهدد الأمن في أي وقت، ومراقبة كل النوادي والجمعيات التي تدرب فنون القتال للمسلمين، لكن المعارضة حذرت من قمع أي جماعة بهذه التهمة، وطالبت بتقديم كل المتهمين بالانضمام لجماعة منحرفة إلى محاكمة علنية أمام القضاء.

وفي تاريخ ماليزيا المعاصر وخلافا للجماعات الـ19 المذكورة حيث تضم أعضاء قليلين، كانت جماعة الأرقم "الصوفية المتحضرة"- التي حظرت في عام 1994- من أكبر الجماعات الإسلامية التي منعت بعد اتهام زعمائها بالانحراف عن عقيدة أهل السنة والجماعة، بعد أن زاد عدد المنضمين إليها وبلغوا 400 ألف في ذروة عملها، وهو عدد كبير جدا مقارنة بأي حركة إسلامية في تاريخ ماليزيا. فالحزب الإسلامي لم يصل لهذا العدد إلا بعد خمسين عاما من تأسيسه، بل إن "الأرقم" أنجزت مؤسساتيا ما لم تنجزه جماعة إسلامية أخرى في ماليزيا، بغض النظر عن انحرافاتها التي ضيعت هذه الإنجازات، وكانت لديها من المؤسسات التجارية والإعلامية والفنية، بل وحتى الأحياء السكنية المستقلة، فقد كانت بمثابة دولة داخل دولة، يمتلك أصحابها مئات الملايين من الرنغكات (عملة ماليزيا) في البنوك، ويجمعهم نظام تكافلي متميز.

 ولم يكن انحرافها مهما بالنسبة للحكومة، ولكن تهديدها للحزب الحاكم وجذبها لأعضائه وأبناء قادته المعروفين جعل الحكومة تعتمد على أخطاء عقائدية وجدتها في معتقداتهم في مواجهة الجماعة، من خلال خطة تم تنفيذها عبر سنوات لحظر الجماعة وفرض الإقامة الجبرية على زعيمهم الروحي أشعري محمد، الذي قطعت الحكومة تواصله مع عامة الناس ووسائل الإعلام، ويقول مسؤولو الإدارة الدينية إنهم لم يعتبروا ضمن تحقيقاتهم جماعة المعونة كإحدى الجماعات الدينية، لاعتبارها جمعية رياضية، ولم تكشف تحقيقاتهم السابقة طابعًا دينيًا خاصًا لها، ومنذ حظر جماعة الأرقم لم تظهر جماعة أخرى منحرفة بمثل اتساعها- بعد أن ذوبت أغلبية أعضاء الأرقم السابقين- ببرامج دينية كانت تهدف إلى نسخ ما رسخ في أذهانهم من أفكار.

ولكن بعد أسابيع من بدء الضجة الإعلامية الأخيرة لم يعلن عن خطوات عملية لمواجهة هذه الجماعات الكثيرة، قليلة الأعضاء، وربما لأنها لا تشكل تهديدا للنظام كما حصل مع جماعة الأرقم الصوفية سابقا، التي لم تتجه الحكومة إلى حظرها إلا بعد أن باتت تجذب قطاعات كبيرة من الشباب الملايوي.

ولأفراد جماعة  الأرقم وجود في ماليزيا اليوم، ولكنهم لم يعودا كما كانوا، فحتى لباسهم المميز منعوا من لبسه، وهو جلابية بلون غامق، مع عمامة ملونة للرجال، وجبة ونقاب مميز في طريقة خياطته للنساء، كما منعوا من تنظيم حلقات الذكر وأورادهم المعروفة بالأوراد المحمدية ومهرجانات الأناشيد الإسلامية الجماهيرية التي كانت تجذب عشرات الآلاف، وكانت أذكارهم أحد أهم برامجهم الروحانية التي دخلت قلوب الكثيرين في مؤسسات الدولة والشركات والمؤسسات التعليمية، بل وجذبت المغنين والفنانين فأصبحوا منشدين، كما تحول معظم منشديهم إلى تأسيس فرق إنشادية إسلامية لا تحمل مظاهر جماعتهم السابقة، وباتوا أشهر المنشدين الإسلاميين حاليا في البلاد، بعيدا عن أي توجه مميز سوى الالتزام الواضح، لكن نوعا من التكافل ظل موجودا بين قلة منهم في مدرسة أسسوها، ومجموعة مصانع غذائية وطبية ومطاعم ومحلات ومشاريع تجارية أخرى تعتبر بقية استثماراتهم الكثيرة التي كانوا يمتلكونها، وتسمى إحدى مجموعات شركاتهم المشهورة باسم "رفقاء"، وقد أسست عام 1997، ويقول أحد مسئوليها: "إن جماعة الأرقم انتهت، ونحن الآن نركز على التجارة". ويعيش زعيم جماعتهم السابقة المقلب بأبوي أشعري في بيت كبير بالقرب من مقر الشركة مع زوجاته الأربع، وله 37 من الأولاد، لكنه يشكو من مرض عصبي جعله لا يقدر على الكلام بشكل واضح . وبهذا الشكل انتهت جماعته.

وقد أثيرت قضية العنف عدة مرات في حوادث تعد منعزلة، ولم تصل لدرجة الظاهرة، ولم تبرز "جماعة" منظمة تنتهج ذلك، وكانت في الثمانينيات فقط، ففي 16/10/1980 قتلت الشرطة مجموعة من ثمانية أشخاص ادعى قائدهم أنه هو المهدي، واتهمتها بهجوم على مركز للشرطة والتسبب في إصابة 27 منهم. وفي أكتوبر عام 1984 قال مجلس أمن ولاية بيراق إن هناك جماعة إرهابية من 20 شخصًا تتحرك سرا في الولاية، لكنها لم تقم بأي عملية، وفي نوفمبر 1984 تقدمت الحكومة ببيان أبيض للبرلمان عن خطر التطرف الديني، وذكر اسما الحزب الإسلامي والحزب الشيوعي، وقد منع الأخير واندثر وجوده تماما. وفي عام 1985 حدثت حادثة قرية "ممالي" التي قتل فيها 14 شخصًا على رأسهم المدرس الديني إبراهيم محمود الذي سمي وطلابه بـ"المجرمين"، وقتل أربعة من رجال الشرطة، وذلك في ولاية "قدح". وبعدها تم اعتقال 159 شخصا، من بينهم 29 امرأة و 12 طفلا. ومنذ ذلك الوقت ولا وجود لحوادث ربطت بـ"التطرف"، وهو ما تنعم به ماليزيا بسبب العلاقة السلمية بين الحكومة والحركات الإسلامية، بالرغم من كل الذي يقال عن محاولتها إضعاف الحزب الإسلامي.

الحزب الإسلامي هو المستهدف

الحزب الإسلامي- وقبل أن يشار إليه- في أول تصريح له، قال رئيسه فاضل نور: إن حزبه ليس له علاقة بأي "منظمة إرهابية أو جماعة دينية منحرفة قالت الحكومة إنها قد تعرفت عليها. وليس من أساليبنا أن ندعو إلى ثورة مسلحة، فالنهج الديمقراطي كان نهجنا السياسي منذ 50 عاما ..". كما قال السكرتير العام للحزب نشر الدين عيسى إن الحزب سيفصل من يثبت عنه أنه متورط في تهديد أمن البلاد. وفي 10/7 بدأت الإشارة إلى الحزب الإسلامي مباشرة بأن أعضاء منه قد انضموا لجماعة المعونة، وأن عددا من قادة هذه الجماعة  البارزين أعضاء في الحزب الإسلامي، كما قال محاذير إن 1800 من أعضاء معونة من أعضاء الحزب الإسلامي أيضا، لكن الحزب رد بعدم تسلمه قائمة بأسماء هؤلاء حتى الآن، وقال الشيخ نيك عبد العزيز- مرشد الحزب- إن الحزب سيفصل من يؤمن بالعنف منهجا من عضويته، و"ليؤسسوا هم منظمتهم الخاصة بهم". وكان الوزير رئيس يتيم قد حذر الحزب الإسلامي من إمكانية استخدام سلطة أكثر من القانون ضدهم، بل قال إنه قد قدم لمكتب المدعي العام مقترحا يمنع استخدام كلمة "الإسلامي" من اسم وشعار أية جمعية أو حزب. وتشير الأحداث الأخيرة إلى أن الحكومة ستبدأ تركيز عملها السياسي على المناطق الشمالية للبلاد التي يتزايد تأييد السكان فيها للتيار الإسلامي.

وقال فاضل نور: "إنه من غير المناسب أن يشير إلينا رئيس الوزراء في حديثه عن حادثة ساوك، مما يثير الكره ضد الحزب الإسلامي، وإننا نشعر بالألم الشديد لما حصل، بما في ذلك مقتل اثنين من غير المسلمين.. نحن لا نعرف دوافع المعونة الحقيقية، ولكن مهما تكن هويتهم فإننا لا نقبل ما قاموا به..". وقال: "دعونا لا ننسى أن الحادثة قد حصلت والتحالف الوطني في الحكم ولم تحدث حتى في ولايتي كلنتان أو ترنغانو – المحكومتين من الحزب الإسلامي – وتصريحات محاذير تأتي لتهدد غير المسلمين ليزيدوا من تأييدهم للتحالف الوطني". ودعا الحكومة إلى التعاون مع كل الأطراف لمواجهة الجماعات المنحرفة، وقال إن "مثل هذه المهمة لن تنجح في أدائها الحكومة وحدها"، وكان رئيس الوزراء قد حذر غير المسلمين من مغبة تأييدهم للمعارضة الإسلامية، مستدلا بالحادثة التي صبغتها وسائل الإعلام بصبغة إسلامية.

بل إن جيمس يونغ ينغ- وهو كاتب صيني ماليزي- تساءل مستبعدا تورط الحزب الإسلامي مع المعونة بقوله: "إن الحزب الإسلامي حزب قانوني ضمن تشكيلة بلدنا الديمقراطية منذ عام 1955، وإنه قد أعلن في دستوره أن لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويسعى لتطبيق مقتضاها. ومن الصعب الربط بين الحزب والمعونة إذا كان الحزب يتزعمه قادة من علماء المسلمين المؤهلين لفهم الإسلام". وأشار يونغ إلى وجود فرق بين نوعين من الأنشطة لجماعة المعونة: فالنوع الأول هو ما نظمه قائدهم على أساس أنهم ناد رياضي وقبل اعتبارها "جماعة منحرفة"، وقد يكون بعض أعضاء الحزب قد تدربوا في هذا النادي كغيره من النوادي الرياضية، وكغيرهم ممن ينتمون لأحزاب وطبقات أخرى، بل إن رئيس شرطة ولاية قدح قال إنهم قد احتجزوا 118 من أعضاء المجموعة، واكتشفوا أن كثيرا منهم من عامة الناس ممن انضم لهم لميوله الرياضية وحبه تعلم فنون الدفاع عن النفس المنتشرة في آسيا بشكل واسع. كما أشار إلى وجود جمعيات سرية من الصينيين والهنود كجماعتي "أنغ ميري" و"واه كيه" ممن جذبت أعضاء من الأحزاب الصينية والهندية المشاركة في الحكم مع محاذير، ولعل من المثير في تحليلات الصينين لحادثة المعونة أن شبهوها بجماعات منحرفة بينما تقوم بنفس التصرفات كغمس الأيادي في الزيت المغلي والمشي على الفحم الملتهب!

من جانبها طالبت جمعية علماء ماليزيا المستقلة الحكومة بالسماح لها بأن تلعب دورًا أكبر في مواجهة الجماعات المنحرفة، وقال رئيسها عبد الغني شمس الدين: إن على الحكومة أن لا تتصور ما يقوله العلماء من نصح و إرشاد سلبيًا، فهي مسئوليتنا كعلماء، ولسنا ننتقد لتأييد طرف سياسي معين، ونريد أن نعطى فسحة لنؤدي دورنا باستقلالية عن المواجهات السياسية". وأشار إلى أن أعضاء جمعيته يواجهون معوقات للعمل الدعوى بين أفراد الجيش ورجال الأمن، وأن وسائل الإعلام تحتاج إلى إشراك العلماء في توجيه الجماهير.

        ووصف المسؤول الإعلامي لحزب العدالة الوطني الحادثة بأنها "مسرحية"، وقال: "إن الطريقة التي ظهرت بها العملية تعطي انطباعا وكأنها مسرحية، غير أنها لم تلتزم بالنص 100%.. كل قطعة سلاح مقفلة، وهذا يحتاج ساعات لفك أكثر من 100 رشاش".

وأما حزب العمل الديمقراطي (الصيني)- وهو أحد أحزاب المعارضة- فقد دعا رئيس الوزراء إلى تشكيل لجنة مشتركة من الحكومة والمعارضة للتحقيق في الحادثة وما يدور حولها، "بدون تسييس للحادثة، وأن يحضر الجميع: ليس تمثيلا لحزب معين، ولكن لأنهم شخصيات هامة من المجتمع الماليزي". وقد حذر الحزب من تكرار ما حصل في الثمانينيات من عملية اعتقال واسعة لقيادات وشخصيات من أطراف وتوجهات عديدة بعلة حماية الأمن القومي. وكان زعيم المعارضة الصينية ليم كيات سينغ قد وصف الحادثة بأنها: "إحدى أسوأ الأزمات السياسية التي انجرت لها ماليزيا بسبب الاستغلال السياسي وتسيس التحالف الوطني الحاكم لها.. لتخويف غير المسلمين من الحزب الإسلامي ومن الإسلام بأنهما مرتبطان بالتطرف والإرهاب".

المعارضة بمجموعها في بيان مشترك حول الحادثة، عبروا عن ارتياحهم لانتهائها بدون خسائر بشرية أخرى غير الثلاثة الذين قتلوا، لكنهم عبروا عن قلقهم من استخدام الحكومة قانون الأمن الداخلي ضد من لم يشاركوا بالعملية واتهامهم بأنهم من أعضاء الجماعة، وقال التحالف البديل المعارض الذي يضم 4 أحزاب: "إن رئيس الوزراء يحاول إبعاد النظر عن القضايا التي تهم الشارع الماليزي فيما يخص إساءته في الحكم، وإنه يتهم المعارضة- وخاصة الحزب الإسلامي- بدون حياء بأنهم وراء تدبير العملية بسبب تراجع شعبيته وخشيته من سقوط الحزب الحاكم في الانتخابات القادمة، ويأمل من ذلك تخويف غير المسلمين من الحزب الإسلامي، وزيادة شعبية الحزب الحاكم بين المسلمين، وأن يخلق بذلك تأزما بين الأحزاب المعارضة المتحالفة. لكننا نود أن نؤكد للشعب الماليزي استمرارنا في زيادة تأثيرنا في المجتمع الماليزي …".

كما دعت الجمعيات غير الحكومية مجلس الوزراء إلى التعاون معها في حالة تغيير سياسات الحكومة بعد الحادثة الأخيرة وقد وافقهم نائب رئيس الوزراء بدوي، وقد دعا كتاب وصحفيون إلى ضرورة إشراك جمعيات أهلية غير سياسية تمثل قطاعات مثقفة من المجتمع في تحديد رد الفعل الرسمي على تطور يمس توجهات الحكومة الرسمية بعيدا عن التنافس السياسي، ويعرف عن الحكومة تعاونها مع جمعيات "أقل إثارة وجدلية" في مواقفها تجاه سياسات الحكومة، كبعض الجمعيات النسائية والخيرية وجمعيات المستهلكين دون غيرها.

 كيف تعاملت الحكومة مع القضية؟

كيفية تعامل الحكومة مع هذه العصابة كانت أمرا آخر تضاربت فيه المواقف. ففي البداية قيل إنهم سيحاكمون بأربع تهم جنائية منها المشاركة بالقتل، وحيازة أسلحة، ثم قال رئيس الوزراء إن الحكومة ستقدم بيانا أبيض رسميا للبرلمان في دورته التي انتهت، ولم يقدم البيان الذي قال عنه د. محاذير إنه سيوضح للشعب الماليزي حقيقية ما حصل "وأن هذه الجماعة لم تكن تقاتل للإسلام أصلا"، وأن المجموعة طالبت باستقالته هو ومن حوله من السلطة عندما اتصلت قوات الجيش بهم قبل استسلامهم. وقال حينها إن الحكومة قد وقعت في خطأ عدم مراقبة جمعيات التدريب على الدفاع عن النفس، ووقع الجيش في خطأ يتعلق بنظام حراساته.

وقد حاولت أحزاب المعارضة مرتين إثارة الموضوع للنقاش في البرلمان، لكن رئيس البرلمان وصف الحادثة بأنها "ليست عاجلة" وقال إن تقريرًا رسميًا سيعلن للشعب عن تفاصيلها كاملة، لكن الأمر بعد انتهاء دورة البرلمان تحول إلى قضية تستهدف أمن البلاد. وبالرغم من مضي قرابة شهر على الحادثة فإن اللجنة التي شكلتها وزارة الدفاع لم تصدر تقريرا حتى الآن، وقد صرح وزير الدفاع نجيب تون رزاق بأن التقرير الصادر عن لجنتين للتحقيق سيصدر في نهاية شهر أغسطس الجاري، وقال إن سبب التأخير هو التحقيق مع كل أفراد الجيش الذين يشتبه في انضمامهم للجماعة.

خلال الأسبوعين الماضيين ترددت التصريحات الرسمية بين محاكمتهم محاكمة علنية تضمن كشف كل الأوراق المخفية للعلمية الفاشلة، وبين إبقائهم رهن الاعتقال وفقا لقانون الأمن الداخلي. وبعد تردد بين الاعتقال الأمني والجنائي اعتبرتهم الشرطة رهن الاحتجاز لكلا السببين! وقد تم تقديمهم للمحاكمة على أساس المادة 121 من قانون العقوبات التي توجه لمن "يعلن  الحرب أو يحاول شن الحرب على يانغ دي-برتوا أغونغ (ملك البلاد)"، وتصل عقوبتها للإعدام أو السجن مدى الحياة. ومع أنهم قد اتهموا بهذا الاتهام، واعتقل من اعتقل من أعضاء جماعتهم أو ناديهم الرياضي، فإن الذي يثير التساؤل هو أن الجماعة لم تحظر رسميا حتى الآن، مع أنها متهمة بمحاولة إسقاط الدولة المنتخبة دستوريا وديمقراطيا!

وبدأت الحكومة تتحرك لتعتقل من قيل إنهم أعضاء آخرون في عصابة، أو من سموا بجماعة المعونة، وجماعة ألعاب السيلات الباطنية، وتحتجزهم بموجب قانون الأمن الداخلي الذي يخول لرجال الشرطة اعتقال أي شخص يهدد أمن البلاد بدون محاكمة لفترة قد تدوم شهورا أو أعواما. وفي اليوم الذي قبض فيه عليهم، كشف عن مبنى لجماعة المعونة التي تتخصص في التدريب على ألعاب القوى الملايوية أو فنون السيلات للدفاع عن النفس ككثير من الجمعيات الأخرى، وأعلن أنها جماعة منحرفة بدأت العمل منذ عامين ولها موقع على الإنترنت.

إدارة الشؤون الدينية قالت إن قائمتها للجماعات المنحرفة لا تضم المعونة، لكن وزير الدفاع قال إنها اعتبرت من قبل الجيش كجماعة منحرفة منذ عام 1995، أي قبل بدء عمل الجماعة المعلن بثلاثة أعوام! وقال إن ذلك كان منشورا في كتيب وزعت منه 10 نسخ فقط  داخليا على بعض قادة الجيش، لكن قائمة رسمية أخرى لم تذكرهم، فكيف أصبحوا جماعة منحرفة عندما قاموا بعمليتهم الفاشلة؟

قيادة جماعة المعونة

ويقول موقعهم بأن محمد أمين رزالي هو قائدهم- وهو الذي قاد العلمية العسكرية- وأنهم بدءوا بـ54 عضوا وبلغوا حاليا 1000 عضو، ويحملون شعارا هو أربعة سيوف مكتوب فوقها: "علم – عمل – إيمان – تقوى"، وهي تمزج في كلامها في الموقع عن تعاليمها بين ألعاب القوى وبعض الآيات والأحاديث التي سردت واختيرت بشكل يوضح جهل أفرادها بمعانيها ومقتضاها. كما تتحدث الجماعة عن قوى خارقة يستطيع أعضاؤها اكتسابها في قتالهم لغيرهم. وقالت الصحف الماليزية- نقلا عن المسؤولين- إن محمد رزالي (29 عاما وأب لثلاثة أطفال) قد تعلم في إندونيسيا، وأخذ عن أحد المشايخ الإندونيسيين- ويدعى ابن عباس باكر-  فكرة جماعته، وقيل إنه تعلم في مدرستين دينيتين غير مدرسة ابن عباس.

وفي الوقت نفسه، قالت المصادر الرسمية إن هذا الذي أطلق على نفسه لقب شيخ كان أحد رجال فرق الجيش. ومن المفارقات أنه كان يحب أغاني الحب للمغني القديم رملي الذي يشبه عبد الحليم حافظ وأم كلثوم بين المغنين العرب! وقال ابن عمه إنه كان متدينا وأحد 13 ولدا لأبيه. وكان رزالي يدعي امتلاكه قوى خارقة.

وحسبما قالت الشرطة، فإن البحث في منزل محمد رزالي قد أوصل الشرطة إلى أوراق تثبت أنه خطط للعملية منذ شهور. كما أعلنت سلطنة بروناي أنها قد اعتقلت 27 شخصا من أتباع جماعة المعونة، وهاجم خطباء المساجد الجماعات المنحرفة، لكنهم لم يذكروا المعونة بالاسم، وكانت السلطات قد ذكرت أن قائد العملية والمعونة رزالي قد زار بروناي أربع مرات في الشهور الماضية، كما قالت السلطات الدينية في السلطنة إنها كشفت عن كتب تطبع وتوزع من أطراف المجموعة وتحوي أفكارا منحرفة.

 تساؤلات تنتظر الإجابة

السؤالان اللذان تركز حولهما الحديث في كل التحليلات هما: "كيف يمكن أن يحصل ذلك؟ ولماذا ؟". وقد قالت صحيفة نيوزسترايتس تايمز الرسمية في أول مقالة لها عن الحادثة: "نحن الماليزيين نريد أجوبة مقنعة عن كل ما حصل، فوجود الجماعات المنحرفة ليس جديدا، لكن أمورا مثل هذه تحصل في بلد معروف بالأمن والسلام والوئام الديني هو الغريب. بل إن البعض لم يصدق الخبر في البداية، وظن أن الأمر ليس إلا عصابة من السارقين، خاصة وأن رئيسهم كان قد قبض عليه في تهم جنائية سابقة.

وهناك العديد من التساؤلات التي ينتظر الجميع الإجابة عنها من قبل التقرير الذي سيصدر في نهاية الشهر الجاري، فمن الملاحظات المهمة حول الحادثة هو أن أعضاءها لم يطالبوا بمطالب ولم يعلنوا بيانا أو يرسلوا خطابا معلنا يعرف بمطالبهم، مع أنهم ظلوا محاصرين من قبل الجيش خمسة أيام. وقد  تساءل قارئ لصحيفة معارضة: "كيف يمكن لـ15 شخصا و أكثر من 100 قطعة سلاح وآلاف العيارات النارية أن تحملهم 4 سيارات باجيرو؟ وقد شككت صحيفة معارضة في أن تكون الأسلحة قد نقلت بالفعل بهذا الشكل؟

وفي مقالة أخرى للكاتب الصيني دي .إل داون جمع 15 نقطة اختلاف وتضارب في تقارير الصحافة الرسمية- نقلا عن المسؤولين- حول تفاصيل العملية، وهي: زمن حدوث الاستيلاء على الأسلحة، وكانت هناك 3 روايات. وأين تركت العصابة السيارات التي سرقت بها الأسلحة وهناك 3 راويات تتراوح فيها المسافة عن مكان الحادثة ما بين 30-80 كم! عدد الرهائن وأسماؤهم وأعمارهم، المكان الذي اختبئوا فيه وهل كان يبعد 1000متر أو 2 كم أو 400 متر أو 100 متر عن مدرسة ثانوية تقع هناك؟ لماذا وأين قتل أحد أعضاء المعونة؟ وهل كان ذلك خطأ أم عمدا؟ كيف قتل أحد الرهائن؟ ومتى عرفت عائلته بذلك؟ والأكثر إثارة من الذي كان يستمع إلى أشرطة المغني الكلاسيكي رملي: هل هم الجماعة حيث ردت على نداءات الشرطة بالأغاني وهم جماعة دينية؟ أم أن الجيش استخدم ذلك ضمن الحرب النفسية ضدهم؟  لماذا كانت العصابة تقوم برمي الرصاص في الهواء مما  أدى إلى افتضاح أمرهم بين سكان المدينة المعروفة بهدوئها الشديد؟ وهل جرح جندي واحد أم جنديان؟ ولماذا أدخل جندي أمام الصحافة ورجله مربوطة بلفاف ملطخ بلون الدم الأحمر في مستشفى بعيدة عن الحادث؟ وكم جرح بعد استسلامهم؟

 ثم التساؤل الأهم حول حقيقة رئيس المعونة وحياته، فقد قيل إنه أحد 9 أخوة وقيل 13، ثم ذكر أنه ترك الجيش قبل 10 سنوات أي عندما كان عمره 19 سنة، وأنه قبل ذلك كان يعمل في سلك المخابرات العسكرية وهو لم يبلغ العشرين، ثم عمل سائقا لشاحنة ثم تاجرا ثم قبض عليه في تهمة تهريب مخدرات وتهريب عمال، ثم درس في إندونيسيا على يد شيخه المقلب بابن عباس، وكل هذا خلال 8 سنوات أسس بعدها جماعته في 1998 فما هي حقيقة رئيس العصابة هذا؟ وبعد كل هذا لماذا ألقى على جماعته صبغة دينية وظهرت  صوره في الإنترنت وهو يلبس الشماغ الأحمر وكأنه شيخ؟ كما أثار الكاتب داون في النهاية تساؤلا حول الأهداف الحقيقية للمعونة والهويات الحقيقية للذين شاركوا في العملية.

من الصعب جدا معرفة الحقيقة وراء الحادثة الأخيرة. وليس من الممكن الجزم بأنها كانت مفتعلة من قبل الحكومة، كما تقول أطراف المعارضة وبعض الكتاب، كما  تجد الحكومة صعوبة في جعل الرأي العام يتقبل الرواية الرسمية بأنها كانت محاولة انقلابية على الحكومة.

الكاتب المستقل ك.كابيلان تساءل في مقال له على الإنترنت ما إذا كانت المعونة قد افتعلت لتحريك عنف طائفي أو تخويف الناس من إمكانية حدوث ذلك في أي وقت بعد تركيز الأنظار على مقتل اثنين من الجيش من غير المسلمين على يد رجال المعونة، وهل حقا كان غير المسلمين هم الهدف وأن الجماعة كانت تريد إعلان الجهاد؟

وتساءلت مجلة أسبوعية ماليزية في موضوع غلافها: "جهاد ضد من؟" وكان سؤالا وجيها حول حقيقة ما كانت تهدف إليه المعونة.

 وإذا نظرنا في اتهام الحكومة المعارضة بأنها تريد تحريض المسلمين على غير المسلمين فكيف يكون ذلك ومعظم المؤسسات الإعلامية بيد الحكومة؟ وهذه المؤسسات الرسمية، وبتسليطها الضوء على القضية بشكل مثير، هي التي أثارت ضجة حول الحادثة. فحتى بعد انتهاء الحادثة، وإلى يومنا هذا ما تزال القضية تشغل الصفحات الأولى للصحف. وبالرغم من أن المعارضة لديها صحيفتان فإن إحداهما- ويمتلكها الحزب الإسلامي- ضيق عليها وأصبحت توزع مرتين في الشهر بدلا من مرتين في الأسبوع، بعد أن أصبحت من أشهر الصحف بين الناس، كما أن الصحيفة الأخرى الممتلكة من حزب العمل تطبع مرة في الشهر وتوزع بشكل محدود، وأما مواقع الإنترنت المعارضة فمع أن أثرها كان واسعا في الأعوام الأخيرة فإن عدد مستخدمي الإنترنت قليل مقارنة بمتابعتي وسائل الإعلام الجماهيرية التي تمتلكها الحكومة، ولذلك تبقى للمعارضة أساليب الخطاب المباشر عبر المحاضرات والاجتماعات والاتصال الشخصي.

الحادثة أوقعت الحكومة في "أزمة ثقة" من قبل الجماهير التي لم تحصل على معلومات كافية حول الحادثة وتفاصيلها، وظل الكثير من الأسئلة يدور في أذهانهم وأحاديثهم، وما سمعوا عنه هو مجرد أن المعونة قامت بخطف الأسلحة وحاولت الانقلاب على الحكومة..الخ، ولكن هذا زاد من مشكلة تراجع ثقة الجماهير بالخطاب الرسمي الذي بدأت مظاهره تبدو منذ الأزمة المالية وعزل أنور في عامي 1997 و1998، هذا مع أن  كثيرا من الصينيين والهنود قد صدقوا الرواية الرسمية.

أحد المحللين المعارضين أثار قضية تسييس دور الجيش الماليزي الذي يعد أكثر الجيوش حيادية في جنوب شرق آسيا على الإطلاق، واتهم وزير من الحزب الحاكم بتمويل جماعة انشقت عنها المعونة سابقا، وبأن أعضاء آخرين من الحزب قد انضموا للجماعة، ويقول إم جي بيلاي: إن الحادثة لا تخلو من مظاهر المنافسة بين وزير الدفاع ووزير الداخلية اللذين يتطلع كل منهما إلى خلافة محاذير! وكان القائد الميداني زيني محمد قد لام المعارضة كذلك بأنها وراء الحادثة، وهي سابقة جديدة في مواقف الجيش، كما أن رئيس الشرطة التابع للداخلية وليس الدفاع قال في مقابلة تلفزيونية: إن الشرطة قد تستدعي الجيش في أي وقت، كما حذر منسق قسم الدراسات الأمنية والإستراتيجية في الجامعة الوطنية الماليزية قمر النظام عبد الله من أن المعونة اختلفت عن الجماعات المنحرفة الأخرى بأنها اخترقت الجيش إذا أخذنا بالرواية الرسمية، وقد عد محاذير النظام الأمني في الجيش أحد نقاط الضعف التي أدت إلى ما حصل.

الحادثة أيضا سلطت الأضواء على حاجة المجتمع الماليزي لمزيد من الجهود الدعوية والإرشادية لمنع الجماعات المنحرفة من اختراق أفراده بجهلهم بأحكام الدين، واستغلال تعلق الناس بالدين بشكل سيئ من أناس لا علاقة لهم به. فمع أن هناك أعدادا كبيرة من خريجي المدارس الدينية والجامعات العربية وأقسام الدراسات الشرعية في الجامعات المحلية والعالمية، ومع أن نسبة الواعين من المسلمين إلى مجموعهم تعتبر أكثر من نسبة أمثالهم في بلدن مسلمة أخرى، مع كل هذا فإن هناك قطاعات أخرى من الشعب ظلت منذ القدم فريسة سهلة لمن يتلاعبون باسم الدين بعقول الناس، فليست جماعة المعونة الأولى، وليست الأخيرة، فهناك جماعات أخرى مازال أفرادها يتحركون ليشيعوا مفاهيم خاطئة من صوفية منحرفة، و"قدرات روحية"، وغير ذلك من الخرافات التي يؤمن بها الأتباع ويكونون على استعداد لتنفيذ أوامر قائدهم، حتى لو كان ذلك قتل إنسان، بل ظهرت في ماليزيا- شأنها شأن أي بلد مسلم آخر-جماعات منحرفة واندثرت، فالحاج محمد شمسي اتبع مذهب التسليم في الستينيات الذي ابتدعه الحلاج في القرن التاسع الميلادي وقتل لانحرافه.

 وككثير من بلدان العالم الإسلامي- أو لنقل جميعها- لابد من وجود طبقة لا تعرف من الإسلام سوى "طقوس تعبدية" من صلاة وصوم وربما زكاة، مع أنها لا تلتزم بها بشكل كامل، وبعد ذلك لا يعنيهم الإسلام في شئ من أمور دنياهم، وفي كثير من الأحيان تجدهم يعرفون قراءة القرآن، لكنهم لا يفهمون معانية، وهنا تقف اللغة حاجزا مهما، وفي مثل هذا الجو إما أن يعيشوا بهذا الشكل طوال حياتهم، أو يقعوا فريسة الفساد الأخلاقي تدريجيا، أو جماعة منحرفة، أو أن يهديهم الله، وهذه ليست نظرية ولكنه الواقع، وأما البرامج الدعوية الرسمية وبرامج التلفاز فإنها لا تساعد على توعية الناس وحمايتهم من معتقدات منحرفة،  وتفسير لآيات الله عز وجل وشرح لأحاديث نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم على الشكل الذي يراه شيخ الطريقة مناسبا لتبرير بقائه في منزلته بين أتباعه.

وقد اقترح الكاتب مختار ستروك على الحكومة أن تعيد كتابة المناهج التربوية والدينية، وأن يتقدم علماء بمقترح لبرنامج تربوي شرعي يعمم ضمن المناهج العامة للمدارس الوطنية التي تختلف تماما عن المدارس الإسلامية الخاصة، بل وسع اقتراحه ليشمل مطالبة رجال الدين الآخرين من الصينيين والهنود ليعدوا منهجا دينيا لأبنائهم، حماية لهم من جماعات متطرفة قد تضر المجتمع ككل. وقد كان من الملاحظ انضمام شخصيات ذات وظائف محترمة في عدد من الشركات ومؤسسات الدولة إلى المعونة.

 

اقرأ أيضا:

محاضير محمد: عشرون عاما في الحكم  

اعتقال أعضاء طائفة المعونة بماليزيا  

ماليزيا: محاضير يرضي المعارضة ويثير المسلمين  

مؤيدو أنور يعودون للتظاهر في ماليزيا   

حوار تلفزيوني مع د. محاذير محمد حول عملية المعونة الفاشلة

 رئيس الحزب الإسلامي الماليزي: مجموعة المعونة لا علاقة لها بالإسلام

 

قضايا سياسية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع