|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
انتخابات البوسنة .. الأحزاب الاجتماعية تكسب الأحزاب القومية أ.د. محمد م. الأرناؤوط مدير بيت الحكمة - جامعة آل البيت - الأردن
سخونة
الانتخابات
وعلى الرغم من بعض الحوادث (انفجاران في
سراييفو في اليوم الأخير أحدهما في
المبنى الذي يقع في مجلس الجماعة
الإسلامية والآخر في شارع أزيتش، وبعض
الاحتجاجات على عدم وجود بعض الأسماء في
القوائم الانتخابية)، فإن الانتخابات
جرت بشكل عام في أجواء تتسم بالتنافس
الشديد والترقب الحذر لأكثر من سبب.
وقد حَظِيت هذه الانتخابات باهتمام
كبير على المستوى المحلي والبلقاني
والأوروبي، فمنذ شهور بدأت الحملات
الانتخابية والتحالفات والندوات تشغل
الحياة اليومية حتى طغت على أي موضوع
آخر، ومما زاد في سخونة هذه الانتخابات
كثافة الأحزاب المشاركة فيها، القديمة
والجديدة والكبيرة والصغيرة، والتي تمثل
مختلف ألوان الطيف السياسي، حيث وصل
عددها إلى رقم قياسي (68 حزباً و6 ائتلافات)،
وعلى الرغم من هذا العدد الكبير للأحزاب
فقد كان التنافس والترقب يدور حول
معسكرين، معسكر الأحزاب القومية ذات
اللون الواحد (التي تدَّعي تمثيل الصرب
والكروات والبشانقة / المسلمين)، ومعسكر
الأحزاب البوسنوية العامة
(التي تمثل البوسنة ككل وليس مجرد طرف
فيها). وعلى
الصعيد البلقاني فقد كان هناك اهتمام
لمعرفة انعكاس التطورات المتلاحقة التي
جرت خلال 98/99، أي بعد الانتخابات المحلية
الأولى في البوسنة، في الدول المجاورة (التدخل
الدولي في يوغوسلافيا / كوسوفا،
الانتخابات الرئاسية في مقدونيا،
والانتخابات الرئاسية في كرواتيا …. إلخ)،
حيث يُنتظر أن تجري بعد البوسنة انتخابات
في كل من صربيا وكوسوفا قد تفسح المجال
لتصور جديد للبلقان.
أما على الصعيد الأوروبي والغربي فقد
كان هناك تفاؤل خلال السنتين الأخيرتين
بانحسار نفوذ الأحزاب القومية المتشددة (وخاصة
لدى الصرب والكروات)، مما كان يبشّر
بازدياد فرص التعايش / الاستمرار
لجمهورية البوسنة والهرسك كدولة واحدة
تندرج ضمن التحولات الجارية في البلقان
للاندماج التدريجي في الإطار الأوروبي،
وذلك بتعزيز التعاون الاقتصادي
والانفتاح السياسي والبناء الديموقراطي
المؤسساتي. أحداث أثَّرت
على مزاج الناخبين
ولكن
لابد من القول أنه خلال الحملات
الانتخابية في الشهرين الأخيرين فرضت
نفسها بعض الأحداث التي أثرت على مزاج
بعض الناخبين في البوسنة التي أدت إلى
النتائج التي انتهت إليها هذه
الانتخابات: 1-
الانتخابات البرلمانية والرئاسية في
كرواتيا خلال شباط / فبراير الماضي التي
أدت - بعد موت الرئيس فرانيو توجمان في
كانون الأول / ديسمبر الماضي - إلى هزيمة
كبيرة للاتجاه القومي الكرواتي الحاكم
في كرواتيا منذ 1990م، والذي كان يدعم بقوة
الاتجاه القومي الكرواتي في البوسنة. وقد
كان موضوع كروات البوسنة أحد مواضيع
الحملة الانتخابية الرئاسية، حيث أكد
المرشح / الرئيس الحالي ستيبه مسيتش على
التعامل مع كروات البوسنة باعتبارهم
مواطنين لدولة مجاورة ذات سيادة (البوسنة)؛
ولذلك فقد كان هناك شعور بالصدمة من قادة
الاتجاه القومي الكرواتي، في أن زغرب أو
الدولة الأم قد تخلت عنهم، مما كان يحرك
عند البعض مشاعر الخطر ومشاعر التشدد من
جديد، ومشاعر القبول بالكيان/المصير
الموجود لدى البعض الآخر. 2-
مرور الذكرى الأولى للتدخل الدولي في
يوغوسلافيا / كوسوفا وما أثارته من مشاعر
لدى الصرب، فقد انتهزت وسائل الإعلام
الموالية لميلو سيفيتش في صربيا، التي
لاتزال تمارس تأثيرها على صرب البوسنة،
هذه المناسبة لتشن حملة قوية ضد الغرب
المتهم بـ "التآمر" على الصرب في كل
مكان في البلقان، ولكن من ناحية أخرى فقد
تزامن هذا في صربيا مع تجدد المعارضة من
جديد مع قدوم الربيع، حيث أعلنت عن سلسلة
من المظاهرات والإجراءات التصعيدية التي
لن توقفها إلا مع إجراء انتخابات جديدة
في صربيا يؤمل أن تؤدي أخيراً إلى سقوط
ميلو سيفيتش، وهو ما ينعكس بقوة على
البوسنة، ولكن إلى ذلك الحين فقد أدت هذه
الأسابيع إلى نتائج متناقضة لدى صرب
البوسنة: مزيد من التشدد لدى البعض ومزيد
من الانفتاح لدى البعض. 3-
اعتقال عضو هيئة الرئاسة البوسنوية
مومتشيلو كرايشنيك في 3/4/2000 وتقديمه
فوراً إلى محكمة جرائم الحرب في
يوغوسلافيا السابقة، وكان كرايشنيك قد
ساهم مع رادوفان كاراجيتش في تأسيس "
الحزب الديموقراطي الصربي" في 1990م،
وبعد اندلاع الحرب في 1992م اختير رئيساً
لبرلمان الجمهورية الصربية المعلنة،
وانتخب في 1996م ممثلاً للصرب في هيئة
الرئاسة البوسنوية، ما كان يؤكد نفوذ
الاتجاه الصربي المتشدد في الجمهورية
الصربية، وقد جاء اعتقال أرفع مسؤول صربي
وتقديمه بهذه السرعة إلى محكمة جرائم
الحرب في لاهاي ليحرك من جديد المشاعر
الصربية ويعزز في بعض المواقع الاتجاه
المتشدد، الذي يؤكد باستمرار على "
تآمر" الغرب على الصرب. 4-
مصير اللاجئين (معظمهم من المسلمين)
الذين لم يتمكنوا بعد من العودة إلى
بيوتهم، فعلى الرغم من أن اتفاق دايتون
(1995م) نص بوضوح على عودة اللاجئين الذين
طردوا من بيوتهم؛ لأنه كان يعتبر أن عودة
هؤلاء هي التي تضمن للبوسنة استمرار
التعدد والتعايش الإثني، وبروز/ تقدم
الأحزاب التي تمثل كل السكان في البوسنة،
إلا أنه مع كل التصعيد من بعض الأحزاب
التي ربطت مصيرها بهذا الموضوع لم يتم أي
تقدم يذكر في هذا المجال، وفي هذا الإطار
كان رئيس الوزراء حارث سيلاجتيش، الذي
انفصل عن حزب العمل الديموقراطي وأسس "
حزب البوسنة "، قد ربط مصيره السياسي
من خلال الحملة الانتخابية بموضوع
اللاجئين، وحتى أنه أعلن عن انسحابه من
الحياة السياسية بسبب عدم إحراز أي تقدم
في هذا الموضوع، وفي هذا الإطار شكك
سيلاجتيش في جدية أية انتخابات تجري في
البوسنة " ما دام أكثر من مليون
ونصف المليون من السكان خارج ديارهم " . خطوط متداخلة متعاكسة
وفي مثل هذه الأحوال يدَّعِي الكل
أنه فائز في هذه الانتخابات، وذلك حسب
القراءات المختلفة، ولكن بالاستناد إلى
التطورات المذكورة في الأسابيع الأخيرة
لابد من التوقف عند بعض المؤشرات المهمة
التي تعكس بعض الخطوط المتداخلة
والمتعاكسة:
· في الطرف
البوسنوي المسلم تراجع بشكل واضح حزب
الرئيس بغوفيتش "حزب العمل الديمقراطي"،
إذ فاز بأصوات الناخبين في 35 بلدية فقط (منها
24 فقط بشكل مستقل و11 بالتحالف مع غيره
وذلك من أصل 86 بلدية في الاتحاد الكرواتي
المسلم)، ومع أن نائب رئيس الحزب سليمان
يتهيتش أكد في المؤتمر الصحفي بمناسبة
إعلان النتائج أن الحزب لايزال يشكل
الرقم واحد بالنسبة للمسلمين (وهو صحيح
بالمفهوم الحرفي)؛ ولذلك يمكن اعتباره
نسبيًّا منتصرًا في هذه الانتخابات.
· جاء هذه
التراجع النسبي (إذا سلمنا بـ"الانتصار"
النسبي) لصالح الخيار الذي يفضله الغرب (
بروز تقدم الأحزاب التي تمثل البوسنة ككل
وليس أحد الأطراف القومية فقط)،
وبالتحديد مع تقدم الحزب الاجتماعي
الديمقراطي المعارض الذي فاز بالأغلبية
في ثلاث كانتونات ( سراييفو وتوزلا
ودرينا البوسنة)؛ ولذلك يمكن أن يدعي
بدوره أنه الفائز كأكبر حزب على مستوى
البوسنة.
· في الطرف
الصربي يمكن للحزب الديمقراطي الصربي
الذي أسسه رادوفان كاراجيتش ومومتشيلو
كراشنيك أن يدعي الفوز، ولكن نجد أن هذا
الحزب لم يحصل على أغلبية الأصوات إلا في
"بالي" التي تعتبر معقل الصرب
المتشددين (69%)، بينما لم يحصل في عاصمة
الجمهورية الصربية بانيا لوكا التي
تتميز بالانفتاح إلا على 28.9%. وبعبارة
أخرى لم يعد هذا الحزب الذي كان يهيمن على
الحياة السياسية في الجمهورية أيام
كاراجيتش الحزب المسيطر الآن، بل يلحق به
مباشرة الحزب الاجتماعي الديمقراطي
لرئيس الوزراء ميلوراد دوديك الذي حصد
27.22% من الأصوات في العاصمة بانيا لوكا.
· كما لدى
الطرف المسلم تبدو المفاجأة في
الجمهورية الصربية في تقدم مفاجئ لـ"حزب
التقدم الديمقراطي" الذي يقوده ملادن
إيفانيتش (معتدل)، الذي حل في المرتبة
الثالثة في الانتخابات في الجمهورية
الصربية (حوالي 20% من الأصوات)، وبعبارة
أخرى إن صعود هذا الحزب المعتدل على حساب
"الحزب الديمقراطي الصربي"، إنما
يوضح كما قال نائب رئيس الحزب زوران
جويتش في مؤتمره الصحفي (9/4/2000) أن الجسم
الانتخابي الصربي لم يعد واحدًا أو وراء
حزب واحد، بل أصبح يتوزع على ثلاث قوى
سياسية متقاربة من حيث الأصوات ومختلفة
من حيث البرامج؛ ولذلك لابد للحزب
الديمقراطي الصربي في أن يدخل في تحالفات
مع الأحزاب الأخرى لكي يستمر في الحفاظ
على مواقعه، وبالتالي لابد أن يخفف من
تشدده كي يكون مقبولاً أكثر. وبعبارة أخيرة إن هذه الانتخابات في البوسنة، التي كان الكل يأمل منها الكثير، جاءت في ظروف إقليمية أثرت على مجراها وجعلت كل طرف يأمل بمزيد من الأصوات على حساب الأطراف الأخرى. أما الحقيقة المؤكدة الأولى فهي أن هذه الانتخابات خطوة كبيرة إلى الأمام، إلى مزيد من الانفتاح والتعايش في المحيط البوسنوي والبلقاني والأوروبي، والحقيقة المؤكدة الثانية أن تطلع الناس إلى عيش أفضل جعلهم يدلون بأصوات أكثر إلى الأحزاب ذات الطابع الاجتماعي وبأصوات أقل إلى الأحزاب ذات الطابع القومي الصرف، فالناس شبعت من الشعارات والبلاغات القومية وتتطلع الآن إلى الشبع بالوعود الاجتماعية للأحزاب الاجتماعية الديمقراطية.
اقرأ
أيضًا:
البوسنة:
القومية تسيطر على الانتخابات الشيوعيون
يتقدمون في انتخابات البوسنة قضايا سياسية |
|
|||||||
|
|||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
|||||||