|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
التحولات العالمية.. من الجغرافيا السياسية إلى سياسة الهويات مقتدر
خان –
واشنطن
ترجمة وتحرير/ شيرين فهمي- مصر
لقد
تحول التغيير إلى عادة؛ وصار تدخله في
شتى المجالات مروعًا. فهو يتدخل في
الأنظمة والهياكل والعمليات والوكالات.
ويتدخل على جميع المستويات: الفردي،
والاجتماعي، والقومي، والعالمي،
والمتعدد الجنسيات. تغييرات بسيطة
وأخرى جذرية
ولا
يمكن – بالطبع – أن نضع كل التغييرات
التي تحدث في سلة واحدة؛ فمنها البسيط
ومنها الجذري. فإذا تحدثنا عن التغييرات
البسيطة فيمكننا أن نشير مثلاً إلى مجالي
الدبلوماسية والتجارة، أو إلى انتقال
السلطة من الديمقراطيين إلى الجمهوريين
في ولاية الكونجرس. أما إذا تحدثنا عن
التغييرات الجذرية فسنشير فورًا إلى
التطورات التي تحدث على الصعيدين:
النظامي (Systemic) و الهيكلي (Structural) وهي تعكس
التحولات في الأنظمة وفي طبيعة الحكومات
نفسها. فمثلاً،
الانتقال من الاقتصاد الشيوعي إلى
الاقتصادي الرأسمالي، أو من النظام
التسلطي إلى النظام الديمقراطي يُعد
تحولاً هيكليًا. وكذلك يُعد التحول من
نظام ثنائي القطبية إلى نظام أحادي
القطبية تحولاً نظاميًا. ففى أثناء
الحرب الباردة، كان النظام العالمى يدور
فى فلك أقوى دولتين فى العالم، وهما:
أمريكا وروسيا. أما بعد إنتهاء الحرب
الباردة، فصار النظام العالمى الجديد
يدور فى فلك دولة واحدة، وهى أمريكا. التركيز
على الهوية
إنه
من الشيء الساخر – وفي نفس الوقت لافت
للانتباه – أنه في ظل اتجاه الفرد نحو
العولمة والعالمية يتم –في نفس اللحظة-
الاتجاه الشديد نحو تحديد الهوية
والشخصية. فبينما نجد حياة الفرد تتحول
إلى العالمية، نجد الفرد ذاته يسعى
جاهدًا لتعريف هويته وشخصيته بطريقة
مفتعلة وأكثر صرامة عن ذي قبل. وغالبًا ما
يعتمد هذا التعريف على العنصر المحلي مثل:
العرقية والإثنية. إن الهويّات تقف الآن
"لتستعرض عضلاتها"؛ فهي تظهر في كل
مكان مُعلنة عن تواجدها في كل المجتمعات
التي صارت مُقسمة إلى مجموعات ثقافية
وإثنية متعددة. وتخضع تلك المجموعات
لضغوط العولمة كما تخضع إلى مؤثرات
التشتت والانقسام. ونتيجة لذلك، وقعت
الدولة القومية في شراك فخ عميق. وصارت
ضغوط "الهوية" تضغط بشدة على كيان
الدولة القومية. ففي غضون السنوات العشر
الماضية رأينا دولاً مثل: الاتحاد
السوفيتي ويوغسلافيا تختفي وتتلاشى،
بينما وجدنا دولاً جديدة (حوالي عشرين
دولة) تظهر وتبزغ على المسرح العالمي. هذه
الدول الجديدة خرجت من تحت عباءة الاتحاد
السوفيتي ويوغوسلافيا لُتعلن عن "هويتها"
. والغريب في الأمر، أنه في ظل تلك
الانقسامات التي حدثت في شرق أوروبا، نجد
على الوجه المناقض منظمات مثل الاتحاد
الأوربي والنافتا والاسيان قد أحرزت
إنجازات ضخمة في مجال التعاون فيما بينها. ثورة
تكنولوجيا المعلوماتية
معظم التغيرات التي نشهدها الآن حدثت
بفعل الثورات التكنولوجية في النقل
والاتصال وصناعة المعلومات. إن عملية ضغط
الوقت والمكان بهذه الصورة المذهلة –
والمفزعة أحيانًا- من خلال الإنترنت
أحضرت العالم كله بين مرأى ومشهد إنسان
القرن الـ 21 ، وقد فتحت له الباب على
مصراعيه ليحلم أحلامًا أكثر اتساعًا،
ليست محددة بمكان معين بل مخترقة لجميع
البنى التحتية سواء أكانت اجتماعية
اقتصادية أو سياسية. ومن أجل تحقيق تلك
الأحلام "العالمية" يسعى إنسان
القرن الـ 21 إلى الإعادة التنظيمية
لهيكلة المؤسسات العالمية. ولكنه
ينسى أو يتجاهل – في زحمة هذا السعي-
النتائج غير المرغوبة والمترتبة عن تلك
المساعي. ينسى أنه هناك آثار غير محمودة
تتمثل في التلوث البيئي، واتساع الفجوة
بين الرواتب، وازدياد الاشتباكات
والصدامات الاجتماعية، وأخيرًا ارتفاع
الحوادث المتعلقة بعمليات التطهير
العرقي والديني. كل هذه الآثار الضارة -
والتي تمثل اتجاهات العصر – تعكس مدى
التحديات التي نواجهها في يومنا هذا، كما
تعكس أكثر الفترات إثارة في تاريخنا
الإنساني. ومن
خلال هذه المناقشة القصيرة الموجزة،
أستطيع تشخيص بعض الاتجاهات الأساسية
العالمية التي كانت سببًا للتغيرات
المذهلة التي نلمسها في عصرنا هذا.
والحقيقة، إن التغيرات أو التحولات
الكبيرة تحدث على ثلاثة مستويات: على
مستوى الهيكل، وعلى مستوى المسيرة
التاريخية، وأخيرًا، على مستوى طبيعة
الفرد. أنا أعتقد أن أهم الاتجاهات
العالمية التي تحدث في وقتنا المعاصر
تتلخص في الآتي: 1)
من السيادة إلى الاستقلال 2)
من الاعتماد على الذات إلى التشابك
والاندماج 3)
من العولمة إلى المحلية 4)
من الجغرافيا السياسية إلى سياسة الهويات ويلاحظ
أن الاتجاهين الأول والثاني يتعلقان
بالجزء الهيكلي، بينما يتعلق الاتجاه
الثالث بالمسيرة التاريخية. وأخيرًا
يختص الاتجاه الرابع بتصاعد أهمية
الوكلاء والعملاء والممثلين. من السيادة إلى الاستقلال
من
المعروف، أن نظام الدولة القومية
الحديثة يعتمد أساسًا على مبدأ السيادة
القومية، ويرى الكثير من الباحثين في
مجال العلاقات الدولية أن نظام الدولة
الحديثة يعود إلى اتفاقية ويست فاليا (West
Phalia) في عام 1648. ومنذ ذلك الحين، ارتبطت كل
من السيادة القومية والهوية الوطنية
بالصفة الإقليمية. وتم استبدال مبدأ
السيادة على الشعوب بمبدأ السيادة
الكلية على إقليم مُعين أو منطقة مُعينة.
ومن ثم تم ربط السلطة بالمكان، وصار نظام
الدولة القومية يشكل كيانًا سياديًا
صاحب سيطرة كُلية على حدود مُعترف بها من
قبل الدول الأخرى.
وظل الأمر على هذا المنوال، حتى ظهر
النشطاء غير الحكوميين، الذين انتشروا
في الأنظمة الدولية بسرعة رهيبة مما أدى
إلى التقليل من شأن سيادة الدولة الحديثة.
وقد ضم هؤلاء النشطاء عدة منظمات ومؤسسات
وشركات وحركات واتحادات: 1) الشركات
العابرة للقارات والجنسيات، 2)
المنظمات الدولية الحكومية ،3) المؤسسات
غير الحكومية، 4) الحركات الاجتماعية
العابرة للقارات،5) اتحاد الجرائم
الدولية.
ومن الجدير بالذكر، أن جميع هؤلاء
النشطاء قد أثبتوا أن الدول القومية ليست
هي الأداة الوحيدة أو الوسيلة الوحيدة في
إدارة السياسات العالمية. والدليل على
ذلك، أن الكثير من هؤلاء النشطاء غير
الحكوميين صاروا أكثر قوة وثراء من دول
عديدة.
إن تغلغل أولئك الممثلين والوكلاء غير
الحكوميين استطاع أن يؤثر بالفعل على
سيادة الدولة القومية، الأمر الذي أدى
إلى إبعاد مبدأ "السيادة" عن محيط
التأثير في النظام الدولي. فلم يعد
للدولة تأثير أو سيادة كما كان الأمر من
قبل؛ لقد حل الاستقلال – أي استقلال
هؤلاء النشطاء – محل السيادة. وصار
الأفراد والمؤسسات والحركات يناضلون من
أجل نيل حريتهم واستقلالهم من سيادة
الدولة؛ صاروا يتنافسون مع الدولة،
ويتسابقون معها لاغتنام الفرص. والتنافس
هنا ليس فقط بين الأطراف غير الحكومية
والدولة، إنما بين الأطراف نفسها وبين
بعضها البعض؛ فالكل يريد أن يسبق الآخر
في الهيمنة على الموضوعات الساخنة
والأمور الدقيقة، ومن ثم إحضارها تحت
مسمع ومشهد العالم. ولذا، نجد اليوم
السياسة العالمية لا ترتكز فقط على
سياسات الدول بل تمتد إلى سياسات الأطراف
المستقلة عن الحكومة. وتلك الأطراف تسعى
حثيثًا وتبذل كل جهدها للحصول على
الاستقلالية كوسيلة لتحقيق أهدافها
وطموحاتها ورغباتها،وبما أن أهداف تلك
الأطراف غير مرتبطة بمكان معين أو إقليم
معين، فإن مسألة السيادة "الإقليمية"
ليس لها مجال هنا. فأهداف مثل حماية
البيئة، أو حماية حقوق الإنسان، أو حماية
حرية الدين لا تتطلب سيادة على منطقة
معينة، وإنما تتطلب سيادة من نوع آخر: إن
تحقيق مثل هذه الأهداف يتطلب سيادة
الأطراف على تلك الأهداف، وإبرازها
عالميًا.
بمعنى آخر، إن ما يحدث الآن هو افتقاد
الدولة لسيادتها تدريجيًا، تلك السيادة
التي كانت في يوم من الأيام من امتيازات
الدولة القومية. وعلى الوجه الآخر، نجد
تضخمًا في سلطات الأطراف غير الحكومية
لدرجة أنها صارت طاغية على سلطات الدولة.
وتبعًا لذلك، صارت تلك الأطراف تسعى
لاستقلالها وحريتها من سيادة الدولة
بشتى الطرق المُقنَعة. فمثلاً، نجد
الشركات العالمية تسعى في التقليص من دور
الرقابة الحكومية تحت مسمى التجارة
الحرة والأسواق الحرة. مُلخص
القول: أن العالم يشهد انتقالاً ملحوظًا
من سيادة الدولة إلى استقلالية الأطراف
غير الحكومية. من
الاعتماد على الذات إلى الاندماج
والتشابك قبل
مرحلة العولمة، كانت الدول تؤمن بسياسة
الاستقلال الاقتصادي. وتبعًا لذلك، أخذت
في انتهاج استراتيجية الـ mercantilism وهي
إستراتيجية تعتمد على حماية الداخل من
الخارج، أي حماية الصناعة المحلية
وبالتالي الأسواق المحلية من الخطر
التجاري. ولقد اتبعت اليابان تلك
السياسة، وكان هذا سببًا من أسباب نمو
اقتصادها وتطوره من الستينات إلى
التسعينات. والتفتت معظم دول العالم
الثالث إلى اليابان، فسارت على نفس
المنهج (الاعتماد على الذات)، ولكنها
للأسف باءت بالفشل. لقد فشلت إستراتيجية
الـ mercantilism أو حماية الذات في إنقاذ
العديد من الدول الفقيرة. فما
زال الفقر والتأخر الصناعي متلازمين
وموجودين. وردًا على ذلك، تحولت الكثير
من الدول إلى التحرر الاقتصادي. البعض
منها كان راغبًا في ذلك، والبعض الآخر
كان مضغوطًا من قبل صندوق النقد الدولي.
لقد كان للأخير دور كبير في تحويل حكومات
كثيرة من الاعتماد على الذات إلى
الاندماج والتشابك مع دول أخرى.
إن الاندماج الاقتصادي فيما بين
الحكومات نشأ وترعرع في مناخ العولمة.
ذلك المناخ الذي فتح الباب على مصراعيه
للاستثمارات الخارجية الضخمة التي تصب
مباشرة في الاقتصاد المحلي. ذلك المناخ
الذي حطم القيود والحدود فيما بين الدول؛
فصارت التجارة غولاً مُكتسحًا للحدود
والقيود، وصار الاعتماد على المنابع
الخارجية – وما تقدمه من مواد خام وأسواق
وخبرات – أمرًا واقعًا. وأخيرًا، صار
التعاقد بين الشركات المحلية والخارجية
امرًا سهلاً.
كل هذه العوامل كونت التربة الخصبة
لإنبات ما نراه اليوم من اندماجات
اقتصادية بين الحكومات. وقد ساعدت تلك
الاندماجات بدورها في إيجاد اندماجات
وتواصل أخرى، منها السياسي ومنها
الاجتماعي. بمعنى آخر، لم تقف الاندماجات
بين الدول عند المحور الاقتصادي، بل
امتدت إلى محاور أخرى سياسية واجتماعية.
في الحقيقة، إنه من الصعب جدًا أن نتحدث
اليوم عن العزلة من أي نوع. فالعزلة صارت
أمرًا غير مُعترف به سواء قبلنا أم أبينا.
بل، إن العزلة صارت وسيلة من الوسائل –
التي يستخدمها المجتمع الدولي- لمعاقبة
تلك الدول التي تنتهج أيديولوجيات
وسياسات "غير مُعترف بها". ومن
الجدير بالذكر أن الاندماجات فيما بين
الدول أوجدت "نوعًا من المسئولية"
فيما بين الحكومات. فالكبوات الاقتصادية
التي تحدث في بلد ما يُمكن أن تؤثر بسهولة
في بلد آخر. ومن هنا يستلزم على الدول أن
تساعد بعضها البعض، حتى لا تتمدد الكبوات
في كل مكان. ومعنى المساعدة هنا، تقديم
الإعانات المالية إلى الدول ذات
الاقتصاديات المنهارة. وهناك أمثلة
عديدة: منها الإعانة المالية إلى
إندونيسيا التي بلغت 80 بليون دولار،
وأيضًا الإعانة المالية إلى جنوب كوريا
والتي بلغت 89 بليون دولار. وهذه الأمثلة
إن دلت على شيء إنما تدل على رغبة الدول
الغنية في الابتعاد قدر الإمكان عن تلك
الكبوات ومؤثراتها. ومن الملاحظ انه في
فترة "الاستقلال الاقتصادي" –
حينما كانت كل دولة معتمدة على ذاتها فقط
– كانت الدول الثرية والمؤسسات العالمية
أكثر شحًا على الدول الفقيرة. من
العولمة إلى المحلية إن
العولمة هي عملية تاريخية استطاعت أن
تُشكل وتبلور أوضاعنا الحالية. وترتكز
العولمة على ثلاثة عوامل أساسية. أما
العامل الأول فهو يمثل التحرك العالمي
لرأس المال، وتداخل الأسواق مع بعضها
البعض لتشكل في النهاية سوقًا عالميًا
واحدًا. وأما العامل الثاني، فهو يُمثل
التقدم التكنولوجي في الاتصالات والنقل
الأمر الذي أدى إلى تحول المسافات بين
الدول إلى شيء غير جدير بالذكر. وأخيرًا،
يمثل العامل الثالث ظهور المجتمع
العالمي الذي يرتكز على التقاء المصالح
والرغبات عبر الحدود؛ وتقوم المنظمات
العالمية مثل الأمم المتحدة ومنظمة
التجارة العالمية بتدعيم ذلك المجتمع . ملخص
القول: إن العالمية (أو العولمة) تعبر
أساسًا عن تفوق السوق على الدولة، ورأس
المال على الثقافة، والاقتصاد على
السياسة. وبالرغم
من ذلك، فإني اعتقد انه بينما تتواجد
العولمة بشكل مؤكد في حياتنا الاقتصادية
والسياسية، نلمس على الوجه الآخر رد فعل
شديد يمكن أن نصفه بالمحلية Glocalization)). إن
الاعتراضات والاحتجاجات ضد العولمة في
ازدياد ملحوظ. فالكل يصرخ: تارة باسم
الرأس المال المحلي، وتارة باسم الثقافة
المحلية، وتارة باسم الهوية المحلية،
وتارة باسم العمالة المحلية. وقد نجد
أمورا متضاربة ومتناقضة: فبينما نرى
اندماج ألمانيا في الاتحاد الأوربي، نرى
على الوجه المناقض الانقسامات في روسيا
ويوغسلافيا. وبينما نرى الكثير يتحدثون
عن المجتمع المدني العالمي، نرى أيضا
تصاعدًا في الوعي الإثني والقومي
المتشدد، وليس أدل على ذلك من الاحتجاجات
الأخيرة التي حدثت في سياتل والتي إن
دلت على شيء فإنما تدل على حجم الانزعاج
والتضرر من عمليات العولمة وآثارها. ولذا
فلا أجد في النهاية سوى "المحلية"
(Glocalization) كأحسن وصف لما نشهده الآن من
تحولات عالمية. من
الجغرافيا السياسية إلى سياسة الهويات من
إحدى التحولات الأساسية التي حدثت في
المحيط الاجتماعي السياسي، هو التحول من
الوحدة إلى التعدد. لقد صار التعدد –
وليست الوحدة- هو الهدف العالمي الجديد.
ولم يعد هناك سعي وراء المبادئ ذات
التطبيقات والاستعمالات الكونية. لقد
صار الاختلاف هو المعترف به؛ أما الوحدة
فيعترف بها فقط من خلال النظر إلى
الاختلافات، أو من خلال وضع التمايزات في
الاعتبار. والسبب الوحيد في هذا التحول
إنما يكمن فيما احتلته الهوية من
أهمية متزايدة ومتنامية. وكثيرًا ما نرى
الآن الحروب والمعارك والصدامات
والحملات التي تقام في سبيل الدفاع عن
الهوية. وقلما نرى الحروب والمعارك التي
تُخاض في سبيل الدفاع عن مكاسب مادية أو
إستراتيجية. إن الدفاع عن الهوية القومية
صار يحتل مكانًا في غاية الأهمية، مثله
مثل الدفاع عن المصالح القومية. بل، إنه
ليس من التهويل أن نقول بأن الهوية صارت
عنصرًا هامًا جدًا من عناصر المصالح
القومية. فانظر
مثلاً إلى قيمة الديمقراطية ومدى
أهميتها في جدول المصالح الأمريكية. إن
الديمقراطية هي القيمة الأساسية التي
يستخدمها المواطن الأمريكي لتعريف هويته
وتحديدها. ومن هذا المنطلق، خاضت الإدارة
الأمريكية حروبًا عدة من اجل الحفاظ على
هذه "القيمة". ففي سبيل الدفاع عن
تلك الهوية - "الديمقراطية" - أرسلت
الإدارة الأمريكية قواتها المسلحة عبر
البحار، ولم ترسلها مرة أو مرتين بل
أرسلتها عدة مرات خاصة في العقد الأخير
من القرن الـ 20. وقد أكد صامويل هانتجتون هذا الكلام، وأشار إلى أن حروب المستقبل ستدار بين الحضارات والهويات ولن تُدار بين الدول القومية: ستخوض الحضارات حربًا ضروس للدفاع عن هوايتها من الهيمنة العالمية. إن عدم وضع الحيز المكاني في الاعتبار وقلة أهميته مع الوقت – نظرًا للثورة التكنولوجية الهائلة كما ذكرنا سالفًا – أدى إلى ازدياد أهمية المساحة الاجتماعية. بمعنى آخر، إن غياب المساحة المكانية واضمحلال قيمتها أدى إلى بزوغ قيمة المساحة الاجتماعية وازدياد أهميتها بشدة. فعندما تعيش الشعوب – مجبورة- مع بعضها البعض في "قرية صغيرة" (قرية العولمة) تضطر إلى بناء وتحديد اختلافات تجريدية فيما بينها؛ وتؤكد الشعوب على تلك الاختلافات كنوع من الثأر لشخصياتها المذابة. وقد يتراءى لنا هذا التحول على المسرح العالمي، من خلال الانتقال من الجغرافيا السياسية إلى الجغرافيا الثقافية. وخير مثال على ذلك ما نراه في استمرار الناتو. فعوامل الجغرافيا – الثقافية هي التي تبرر استمرار هذه المنظمة، أكثر مما تبرره عوامل الجغرافيا – السياسية..
اقرأ أيضاً: قضايا سياسية |
|
|||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||
|
||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
||||||