بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

زيمبابوي: نظام يبَحث عن خلاص

بقلم: محمد عاشور


تزايدت في الأشهر الأخيرة حدَّة المواجهات بين المزارعين السود بقيادة قدامى المحاربين في الحركة الوطنية من جانب، وأصحاب المزارع من المزارعين البيض من جانب آخر. في زيمبابوي - الأمر الذي فسَّره البعض على أنه نوع من الثأر التاريخي - حيث دارت المواجهات بين الطرفين حول الاستيلاء على الأرض والمزارع التي يتملكها البيض، والتي يرى السود أنها أرض أجدادهم وأن البيض قد استولوا عليها عنوة وبقوة السلاح ولم يدفعوا شيئًا مقابلها، ويخلصون إلى أنه من العدل استرجاعها أيضًا بالقوة ودون مقابل. وبالفعل قام هؤلاء المزارعون بالاستيلاء على نحو 500 مزرعة يمتلكها البيض خلال شهر مارس الماضي، وهو الأمر الذي سبقته عدة محاولات منذ أواخر التسعينات، إلا أنه على خلاف المرات السابقة لم تَسَع حكومة زيمبابوي إلى طرد المزارعين السود من مزارع البيض وإعادتها إليهم - رغم صدور العديد من الأحكام القضائية بعدم مشروعية الاستيلاء – بل أكثر من ذلك حيث رحَّب الرئيس روبرت موجابي- رئيس الدولة – بتلك العمليات، ووجه نداء إلى المزارعين السود الذين يقودهم مجموعة مسلحة من المحاربين القدماء قائلاً: عليكم باستعادة ما سلبه منكم المستعمرون البيض" . وعلى الرغم من منطقية ذلك التفسير إلا أن واقع الحال في زيمبابوي يشير إلى غير ذلك، حيث أن المسألة أعمق من مجرد ثأر تاريخي، وهو ما يتطلب التعرف على طبيعة مسألة الأرض وواقع النظام في زيمبابوي وصولاً إلى فهم أعمق للمشكلة.

مسألة الأرض

منذ الاستقلال عام 1980م ظلت مسألة الأرض والتي تتمثل في امتلاك 5% فقط من سكان البلاد (أو نحو 4500 مزارع البيض) نحو 75% من أراضى البلاد، في حين أن الغالبية الإفريقية أصحاب البلاد الأصليين لا تمتلك إلا 25% من الأراضي، فضلاً عن أن المناطق الزراعية المملوكة للبيض هي الأكثر جودة وخصوبة وتتوافر بها كافة الخدمات، في حين أن المناطق المملوكة للسود تفتقر لكل ذلك.

والحق أنه لا يمكن إنكار أن التقدم في وسائل الإنتاج وحجمه في أراضي البيض قد جاء على حساب استمرار تخلف الأراضي الإفريقية، حيث سعى المستوطنون البيض إبان الحقبة الاستعمارية إلى الإبقاء على تدني وتخلف الجماعة السوداء من المزارعين لتحقيق هدفين أساسيين هما: خلق قوة عمل إفريقية رخيصة من جانب، والحيلولة دون منافسة المزارعين الأفارقة للبيض من جانب آخر، واستخدم المستوطنون البيض في سبيل ذلك كل السبل الممكنة من فرض ضرائب على الرؤوس لإجبار الأفارقة على العمل بأجر في مزارع البيض، وانتزاع أراضي الأفارقة وإعادة توطينهم وصولاً إلى حرق محاصيل المزارعين السود في السبعينات لحرمان قوات حركات النضال الوطني من التستر بها والتوغل في البلاد، وهو الوضع الذي وَرَثَتْه حكومة الاستقلال عام 1980م وفَرَض عليها ضرورة إعادة النظر في المسألة.

وعقب توليه السلطة أعلن روبرت موجابي أنه لن يتم الاستيلاء على المشروعات الزراعية الخاصة، وأن الأرض غير المستغلة أو تلك التي يملكها غائبون أو تاركون للبلاد، هي التي سوف تُسْتَخدم في إعادة توطين الفلاحين الأفارقة المعدمين. وقد وضعت حكومة الاستقلال خطة لتوطين 163 ألف أسرة خلال الثلاث سنوات الأولى للاستقلال على مساحة 8 مليون هكتار من الأرض بمساعدة بريطانية قدرها 60 مليون دولار، وطوال عقد كامل من الزمان لم تنجح الحكومة سوى في توطين 70.000 أسرة واسترداد نحو 3.2 مليون هكتار ظلت 400.000 هكتار منها غير مستغلة وتعرضت للبوار.

حصاد الهَشِيم وتداعي التوازن الهَشّ

منذ البداية وعت حكومة الاستقلال برئاسة موجابي حقيقة معضلة الأرض التي تواجهها، ومؤداها أن تأميم ومصادرة أراضي المزارعين البيض لصالح المزارعين السود قد يؤدي إلى هجرة البيض من البلاد، وهروب المستثمرين على نحو يؤدي إلى تدهور الإنتاج وربما يفتح الباب للتدخل الخارجي، وفي ذات الوقت فإن امتناع الحكومة عن مواجهة المشكلة التي يعانيها المزارعون السود ومطالبتهم بإعادة توزيع الأرض قد يسفر عن مشكلات عدم استقرار خطيرة في البلاد؛ لذا ربطت الحكومة استمرارها في الالتزام بسياسة عدم التأميم باستمرار تقديم العون الكافي لها من جانب بريطانيا والمؤسسات النقدية الدولية وفي مقدمتها البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، وقد نجحت حكومة زيمبابوي في إدارة ذلك التوازن الهش طيلة ما يقرب من عقدين من الزمان استنادًا إلى ثروات البلاد وقدراتها الاقتصادية، حيث تعتبر زيمبابوي ثاني أكبر دولة صناعية في إفريقيا جنوب الصحراء بعد جنوب إفريقيا كما أنها أكبر دولة منتجة للكروميت في العالم، وهي من الدول المصدرة للنحاس والنيكل والذهب والاسبستوس، فضلاً عن امتلاكها صناعة تحويلية متنوعة وتكنولوجيا متقدمة، إضافة إلى تمتعها بالاكتفاء الذاتي في إنتاج المواد الغذائية، إلا أنه مع تراجع أسعار المواد الأولية وبسبب السياسات الاقتصادية الخاطئة وتفشي المحسوبية والفساد، تراجعت معدلات النمو الاقتصادي في البلاد من 7% في عام 1996م إلى نحو 3% فقط في نهاية التسعينات، كما بلغت معدلات التضخم نحو 60% ونسبة البطالة 50%، ووصلت نسبة السكان الذين يعيشون تحت خط الفقر إلى نحو 70% من إجمالي السكان.

وفي ظل تلك الأوضاع تصاعدت حدة الانتقادات لسياسات الرئيس موجابي وحكومته، وارتفعت الأصوات مطالبة بتنحِّي الرئيس عن السلطة وإتاحة الفرصة للتغيير، وإجراء تعديلات دستورية للحد من سلطات الرئيس وهيمنة حزبه "الاتحاد الوطني لزيمبابوي" (زانو) على البرلمان (147 من إجمالي 150عضوًا)، فضلاً عن هيمنة كوادره على معظم المصالح والهيئات والمؤسسات. وقد نظمت نقابات العمال عدة اضطرابات ناجحة، كما نظمت العديد من مؤسسات المجتمع المدني مسيرات احتجاج على سياسات الحكومة، كما تواترت أبناء عن حدوث محاولة انقلابية ضد نظام موجابي، الأمر الذي مثل تهديدًا مباشرةً للنظام ومؤشرًا على ميل التوازن إلى كفة عدم الاستقرار.

ميكافيللي يُبْعَث من جديد

لم يأْلُ الرئيس موجابي جهدًا في أن يركب كافة الأمواج للبقاء في السلطة التي صرح بأنه "لم يأنِ الأوان بَعْد للتخلي عنها"، ففي مواجهة موجة الانتقادات الموجهة إلى سياساته لجأ موجابي إلى اتباع سياسة الترغيب والترهيب، وصرف الأذهان واصطناع الأوراق واللعب بها.

فمن ناحية الترغيب قام الرئيس وحكومته برفع مرتبات أعضاء الحكومة والبرلمان بنسبة 182% لترسيخ الولاء للنظام، كما قام موجابي بتقديم وعد في 2 أغسطس 1997م لخمسة وخمسين ألفًا من المحاربين القدماء في حرب الاستقلال بمنحهم "هبات مالية" قيمتها ألفي جنيه إسترليني لكل واحد منهم، إضافة إلى معاش شهري يفوق أدنى حد للأجور، الأمر الذي أدى إلى زيادة الأعباء الضريبية على المشروعات والمواطنين للوفاء بذلك الوعد.

وفي محاولة لاسترضاء الجماهير الشعبية لجأ موجابي إلى فرض قيود على أسعار الأغذية الرئيسية، وتحديد سعر صرف الدولار الزيمبابوي.

وعلى صعيد الترهيب لجأ نظام موجابي إلى فرض حالة الطوارئ في البلاد وقمع المعارضين والصحفيين، حيث يذكر أن الصحفي الذي قام بنشر خبر المحاولة الانقلابية من جانب الجيش قد تعرض للاعتقال بواسطة السلطات العسكرية، وتعرض للتعذيب رغم صدور أمر قضائي بعدم مشروعية اعتقاله، وقد فسَّر البعض ذلك الاعتقال بأنه رسالة موجهة لكافة وسائل الإعلام تحمل تكذيبًا للخبر الخاص بالمحاولة الانقلابية من ناحية، وترهيبًا من الإقدام على نشر أي خبر مماثل من ناحية أخرى.

وسيرًا على هدى ميكافيللي قام نظام روبرت موجابي بإرسال قوات عسكرية من جيش زيمبابوي (تراوحت تقديراتها من 300 إلى 10.000 مقاتل)؛ لدعم ومساندة نظام الرئيس الكنغولي لوران كابيلا في حربة ضد المتمردين، وذلك ما فسره البعض بمحاولة صرف الأذهان عمَّا يحدث داخل زيمبابوي باصطناع مغامرة خارجية، على أن نظام موجابي لم يعدم مبررات إرسال قواته إلى الكنغو الديمقراطية، حيث يرى موجابي أن تدخله في الكونغو الديمقراطية يأتي لحماية مصالح زيمبابوي التي قدمت بالفعل عشرات الملايين من الدولارات كقروض لنظام كابيلا لشراء الأسلحة، كما صرح مسئولون آخرون أن التدخل كان لازمًا لتأمين إمدادات الطاقة الكهربية القادمة من سد "انجا"، وحماية الاستثمارات الزيمبابوية في الكونغو الديمقراطية، وهي في معظمها استثمارات لكبار رجال الأعمال ذوي صلة وثيقة بالحزب الحاكم في زيمبابوي، من أمثلة ذلك منح لوران كابيلا، "بيلي روتنباخ" رجل الأعمال الزيمبابوي ذي الصلة بحزب "زاتو" الحاكم منصب الرئيس التنفيذي لمناجم "جيكاميتز" للنحاس التي تعد أهم مناجم النحاس في الكنغو الديمقراطية.

علاوة على ما سبق، لجأ الرئيس موجابي إلى الضغط على الدول والمؤسسات الدولية الغربية، وفي مقدمتها المملكة المتحدة (بريطانيا) والبنك الدولي وصندوق النقد الدولي، مستخدمًا ورقة "الأرض" ومزارع البيض حيث هدَّد بالاستيلاء عليها دون تعويض، بل دعا إلى ذلك في بعض خطاباته، الأمر الذي دفع الدول الغربية إلى المسارعة بتقديم الدفعة الأولى من مخصصات صندوق النقد الدولي لدعم اقتصاد زيمبابوي ومقدارها 52 مليون دولار قدمت في يناير 1998م، وفي يوليو 1998م تم تقديم دفعة ثانية مقدارها 67 مليون دولار رغم أن واقع الحال لم يُشِرْ إلى حدوث أي تحسن في الأداء الاقتصادي لدولة زيمبابوي، وقد حاولت الدول الغربية عبر مؤسساتها المالية الخاصة والدولية إقناع الرئيس موجابي بالحد من سرعة مصادرة مزارع البيض، وضرورة تقديم تعويض كامل للفلاحين البيض الذين تتم مصادرة أراضيهم، وذلك في مقابل تقديم دفعة جديدة من التمويل قدرها 25 مليون دولار اعتمدها صندوق النقد الدولي في سبتمبر لدعم اقتصاد زيمبابوي.

ورغم كافة الجهود الغربية بزعامة بريطانيا للحيلولة دون مصادرة مزارع البيض في زيمبابوي، فإن الضغوط الداخلية الشديدة التي تعرض لها نظام موجابي قد دفعت جميعها نحو إقرار المصادرة والاستيلاء القسري من جانب السود على مزارع البيض في محاولة من النظام الحاكم لاكتساب الشرعية، والدعم من جانب القطاع الريفي بالبلاد الذي يمثل سكانه نحو 70% من إجمالي سكان البلاد خاصة مع اقتراب موعد الانتخابات المقرر عقدها في شهر إبريل الحالي.

موجابي هل من بديل ؟

تشير كافة معطيات الأحداث سالفة البيان أن ما تشهده زيمبابوي لا يمثل بحال مجرد ثأر تاريخي أو عنصرية سوداء في مواجهة البيض، وإنما هي قضية تتعلق بتداعي نظام الحكم في زيمبابوي برئاسة روبرت موجابي (76عامًا) بعد عشرين عامًا من الحكم، والتساؤل القائم هو من يخلف موجابي؟!

من ناحيته يرى موجابي أن ليس ثمة من يخلفه، ويؤكد أنه لن يطرح أي خليفة له على نحو ما فعل غيره (إشارة إلى مانديلا وخليفته مبيكي)، وحجته في ذلك ترك حرية الخيار لشعب زيمبابوي.

وعلى صعيد المعارضة، يبرز حزب حركة التغيير من أجل الديمقراطية الذي انبثق عن حركة عمال نشطة نجحت في تنظيم إضرابَيْن كبيرين خلال عام 1998م احتجاجًا على سياسات الحومة، وتسعى تلك الحركة إلى تشكيل ائتلاف واسع النطاق لمعارضة الرئيس موجابي، وتحظى تلك الحركة بتأييد الجماعات الكنسية، والنسائية ومنظمات حقوق الإنسان، والجامعات الطلابية، ويتمتع زعيم الحركة "مورجان تسفانجيراي" الذي يشغل منصب سكرتير عام مجلس نقابات العمال في زيمبابوي بشخصية قيادية وجاذبية كبيرة تؤهله لأن يكون زعيمًا ورمزًا قوميَّا لاسيما مع قدراته الخطابية ووعوده الخاصة بمحاربة الفساد، وإدارة أفضل وأكفأ للاقتصاد.

وعلى الصعيد العملي، فإنه رغم آمال المعارضة وطموحاتها فإنه يصعب القول بسهولة التغيير السلمي للسلطة في زيمبابوي في ظل هيمنة الحزب الحاكم على قواعد الممارسة الانتخابية في الريف والحضر. وفي ظل عدم احترام القرارات والأوامر والأحكام القضائية، وقبل كل ذلك تشبث الرئيس الحاكم بالسلطة وتضحيته بالصالح والاستقرار الوطني (عبر تأليب جماعات السود على البيض) من اجل صالحة الشخصي.

أكثر من ذلك فإن أحد استطلاعات الرأي قد أشارت إلى أن 30% من العينة سوف يصوتون لصالح موجابي في حين سيصوت 20% لصالح "مورجان تسفانجيراى" وأعرب 50% من العينة من عدم حسمهم الاختيار. الأمر الذي يشير إلى العديد من الاحتمالات يمكن حصرها في احتمال وحيد عند استبعاد احتمال خوف المبحوثين في الاستطلاع الذي تم إجراؤه من النظام، واستبعاد احتمال عدم ثقتهم في النظام الانتخابي ونزاهته، الاحتمال هو أن النتيجة الوحيدة للانتخابات القادمة حال نزاهتها وهو أمر مشكوك فيه- سوف تحسمها أصوات الصامتين.

ويظل البديل الكامن خلف كل ما سبق وهو البديل القسري الذي ‘ما أن يتخذ صورة انقلاب عسكري من داخل النظام يطيح بالرئيس موجابي مع الإبقاء على كافة ملامح النظام وعلاقاته وأهمها سيطرة الشونا (74% من سكان البلاد) على الحكم. أو انقلاب بقيادة الرتب الصغيرة بزعامة الندبيلي (14% من السكان) واستغلال حالة عدم الرضاء الداخلي والخارجي عن النظام.

والبديل الأخير، ثورة شعبية تجبر النظام الحاكم على الرحيل، وتقيم نظامًا تعدديًا على النمط الغربي.

جميع الخيارات مفتوحة فهل تلعب مسألة الأرض لصالح موجابي أم تبتلعه؟

 

اقرأ أيضًا:

- أوروبا تهدّد موجابي بقطع المساعدات

- البيض يهربون من عنصرية السود في زيمبابوي

- زيمبابوي..شبح الحرب بين البيض والسود

- واشنطن تعلق مساعداتها لزيمبابوي احتجاجا على العنف

 

 
قضايا سياسية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

أخبار وتحليلات شرعي دعوي تزكية نماء علوم وصحة ثقافة وفن حواء وآدم مشاكل وحلول وسائط متعددة

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع