بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 

ديميريل.. نهاية أسطورة

أنقرة- (جهان)


      

في الوقت الذي بدأت فيه الحملة الانتخابية لاختيار رئيس جديد لتركيا تأخذ منحنى متصاعدًا في الأيام الماضية لتصل إلى ذروتها بعد أيام في 16-4-2000 الجاري.. كانت أسطورة الرئيس التركي سليمان ديميريل تصل إلى نهايتها بعد أن قضى البرلمان على آماله في تعديل الدستور التركي ليصل إلى فترة رئاسية جديدة تتيح له البقاء لمدة 3 سنوات أخرى على مقعد الحكم.
ومن وجهة نظر الأتراك.. كان سليمان ديميريل أسطورة سياسية حقيقية في الحياة التركية؛ فهذا الشاب الذي فتح عينيه للحياة في الأول من نوفمبر عام 1924 بقرية إسلام كوي التابعة لقضاء أتابك بولاية إسبارطة، وهي إحدى ولايات منطقة إيجه غربي تركيا، شخصية سياسية قل مثيلها. فالحياة السياسية النشطة لهذا الأستاذ في المناورات الكبيرة الذي اتسعت حياته السياسية على مدى 40 عامًا لثلاثة تدخلات عسكرية، والعديد من محاولات التدخل، ووجد خلالها المسوغات لتقبُّل أشد خصومه وكسبه إلى جانبه، وصلت إلى نهايتها (هذا إذا لم يعد إليها ثانية).


الفتى الراعي


أكمل سليمان ديميريل تعليمه الابتدائي بقريته إسلام كوي، وتعليمه المتوسط في إسبارطة التي كان يتوجه إليها صباح كل يومه راكبا حماره، ولقب بـ"سولو الراعي" بعد أن تحدث في ذكرياته عن رعيه للغنم مثله مثل أي فتى من فتيان القرية. هذا اللقب الذي استخدمه منافسوه استصغارًا له كان الوسيلة لأن يدخل به في قلوب كثير من شرائح المجتمع خلال فترة وجيزة.
درس المرحلة الثانوية في ثانويتي بوردور وأفيون بعد اجتياز امتحان الدخول في القسم الداخلي المجاني. أما المرحلة الجامعية ففي الجامعة التقنية بأسطنبول إلى جانب العديد من الشباب المحافظين من أمثال نجم الدين أربكان وطورغود أوزال، وتخرج منها في عام 1949. وفي هذه الأثناء زوّجه أهله بابنة خاله السيدة نظمية. 
بدأ ديميريل حياته العملية مهندسًا مدنيًا في إدارة الدراسات الكهربائية، وكانت أكبر المشاكل التي تعاني منها تركيا في تلك الفترة وكما تعانيه في أيامنا هذه مشكلة الري والطاقة. وما لبثت الدولة أن أرسلته إلى الولايات المتحدة الأمريكية للتخصص في السدود والكهربة. 
ولدى عودته.. بدأ في العمل الذي أكسبه لقبه الآخر الذي اشتهر به، وهو "ملك السدود". وفي عام 1952 كان المسئول في إنشاء سد سيحان. وفي عام 1954.. عين رئيسًا لدائرة السدود، وفي هذه المرة سافر إلى الولايات المتحدة الأمريكية بمنحة فولبرايت، وأصبح في عام 1955 مديرًا عامًا لشئون المياه وعمره لا يتجاوز الثلاثين عامًا. 
وبينما كان نجم ديميريل يرتفع عاليًا كانت تركيا في اتجاه معاكس، والجو السياسي في تعكر متزايد، ووقع الانقلاب العسكري في 27 مايو 1960، وأبعد ديميريل من منصبه، وأرسل إلى قطعات الجيش لقضاء فترة أداء الخدمة العسكرية. وفي هذه الفترة.. تأسست هيئة تخطيط الدولة، فكانت الحاجة ماسة إلى العديد من الخبرات اللامعة من أمثال ديميريل، مما جعله يكمل فترة خدمته العسكرية في العمل لدى هيئة تخطيط الدولة. وبعد انتهاء فترة الخدمة العسكرية عمل ديميريل في المقاولات متعاونًا مع الشركات الأمريكية الحاصلة على المناقصات الكبيرة. 
عمل ديميريل فترة من الوقت لدى شركة موريسون، فأكسبه هذا العمل لقبًا جديدًا، وهو "سليمان موريسون". هذه الألقاب لم تستخدم في حينها بل بعد دخوله المعترك السياسي بانتسابه في عام 1962 إلى حزب العدالة الذي اعتبر نفسه وريثًا للحزب الديمقراطي.


أبواب جديدة


وفي المؤتمر العام لحزب العدالة عام 1962.. انتخب ديميريل عضوًا في مجلس الإدارة العامة للحزب، وفي تلك الفترة كانت تركيا تعيش مرحلة فوضى ما بعد الانقلاب. أما الموت المفاجئ للفريق الأول المتقاعد راغب كموش بالا رئيس حزب العدالة، فقد فتح أبوابًا جديدة أمام ديميريل. وكان الجميع يتوقع أن ينتخب سعد الدين بلكيج -نائب رئيس الحزب للشئون التنظيمية- رئيسًا جديدًا للحزب، وقبيل موعد المؤتمر العام للحزب ظهر اسم ديميريل، وساعدت كبريات الصحف في التأثير على الطبقة المثقفة للتعريف بديميريل عن طريق إجراء اللقاءات الصحفية معه. كما نشرت صورًا له إلى جانب الرئيس الأمريكي ليندون جونسون، وتحولت رياح ديميريل إلى عاصفة، وكان أول انتصار سياسي لديميريل على شكل تغلبه على منافسه سعد الدين بلكيج لرئاسة الحزب. فحصل على 1072 صوتا بينما لم تتجاوز أصوات منافسه 552 صوتًا. انتخب ديميريل رئيسًا لحزب العدالة يوم 28 نوفمبر وعمره حينذاك 40 عامًا. بقي ديميريل في هذا المنصب 17 عامًا حتى يوم 15 أكتوبر 1981. عمل ديميريل خلال هذه الفترة على دعم يمين الوسط، فاستحوذ على أكبر عدد من الأصوات، ولعب الدور الرئيس في إسقاط حكومة عصمت اينونو. لكنه لم يصبح رئيسًا للوزراء لأنه لم يكن عضوًا في البرلمان بعد. 
وفي فبراير عام 1965.. تشكلت حكومة يمين الوسط الائتلافية برئاسة سعاد خيري أوركوبلي، فأصبح نائبًا لرئيس مجلس الوزراء من خارج البرلمان. وأول ما قامت به هذه الحكومة إجراء الانتخابات العامة في البلاد.
في هذه الانتخابات.. حقق حزب العدالة برئاسة ديميريل فوزًا كبيرًا، واستطاع الحصول على نسبة 53% من مجموع الأصوات، وبذلك حقق الأغلبية البرلمانية التي تمكنه من تشكيل حكومة بمفرده. وفي يوم 27 أكتوبر 1965 أصبح سليمان ديميريل نائب إسبارطة رئيس الوزراء الثاني عشر في الحكومة التركية رقم 30. وبأسلوبه الخطابي الخاص من على كرسي البرلمان وبكلماته التي دخلت سجل التاريخ السياسي.. بدأ ديميريل يلعب دوره البارز في الحياة السياسية اليومية في تركيا، استطاع بعد ذلك حصر الزعيم السياسي المخضرم عصمت باشا(اينونو) في الزاوية، وأجبر حزب الشعب الجمهوري على البحث عن آفاق جديدة، فكان دوره البارز في اختفاء الكثير من قدامى السياسيين في هذا الحزب من المسرح السياسي، وبروز بولند أجاويد الذي شكل معه ثنائي السياسة التركية على مدى 30 عامًا.
نمو اقتصادي
خلال حكومته الأولى استطاع ديميريل أن يحقق في الاقتصاد التركي نموًا سنويًا بلغ 5-7%، وخطت البلاد خطوات مهمة نحو الهدف الذي عبره عنه ديميريل بـ"تركيا الكبرى". ونشطت معاول البناء في الجسور والطرق البرية والسدود، كما حققت هذه الحكومة على مدى السنوات الأربع من عمرها إنجازات كبيرة في المجال الاقتصادي. ونتيجة لذلك تمكن حزب العدالة من الفوز في الانتخابات العامة بتاريخ 10 أكتوبر 1969 بأكثرية مقاعد البرلمان، وشكل ديميريل حكومته الثانية. وكان كل شيء على ما يرام، ولكن حدث شيء لم يكن يتوقعه. ذلك بأن أعضاء الحزب الديمقراطي الذين شملهم العفو، وعادوا إلى الحياة السياسية، مؤكدين أحقيتهم فيما يدَّعيه حزب العدالة بوراثته للحزب الديمقراطي. 
وبدأت المشادات داخل حزب العدالة واستمرت حتى أدَّت إلى إعادة تأسيس الحزب الديمقراطي من داخل حزب العدالة، وذلك بانفصال من عرف بمجموعة الـ 41، وصوتت هذه المجموعة في البرلمان ضد الميزانية فسقطت حكومة ديميريل، وكانت المرة الثانية التي ينفرط فيها عقد الحكومات التي شكلها. ولم يلبث ديميريل أن شكل حكومته الثالثة، لكن الاضطرابات الاجتماعية في البلاد من جهة والمناحرات داخل حزب العدالة من جهة أخرى، بالإضافة إلى الأحداث الطلابية التي تحوَّلت إلى الشدة والعنف والمظاهرات العمالية، والتحريض الذي قامت به بعض الفئات التي تحلم بأن تكون صاحبة الكلمة والقرار بتدخل عسكري جديد.. كل ذلك أدّى إلى إضعاف مكانة ديميريل. وفي هذا الجو المشحون طلب الجيش استقالة الحكومة بحجة" وصول البلاد إلى حافة الهاوية" وعلى إثر قراءة بيان الجيش عبر الإذاعة فضّل ديميريل الاستقالة على المقاومة. وتحولت تركيا دون أحداث إلى نظام ما عرف بالثاني عشر من مارس، بينما انسحب ديميريل إلى منزله في زقاق جونيز بأنقرة. 


الصراعات والضعف


لكن الصراعات داخل الطغمة الحاكمة والقضايا والضغوط والممارسات غير المبررة من قبل المجتمع كان لها دورها في إضعاف نظام الثاني عشر من مارس، بينما أصبحت الحياة السياسية بالنسبة لديميريل أكثر صعوبة، حيث انقسم يمين الوسط الذي جمعه ديميريل إلى عدة فئات، وتشكل حزب الحركة القومية برئاسة ألب أرسلان توركش، كما تحول قسم من يمين الوسط إلى حزب السلامة الوطنية التي تشكَّلت على أنقاض حزب النظام الوطني برئاسة نجم الدين أربكان، كما تشكل الحزب الديمقراطي برئاسة فرّوح بوزبكلي الذي كان أحد أقطاب حزب العدالة، وبالزعامة المعنوية لجلال بايار.
وبعبارة تلك الأيام "فتح الجيش باب القن فانتشر الدجاج في الحديقة"، وكانت مهمة ديميريل إعادة جمعهم في مكان واحد. وبعد أن انفرط عقد الحكومة الائتلافية التي شكلها حزبًا الشعب والسلامة الوطني بعد مواجهتها لكثير من الصعوبات، عاد ديميريل ليشكل حكومته الائتلافية من ثلاثة أحزاب بعد أن أصبح حزبه في المرتبة الثانية بحصوله على 149 مقعدًا في البرلمان في انتخابات عام 1973. وفضل ديميريل هذه المرة تشكيل حكومة الجبهة الوطنية على ائتلاف حزبي العدالة والشعب الجمهوري الذي طالب به أصحاب رؤوس الأموال الكبيرة. 


المشكلات الاقتصادية


لكن الحكومة التي كانت مؤلفة من أربعة أحزاب مختلفة الأهداف والوسائل بقيت عاجزة حيال المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المتعاظمة، بينما ارتفعت أسهم بولند أجاويد لدى فئات الشعب. ولما ضاقت نفس ديميريل من أحزاب الائتلاف.. قرر خوض الانتخابات المبكرة.
وفي انتخابات عام 1977 حقق أجاويد تقدمًا كبيرًا على الأحزاب الأخرى، لكنه لم يتمكن من الحصول على أغلبية مقاعد البرلمان، فجرّب حكومة الأقلية، لكن هذه الحكومة فشلت في الحصول على ثقة البرلمان، وبقي على ديميريل تشكيل حكومة الجبهة الوطنية الثانية. وفي 21 يوليو تشكّلت حكومة الجبهة الوطنية الثانية من ثلاثة أحزاب برئاسة سليمان ديميريل.
كانت هذه فترة تصاعد الأزمات الاقتصادية والحركات الإرهابية. وفي هذه الفترة كانت عبارات ديميريل التي أصبحت عناوين رئيسية للصحف مثل: "هل كان هناك بترول وشربناه نحن؟" تعبيرًا عن عدم مسئوليته عن المعاناة، وغير ذلك من العبارات. لكن الإرهاب والضائقة الاقتصادية المتزايدة أدّيا إلى الضعف المتزايد في أحزاب الائتلاف الثلاثة. وبمناورة غير أخلاقية في العرف السياسي استطاع أجاويد ورفاقه كسب أحد عشر نائبًا من أحزاب الجبهة إلى جانبهم بعد أن منّوهم جميعًا بالحقائب الوزارية، فسقطت حكومة ديميريل.
كانت تركيا في هذه الفترة تتدحرج نحو الهاوية، بينما ترتفع نسبة التضخم وترتفع أرقام القتلى في الصراع اليومي بين اليمين واليسار، وفقدت المواد الغذائية الرئيسية من الأسواق، وظهرت الطوابير للحصول على الحاجيات في المدن الكبرى. وجرت الانتخابات الفرعية على مقاعد مجلس الشيوخ الشاغرة في 5 دوائر، ففاز حزب العدالة بها جميعًا، الأمر الذي أجبر حكومة أجاويد على الاستقالة. وفتح الطريق أمام ديميريل للعودة إلى رئاسة الحكومة مرة أخرى. لكن ديميريل فضل هذه المرة تشكيل حكومة أقلية، وفاز بثقة المجلس بعد أن صوّتت لصالحه أحزاب اليمين الأخرى. واتخذت هذه الحكومة مجموعة من القرارات الاقتصادية الجريئة لم يكن يتوقّعها أحد وعرفت بقرارات 24 يناير، وعين ديميريل صديقه القديم طورغود أوزال مستشارًا لهيئة تخطيط الدولة ثم مستشارًا لرئاسة مجلس الوزراء. ونفذت هذه الحكومة مجموعة من التدابير الاقتصادية المهمة، فأنهت بذلك طوابير الحاجيات، لكنها فشلت في إنهاء أعمال العنف الدموية. واستمرت أعمال القتل والعثور على جثث الضحايا دون أن يُعرف أحد الجناة والباعث على هذه الجرائم. وكان الإنذار الجديد من الجيش. ولم يعتبر رئيس الوزراء ديميريل، وكذلك زعيم المعارضة أجاويد أنه المعنيّ بهذا الإنذار الذي سلمه قادة الجيش لرئيس الجمهورية فخري قوروتورك.
وفي هذه الأثناء.. انتهت فترة ولاية الرئيس قوروتورك، وتحول التصويت لانتخاب رئيس الجمهورية إلى مهزلة، فصرنا نجد من يدلي بصوته لأناس لا يعنيهم الأمر من قريب أو بعيد.


باب الثكنة يفتح مرة أخرى


وفي هذا الجو المكهرب.. فتحت أبواب الثكنات ثانيةً، وأعلنت القوات المسلحة التركية صباح يوم 12 سبتمبر 1980 استيلاءها على السلطة، ولم يكن هذا التدخل من النوع المعتدل الذي عرفناه يوم 12 مارس؛ فقد حل البرلمان وحلت الأحزاب السياسية ووُضع زعماء الأحزاب الأربعة ديميريل وأجاويد وأربكان وتوركش قيد الإقامة الجبرية، وحظرت نشاطات المنظمات الشعبية والنقابات وفرضت الرقابة الشديدة على الصحافة، وبات كل شيء هادئًا.
وبعد حوالي عامين من الحكم العسكري.. أعدّ الدستور الجديد وطرح على الاستفتاء الشعبي، وبنفس الاستفتاء.. انتخب كنعان ايفرين رئيسًا للجمهورية، وفي مرحلة العودة إلى الحكم المدني.. سمح الجيش بتأسيس بعض الأحزاب، بينما منع سياسيو السبعينيات والثمانينيات من العودة إلى الساحة السياسية، باعتبارهم المسئولين عما حدث في تلك الفترة. ولم يكتف بذلك، بل أرسلهم إلى المنفى كيلا يعكروا صفو الانتخابات المقبلة.
وكانت نتيجة الانتخابات العامة فوز حزب الوطن الأم برئاسة طورغود أوزال الذي كان يمثل الاتجاهات الأربعة مستغلاً الفراغ الذي أحدثه غياب الأحزاب القديمة، فدخل السياسة بحزب يناسب مختلف الاتجاهات، وظهر خطأ حسابات الجيش في تهيئة الأمور لصالح الفريق الأول المتقاعد طورغود صونالب وحزبه الديمقراطي الوطني. كما ظهر في هذه الفترة الحزب الشعبي كي يحصل على أصوات حزب الشعب المنحلّ. لكن الأصوات الرافضة لتدخل الجيش صبّت كلها في صالح حزب الوطن الأم، وأدّت الكلمة التي ألقاها كنعان أيفرين في توجيه الأصوات لصالح الحزب الديمقراطي الوطني عشية الانتخابات إلى ردّ فعل عكسي لدى الناخبين، فمني الحزب الديمقراطي القومي بهزيمة ساحقة، ووصل حزب الوطن الأم إلى الحكم بمفرده.
وفي هذه الأثناء.. قرر العسكر إغلاق أول الحزبين اللذين تشكّلا على خط حزب العدالة المنحل، كما حالوا دون خوض الحزب الثاني، وهو حزب الطريق القويم من خوض الانتخابات العامة عام 1983. وبينما حاز حزب الوطن الأم في الانتخابات المحلية على 41.5 % من الأصوات لم يتمكن حزب الطريق القويم من الحصول على أكثر من 13.2% من الأصوات. ومما لا شك فيه أن لمنع ديميريل من ممارسة الحياة السياسية في تلك الفترة دور مهم في هذه النتيجة، ومع ذلك استمر في توجيه حزبه عبر مقالاته وتصريحاته التي أطلقها من منزله في زقاق جونيز بأنقرة باسم مستعار هو "أحد العارفين".
في الوقت الذي أطلق أوزال وحزبه العنان للاقتصاد التركي عبر مجموعة من القرارات الليبرالية، وبدأت حملة التصدير إلى الخارج، وتسارعت وتيرة الاستثمارات ودخول رؤوس الأموال الأجنبية إلى البلاد، وبات في مقدور أي إنسان أن يودع المقدار الذي يريده من العملات الصعبة في البنوك أو يسحبها، بعد أن كانت المحاكم والسجون مشرعة الأبواب أمام من يقبض وبحوزته 5 دولارات أو ما يعادلها من العملات الصعبة. 
رفع الحظر
وهنا ظهرت الرغبة الشعبية في رفع الحظر عن السياسيين القدامى، ونزل أوزال إلى الساحة كي يقول: لا لهذه الرغبة ويقود حملة لإجهاضها، واستطاع ديميريل بالأكثرية الضئيلة من الأصوات التي لم تزد على 50 ألف صوت في الاستفتاء الذي جرى لهذا الغرض حشر أوزال في الزاوية. وبدأ حزب أوزال الذي كان يمثل الاتجاهات الأربعة يعيش مرحلة الانكماش والتقزم مع انتخابات عام 1986.
كان من أهم مميزات الانتخابات الفرعية عام 1986 عودة الزعماء الممنوعين إلى ميادين الانتخابات، واستأنف ديميريل نشاطه السياسي بالعودة إلى رأس حزبه، وصارت كل كلمة يلقيها موضوعًا لدعوى قضائية، حتى بلغت الدعاوى المقامة ضده 85 قضية. 
عودة إلى القمة
لكن هذه العراقيل لم تثن ديميريل عن مواصلة طريق العودة السريعة، وخرج حزب الطريق القويم من الانتخابات العامة يوم 20 أكتوبر 1991 منتصرا وصار الأول على الأحزاب السياسية، لكنه لم يتمكن من الحصول على أغلبية مقاعد البرلمان. وأصبح ديميريل رئيسًا للوزراء للمرة السابعة بعد أن شكّل الحكومة التركية التاسعة والأربعين من حزبه والحزب الشعبي الاجتماعي الديمقراطي الذي يرأسه أردال إينونو نجل غريمه السابق عصمت إينونو. 
هذا التطور لم يكن سوى خطوة واحدة نحو مفترق الطريق؛ فقد فرغ القصر الرئاسي من ساكنه بوفاة طورغود أوزال المفاجئة، وتعاون يمين الوسط مع يسار الوسط هذه المرة في تركيا وانتخب ديميريل يوم 16 مايو 1993 رئيسًا للجمهورية بأصوات أعضاء حزبي الطريق القويم والشعبي الاجتماعي الديمقراطي في البرلمان.
وبذلك أصبح ديميريل الذي كان رئيسًا للوزراء أطول مدة بعد عصمت إينونو بلغت 11 عامًا وشكل 7 حكومات، يحمل هوية مختلفة كل الاختلاف عما عرف بها في السابق.
واستقال ديميريل من رئاسة حزب الطريق القويم امتثالاً لأمر الدستور الذي يفرض على من ينتخب رئيسًا للجمهورية قطع صلته بحزبه، وترك حزب الطريق القويم يواجه قدره ومصيره، ونجح في البقاء خارج دائرة الصراع المحتدم والانقسامات في الحزب، وقطع صلته بالماضي الذي قد يشكل حرجًا بالنسبة له في حالة استمرارها، باستثناء العلاقات الشخصية. ولعب دور رئيس الدولة المترفع عن المهاترات الداخلية. وتقول بعض الأوساط بأنه استطاع بدهائه السياسي الحيلولة دون التدخل العسكري أثناء أزمة حكومة الرفاه- الطريق القويم، أضف إلى أنه كسب غريمه السياسي السابق أجاويد إلى صفه بهذه المناورة، حتى بلغ الأمر بأجاويد إلى المطالبة الملحة بتمديد ولاية ديميريل فترة أخرى.
وديميريل المعروف في الثمانينيات بقلة زياراته للخارج أدرك أن أوزال كسب صداقة الدول الأجنبية بكثرة زياراته، فعمد إلى القيام بالكثير من الجولات والزيارات إلى مختلف دول العالم لكسب صداقة القريب والبعيد من رؤساء هذه الدول ورفع شأن تركيا ودورها الأساسي في المنطقة.
وفي ظل هذه الظروف.. يقترح ديميريل أن يُنتخب رئيس الجمهورية من قبل الشعب مباشرة، لكن هذا الاقتراح لا يلقى القبول للعديد من الأسباب والمبررات، وتصبح رئاسة الجمهورية إحدى موضوعات المساومة في مجلس الأمة (البرلمان)، ويستغل البعض الفرصة كي يحدوا بانتقاداتهم من قوة ديميريل وبريقه.
ويعدّ العدو القديم والصديق الجديد أجاويد مشروعًا لتعديل الدستور بهدف إعادة انتخاب ديميريل رئيسًا للجمهورية كي يستمر الاستقرار في تركيا، هذا المشروع الذي قدّم إلى البرلمان بتوقيع 406 من النواب رفض من قبل المجلس بالاقتراع السري، وانتهت فترة العز والسلطنة بالنسبة لديميريل، بعد أن ضربه بعض السياسيين الطامعين برئاسة الجمهورية بالسلاح الذي طالما كان يستعمله هو ضد خصومه. وبالإستراتيجية التي كان واضعها ديميريل نفسه حينا قال: "إذا أردت أن ترى ما سيصير إليه الشيء فعليك أن ترى ما يستحيل أن يكونه هذا الشيء". 
وبعد.. علينا ألا نستغرب أبدًا إذا عاد ديميريل إلى نشاطه السياسي محييًا الجمهور.

 

اقرأ أيضًا:

االفضيلة: التمديد لديميريل مقابل إلغاء حل الأحزاب

هل يتغيَّر الدستور من أجل عيون ديميرل؟

 

 
قضايا سياسية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع