|
الإسلاميون
بين الراديكالية والواقعية
مرت
الأمتان العربية والإسلامية -ومازالتا –
بعقود من التخلف حتى بلغتا مؤخرة الركب أو
كادتا، وعودة سريعة إلى الأطروحات العربية في
حقبة الستينات والسبعينات تضع أمام الراصد
حقيقة ماثلة وهي راديكالية كثير من الأطروحات
العربية والإسلامية منذ ذلك الوقت وحتى الآن
لدى البعض منا. والذي أعاد الموضوع إلى حاضرة
ذهني ما قرأته - وماأزال أقرأه - من تعليقات
بعض الإسلاميين والعروبيين حول قضية تخفيض
إنتاج النفط وموقف دول أوبك، فعدنا لنسمع
مصطلحات كنا نظن أننا تجاوزناها من مثل
المواقف المتخاذلة، الخنوع للغرب ..إلخ. وأحسب
أن مثل
هذه الأطروحات تحتاج إلى إعادة نظر في ظل
مرحلة العولمة وأحادية القطب التي يمر بها
العالم ونحن جزء منه. إن الاعتراف بالحقائق
كما هي أمر يُعِين كثيرًا على وضع آلية مناسبة
للتعامل مع هذه الحقائق، فمثلا لو عدنا لقضية
النفط فكل منا يدرك – دون الحاجة إلى كبير
تأمل – أن هذه السلعة الاستراتيجية لا يمكن
أن يتركها الغرب بيد منتجيها فقط ليحددوا
السعر الذي يريدون، بينما تمثل هذه السلعة
الدم الذي يجري في شرايين وأوردة النهضة
الصناعية الغربية، وعند النظر لهذه القضية
فلا يجب أن
نتناسى أن الغرب هو الأقوى والأقدر وأنه
يفاوض ويقايض ويفرض من موقع القوة لا من موقع
النِّدِّيِّة والتساوي؛ ولذا فعند تحليل مثل
هذه القضايا لبلورة موقف راشد من المهم أن
تكون هاتان الحقيقتان ماثلتين أمام الراصد
والمُنَظِّر، ولا يُظَنُّ أني أطالب بالخضوع
التام للإرادة الغربية ولنسلم للغرب أو للشرق
مقدراتنا وثرواتنا ليضع السعر الذي يناسبه
بغض النظر عن مصالحنا واقتصادياتنا،
لكنني أطالب بمزيد من العقلانية والتروي
والنظر إلى جميع الاعتبارات السياسية
والاقتصادية وغيرها، ثم بعد ذلك بلورة ما
يمكن تسميته موقف راشد بلا تشنج، ودون إطلاق
العنان للاتهامات الجوفاء التي لا تستند على
منطق العقل والسياسة، فمثلاَ في مثل قضية
إنتاج النفط صحيح
أننا نملك النفط وأن الضغوط تمارس علينا
دومًا، وأن هذه الضغوط يستجاب لها دون ثمن
معقول، لكن – ومن وجهة نظري – ليس الحل هو أن
يطرح البعض الدعوات بأن نضرب بالضغوط الغربية
عرض الحائط، وكما يفرضون السعر الذي يريدون
فلنفرض السعر الذي نريد بغض النظر عن موازين
القوى الاقتصادية و السياسية. إذًا ما الحل؟
أعتقد أن هذه القضية – ككثير من قضايانا –
ليس لها حل سحري يعطي أكله بين عشية وضحاها،
لكن أقترح هنا حلَّيْن: الأول مؤقت تقتضيه
الظروف والأوضاع السابقة، والثاني دائم وفيه
حل لجميع مشاكلنا، وإن كنت لا أراه في الأفق
القريب. أما
الحل الناجز فهو المساومة للغرب في ظل قواعد
السوق، والمناورة للحصول على أفضل
الامتيازات الممكنة مع الاستعداد لتقديم
التنازلات التي تفرضها الظروف السابقة،
وهكذا نكون كالشجرة التي تحني رأسها قليلاً
إلى أن تمر العاصفة. أما الحل الدائم والذي لا
أشك أنه أمنية كل عربي و مسلم أن نرى الدول
الإسلامية تتكاتف وتتعاضد اقتصاديًّا – إن
لم يكن سياسيًّا – في مثل السوق الأوروبية
المشتركة، وعندها
فقط يمكن لنا فرض إرادتنا على العالم، حيث
نفاوض من موقع القوة والندية.
بقي نقطة أخيرة وهي شائكة لأنها – من وجهة نظر
بحتة – تتعلق بالعقلية العربية وطريقة نظرها
للأمور عمومًا ألا وهي هل تكفي الشعارات
الراديكالية – لو رفعت – لحل مثل
هذه القضايا الشائكة؟ وهل يملك أصحاب هذه
الشعارات حقبة واحدة من حقب التاريخ الإنساني
تشهد أن رفع الشعارات – بدون العمل الجاد
المثمر – أوصل أمة أو مجتمعًا إلى قيادة
البشرية أو – على الأقل – مقارعة الأمم
الأقوى ومصاولتها؟
صلاح
التميمي
السعودية
قضايا سياسية
|
|
|