بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
ثانيًا: الوضع الراهن للمشكلة الصومالية
بقلم: محمد عاشور

    استمرت أزمة تفكك الدولة وغياب الحكومة المركزية لعامها التاسع على التوالي، حيث وصلت القضية الصومالية بعد فشل اتفاقية القاهرة إلى حالة من التشاؤم السياسي لا سيما بعد إخفاق مساعي عقد مؤتمر المصالحة الوطنية في "بيدوا" الذي نص عليه إعلان القاهرة، وهو الفشل الذي أرجعه "حسين عيديد" إلى المخططات الأثيوبية لتقويض اتفاق القاهرة وسعيها لاستقطاب بعض القبائل الموقعة على هذا الاتفاق، فضلا عن نقص التمويل اللازم لعقد المؤتمر الذي يتكلف انعقاده 4.5 مليون دولار، فرغم استعداد مصر لتدبير مليون دولار، وكذلك إعلان ليبيا استعدادها للإسهام بمليون دولار لم يستطع الصوماليون تدبير المبلغ الباقي.

استمرار الاشتباكات المسلحة
ولذا لم يكن من المستغرب استمرار الاشتباكات المسلحة بين الفصائل المتنازعة والتي من أهمها (المؤتمر الصومالي الموحد) برئاسة "حسين عيديد" والذي تتمثل قاعدته الإقليمية في وسط البلاد وخاصة حول العاصمة مقديشيو وحول نهر شبيلي، والتي ينتمي إلى بطونها المختلفة حسين عيديد (هبر جدر) وعلى مهدى (ابجال)، وهما الفصيلان المتناحران على العاصمة مقديشيو الأمر الذي أدى إلى إلقاء المزيد من الغموض على إمكانات استمرار إدارة محافظة "بنادر" التي تم تشكيلها في 26 يوليو 1998 لإدارة العاصمة مقديشيو. حيث ظل "حسين عيديد" الذي يتقاسم مع على مهدى رئاسة المجلس الأعلى لهذه الإدارة -غائبًا عن البلاد منذ إعلان تشكيلها، وهو ما انعكس سلبا على مصداقية هذه الإدارة، فضلاً عن تفجر النزاع بين الزعيمين لعدم اعتراف كل منهما بجدارة الآخر بمشاركته السلطة.
وفى مواجهة إدارة "بنادر" تبلورت مجموعات أخرى -غير متجانسة- يجمعها معارضة إدارة "بنادر" ومحاولة تشكيل تكتلات سياسية جديدة مناهضة لمحور على مهدى -حسين عيديد. ومثلت "المحاكم الإسلامية" أحد أبرز التنظيمات المعارضة لسلطة زعيمي شطري العاصمة: الجنوبي "حسين عيديد"، والشمالي "على مهدى محمد" وتحظى هذه المحاكم بتأييد ودعم التجار المناوئين لحسين عيديد، كما لقي هذا التنظيم الترحيب من جانب خطباء المساجد في العاصمة مقديشيو، فضلا عن تزايد شعبية تلك المحاكم لما حققته من أمن واستقرار في المناطق الخاضعة لها.
والجدير بالذكر أن الخريطة السياسية للقوى المتنافسة غير ثابتة، بل قابلة للتحرك تبعا لتوازنات المعارك العسكرية، خاصة وأن الخلافات بين هذه القوى وبعضها لا تعبر عن اختلافات فكرية وإنما هي في جوهرها صراع على السلطة.
مزيد من التفتت
وفى حين تركزت المساعي الداخلية والإقليمية في ضرورة إقامة حكومة مركزية موحدة تسيطر على جميع أنحاء البلاد، شهدت الفترة التالية لانهيار إعلان القاهرة المزيد من مساعي التفتت في البلاد حيث تم الإعلان عن قيام حكومة إقليمية في الشمال الشرقي للصومال بعنوان "بونت لاند" وعاصمتها "جروي" برئاسة عبد الله يوسف. ومحاولات ما زالت جارية لإقامة حكومة إقليمية أخرى بالجنوب الصومالي بعنوان "جوبا لاند". إضافة إلى أول حكومة انفصالية وهى حكومة جمهورية أرض الصومال التي أُعلن عنها في 1991م برئاسة عبد الرحمن تور، ويرأسها حاليا إبراهيم عقال وعاصمتها "هرجيسا" في الشمال الغربي للصومال، لتضيف بذلك مزيدًا من التفتت والتجزئة، وهو ما يهدد كيان الدولة الموحدة، ويعرقل الجهود الرامية لتشكيل حكومة مركزية موحدة بالصومال، في حين يرى بعض قادة تلك التنظيمات والحكومات الإقليمية أنها خطوة على طريق إقامة الحكومة المركزية، إن هدف المرحلة هو حفظ تلك الكيانات الإقليمية من انتشار الفوضى وعوامل الأزمة فيها.
ففي حديث له أعلن عبد الله يوسف رئيس ولاية "بونت لاند" التي أعلنت استقلالها في أغسطس 1998، رفضه الاعتراف بـ "جمهورية أرض الصومال" برئاسة إبراهيم عقال باعتبار أن الأخيرة تمثل انفصالاً سافرًا عن الصومال، وأكد عبد الله يوسف معارضته الانفصال حيث أكد أن دستور "بونت لاند" الذي تم إقراره في مايو 1998 ينص على أن "بونت لاند" جزء لا يتجزأ من دولة الصومال، وأعلن عبد الله يوسف تأييده للخيار الفيدرالي كسبيل لحل المعضلة الصومالية بدلا من تناحر الفصائل والمليشيات الصومالية.
وعلى الجانب الآخر تمسكت حكومة جمهورية أرض الصومال بحقها في الانفصال عن الصومال استناداً إلى أسس تاريخية وإثنية يجملها وزير خارجية هذه (الجمهورية) السيد / محمود صالح نور الذي أكد أن القضية الصومالية لا يمكن حلها إلا عن طريق الصوماليين، وأشار إلى أن أرض الصومال واحة سلام وأمن في منطقة تسودها الخلافات والنزاعات الداخلية والحروب الأهلية، وأرجع ذلك إلى تجانس قبائل الجمهورية التي مثلت في المرحلة الاستعمارية الصومال الشمالي الذي خضع للاستعمار البريطاني وحصل على استقلاله في 26 يونيو 1960، ثم انضم باختياره إلى الصومال الجنوبي ليشكلا معا دولة الصومال، إلا أن الثلاثين عامًا التالية بما شهدته من حروب وممارسات قمعية ضد الشمال دفعت الشماليين إلى خيار استعادة الاستقلال. وانطلاًقا من ذلك يرفض الشماليون اتهامهم بأنهم انفصاليون.
ومع فشل جمهورية أرض الصومال في الحصول على اعتراف أي من دول العالم أعلن محمد إبراهيم عقال زعيم الجمهورية "أن التجمعات العشائرية لا يمكن أن تؤسس أركان دولة معترف بها عالمياً". وأضاف في حديثه في ندوة حول مستقبل المحافظات الشمالية الغربية قائلاً "لقد بات أمرًا مفروغًا منه إخفاقنا في تأمين اعتراف دولي بحكومتنا، وهذه الحقيقة تشخص عدم إمكانية تأسيس حكم ثابت الأركان في محيط تسوده عشائر متناحرة تفعل كل منها ما يحلو لها؛ مما يفقد عنصر التناغم والتوافق اللازم لتصريف شئون الحكم وإقامته".
وذلك على الرغم من دأب مسئولي جمهورية أرض الصومال على التقليل من أهمية الاعتراف الدولي بدعوى أن الجمهورية لم تطلب من أية دولة الاعتراف بها. ويذكر أن حسين عيديد قد وجه اتهامًا لإبراهيم عقال زعيم جمهورية أرض الصومال بالتعاون مع كل من أثيوبيا وإسرائيل، وادعى وجود رسالة منشورة أرسلها إبراهيم عقال إلى "بنيامين نتنياهو" رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق- بشأن ما سُمِّى الوفاق الجديد بين الصوماليين وإسرائيل.
مزيد من القتلى
وعلى صعيد الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية تشير البيانات إلى أن الاشتباكات التي شهدتها بعض المناطق المحيطة بمقديشيو وبالجنوب الصومالي أدت إلى وقوع العديد من القتلى قدَّرتهم بعض المصادر بـ 28 قتيلاً وعشرة مصابين، واضطرت الإدارة المشتركة لمقديشيو على إثرها إعلان حالة الطوارئ وحظر التجول، كما شهدت مدينة بيدوه التي تقع على بعد 250 كيلو متر شمال غرب مقديشيو اشتباكات بين ميليشيا "التحالف الوطني الصومالي" بزعامة حسين محمد عيديد وجيش الرهانويين المدعوم من جانب أثيوبيا. كذلك شهدت مدينة "كيسمايو" الجنوبية معارك عنيفة بين تحالف محمد عيديد وفصيل محمد سعيد حرسي (الملقب بمورغان) أسفرت عن سقوط المدينة في حوزة تحالف عيديد.
وقد ساعدت ظاهرة تلاشى الدولة وانتشار الصراعات المسلحة لا سيما في الجنوب على انتشار أعمال القتل والاختطاف واقتحام المساكن والاعتداء على العائلات، كما ازدادت حوادث الاعتداء على موظفي المنظمات الدولية العاملة في الصومال، ومن ذلك اختطاف أحد الأطباء العاملين في منظمة "تيرانوفا" أو "الأرض الجديدة" الإيطالية المتخصصة في رعاية الثروة الحيوانية في جنوب الصومال. وكذا عملية احتجاز إحدى السفن الفنلندية في أبريل 1999، ومطالبة المختطفين بمبالغ كبيرة نظير الإفراج عن الرهائن والسفينة وهو ما دفع العديد من المنظمات الدولية إلى التهديد بإنهاء عملها وإيقاف المساعدات المقدمة للأهالي.
وتجدر الإشارة إلى أنه وإن كانت حوادث الاختطاف تتم بغية ابتزاز المؤسسات الدولية من خلال الحصول على فدية إطلاق سراح المحتجزين فإن بعض تلك العمليات كانت ذات طابع سياسي؛ من ذلك عملية اختطاف فتاة نمساوية بواسطة جبهة تحرير أوجادين في عام 1998 والتي استهدفت إظهار ضعف سيطرة أثيوبيا على المناطق الأوجادنية. كما أن بعض عمليات احتجاز السفن تحظى بقبول وتأييد الشعب الصومالي باعتبار ذلك الرد المناسب والوحيد على عمليات الاعتداء على المياه الإقليمية الصومالية والصيد فيها دون تصريح في ظل الافتقار إلى حكومة مركزية تفرض احترام حدودها ومياها الإقليمية.
التدهور الاقتصادي
وقد شهدت الأجزاء الجنوبية من الصومال تدهورًا اقتصاديًا من جراء الفيضانات التي تعرضت لها تلك الأجزاء وأدت إلى إتلاف المحاصيل الغذائية خاصة الحبوب حيث حققت محاصيل الحبوب الرئيسية أقل مستوى للإنتاج منذ خمس سنوات، الأمر الذي عرض السكان خاصة في منطقة جوبا والمناطق المحيطة بها لأزمة غذائية حقيقية مما دفع المسئولين الصوماليين وبرنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة إلى مناشدة دول العالم والمنظمات الإنسانية إرسال المواد الغذائية للشعب الصومالي.
وبالمثل تعرضت الأراضي الواقعة شمال شرق الصومال إلى عدة موجات جفاف قاسية أسهمت في تعرُّض 70% من رؤوس الماشية لخطر النفوق، وتعرض أكثر من 150 ألف مواطن صومالي لخطر المجاعة، الأمر الذي دفع منظمة اليونيسيف إلى مناشدة المجتمع الدولي سرعة توفير 1.3 مليون دولار لإنقاذ مناطق شمال شرق الصومال. وذلك قبل هطول الأمطار بغزارة خلال شهر أكتوبر 1999.
وعلى ذات الصعيد الاقتصادي، واصلت العملة الصومالية (الشلن) تدهورها -خاصة في ظل عدم وجود بنك مركزي منذ عام 1991- ويذكر أن الزعيمين عيديد وعلى مهدى قد أشرفا على طباعة كميات من الشلن الصومالي لتمويل العمليات الحربية ودفع مرتبات أفراد الفصائل، على أنه لم يكتب لهذه العملة النجاح في حل مشكلة البلاد النقدية، حيث تسبب التداول غير المنظم للعملة إلى زيادة التضخم وهبوط سعر صرف الشلن أمام العملات الرئيسية الأخرى؛ الأمر الذي دفع رجال الأعمال في العاصمة إلى طباعة نحو 30 بليون شلن (حوالي خمسة ملايين دولار) خارج البلاد، وأكد رجال الأعمال أن تلك الأموال لن تستخدم لمصلحة الميليشيات، وأن جزءًا منها سوف ينفق على مشاريع التنمية الموجهة للفقراء والنازحين.
اللاجئون
وعلى الصعيد الاجتماعي وفى ظل تفاقم الأوضاع الاقتصادية -تزايدت حدة مشكلة اللاجئين حيث اقتربت إعداد اللاجئين خارج الصومال من نصف مليون لاجئ- يمثلون 11% من إجمالي لاجئ القارة- يعيشون في ظروف بالغة القسوة في كينيا وأثيوبيا وجيبوتي، فضلا عن ما يقرب من مليون لاجئ في دول العالم المختلفة. وتعانى المفوضية العليا لشئون اللاجئين من صعوبات كثيرة فيما يتصل بتنفيذ خطط إعادة توطين اللاجئين بسبب استمرار أعمال العنف والاقتتال، يضاعف من حدة المشكلة رفض دول الجوار استقبال المزيد من اللاجئين حيث منعت السلطات الكينية حوالي 300 لاجئ صومالي من الدخول إلى البلاد، وطالبت بإعادة توطين هؤلاء اللاجئين أو ترحيلهم إلى بلد ثالث يقبل بقائهم على أراضيه. ومما يذكر أن عدد اللاجئين الصوماليين في الداخل يقرب من نصف مليون لاجئ يعيشون في 138 مخيماً.
بعض النتائج الإيجابية
ورغم المؤشرات السلبية سالفة البيان، إلا أنه لوحظ وجود بعض المؤشرات الإيجابية منها: تحسن الأوضاع الاقتصادية في مدينة "هرجيسه" حيث بدأت الشركات تعمل في مناخ آمن، وأنشأت في المدينة نحو أربع شركات للاتصالات التليفونية، وثلاث شركات طيران تعمل في نقل البضائع، وكذا معاودة تصدير الأغنام الصومالية إلى دول الخليج والسعودية بصفة خاصة بعد رفع الحظر الذي كان مفروضا على استيرادها.
وكذلك ما تواترت من أنباء عن نجاح مؤتمر "بلدوين" الذي بدأت أعماله منذ مطلع 1999 بين الفصائل الجنوبية بهدف تنقية الأجواء وتحقيق المصالحة بين العشائر في مناطق عدة من جنوبي البلاد، حيث نجح المؤتمر جزئيًا في تحقيق بعض المصالحات بين بعض العشائر المتناحرة وإصدار قرارات تؤذن بانتقاله إلى القضايا السياسية وذلك بدعوته إلى إيفاد ممثلين عن المؤتمر وعن العشائر المشاركة إلى جميع محافظات البلاد، للتباحث بشأن عقد مؤتمر مصالحة وطنية شاملة، وهو ما يعنى ضمنًا الإعداد لمؤتمر يتم فيه تشكيل حكومة وحدة وطنية للبلاد حيث كان من بين قرارات المؤتمر:
ضرورة توقف العشائر المنتمية لتنظيم المؤتمر الصومالي الموحد بفروعه المختلفة عن النزاعات المسلحة، وخاصة عن النزاعات الجارية في محافظات "باي" "زبكوك" و "جوبا السفلى".
إزالة جميع الحواجز المقامة وفتح الطرق أمام حركة المرور في جميع المناطق التي تقطنها العشائر المشاركة في المؤتمر.
ضرورة تأمين وكالات الإغاثة وموظفيها للحفاظ على سلامتهم.
ضرورة العمل بالشريعة في المناطق التابعة للمؤتمر الصومالي الموحد.
وكذا أشار شهود العيان إلى استقرار الأوضاع في الشمال الصومالي على الأصعدة المختلفة اقتصاديًا واجتماعيًا وأمنيًا
تابع في نفس المقال:
أولاً: أسباب المشكلة الصومالية
ثالثًا: مسار المشكلة ومصيرها
قضايا سياسية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع