|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
أ.د /الطيب زين العابدين
15/12/1999 انفجرت الأزمة التي كانت تتراكم بين الرئيس عمر البشير والدكتور حسن الترابي منذ انعقاد المؤتمر التأسيسي للحزب الحاكم (المؤتمر الوطني) بالقرارات التي أصدرها البشير مساء الأحد الثاني عشر من ديسمبر الجاري، وهي: إعلان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر، وحل المجلس الوطني، وتعطيل أربع مواد من الدستور تتعلق بانتخاب ولاة الأقاليم، وانتهاء مدته، وتولي النائب المنصب في حال غياب الوالي، والتصرف في حالة تعذر انتخابات الوالي. قصد البشير من هذه القرارات قطع الطريق على الدكتور الترابي أن يمضي قدمًا في التعديلات الدستورية التي كان يناقشها البرلمان، والخاصة بتغيير كيفية انتخاب الوالي، وانتقالها من مجلس الولاية بترشيح من رئيس الجمهورية إلى عامة الناخبين في الولاية، وإلى إمكانية إعفاء رئيس الجمهورية بواسطة ثلثي أعضاء البرلمان، وقصد الرئيس البشير بإعلان حالة الطوارئ إعطاء نفسه صلاحيات الاعتقال التحفظي، وتقليص الحريات السياسية إذا ما أبدى أنصار الترابي أي معارضة لتلك القرارات، وبتعطيل مواد الدستور المتعلقة بانتخاب الولاة يستطيع البشير أن يغير من الولاة الحاليين كل من ينحاز إلى جانب الدكتور الترابي، فالقرارات تعني في المقام الأول مواجهة الدكتور الترابي الذي يستغل موقعه كرئيس للبرلمان وكأمين عام لحزب المؤتمر الوطني في تضييق صلاحيات رئيس الجمهورية؛ الذي بدأ يستقل شيئًا فشيئًا عن أبوة الشيخ الترابي لسلطة الإنقاذ، وتعتبر هذه القرارات خروجًا على الدستور وعودة إلى الإجراءات الاستثنائية التي اتسم بها الانقلاب العسكري قبل تاريخ إجازة الدستور الحالي في يونيو 98، وبالرغم من أن بيان الرئيس البشير قد تحدث عن سريان حالة الطوارئ لمدة ثلاثة أشهر، وعلى أن تجرى انتخابات جديدة لاختيار البرلمان القادم في موعد تحدده لجنة الانتخابات؛ إلا أنه من المستبعد أن تنتهي حالة الطوارئ بعد ثلاثة أشهر أو أن تجرى انتخابات في وقت قريب. يتبقى للدكتور الترابي فرصة التحرك من خلال أجهزة الحزب الحاكم التي يسيطر عليها إلى حد ما كما ظهر من انتخابات المؤتمر التأسيسي للحزب، ومن اجتماع هيئة قيادة الحزب التي ناقشت موضوع التعديلات الدستورية وأجازت التعديل الخاص بانتخاب الوالي، وإن كان ذلك بأغلبية بسيطة لم تزد علن ثلاثة أصوات.
وقد عقد الدكتور الترابي جلسة لهيئة القيادة بعد صدور القرارات لم يحضرها البشير ونائبه وقرر ذلك الاجتماع عدم دستورية القرارات ورفع شكوى للمحكمة الدستورية ضدها، وخروج البشير على شورى الحزب، وطلب من الوزراء الاتحاديين الذين ينتمون إلى الحزب الاستقالة من مناصبهم، كما أجاز تكوين لجنة وساطة برئاسة الأستاذ إبراهيم السنوسي والي شمال كردفان لمراجعة الرئيس في قراراته، وكما كان متوقعًا فشلت اللجنة في إقناع الرئيس بالعدول عن تلك القرارات مما يجعل المواجهة بين الحكومة وأجهزة الحزب القائمة. لجأ الفريق البشير بدوره إلى القاعدة الرئيسية التي جاءت به إلى السلطة، والتي يطمئن إلى حد ما لتأييدها له وهي القوات المسلحة، فاجتمع بكبار الضباط في الجيش والشرطة وجهاز الأمن وحصل على دعمهم في تأييد قرارته، ولكن هذا لا يعني أن ليس للترابي بعض التأييد في أوساط هذه الأجهزة، قد يؤثر هؤلاء عدم الإفصاح عن تأييدهم حتى لا تطالهم قرارات الفصل من الخدمة كما حدث لبعض عناصر الأمن قبل عدة شهور. وقد لا يكون موقع الرئيس البشير مهددًا في القريب العاجل إلا أن المشكلة السند السياسي الجماهيري لنظام الحكم تبقى ماثلة وتحتاج إلى حل ما، فإما أن يلجأ الرئيس إلى تكوين حزب جديد كما دعا لذلك بعض أنصاره منذ ظهور انحياز المؤتمر التأسيسي للحزب الحاكم إلى جانب الدكتور الترابي، أو أن يحاول أن يستقطب العناصر القيادية في المؤتمر الوطني تدريجيًا لأن تقف بجانبه، وكلا الأمرين سيكون صعبًا ويحتاج إلى وقت طويل؛ وخاصة خيار إنشاء حزب جديد. ولكن هل يصبر الرئيس البشير على تحرك الترابي من داخل المؤتمر الوطني ضد حكومته؟ تدل التجربة الحكومات العسكرية في السودان وغيره أنها قليلة الصبر مع المعارضة السياسية خاصة إذا ما اقترنت تلك المعارضة بمهددات أخرى تعطي الحكومة تبريرًا للانقضاض عليها، وقد يكون البشير راغبًا في استمرار هامش الحريات الموجود حاليا حتى لا يصبح الحكم عسكريًا صرفًا، وحتى لا يفقد مصداقيته أمام قيادة الأحزاب السياسية المعارضة التي اتفق مع أكبر زعمائها -السيد الصادق المهدي- قبل أيام في جيبوتي بأنه سيسمح بالمزيد من الحريات وبإعادة الديمقراطية التعددية، ولكن من المشكوك فيه أن يسمح البشير للدكتور الترابي بالتحرك المعارض إلى ما لا نهاية، وهو قد أعلن حالة الطوارئ خصيصًا حتى تمكنه من اتخاذ القرارات القمعية لأي تحرك معارض، وإن كان ذلك سيكون محرجًا لمن يقف معه من عناصر الحركة الإسلامية التي ظل الترابي يقودها لأكثر من ربع قرن. من ناحية أخرى فقد يخيب رجاء الترابي في تحرك جماهيري معارض للحكومة لأن الحزب المؤتمر الوطني ما زال ضعيف التنظيم، كما أنه نشأ في أحضان الحكومة القائمة وتعود على تغذيتها المستمرة ماديًا ومعنويًا، أما تنظيم الحركة الإسلامية الذي عرف بانضباطه وقوة التزامه وقدرته على المعارضة السياسة فقد ضحى به الترابي منذ مجيء الإنقاذ من أجل الانفراد بالسلطة، فلا عجب أن لم تجد دعوته الوزراء والولاة بالاستقالة من مناصبهم الاستجابة المطلوبة، وعلى كل فالساحة السياسية السودانية قابلة في ظل الأوضاع الحالية لكل الاحتمالات
|
|
||||||
|
||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
||||||