|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
هشام عليواني - بيروت
13/11/1999
تحولت قضية الفنان "مارسيل خليفة" إلى ملهاة تلوكها الألسن وتعبث بها الأقلام. أثيرت أول مرة عام 1996، عندما عرض الأمن العام اللبناني شريط خليفة "ركوة عرب" وفيه يغني قصيدة محمود درويش "أنا يوسف يا أبي" على المراجع الإسلامية المختصة، فارتأى مفتي الجمهورية "محمد رشيد قباني" الادعاء على "خليفة" بتهمة تحقير الشعائر الدينية، لأن خليفة لحن آية "إني رأيت أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين"(يوسف:4) مستندا في ذلك إلى المجامع الفقهية، علمًا بأنه لا يوجد إجماع من المفتين في كل المناطق على تحريك الدعوى ضد خليفة، فهم بين من لا يرى في الأمر حرمة، ومنهم من يرى الحرمة؛ ولكنه يريد أن يتجنب ما هو أسوأ.
في تلك الفترة كان "رفيق الحريري" رئيسًا للوزراء، وكان يتعرض لحملة انتقادات واسعة من أوساط مختلفة، فرأى في إثارة القضية ضد الفنان اليساري الملتزم "مارسيل خليفة" صبًّا للنار على الزيت؛ ومن هنا ولدت نظرية المؤامرة في هذا الملف. ويروي صحفيون مقربون إلى "الحريري" أنه اتصل بمفتي الجمهورية قائلاً له: أنا غير مستعد لتعريض البلد لأزمة مع المثقفين، وسوف أعمل على تجميد الدعوة بطريقتي الخاصة"، لكن المفتي حذَّر من أنه لن يسكت إذا بُرِّئ "خليفة". وهكذا، وعلى طريقة العهد السابق -عهد الرئيس "إلياس الهراوي"- أجرى قاضي التحقيق الأول في بيروت -سعيد مبرزا- استجواباً لـ "خليفة" الذي نفى علمه بالحُرمة أو أية نية للإساءة أو التحقير. وعُلِّق الملف من دون أن يصدر فيه القرار الظني بالإدانة أو البراءة، والملفات العالقة بهذا الشكل تسقط بمرور الزمن.
استئناف القضية
في الواقع كل حادثة صغيرة أو كبيرة يستغلها شياطين السياسة اللبنانية فيفترضون ويستنتجون الأهداف، وبما أن التجاذب شديد بين الحكومة والمعارضة. فقد حاولت المعارضة التعاطف مع "خليفة" في محاولة لتسييس القضية ضد الحكومة، ومن الشواهد الدالة بوضوح على هذا المنحى أن شقيقة رئيس الحكومة السابق "بهية الحريري" التي أقامت الصيف الماضي مهرجانات في صيدا بمشاركة من "مارسيل خليفة" -حاولت الإشارة إلى أن شخصاً ما أوحى للمفتي حتى يفعل ما يفعل! وقـد قـالت بالحرف الواحد لـمجلة " الأفـكـار الـبيـروتـية (11/10/1999) :"أحيانا كثيرة تكون لدى المفتي آراء مغايرة للواقع، ويمكن أن توضح له الصورة إذ قد يكون هناك شخص دُفع ليصور للمفتي أن هناك مساسًا بالشعائر والدين". وتداعى المثقفون اليساريون إلى لقاء تضامني مع "خليفة" في نقابة الصحافة اللبنانية، وهناك اتخذ الروائي المعروف "إلياس خوري"- رئيس تحرير الملحق الثقافي في جريدة النهار- موقفًا تصعيدياً ملفتًا، رابطًا بين ما يجري مع "مارسيل خليفة" في لبنان مع ما جرى لـ "نصر حامد أبو زيد" في مصر وما حدث للمثقفين الجزائريين، وقال: إن المثقفين من الآن فصاعداً لن يكونوا في صف الدفاع، بل في خط الهجوم، وتلا بياناً مُوقَّعاً من مثقفين يدَّعي أن الموقعين كلهم شركاء "خليفة في التلحين"، ويطالب القضاء بمحاكمتهم بل يتحداه أن يفعل، وغنَّى "خليفة" القصيدة نفسها في تحدٍ واضح للقرار الظني. في هذه الأثناء كانت الاتصالات تجري بين كبار المسئولين اللبنانيين والمراجع الإسلامية لإيجاد مخرج لائق للقضية، فلا يصدر حكم بالإدانة ولا بالبراءة بل لا تكون محاكمة أصلاً، وتركزت الحلول على مسألتين: إما اعتذار الفنان "خليفة" بأنه كان جاهلاً بحرمة التلحين، أو حذف الفقرة المتضمنة الآية القرآنية، وفي الحالتين تصبح القضية غير ذات موضوع. لكن الطرف الآخر المُتحلِّق حول "خليفة"، والذي راح يُصعد مواقفه مندداً بما يسميه بـ "الظلامية" ، ومعرضاً بالمراجع الإسلامية الرسمية، الأمر الذي دفع تلك الأخيرة إلى تأييد حكم التحريم ورفع السقف عالياً، وبدا "خليفة" تائهاً بين الخصوم والأصدقاء.
تعدد الآراء الفقهية
وقال السيد محمد حسين فضل الله: "لا نجد أن تلحين هذه القصيدة المتضمنة للآية القرآنية يمس بقداسة القرآن أو يُسيء إليه، مع ملاحظة أساسية وهي أنه لا يجوز لأي أسلوب من أساليب التلحين لما يتصل بآية قرآنية أن يبتعد عن الأجواء القرآنية من حيث طبيعتها ومضمونها والأجواء المحيطة بها".وإزاء هذا التباين الواضح بين الفتوى الصادرة عن مفتي الجمهورية والفتاوى الشيعية من مراجع مرموقة، سارع الإمام "محمد مهدي شمس الدين" رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، وهو المرجع الرسمي للطائفة الشيعية إلى التضامن مع المفتي "قباني" فالتقاه وقال: "من المعروف لدى جميع الفقهاء حرمة تلحين القرآن الكريم، وأكد شمس الدين :" أنا ليس لي موقف، وسماحة المفتي ليس له موقف، الموقف في هذه الأمور للشرع ولإجماع الفقهاء". فيما كانت العرائض تُوقَّع في سوريا والمغرب ولبنان للتضامن مع "خليفة"، توالت المواقف الإسلامية المتضامنة مع المفتي، فأصدر مجلس المُفتين بياناً شديد اللهجة أدان فيه "احتكار مفهوم الثقافة وألقاب المثقفين، وحصرها بفئة ذات منطلقات مادية وإلحادية يسارية، واعتبره عدواناً على الثقافة، وطعناً بالمثقفين الأصلاء الذين لا يُنقادون للإثارات والاهتياجات ولا يشاركون في تضليل الرأي العام". وقال المفتي أمام جمعيات بيروتية زارها متضامنة مع موقفه :"لا يجوز تلحين القرآن بصرف النظر عن النيات والمقاصد والمضمون، والمسألة لا علاقة لها بمصادرة الحريات أو حقوق الإنسان أو حرية التعبير". والواقع أن النقاش حول المخرج كان قد تركز على انتفاء النية الجُرمية، أي انعدام الركن المعنوي، أما الركن المادي فموجود وهو التلحين للآية المذكورة، وموقف المفتي صريح في وجوب حذف الآية لإنهاء المسألة، أي لا يكفي إثبات حسن النية. فيما كان نقيب المحامين " انطوان قليموس" الذي تطوَّع وجمع بعض زملائه للدفاع عن "خليفة" قد زعم عدم توافر الركنين معاً، المعنوي والمادي. وفي ظل التصعيد المتبادل بدا أن المحاكمة حتمية، خصوصاً وأن "مارسيل خليفة" تحدى القضاء فغنّى القصيدة في أكثر من مناسبة مع أنه رفض أداء الأغنية في احتفال للحزب الشيوعي بذكرى تأسيسه الخامسة والسبعين. لكن ما جرى في جلسة المحاكمة الأولى في الثالث من نوفمبر الحالي، أن نقيب محاميي الشمال "رشيد دباس" طلب تأجيل المُحاكمة بحجة سفر نقيب المحامين في بيروت "انطوان قليموس"، وتردد "خليفة" قليلاً لكنه وافق أخيراً على طلب التأجيل، وقبلت القاضية "غادة أبو كروم" طلب التأجيل. وعلم موقعنا Islam On Line أن وساطة ناشطة تجري الآن لتمرير الحل المقترح بحيث تنتفي المُحاكمة أصلاً. ولم تعرف بنود الاتفاق المزمع إقراره، لكن الواضح أن المخرج هو ما تقترحه بعض المراجع الإسلامية منذ البداية، أي حذف الفقرة المتنازع عليها، من دون ضجة لا لزوم لها
انظر: - خطيئة مارسيل خليفة: وهم أم حقيقة - المرجعيات الإسلامية منقسمة حول محاكمة مارسيل خليفة
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||
|
||||||
|
||||||