الدين أساس الدولة
الأيديولوجية الأمريكية التي دعت إلى حرية الشخصية تعطي كل الأجناس والشعوب إمكانية العيش، ولكن هذا لا يعني أن عندهم جنة عالمية. تاريخ أمريكا مليء بصراعات الأجناس وتطاحن القوميات، ولكن الأيديولوجية الرسمية الداعية إلى مساواة الجميع تمكن في نهاية المطاف في الحفاظ على الدولة الإمبراطورية. إن هذه الأيديولوجيا كاذبة ومنافقة وليست أفضل من الشيوعية مع أنها ما تزال عائمة بفضل تمسكها بفكرة الأمة الأمريكية، وسنعود للحديث عن هذا مرة أخرى. ما الذي يعتبر أساساً لأي دولة؟ متى وفي ظل أية ظروف تتحطم الدولة؟ ونحن نؤكد أن الدين هو أساس أي دولة، وأن أي أيديولوجيا لدولة ما تقوم بتنظيم حياة المجتمع تعتبر ديناً، وهذا أيضاً ينطبق على النمط الأمريكي وبشكل عام على الديمقراطية الغربية، والشيوعية بحد ذاتها حالة استثنائية كما كتب عن ذلك صراحة في بداية هذا العصر الشيوعيون أنفسهم، على سبيل المثال لوناتشارسكي الذي أنهى إحدى مقالاته بالقول: إن الشيوعية هي آخر ديانة أهداها (للبروليتاريات) وللإنسانية اليهودي الكبير ماركس. وغرامشي الشيوعي الإيطالي أكد بدوره أن الشعب البسيط يمكن أن يتقبل أية أيديولوجيا على أنها دين.
نحن أيضاً نؤيد الرأي الذي يعتبر الشيوعية انحرافًا شيطانيًا في الوعي الديني، فكتاب رأس المال وغيره -ماركس ولينين وغيرهما- ضريح لينين، البروليتاريات، الشيوعية-الرأسمالية...كل هذا تقليد مموه لخصائص الدين: "الكتاب المقدس"، "الأنبياء"، "الأماكن المقدسة"، "الفرقة الناجية"، "الجنة-النار". ومع انهيار العقيدة الشيوعية في كل العالم تحطم الحصن الرئيسي لهذه الديانة الممثل بالاتحاد السوفيتي، وسقط الحزب الشيوعي كهيئة دينية مسيطرة.
إن محاولة لملمة أشلاء هذه الإمبراطورية بدون وجود فكرة بديلة قادرة عمل لا جدوى منه، وعندما يحاول علماء الاجتماع المعاصرون إثبات أن الأزمة ظهرت بسبب ضعف الاقتصاد ويقدمون وصفات اقتصادية متعددة، يبدو لنا هنا أن هذا مكر أكثر مما هو ضلال. كما أن عجز السياسة القومية ومعوقات التكامل بين القوميات أصبح ملاحظًا بشكل واضح؛ لدرجة أن حاشية الرئيس الروسي في نهاية الحرب الروسية الشيشانية السابقة أعدت مرسوماً كلف فيه الرئيس الروسي بعض العلماء بإعداد نظرية جديدة للسياسة القومية خلال عام.
إن تأليف النظريات ممكن خلال شهر أو سنة، ولكن تطبيقها قد يأخذ عشرات السنوات وأكثر، فمعروف أن "شبح الشيوعية" تسكَّع في أوروبا أكثر من نصف قرن قبل أن يستوطن في روسيا.
الفكرة القومية خطرة على السياسة الاستعمارية العالمية المعاصرة، ولهذا فإن أمريكا قبل أن تخضع بلداً ما أو شعباً ما تقوم بتغذيته أخلاقياً بالفكرة القومية المندثرة. أو تثير الحنين إلى الدولة العظمى، وهذه السياسة تساعد على حبس الشعب داخل قفصه الوطني على مبدأ فرق تسد. ولهذا نجد أنه في الاتحاد السوفيتي المنهار الكثير من الزعماء الوطنيين والكثير من الحركات الوطنية والصراعات الطائفية. وكل سياسي أو رجل اجتماعي يستشهد بأمثلة متعددة عن الظلم الذي وقع على شعبه. وإذا ما تركت القبائل في حياتها الطبيعية فإنها ستجد في نهاية المطاف قواعد مقبولة للتعايش، فيحدث تمازج الثقافتين ويظهر تزاوج بين مختلف الطوائف ويزداد النشاط التجاري فالشعوب لا تحب محاربة بعضها البعض، وإنما يحارب الحكام.
والغرب اليوم يحاول كمنتصر إجلاس المهزومين كلٍ في مربطه، ويرمي بشكل غير متساوٍ العلف (الاستثمارات)، ويهدد البعض بعدم إعطائه، ويشعل النعرات القومية، فقد اختار الغرب لنفسه الأيديولوجيا القومية الأمريكية كفكرة عليا، فرفضت أوروبا سياسة الاختلافات والتطاحن: صدرت عملة واحدة، تـأسس برلمان أوروبي واتحاد حربي واقتصادي، وألغيت الحواجز الجمركية، فبهذا التنظيم يمكن استغلال بقية العالم. وإمكانات الصين في القرن الحادي والعشرين مبالغ فيها عن قصد، إن بلد المليار والنصف (أقل أو أكثر) لن تستطيع التأثير على شعوب أخرى بشكل جوهري، وليس لدى الصين ما تقدمه للعالم- فالشيوعية أفلست والأيديولوجيا الصينية ليست إلا قلبًا للتسلسل التاريخي، فالكوري لا يريد أن يكون صينياً. وأخطر أيديولوجيا على الغرب هو الإسلام، ولهذا قدموا لشعوبهم "الأصولية الإسلامية" -المقصود بها الأيديولوجيا التي ستقوم على أساسها الدولة- كعدو لأنها أقوى من كل الأفكار والأيديولوجيات القومية، قال تعالى في القرآن الكريم: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا، إن أكرمكم عند الله أتقاكم، إن الله عليم خبير}، وهذا يعني أنه يجب أن لا تصنع من الشعب أو القبيلة التي تنتمي لها معبوداً أو موضع عبادة. وقد منحنا حرية وإرادة بحيث نستطيع أن ننشئ ديناً ما (قبلياً أو قومياً)، ولكن مثل ذلك الدين لا مستقبل له، والغرب فهم هذه الحقيقة ليس لأنه يؤمن بالقرآن، وإنما لأنه اقتنع بهذا عن طريق الدروس العملية عبر التاريخ
تابع المقال:
أسباب تفكك الاتحاد السوفيتي
أسباب حرب الشيشان
قضايا سياسية
|
|
|