بريدك الالكتروني


English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
صراع المبادرات والأدوار ...
هل ينتهي بإعلان دولة جنوب السودان؟

السيد الشامي
30/10/1999


تأتي زيارة السيدة مادلين أولبرايت -وزيرة الخارجية الأمريكية - لإفريقيا خلال الفترة من 17 إلى 23/10/99 لتضيف إلى مخاطر التدويل التي تسيطر على الملف السوداني بعد أن شهد عدة تطورات: كان أبرزها رفض الإدارة الأمريكية للمبادرة المصرية الليبية، ودعمها المطلق لمبادرة "الإيجاد" ولـ "جون قرنق" تحديدًا، وتعهُّد أولبرايت بتمويل فصل جنوب السودان بما يتماشى مع الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في منطقة القرن الأفريقي، والتي بدأ الحديث عنها منذ بداية عام 1995م بما عُرِف بـ "مشروع القرن الإفريقي الكبير"، والذي اعتبر جنوب السودان دولة مستقلة.
وإزاء هذه التطورات شهدت القاهرة والخرطوم وطرابلس اتصالات مكثفة بين العواصم الثلاث، في محاولة للخروج من نفق التدويل والتقسيم الذي بات وشيكًا بعد الإشارات الأمريكية التي تجاوزت بها أي حلول إقليمية للمشكلة، وأطلقت مصر وليبيا مبادرتهما المشتركة ذات النقاط الخمس، والتي ترى أن المشكلة السودانية أعمق من مشكلة الحرب في الجنوب، وإنما تتعداها لتطول كل الفاعليات والقوى والأحزاب السودانية، كما تتعلّق بالممارسة الديموقراطية، ومشكلة الشرعية، والعلاقة بين النظام ومختلف القوى والأحزاب الجنوبية والشمالية، في حين تنصّ "الإيجاد" على بندين محل خلاف بين القوى والأحزاب السودانية وهما: سودان علماني موحد أو حق تقرير المصير، بما يعنيه من إمكانية الانفصال وتكوين دولة مستقلة في الجنوب، وهو ما تعارضه المبادرة المصرية الليبية.
وفي هذا التقرير محاولة للإجابة عن بعض الأسئلة المهمة مثل: لماذا المبادرة المصرية الليبية وما أهم ملامحها؟ وما الفرق بينها وبين مبادرة الإيجاد؟ ولماذا الرفض الأمريكي للمبادرة المصرية الليبية؟ وحقيقة الموقف الأمريكي وموقف قُوى المعارضة وخصوصًا جون قرنق؟
المبادرة المصرية الليبية .. لماذا ؟
جاءت المبادرة المصرية الليبية في ظل ظرف دوليّ وإقليميّ ومحليّ يشهد فيه الملف السوداني تطورات هامة تستحق المتابعة، نظرًا لتأثيرها المباشر على مستقبل السودان والأمن القومي العربي.
من هذه التطورات تصعيد الجناح المسلح للمعارضة لعملياته العسكرية ضد منشآت النفط، وتزايد انتقادات منظمات الإغاثة الدولية لحكومة الخرطوم تحت دعوى استخدامها أسلحة كيماوية وبيولوجية ضد المتمردين في جنوب السودان، بالإضافة إلى اهتمام الإدارة الأمريكية بالملف السوداني: بدءًا من قرار الكونجرس في أغسطس الماضي بدعوة من الرئيس الأمريكي بيل كلينتون إلى فرض حظر على الطيران في جبال النوبة ومناطق جنوب السودان، مرورًا بتعيين هاري جونسون مبعوثًا للرئيس الأمريكي لمتابعة الأوضاع وكتابة تقارير للإدارة الأمريكية عن السودان ، وأخيرًا اجتماع وزيرة الخارجية الأمريكية أولبرايت مع قرنق في نيروبي أثناء جولتها الإفريقية الأخيرة. في ظل هذه التطورات استضافت القاهرة اجتماع التجمع الوطني الديموقراطي السوداني الذي يضم 13 حزبًا وفصيلاً سياسيًا، و51 نقابة مهنية من بينها حزب الأمة بزعامة الصادق المهدي، وحزب الاتحاد الديموقراطي بزعامة محمد عثمان الميرغني، بالإضافة إلى الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة جون قرنق، وكان الهدف من هذا الاجتماع بحث تحديد موقف المعارضة من المبادرة المصرية الليبية، ورد حكومة الخرطوم عليها، ولم تسفر الاجتماعات عن أية نتائج تذكر، باستثناء بيان تضمن التأكيد على أهمية المبادرة المصرية الليبية، وتأجيل تسمية الأسماء المشاركة في اللجنة التحضيرية للحوار مع الحكومة إلى ما بعد 15 نوفمبر؛ حيث تجتمع هيئة قيادة التجمع في كمبالا.
ويعتبر البعض أن المبادرة المصرية الليبية جاءت ردًا على خطوة انفراد دول الإيجاد الإفريقية ببحث حل لمشكلة الحرب في جنوب السودان، واستبعاد مصر منها من البداية، ثم دخول الولايات المتحدة ودول أوروبية إلى المشكلة فيما سُمي بـ (شركاء الإيجاد)، وزيادة تهميش الدور المصري.
ويرى بعض المحللين أن الرفض الأمريكي ينبع من اعتراضها على دور ليبيا حتى لا تكون المشاركة في الشأن السوداني إشارة لازدياد الدور الليبيّ في إفريقيا الذي بدا مؤخرًا كأنه يناهض السياسات الأمريكية، أو على الأقل يلعب بعيدًا عن التوجيهات الأمريكية، خصوصًا في ظل العلاقات المتردية بينهما بسبب حادثة لوكيربي. وإن كان البعض الآخر يرى أن الموقف الغربي عمومًا والأمريكي خصوصًا بدأ تحفظه منذ دخول مصر في مجموعة شركاء الإيجاد قبل عامين، حيث عملت الدول الغربية على احتواء دور مصر في الشأن السوداني، في ظل إصرار مصر على وحدة السودان، في حين كانت الأطراف الغربية ترى في انفصال الجنوب أحد الحلول المطروحة.
الإيجاد إفريقي أم أمريكي
جرت عدة محاولات لتسوية المشكلة السودانية خصوصًا مشكلة الجنوب والحرب الأهلية، ومن تلك المحاولات الوساطة التي قام بها الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر في الفترة من (1989 - 1991)، ولكنها لم تنجح ولم تتقدم كثيرًا. وأعقبتها الوساطة النيجيرية التي رعاها الرئيس النيجيري إبراهيم بابا نجيدا في الفترة من (1991 - 1993)، ولكنها هي الأخرى لم تُحرز أية نتائج، واقترحت نيجيريا على السودان تطبيق التجربة النيجيرية في الحل، والتي تتلخص في: دولة علمانية ونظام فيدرالي. وكانت المحاولة الثالثة هي محاولة الإيجاد في الفترة من 1994 وحتى الآن، ولم تحقق الإيجاد -على مدار خمس سنوات شهدت أكثر من 16 حوارًا- أي تقدم، حيث تعاني هذه المنظمة من ضعف هيكلي يتمثل في الخلاف حول مقرراتها، والتي تتراوح بين السودان العلماني الموحد أو حق تقرير المصير، وهما قضيتان محل خلاف وجدل بين أغلبية القوى والأحزاب السياسية.
وقد نشأت الإيجاد عام 1986م كمنظمة حكومية للجفاف والتصحّر، وتضم منظمة الإيجاد ست دول هي: أثيوبيا ـ السودان ـ إريتريا ـ أوغندا ـ كينيا ـ جيبوتي، ثم تطورت في عام 1995 كمنظمة للتنمية، وأوكل إليها متابعة ملف الصومال وجنوب السودان، وحتى الآن لم تحقق أية نجاحات في هذين الملفين، ويغلب عليها ما يمكن أن نسميه "صراع التوجهات والأدوار"، حيث تسعى أغلب دولها، خصوصًا إريتريا، أوغندا، أثيوبيا، وكينيا إلى أن تلعب دورًا إقليميًا على مستوى منطقة القرن الأفريقي، وعلى الرغم من أن الإيجاد منظمة إقليمية إلا أن الدول المانحة، وخصوصًا الولايات المتحدة وإيطاليا وهولندا والدانمارك والنرويج واليابان وغيرها رأت أن تقوم بإحياء دور الإيجاد من خارجها، فتوسعت الإيجاد إلى ما أُطلق عليه "شركاء الإيجاد"، ويحاول هؤلاء الشركاء وضع أجنده للإيجاد؛ تعكس الرؤية الأوروبية الأمريكية؛ ومن ثم أصبحت الإيجاد ذا طابع دولي وغربي يعكس المصالح الغربية والأمريكية، والتي تتناقض مع مصالح دول الإيجاد الإفريقية، كما يموِّل شركاء الإيجاد هذه المنظمة بأكثر من نصف ميزانيتها، كما صرحت بذلك أولبرايت مؤخرًا، وهو ما يؤثر في النهاية على مقرراتها.
موقف دول الإيجاد
عمقت دول الإيجاد من التدخل الدولي في الشأن السوداني، خاصة بعد توسيع شركاء الإيجاد لها وتقديم الدعم لها بما ساعدها على احتكار التدخل في الأزمة السودانية، وقد تطور هذا الدور بصورة أكبر بعد أن ساءت علاقات السودان بكل من إريتريا وأثيوبيا وأوغندا، وكان قبول السودان في لوساطة الإيجاد يستند أساسًا إلى التوازن القائم داخل الإيجاد، حيث كانت أثيوبيا وإريتريا متحالفتين مع السودان، بينما كانت كينيا وأوغندا تدعمان التمرد، وكان من شأن استمرار هذا التوازن أن يحصر نفوذ وفاعلية وساطة دول الإيجاد في الإطار المقبول للحكومة، لكن توتر علاقات السودان مع جيرانها غيَّر هذه المعادلة، حيث توحّدت المنظمة على خطة تتجه نحو فرض حل أقرب إلى مطالب حركة التمرد بزعامة "قرنق" منه إلى مطالب الحكومة، وفي نفس الوقت حصلت على دعم أمريكي ودولي لزيادة الضغط العسكري والسياسي على الخرطوم، حيث بادرت أثيوبيا في عام 1995م بمطالبة مجلس الأمن بفرض عقوبات على السودان بحجة عدم تسليم السودان المشتبه فيهم في محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا في يونيو 1995م، وقد دعمت مصر هذا التوجه الأثيوبي في أول الأمر، لكنها تحفظت على مطلب فرض حظر على بيع الأسلحة للسودان؛ لأن ذلك كان يعني عمليًّا فصل الجنوب، وكان هذا مصدر أول خلاف بين مصر ودول الإيجاد.
وفي نهاية عام 1996م وبداية عام 1997م تدخلت ثلاث من دول الإيجاد تدعمها تنزانيا بصورة مباشرة في النزاع المسلح في السودان، حيث شاركت قوات من أوغندا وإريتريا وأثيوبيا في حملة عسكرية شنّتها قوات المعارضة بغرض تشديد الضغط العسكري على الحكومة وإسقاطها.
وعلي الصعيد الإقليمي عارضت دول الإيجاد أي مجهود للوساطة من طرف إقليمي أو دولي، وفي هذا السياق أكدت الخارجية الإريترية في بيان لها في 26/ 10/ 1999م على ضرورة عدم توسيع مبادرة الإيجاد لتشمل المعارضة الشمالية لاعتبارات تتعلق بطرفي النزاع: الحكومة والجنوبيين، ورأى البيان أن تصوير المبادرة المصرية الليبية كما لو كانت مبادرة عربية في مقابل الإيجاد الإفريقية سيأتي بنتائج معاكسة، في إشارة ضمنية للتحفظ على المبادرة المصرية الليبية، وهو نفس الموقف الأمريكي وموقف الحركة الشعبية لتحرير السودان.
وفي السياق نفسه تحفَّظت دول الإيجاد على اللقاءات السرية التي رتبتها النرويج في عام 1994م وعارضت مجهودات سويسرا وغيرها، كما رفضت مساعي جنوب إفريقيا ورئيسها مانديلا لكسر الجمود في العملية السلمية عام 1997م.
من هذا المنطلق يعتبر بعض المهتمين بالشأن السوداني أن وساطة الإيجاد تحولت عمليا إلى وصاية دولية على السودان حوَّلت هذا البلد إلى محمية ومنطقة نفوذ لها -من الناحية النظرية على الأقل- لا يحق لغير دول الإيجاد التدخل في شئونه.
وكانت دولة الإمارات أول من التفت إلى خطورة هذا الوضع وما يعنيه من تغييب الدور العربي في المساعي الدولية الرامية لحل الأزمة السودانية، ولهذا تقدم رئيس دولة الإمارات الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان في عام 1998م بمبادرة لرأب الصدع بين الحكومة والمعارضة الشمالية، ولقيت المبادرة الإماراتية ترحيبًا من الحكومة وبعض أطراف المعارضة، ولكنها لم تتقدم بسبب ما بدا أنه تحفّظات مصرية ودولية وتمنُّع من بعض أطراف المعارضة، وتتميز المبادرة الإماراتية عن المصرية والليبية في أن الأولي ركزت على المعارضة الشمالية؛ وبالتالي تجنبت الاعتراض عليها لعدم تعارضها مع مبادرة الإيجاد، كما تجنبت تعويق حركة التمرد الجنوبية.
الموقف الأمريكي
يُمكن فهم الموقف الأمريكي من السودان في ظل عدة اعتبارات منها: أن الإدارة الأمريكية تتجنب أي أدوار إقليمية بعيدة أو مستقلة في المنطقة يمكن أن تحقق نجاحًا في حل أزمات، وذلك بما يهدد دورها في المنطقة، ويهز صورتها كقوة وحيدة وشرطيّ العالم حاليا، وفي سبيل ذلك عيّنت الإدارة الأمريكية مبعوثًا أمريكيًا للسودان (هاري جونسون) على خلفية تعاطف الكونجرس مع فريق الجنوبيين، واستعداد الكونجرس لمده بالسلاح، ويوجد تيار داخل الكونجرس يرى أن سيطرة الحكومة على الجنوب سيترتب عليها تبعات جسيمة على الولايات المتحدة؛ باعتبار أن السودان سيلعب دورًا جوهريًا ومهمًا في إفريقيا، بعد إكمال سيطرته على الجنوب، وهو ما جعل هذا الفريق يدعو الإدارة الأمريكية إلى أن تضع الجنوب على صدر لائحة أولويات المصالح القومية الأمريكية في الخارج، والتي تجب عليها حمايتها والمحافظة عليها.
غير أن تمسك واشنطن بالمبادرة الإفريقية ليس لأنها مدعاة حقيقية لإحلال السلام، ولكن لأنها القناة الوحيدة التي يمكنها من خلالها، وعبر النفوذ الذي تتمتع به الولايات المتحدة على دول منطقة شرق ووسط إفريقيا- أن تفصل الجنوب السوداني ليكون سياجًا عازلاً يحمي إفريقيا الواقعة جنوب الصحراء الكبرى من تدفق الإسلام القادم من شمال السودان، وهو هدف تلتقي فيه الاستراتيجية الأمريكية مع وجهات نظر عدد كبير من قادة الدول الإفريقية السوداء التي تتمتع كنائسها بنفوذ كبير على أنظمة الحكم هناك. وتتبنّى الولايات المتحدة موقفًا تجاه السودان جوهره اعتبار السودان دولة راعية للإرهاب، كما أن سياسة حكومته تتنافى مع المبادئ العامة لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى أنها عامل عدم استقرار في منطقة القرن الإفريقي والبحيرات العظمى (منطقة المصالح الأمريكية)، ومن ثم يجب العمل على إسقاطها، وتقديم الدعم للمعارضين سياسيًا وعسكريًا من أجل تحقيق هذا الغرض.
كما تتناقض هذه المواقف السودانية مع سياسة أمريكية جديدة تجاه إفريقيا -تبلورت في مارس 1996- قوامها السعي إلى تشكيل كتلة إفريقية تمتد من القرن الإفريقي شرقًا إلى السنغال غربًا، ويكون لها السيطرة على منطقة البحيرات العظمى والتحكم في مصادر المياه.
وتهدف السياسة الأمريكية الجديدة إلى تحقيق هدفين أساسيين:
أولهما: يتمثل في إعادة ترتيب الأوضاع الإقليمية في وسط إفريقيا.
ثانيهما: محاربة وعزل نظام حكم الجبهة الإسلامية في السودان.
وتتخذ الولايات المتحدة لتحقيق هذه الأهداف أداتين رئيستين:
الأولى : خلق ودعم بعض القادة الأفارقة الجدد الذين يعملون بشكل أو بآخر على تحقيق المصالح الأمريكية في المنطقة، وفي هذا السياق جاء اجتماع الرئيس كلينتون في عنتيبي بأوغندا أثناء جولته الإفريقية عام 1996، والذي شمل زعماء ست دول هي: (أوغندا ورواندا وأثيوبيا والكونغو الديموقراطية وكينيا وتنزانيا).
والثانية: طرح مشروع القرن الإفريقي الكبير، والذي يضم إلى جانب دول القرن التقليدية: أوغندا والكونغو الديموقراطية ورواندا وبورندي - جنوب السودان المستقل، ويرمي هذا المشروع إلى إنشاء بنية أساسية لمصلحة شركات التعدين والنفط الأمريكية، وقد أطلق كلينتون مبادرة القرن الإفريقي الكبير في عام 1995م، وتحاول هذه المبادرة ربط التطورات في السودان بتفاعلات شرق إفريقيا والقرن الأفريقي بعيدًا عن الإطار العربي، وتهتم المبادرة بخلق هوية للمنطقة، وتقترح اتباع استراتيجيات مختلفة للتنمية، وتسعى الولايات المتحدة إلى تسليح حلفائها في المنطقة، وهو ما تم بالفعل من خلال صندوق التعليم العسكري والتدريبي (IMET) حيث قدمت الولايات المتحدة لإريتريا 250 ألف دولار، ولأثيوبيا 300 ألف دولار، ولكينيا 350 ألف دولار، ولجيبوتي 150 ألف دولار، ولأوغندا 200 ألف دولار، كما حصلت أثيوبيا على مجموعة من الدبابات والمعدات العسكرية.
لماذا يؤيد قرنق الإيجاد؟
تشارك الحركة الشعبية لتحرير السودان بزعامة جون قرنق في مفاوضات مع الحكومة السودانية منذ عام 1994 تحت مظلة الإيجاد، ولم تسفر هذه المفاوضات عن أي تقدم حقيقي، لا على صعيد مبادئ الحل المناسب للحرب في الجنوب، أو الوفاق الوطني، أو أسس التعامل بين الشمال والجنوب ومبدأ حق تقرير المصير، وهو ما تجسد في جولة نيروبي التي عقدت في يوليو الماضي، واختلف فيها الموقف من إطلاق النار الشامل، والعلاقة بين الدين والدولة، وتوزيع عائدات النفط.
وتشدد الحركة الشعبية بزعامة قرنق على أن مبادرة الإيجاد هي وحدها القابلة للاستمرار وأنه لا يوجد مجال لمبادرات موازية من شأنها أن تتيح للحكومة استمرار سيطرتها (وهو نفس الطرح الأمريكي)، كما يدعو قرنق إلى صيغة تُدمج فيها المبادرات المطروحة بشرط عدم التناقض مع مبادرة الإيجاد.
ويمكن تفسير تمسك قرنق بمبادرة الإيجاد ودمج المبادرات الأخرى معها بجملة المميزات التي توفرها هذه المبادرة للحركة الشعبية ومنها: أن المفاوضات تضع الحركة الشعبية على قدم المساواة مع الحكومة (نصف المعادلة بتعبير أولبرايت)، كما أنها تجعل من حق تقرير المصير بندًا أساسيًا في التفاوض بما يعنيه من التمهيد للانفصال، وقيام دولة جنوبية مستقلة، وتوفير نوع من الرقابة الإقليمية على حركة الحكومة السودانية، وتقديم الدعم السياسي والمالي للحركة الشعبية.
بعبارة أخري: فإن الإيجاد من وجهة نظر الحركة الشعبية تعطيها ميزات لا تتوافر في المبادرة المصرية الليبية التي تقوم على مبدأ المساواة بين الأطراف السودانيين، وتعتمد على مبدأ وحدة السودان وعدم تقسيمه، ولذلك فإن دعوة قرنق لدمج المبادرة المصرية الليبية مع مبادرة الإيجاد تختلف تمامًا عن دعوة الصادق المهدي التي تستهدف "التنسيق بين المبادرتين، وخلق كتلة إقليمية عربية إفريقية مدعومة دوليًا، تعمل كقوة ضغط على كل الأطراف السودانية؛ بغية التحاور الجاد من أجل صياغة حل سياسي شامل يلتزم به الجميع، ويكون مُصانًا من قبل القوى الإقليمية المجاورة للسودان". ?سيناريوهات المستقبل? تستبعد بعض الدوائر في الحزب الاتحادي الديموقراطي احتمالات نجاح المبادرة المصرية الليبية، حيث إن خطة المعارضة للحل السلمي تقوم أساسًا على الدعوة لتفكيك نظام الجبهة الإسلامية القومية على المستوي الاقتصادي والأمني والمدني، كشرط لإطلاق العملية الديموقراطية في السودان، وفي حالة فشل التسوية عن طريق الحل المصري - الليبي فإن التقارب بين المعارضة والولايات المتحدة سيزيد، وتتوقع المعارضة دعمًا عسكريًا من الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الحالة، وقد أعلنت أولبرايت بالفعل أنها ستدعم المتمردين بثلاثة ملايين دولار للمجتمع المدني في السودان على مدى عامين؛ بهدف تحسين أوضاع المناطق غير الخاضعة لسيطرة حكومة الخرطوم تمهيدًا للانفصال.
ويري البعض أن المبادرة المصرية-الليبية لن تستمد قوتها فقط من مجرد التأكيد على أنها لا تتعارض مع مقررات الإيجاد، وإنما لا بد أن تستند إلى مجموعة مصالح اقتصادية مصرية وليبية في السودان، تضمن وتبرر تدخلهما بقوة للدفاع عنها، وتجبر الآخرين الذين لهم مصالح سياسية واقتصادية مناقضة على مراعاتها، وبتعبير آخر لا بد من وجود شبكة مصالح ووجود اقتصادي يدعم الوجود السياسي المصري الليبي في السودان.
وعلي الرغم من أجواء التنسيق بين الولايات المتحدة ومصر وتصريحات عمرو موسى ـ وزير الخارجية المصري ـ أن سياسات الولايات المتحدة لا تناصر تقسيم السودان، إلا أن هناك سباقًا محمومًا بين واشنطن والقاهرة، حيث يشعر الوسطاء الليبيون والمصريون بأن البديل الوحيد لمبادرة بلديهم هو: تدويل المشكلة السودانية، بما ينطوي عليه من خطورة انفصال الجنوب عن الشمال.
ويشير بعض المراقبين إلى أن خريطة التحالفات الجديدة التي ستنشأ عن اصطدام مصر وليبيا بالموقف الأمريكي قد تتطلب تدخلاً ليبيّاً بممارسة ضغوط على الرئيس الإريتري أسياسي أفورقي لوقف نشاط قوات الحركة الشعبية لتحرير السودان في شرق السودان، حيث يوجد مقر قوات لواء السودان الجديد -وهو الاسم الجديد الذي تتخذه الحركة الشعبية لقواتها في إريتريا في منطقة هايكوتا (غرب إريتريا) - كما يتوقع في هذا الصدد أن تجري ليبيا اتصالات مع قرنق -الذي يعتقد كثيرون أن الدعم الذي قدمته إليه السلطات الليبية إبان حكم جعفر النميري يعد عاملاً رئيسيًا في تقويته وبقائه حتى الإطاحة بالنميري في عام 1985م- كما يدرك الليبيون والسودانيون أن الدعم الذي قدمته ليبيا للقوات الجوية السودانية في عهد الصادق المهدي (1986 - 1989) هو الذي حال دون سقوط معظم أراضي الجنوب بيد المتمردين.
وفي الجانب المقابل لا يتوقع أن تنجح أي مساعٍ دبلوماسية قد تبذلها مصر مع قرنق، حيث إنه وقيادات جيشه ومثقفو قبائل الدنيكا التي ينتمي إليها لا يثقون في مصر تاريخيًا، ويحملونها مسئولية ما حصل في الجنوب بتجاهلها القضية الجنوبية في المفاوضات التي انتهت عام 1953م والتي منحت السودان حقه في تقرير مصيره.
ويشير البعض إلى ضرورة تغيير أهداف المبادرة المصرية الليبية بحيث تقتصر على مصالحة الأطراف الشمالية تحديدًا، وهذا سيبطل حجة تضاربها مع مبادرة الإيجاد، ويمكن أن يشمل اتفاق الأطراف الشمالية المقترح رؤية مشتركة لحل قضية الجنوب، وهذا بدوره يتطلب مرونة مصرية فيما يتعلق بحق تقرير المصير للجنوب، بالإضافة إلى ضرورة إدخال أطراف عربية أخرى مثل قطر والإمارات والسعودية لتقوية الوزن الدولي للمبادرة، وتعزيز الموقف العربي في مقابل الموقف الأفريقي على الساحة الدولية.
وعلى أية حال فإن الموقف الأمريكي الرافض للمبادرة المصرية الليبية، والداعم للإيجاد لا يعكس فقط تجاوزًا وتحفظًا على الدور المصري الليبي بقدر ما يعكس الاستراتيجية الأمريكية الجديدة، والتي ترى أن السودان ينتمي إلي إفريقيا جنوب الصحراء، وعليه أن يحصر علاقاته في جواره الأفريقي الجنوبي، ومن ثم فلا دور لجيرانه في الشمال، وخصوصًا مصر.
ويرى بعض المحللين أن السياسة الأمريكية أصبحت تتجاوز مصالح حلفائها في المنطقة، ويربط هؤلاء بين مناورات النجم الساطع التي صرح وزير الدفاع الأمريكي خلالها بأنها من أجل الاحتواء المزدوج، والمناورات الإسرائيلية التركية المشتركة، واستبعاد المبادرة المصرية الليبية، ومن ثم يصبح السؤال هل هناك بالفعل علاقة استراتيجية بين مصر والولايات المتحدة أم لا؟
وهل تسمح مصر بانفصال الجنوب وإقامة دولة مستقلة ترعاها القوى الغربية والدول الإفريقية التي تسير في ركابها؟ وهل تمثل هذه التطورات بداية حقيقية لإعادة صياغة استراتيجية مصرية وعربية جديدة تجاه السودان وإفريقيا تتواكب مع الاستراتيجيات الأمريكية الجديدة التي تشجع آليات التفكيك والتقسيم والتعامل مع الكيانات الصغيرة التي تدور في فلكها وتعتمد أجندتها ولا تخرج على النص الأمريكي؟
انظر:
- جولة أولبرايت والسياسة الأمريكية الجديدة تجاه إفريقية
- مبارك: توجيهات للتطبيع الكامل مع السودان


قضايا سياسية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

أدلة وخدمات

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع