مجريات الأحداث:
القضية الفلسطينية .. " زووم آوت "
عمان ـ محمد داود
في لغة الفن السابع فإن تصوير مشهد ما بطريقة "زووم إن" يعني التصوير عن قرب مع تركيز العدسة عليه لالتقاط تفاصيله الدقيقة، وفي هذه الحالة فإن المخرج يسعى لرصد التحولات الناجمة عن فعل ما، وبالتالي زيادة التأثير على المشاهدين، أما إذا قرَّر المخرج تصوير المشهد بطريقة "زووم آوت" أي التصوير عن بعد فإنه يكتفي برصد الحدث دون تتبُّع آثاره.
فعلى سبيل المثال لا الحصر ولتقريب المعنى فإن فيلم ستيفن سبيلبيرغ "إنقاذ الجندي رايان" والذي تدور تفاصيله في إحدى جبهات القتال في الحرب العالمية الثانية، استخدم هذه التقنية لزيادة التعاطف مع الجنود الأمريكان، إذ عمد "سبيلبيرغ" لتصوير مشاهد موتهم عن قرب (زووم إن) راصدًا آلامهم لحظة الإصابة، وطرائق سقوطهم على الأرض، متتبعًا أرواحهم أحيانًا وهي تصعد إلى السماء، فيما اكتفى في المقابل بتصوير مشاهد تساقط مجاميع جنود الحلفاء عن بُعد (زووم آوت)، فرصاص الحلفاء والجنود الأمريكيين يحصدهم كأكياس رمل تسقط دون مشاعر أو حتى دماء إلا بالقدر الذي يستدعي مشاعر العدوانية الكامنة في نفس المشاهد فتثير تعاطفه مع القاتل لا القتيل.
في الحالة الأولى: كان القتيل إنساناً يستدرُّ موته التعاطف مع آلامه، وأحزان محبيه الذين سيثكلهم موته. أما في الحالة الثانية: فإن الساقط تحت وابل نيران "الخير" الأمريكي مجرد شئ يتحول موته إلى حدث مثير حين يُضاف إلى سقوطه وقع أقدام جحافل "الخير" القادمة لتحرير البشرية من الغول النازي.
"سبيلبيرغ" مجرد تلميذ متفوق ونابغ في مدرسة الإعلام الغربي، وهو هنا مجرد مثال على النظرية التي باتت تجد لها تطبيقاً عملياً في القضية الفلسطينية، فالقضية التي تمحورت حولها هموم العرب وآلامهم، وتعلقت بها آمالهم على مدى نصف قرن غدت اليوم مجموعة من التفاصيل المثيرة للملل، تراكمت حتى غدت جبلاً أجرد يحجب آلام شعب، وآمال أمة.
صور طوابير اللاجئين المقتلعين من أراضيهم اختفت (ربما بحجة التقادم) من وسائل إعلام تُصرُّ على أن تكون بدون ذاكرة؛ فهي تلهث خلف الحدث الجديد، وتُصرُّ على تجاهل جذوره المنغرسة في الماضي حتى لو كان قريباً، الصور التي كانت ترصد معاناة اللاجئين ودموع الثكلى، وأنين المعتقلين اختفت، وحلَّت محلها صور مفاوضين متأنقين يفيضون حيوية وصحة، وتعلو مُحياهم علامات البشر والتفاؤل، فيما الحماسة المصطنعة نبرة تكسو أصواتهم وهم يتحدثون عن منجزات التفاوض، وصلابة الموقف الفلسطيني على مائدة المفاوضات.
فلسطين التي ظلت حاضرة في الضمير الشعبي العربي والإسلامي، وفي النتاج الفكري والثقافي بدءًا من الرسومات والأشعار والقصص والروايات والأغنيات، وانتهاءً بسيل من الدراسات والإبداعات المختلفة على مدي نصف قرن، والتي لم تغب عن الصفحات الأولى لكل الصحف العربية يومًا واحدًا، غدت خبراً داخلياً تزاحمه الإعلانات، وصورة مشوشة في العين مربكة للعقل.
التعاطي الإعلامي مع القضية الفلسطينية مقدمة قسرية ترمي إلى تحويل أخبار الصراع العربي - الإسرائيلي إلى مجرد فاصل إعلاني بين مشهدين فاترين من مشاهد الحياة اليومية، أو إلى مقطع من نشرة الأرصاد الجوية في طقس صحو، ولمن يستبعد حدوث هذا فليتأمل حجم الاهتمام الإعلامي والجماهيري بأنباء الغارات الأمريكية والبريطانية ضد العراق، أو الاعتداءات الإسرائيلية ضد الأراضي اللبنانية.
لقد تنبه الفلسطينيون في المراحل الأولى لثورتهم المعاصرة إلى أهمية إسماع صدى النحيب الفلسطيني للعالم، وجر آذان الغافلين ليصغوا لنشيج الأمهات والثكلى، وعملوا كثيرًا من أجل "حشر" صورة الفلسطيني في النشرات الرئيسية للأخبار؛ حتى يعلم الجميع كذب الادعاءات الإسرائيلية، ويرى معاناة الشعب الفلسطيني وعدالة نضاله ضد الاحتلال، غير أن هذا الوعي وهذه الإنجازات التي نجمت عنه تبددت، وغدت هباءً منثورًا حين تحولت القضية الفلسطينية في وسائل الإعلام إلى مجرد نصوص قانونية جامدة، وموائد مستطيلة يصطف حولها مفاوضون يتبادلون أحاديث ودية مهذبة، يتخللها تناول المشروبات الخفيفة والمعجنات.
الإعلام الغربي (إذ العربي غالباً مجرد تابع لا أكثر) لا يتولى نقل الخبر، وإنما يقوم بصناعته وتحديد الحجم الذي يتوجب أن يحتله، وحتى الفترة الزمنية المخصصة له من الاهتمام الجماهيري، وفلسطين هي الضحية الإعلامية إذ فيما تبتعد الكاميرات عن التقاط تفاصيل الصراع على الجانب الفلسطيني فإنها تعمد إلى التركيز على خلجات وجوه المستوطنين، ومعاناتهم حين يضطرون للتضحية بمكب نفايات وضعوه كنواة لمستعمرة عشوائية فوق تلة في الضفة الغربية.
نزع الصبغة الإنسانية عن القضية الفلسطينية وتحويلها إلى مجرد رموز وحسابات وخرائط مبهمة غير مفهومة يختزل محاولات طيّ ملف القضية الفلسطينية إعلامياً؛ لتغييبها عن الأذهان تمهيداً لدفنها في كتب التاريخ
قضايا سياسية
|
|
|