|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|||||||||||||||||||||||
|
|
|||||||||||||||||||||||
|
هذه المساحة مفتوحة لوجهات النظر المتعددة وإن اختلفنا معها:
الحركة الإسلامية وما بعد العنف؟
إبراهيم غرايبة - كاتب أردني -
تبدو أعمال العنف التي تخوضها حركات إسلامية عدة متجهة إلى التوقف والانتهاء، ليحل مكانها مُصالحة مع أنظمة الحكم وتدافع سلميّ، أو تراجع وانزواء لتحل مكانها حركات أخرى، وبرامج عمل قد تكون مختلفة إلى حد ما عن سياق العمل الذي سلكته الحركة الإسلامية منذ عقد السبعينات.
وبرغم أن مصطلح "الحركة الإسلامية" قد يشمل جماعات كثيرة مختلفة ومتناقضة بحيث يصعب الحديث عنها إلا بملاحظة الفروق والتجارب المختلفة للحركات الإسلامية؛ فإن تجربة استخدام العنف تكاد تكون مشتركة بين معظم الحركات الإسلامية، وإن اختلفت البيئة المحيطة بكل تجربة، كما أن الحركة الإسلامية الرئيسية في الوطن العربي (جماعة الإخوان المسلمين) ربما تكون تخلَّت عن العنف في وقت مبكر، وتقتصر تجربتها في هذا المجال على أقطار قليلة وظروف خاصة. ويبدو أن الحركات الإسلامية الأخرى متجهة رغماً عنها أو بقناعات جديدة إلى ما انتهت إليه "جماعة الإخوان المسلمين" من نبذ العنف، والبحث عن صيغ عمل سلمية.تعود تجربة العنف في "جماعة الإخوان المسلمين" إلى الأربعينيات عندما أنشأت تنظيماً عسكرياً لمقاومة الاحتلال البريطاني في مصر، وفي قناة السويس بخاصة، وشاركت الجماعة أيضاً في حرب فلسطين عام 1948 ولكن أعمال العنف امتدت لتشمل أشخاصاً ومؤسساتٍ مصرية، مثل اغتيال رئيس الوزراء النقراشي، وأعمال عنف أخرى استهدفت قضاة وشخصيات سياسية ومؤسسات مختلفة، وأدت هذه الأعمال إلى التضييق على الجماعة، وربما كانت هي السبب الرئيسي في اغتيال قائد الجماعة ومؤسسها الشيخ حسن البنا رحمه الله. وبرغم أن قادة النظام الخاص وصلوا إلى قيادة الجماعة فيما بعد، فإن الجماعة اتجهت منذ خروج أعضائها من السجون ومشاركتهم في العمل العام إلى العمل السياسيّ والإصلاحيّ السلميّ، ويبدو هذا المنهج اليوم قناعة راسخة لدى الجماعة، كما أن كل من يراقب الجماعة ويكتب عنها يعتقد ذلك. ولكن تجربة النظام الخاص في مصر لم تكن التجربة الوحيدة لجماعة الإخوان المسلمين في أعمال العنف، فقد دخلت الجماعة في السودان في تحالف مع المعارضة ودخلت في أعمال عسكرية ضد حكم النميري بعد انقلاب مايو 1969، ثم دخلت الجماعة في مُصالحة مع النميري عام 1977 ، وشاركته الحكم حتى عام 1984، ونفَّذت الجبهة الإسلامية انقلاباً عسكرياً عام 1989 وما زالت تحكم السودان بفعل ذلك الانقلاب. ودخل الإخوان في سوريا في أعمال عنف استهدفت نظام الحكم، ولقيت هذه الثورة فشلاً عسكرياً وسياسياً بعد مواجهة غير متكافئة في حماة عام 1982، ولحق بالإخوان المسلمين في سوريا منذ ذلك التاريخ التشريد والإقصاء، ولا يكاد يوجد لهم أثر في سوريا اليوم، وصدر قانون يقضي بإعدام كل من ينتمي إلى جماعة الإخوان المسلمين. ودخلت الحركة الإسلامية الأفغانية في ثورة عسكرية ضد الشيوعيين الذين وصلوا إلى الحكم بانقلاب عسكري جرى عام 1978 ضد الرئيس الأفغاني محمد داود، وكان جزء من الحركة الإسلامية يخوض أعمالاً عسكرية ضد حكومة محمد داود التي جاءت أيضاً بانقلاب عسكري على الملك ظاهر شاه عام 1973. ورغم أن المجاهدين الأفغان استطاعوا أن يُخرجوا الروس من أفغانستان، ويسقطوا الحكم الشيوعي فيها لكنهم أدخلوا البلاد في حرب أهلية هي أسوأ بكثير من أيام الشيوعية. وبرغم أن الحركة الإسلامية في فلسطين لا تواجه مشكلة مبدئية أو فكرية أو أخلاقية في عملياتها العسكرية ضد الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، ولكن الصعوبات الفنية لمثل هذا العمل والخسائر الكبيرة التي لحقت بالحركة بسببه جعلته يتوقف بعد تجربة قصيرة. وبرغم الإجماع على شرعية مقاومة الاحتلال وما يلقاه من تأييد كبير؛ فإن الحركة الإسلامية في فلسطين ربما تكون حققت نتائج سياسية وانتشاراً وتأثيراً بفعل عملها السلمي أكبر بكثير مما تحقق بفعل العمل العسكري. وانتهت أكبر تجربة لأعمال العنف الإسلامي ضد الحكم في الجزائر بالهزيمة والفشل لجبهة الإنقاذ الإسلامية، وخسائر كبيرة على مستوى الجزائر كبلد، وكذا الحال في مصر حيث انتهت تجربة جماعتي الجهاد والجماعة الإسلامية اللتين دخلتا في عمليات عسكرية ضد نظام الحكم في مصر بالفشل العسكري والسياسي للجماعتين، وخسائر كبيرة للاقتصاد والتنمية في مصر. فالتجربة الوحيدة التي نجحت للإسلاميين في استخدام العمل العسكري ضد الحكم هي تجربة الجبهة الإسلامية في السودان عام 1989، وهو نجاح فنيّ بمعنى تغيير الحكم، وقد تم ذلك دون إراقة دماء، ولكن الحكم الإسلامي في السودان يواجه تحدياتٍ كبيرة جداً جعلت نجاحه ضئيلاً، أو موضع تهديد كبير. الخاتمة بالفشل لأعمال العنف لم تقتصر على الإسلاميين في الفترة الأخيرة لكنها شملت جميع التجارب الأخرى تقريباً، فقد شهدت معظم الثورات والأعمال العسكرية التاريخية نهايتها في السنوات الأخيرة، مثل: الجيش الجمهوري الأيرلندي، والثورة الكردية في تركيا، والمقاومة العسكرية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وكثير من الثورات والحركات الانفصالية في العالم كالباسك، والألوية الحمراء. واتجهت الحركة الإسلامية في معظم الأقطار إلى المشاركة السياسية من خلال الانتخابات النيابية والبلدية والنقابية التي شهدت في عقد التسعينيات توسعاً كبيراً. ويبدو أن الحركة الإسلامية قبلت الممارسة والتفكير باللعبة الديمقراطية، وسعت لتحقيق المكاسب السياسية والعامة بمحاولة المشاركة في التنافس على السلطة والسعي في تحقيق مكاسب انتخابية، ولكنها أيضاً تجربة لم تحقق للحركة الإسلامية القبول والاستقرار، وتبدو الصورة اليوم وكأنها تحولت من عنف عسكري إلى عنف سياسيّ، فالحركة الإسلامية وإن قبلت بالعمل السلمي والتزمت به، ولكن نجاحاتها الكبيرة في البرلمان والنقابات جعلتها تحدياً مزعجاً للحكومات، وجرَّ عليها السجن والتضييق والإقصاء والملاحقة، وصار تساؤل ما بعد السياسة قوياً وملحاً بدرجة قوة سؤال ما بعد العنف وإلحاحه. ويبدو أن الخيار السياسي للحركة الإسلامية يحتاج إلى مراجعة وإعادة تفكير، وثمة من يعتقد أن الحركة الإسلامية في فلسفتها ونشأتها ورسالتها يجب أن تنأى عن العمل السياسي بمثل ابتعادها عن أعمال العنف، لأن النتيجة واحدة، وهي تعرضها للتهديد والإضرار بالمجتمعات وزيادة الإرهاب والظلم والتسلط، كما أن الحركة الإسلامية عندما نشأت في أوائل هذا القرن لم تكن حركات سياسية برغم أن العمل السياسي والحزبي كان متاحاً. فقد التزمت جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وأقطار أخرى كثيرة بالعمل المجتمعي والإصلاحي بحيث يكون الهدف إصلاح المجتمعات والحكومات دون منافستها على الحكم والمغانم. وكانت هذه القناعة واضحة لـ "حسن البنا"، فهو لم يجعل جماعة الإخوان المسلمين حزباً سياسياً مثل الأحزاب السياسية التي كانت منتشرة في مصر وتعمل بحرية، وكانت مشاركة الإخوان في الانتخابات النيابية في الأربعينيات رمزية لا تهدف إلى تحقيق مكاسب سياسية أو حصة كبيرة في البرلمان، وكان "البنا" يراوح بين التأييد والمعارضة، ويعتقد بضرورة العمل الأهلي والشعبي ويقاوم إغراء العمل الرسمي، وقد عرض عليه الأمير عبد الله أمير شرق الأردن في الأربعينيات أن يمنح بعض الإخوان لقب الباشاوية ويعينهم وزراء في حكومته ويتعاون مع الإخوان في عمل إسلامي ودعوي، فشكره "البنا" وقال: إنه اختار العمل الشعبي، ويأمل أن يتكامل العمل الشعبي والرسمي معاً لخدمة الدين والأمة. فالسلوك السياسي الذي خاضته الحركة الإسلامية بعد العنف قد يكون أيضاً استثناءً قد تحتاج أن تتراجع عنه لتعود إلى صيغتها الأصيلة التي بدأت بها العمل. والتحولات الكبيرة والمهمة التي تجري في العالم اليوم تشجع على الابتعاد عن العمل السياسي والمشاركة في العمل الأهلي المجتمعي، فقد تغيرت السياسة كثيراً ولم تعد هي الحكم أو المشاركة في الحكم، وتراجع دور الحكومات كثيراً وصار دورها مقتصراً على التنسيق والمراقبة والدفاع والأمن، ومن ثم فإن مداخل التأثير والعمل والإصلاح لم تعد مستمدة من العمل السياسي بمفهومه التقليدي. وهكذا فإن الحركة الإسلامية برغم تخليها عن العنف لم تتخلّص من الحيرة والتيه والارتباك ولم تحسم أمرها بعد، وظلت مرحلة ما بعد العنف انتقالية أو غير مستقرة ولم تُكيِّف نفسها وفق البيئة الجديدة المحيطة بها واحتياجاتها وأولوياتها الحقيقية
|
|
|||||||||||||||||||||||||||||||
|
||||||
|
||||||
|
كلمة الشيخ القرضاوي | شروط الخدمة | حقوق النشر محفوظة @ 1999 - 2008 إسلام أون لاين.نت |
||||||