English

 
 

اسألوا أهل الذكر

|

معًا نربي أبناءنا

|

الحج والعمرة

|

الزكاة

|

صحية

|

دعوية

|

إيمانية

|

شبابية

استشارات:

 
ما بعد الانتخابات الايرانية
إيران.. مُنتظِري ينتظر قول الساسة الجدد
علي صبري

    الاهتمام والمتابعة الحثيثة للانتخابات الإيرانية تجاوزت حدود التراب الإيراني إلى العالم العربي والدولي، فقد كانت أطراف عديدة تترقب نتائج المباراة السياسية الساخنة سريعة الإيقاع؛ لأنها ستنعكس حتمًا على ملف ومسار العلاقات بين دول عديدة ودولة الثورة الإسلامية، وإذا كان معظم المراقبين -أشخاصًا وأنظمة حكم- يتطلعون إلى رجحان كفة تيار الانفتاح على الخارج؛ لتجاوز حواجز أعاقت علاقة إيران مع عدد من الدول -بغض النظر عن المتسبب في هذه الإعاقة- إلا أن نتائج الانتخابات تجاوزت توقعات المراقبين حتى من داخل ساحة الصراع الانتخابي، وستكون - حسب ما يبدو - بوابة جديدة ستدخلها إيران تُغير فيها كثيرًا من ملامحها وسياساتها، بعيدًا عن تقدير اتجاه هذه النقلة .. هل هي إلى الأمام أم إلى الخلف ؟!
تعزيز خيار الانفتاح
ما أفرزته هذه الانتخابات لم يكن أكثر من تأكيد ومصداقية على توجه جديد وروح تحررية من إرث أشخاص النظام السابق وليس روح النظام، وبرز هذا التوجه في انتخابات 97 التي سيَّدت "محمد خاتمي" على حكومة طهران، وكانت إيذانًا ببداية التحول في مسار السياسة الإيرانية على صعيد الداخل والخارج على حد سواء، فعلى الساحة الإيرانية تفاعلت قضايا حرية الرأي بين محاولات الخروج عن التقليد الثوري منذ قيام الثورة، بتوجيه انتقادات صريحة ومباشرة لرموز الثورة ومسيرتها على صفحات الصحف التي بدأت تعج بها إيران، وبالمقابل نشطت عمليات الدفاع المستميت عن نمط الحياة الثورية التقليدية للآيات وحكمهم "للشعب، وكانت المحاكم الدينية ساحة لهذا الصراع بين التمرد والمحافظة على التقليد.
وتطور الصراع إلى محاولات تصفية لأقطاب ورموز التيار "المتمرد"، مثل "حسين كرباستشي" ( عمدة طهران السابق وزعيم حزب كوادر البناء)، "وعبدالله نوري" (وزير الداخلية السابق) في محاولة من التيار المحافظ؛ لردع الشارع الإيراني بمثل هذا القمع السياسي حتى لا تتكرر محاولات التجرؤ على الموروث الثوري الديني، لكن الحملة المحافظة منذ اعتلاء "خاتمي" الحكم وإلى حين إجراء هذه الانتخابات صبت في حساب التيار المقموع، وأكسبته تعاطفًا جارفًا لدى الشارع، فقد نجح في توظيف معاناته واضطهاده من قِبل التيار الممسك بتلابيب المؤسسات القوية في الدولة (القضاء ومؤسسة الخبراء)، وكلاهما سلاح قوي لجلد كل مخالف جلدًا سياسيًا لا يرحم، فالقمع زاد من تحدي الإصلاحيين الذين أكدوا على الدوام للمواطن الإيراني أنهم يدفعون ثمن حريته وانعتاقه من أغلال الحكم المتشدد؛ ليعيش كغيره دون قيود مضروبة عليه تحول دون اختيار نمط حياته في إطار النظام العام المقبول في دولة إسلامية، وهذا هو جوهر الحملة التي تبنَّاها التيار الإصلاحي، إضافة إلى البند الآخر من مذكرة عمل هذا التيار وهي المتعلقة بالعلاقة مع الخارج.
حقبة خاتمي
منذ أن تولّى "محمد خاتمي" مهامه كرئيس للجمهورية، بدأت طهران بحركة نشطة في ترميم علاقاتها الخارجية مع الجوار العربي التي اتسمت علاقاتها معها بكثير من الحذر والتخوف على مدى سنين طويلة، فأعاد خاتمي الدفء لهذا القطاع من العلاقات، وبادر إلى إزالة العوائق من طريق إصلاح ذات البين ..
ولم تغفل طهران فتح قنوات اتصال إيجابية، وتحسين علاقاتها مع بعض الدول الغربية لا سيما التي "لا تمسك" بذيل الولايات المتحدة ومستقلة في سياستها، مثل: فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا .. وبقي ملف العلاقة مع واشنطن غير واضح للقراءة بما فيه الكفاية، فقد صدرت عدة إشارات من طهران وواشنطن ترحب بتحسين العلاقة دون خطوات عملية، ووصفت شروط مسبقة من الطرفين لا توحي بسهولة وعجلة الجانبين لفتح صفحة جديدة بيضاء، لَكَم يمكن احتسابها على أنها المغازلة قبل بدء الحديث الجاد أو المساومة أو التفاهم، ولعل ما سمي بدبلوماسية كرة القدم في لقاء منتخبي البلدين أحد أوجه التحضير لمثل هذه الخطوات التطبيعية، وقد عبر بعض أقطاب التيار الإصلاحي في حملته الانتخابية بوضوح عن حرصهم وترحيبهم بإصلاح العلاقات مع واشنطن، مسقطين شعار "الشيطان الأكبر"عنها، وقابلها من الطرف الآخر التعبير عن أمل الإدارة الأمريكية في فوز الإصلاحيين في هذه الانتخابات، وهو ما يشير إلى أن تطورات جادة ستطرأ على هذا الملف بعد أن باتت أهم مؤسستين في إيران بيد التيار المعني وهما: الحكومة والبرلمان.
جيل جديد
كان ربط بعض الرموز الإصلاحية فوز قوائمهم بنسبة إقبال عالية من الناخبين على الاقتراع تقديرًا سليمًا لتوجهات الشارع الإيراني، إذ كانت المشاركة الواسعة على الاقتراع تعني إقبال أكثر من قطاعين هامين ومؤثرين في ميزان الانتخاب وهما: قطاع الشباب وقطاع المرأة، وهما الأكثر تأثرًا (سلبًا") من سياسات الحقبة السابقة المتشددة، خصوصًا في مجال الحريات الشخصية والعامة، وهذا ما كان بالفعل؛ فقد كان التفاعل والتجاوب قويًا من هذين القطاعين مع شعارات الإصلاحيين، فنسبة كبيرة من هذه الفئة لم ترتبط بصورة وثيقة بالثورة الإسلامية ولا هي عايشت حقبة الشاه، وحتى لم تعش مخاضات الحرب مع العراق التي توقفت قبل 11 عامًا، إضافة إلى أن اتصال المجتمع الإيراني بالمجتمع الدولي شهد طفرات كبيرة كغيره من خلال الإنترنت والفضائيات، ولمست هذه الفئة مدى الهوة التي تفضلهم عن أمثالهم من الشباب في دول قريبة وبعيدة عنهم .. فدفع ذلك كله الشباب بصورة طبيعية إلى تبني الشعارات الداعية إلى الانفتاح ومسايرة المجتمعات الأخرى، وربما زاد من هذا التأييد تلك الحملة التي شنها المحافظون على رموز التيار الإصلاحي .. فكانت نتائج الانتخابات مفاجئة ومتسقة مع مفاجأة الإقبال الكبير.
رفسنجاني..التراجع الكبير
إذا كان في هذه الانتخابات قدر كبير من المفاجآت، فإن أكثر هذه المفاجآت إبهارًا لمن تابع الانتخابات هو تأخر مركز الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني كثيرًا بفشله في تحقيق مركز متقدم في دوائر طهران الثلاثين.
المركز المتأخر الذي حققه رفسنجاني في محافظة طهران لا يخلو من دلالات واضحة وصارخة: في مقدمتها أن الشارع الإيراني قام فعلًا بمراجعة حصاد سياسة بلاده على مدى العقدين الماضيين؛ وذلك لأن رفسنجاني كان أبرز رموز وصنَّاع السياسة الإيرانية خلال تلك الحقبة المليئة بالأحداث والصراعات التي خاضتها إيران وأثرت في مسيرتها تأثيرًا بليغًا، وأن تقييم هذه المرحلة ينعكس حتمًا على تقييم الرجل الأول فيها، والعملية تبادلية، وهذا ما كان، فإن تراجع رفسنجاني يعني بصورة مباشرة أن الشعب لم يكن راضيًا عن سياسة تلك الفترة، أو أن مراجعته المتأخرة أوصلته لهذه النتيجة، فأخَّرت صناديق الاقتراع الرجل الذي سُجل على رأس عدة قوائم محافظة وإصلاحية للاستفادة من شعبيته الواسعة، فلم يفرط في هذه الورقة الرابحة سوى فصيل إصلاحي واحد ( جبهة المشاركة بزعامة محمد رضا خاتمي شقيق الرئيس)، لكن أوراق الانتخابات قالت وبصوت عالٍ، نريد أن نبدأ عصرًا جديدًا بعيدًا عن كل المرحلة السابقة ورموزها، وهذه أبرز دلالات الانتخابات.
حراك داخلي وليس ثورة
ما تشهده إيران من صراعات سياسية عالية الصوت تجربة تستحق الوقوف طويلًا على مجمل مراحلها وأحداثها، إلا أن مرحلة حكم خاتمي التي توالت الأحداث فيها بإيقاع سريع حملت خصوصية تفتقدها معظم التجارب إن لم يكن كل تجارب المنطقة، ومن أبرز مظاهر هذه الخصوصية مظهران:
الأول : أن الحراك الذي تشهده الساحة السياسية والصراع بين تياراته المتعددة التي كانت ولا تزال تتجاذب الناخب الإيراني إنما تسير جميعًا على قضبان سكة النظام ذاتها، فليس من بين كل الأحزاب المتنافسة في حلبة الانتخابات مَن طالب بإسقاط النظام الإسلامي أو نقض أحد أسسه (باستثناء المعارضة من الخارج وهي خارج اللعبة بالطبع)، فالصراع السياسي لا يزال محكومًا بالإطار الإسلامي الذي قامت عليه الجمهورية، ولم يتعدَ الخلاف سياسات وحدود الممارسات اليومية للحكم، مثل حدود الحريات الشخصية، وحرية الكلمة التي يجب أن تمنح للمواطن والمؤسسات التي تنتظمه، وصلاحيات محاكمة وردع التجاوزات في هذه الميادين، وكذلك مسار العلاقات الخارجية، وهي قضايا فرعية لا يمكن اعتبار المناداة بتعديلها ثورة داخل ثورة كما يصور بعض المراقبين، لأنها ليست أكثر من تصحيح مسيرة ومراجعة من داخل بيت النظام وليس انقلابًا عليه.
والثاني: أن صراع التيارين المختلفين في كل مراحله الباردة منها والساخنة لم يتجاوز سوى استخدام سلاحي الرأي والقانون، ولم يلجأ أي من الطرفين إلى استخدام القوة "كظاهرة" لفرض رأيه على الآخر وعلى المجتمع، وحتى عند محاولة إبعاد رموز إصلاحية عن ساحة الصراع الانتخابي مثل "كرباستشي" و"نوري" وهي التي كانت أبرز صور الصراع، فقد تم تصفية الحساب معهما عن طريق المؤسسات الرسمية وبسلاح القانون، صحيح أن المحافظين استغلوا ثقلهم في هذه المؤسسات التي تقبض على صلاحيات واسعة، وبعيدًا عن صوابية أو خطأ تسخير مثل هذه الصلاحيات لحسم الخلافات في الرأي والقراءات السياسية، فإنه يسجل للديموقراطية الإيرانية أن يبقى الصراع سلميًا محكومًا بأدوات مشروعة وإن كانت قاسية.
ما مصير ملف منتظري ؟!
آية الله حسين علي منتظري (78 عامًا)، نسيب الإمام الخميني وأحد أعمدة الثورة، وكان مرشحًا لخلافة الخميني في منصب المرشد، كان أحد أبرز ضحايا أحادية الرأي وقمع الحقبة الإيرانية السابقة ولا زال، فهو رهن الإقامة الجبرية في منزله بمدينة قم (مركز آيات الله والعلم الديني)، وقد أغلقت السلطات كليته الدينية وزجت بالعديد من مؤيديه في السجن، ومع ذلك يواصل الزعيم انتقاداته اللاذعة لأفكار الخميني وغيره من رموز السلطة الدينية الحاكمة في إيران وفي مقدمتهم المرشد الحالي خامنئي.
ويواصل منتظري تسريب تصريحاته المثيرة للجدل وإعلانه أن " الدستور ليس قرآنًا منزلًا من الله لا يمكن تعديله"، ويؤكد أنه بعد عشرين عامًا من وضع الدستور الأول وعشر سنوات منذ تعديله "فإننا نحتاج إلى إعادة النظر في كل شيء في إيران، لقد تغير الجيل ويجب ألا نعيش اليوم بنفس أفكار وتوجهات مرحلة ما بعد الثورة الإسلامية"، وقد يكون أول ما سينظر فيه البرلمان الجديد هو تعديل الدستور، ولكن يجب أن يملك الإصلاحيون أكثر من ثلثي المقاعد اللازمة لتعديل الدستور.
ماذا سيكون مصير ملف منتظري الذي يعد المتمرد الأول والأجرأ على نقد مسلمات النظام الإيراني في ظل الحقبة الجديدة ؟! وكيف سيتعامل معه ساسة إيران الجدد ؟ هل سيبقى ملفه محرمًا على الفتح والنظر؟ أم ستطاوله موجة الانفتاح وتقبل الرأي الآخر، وسينظر له على أنه ليس أكثر حرمة من فتح ملف العلاقة مع تل أبيب الذي لا يستبعد أحد رموز الإصلاحيين بحثه.
يبقى أن تمكن التيار الإصلاحي (غير الكامل) من السيطرة على القرار الإيراني لا يعني أن السياسة المقبلة ستكون كلمة واحدة مجمع عليها، لأن هذا التيار نفسه عبارة عن فصائل مختلفة لا يجمع بينها سوى الرغبة في تغيير وتغييب رموز الحقبة السابقة، وفتح الأبواب أمام الحريات والتطبيع مع الخارج، لكن في القضايا التفصيلية يبقى لكل حزب مشروعه وأطروحاته الخاصة به، ثم إنه بعد أن يخسر نفوذ المحافظين على المدى القصير أو المتوسط، سينتقل الصراع السياسي إلى داخل أروقة ما يعرف اليوم بالتيار الإصلاحي بحكم قواعد اللعبة السياسية، وسيعاد فرز الأحزاب تحت لافتات جديدة، وهذا أهم ملامح انتقال إيران من الثورة إلى الدولة، وهي خلاصة ما يجري في إيران اليوم


قضايا سياسية

 

«

ابحث 

«

بحث متقدم

 

من نحن | اتصل بنا | أعلن معنا | ادعم إسلام أون لاين | خارطة الموقع