البَـرَكَــةُ...
الأمان الاقتصادي من الفقر!
ما دمنا نؤمن بالله ونصدقه، فنحن نؤمن بالبركة ونصدّق وجودها، لأنها غيب يرسله الله بعلمه، فيعطي به عباده المستحقين صك أمان ضد الفقر!
و"البركة" على هذا النحو مفهوم اقتصادي إسلامي، يضع في اعتباره خصوصية المجتمع وعقيدته عند حساب أرباح النمو، ويرسم لمن يخطط السياسة الاقتصادية معالم في الطريق يهتدي بها في وضع النسق الاقتصادي، حيث شرط تجلى البركة إلى واقع مادي ملموس هو التقوى، وإذا لم تلتزم السياسة الاقتصادية للمجتمع بهذا الشرط، وإذا لم ينضبط السلوك الاقتصادي للفرد وللدولة وفق هذا الضابط، لم يتحقق الشرط فلا نلمس التجلي الفعلي للبركة في حياتنا اليومية، ويصبح الحاكم الوحيد هو دقة الأرقام الاقتصادية فيغيب -بفعلنا- فضل الله.
في ضوء ذلك نستطيع أن ندرك حثّ النبي (صلى الله عليه وسلم) على صلاة الفجر؛ حيث توزع الأرزاق في البكور "بورك لأمتي في البكور"، ويمكننا أن نصدق المعادلة الاقتصادية النادرة التي يصعب أن يدركها أي مجتمع تضيع من نفسه الثقة في الله، نتيجة ثقته الزائدة في إحكام خططه الاقتصادية وضبط أرقام موازنته العامة، فلا يصدق أن "طعام الواحد يكفى الاثنين وطعام الاثنين يكفى الثلاثة.."
ولا يعنى هذا إطلاقا عدم ضبط التخطيط الاقتصادي أو ممارساته وفق النظرية وقواعد المحاسبة الاقتصادية الصحيحة، ولكنه فقط يعنى مراعاة خصوصية المجتمع ومعتقداته عند التطبيق، وبالتالي الحصول على "البركة" كصك أمان اقتصادي استثنائي.
وهذا ما فعلته دول الاتحاد الأوربي على سبيل المثال في قمة منظمة التجارة العالمية WTO الأخيرة في سياتل، عندما أعلنت الولايات المتحدة أن على دول السوق الأوربية أن تقوم بإلغاء ما تقدمه من دعم لسلعها الزراعية على أساس أن هذا الدعم يخل بمبدأ حرية التجارة، فكان رد السوق الأوربية، أن نظام الزراعة الأوربي لا يسمح بذلك لأنه يقوم على عدد كبير من المزارعين الصغار الذين يحتاجون إلى حماية من الدولة، وفشلت قمة سياتل لهذا السبب. ومع ذلك علَّق المسئول عن النظام التجاري في الاتحاد الأوربي بمنتهى الصراحة قائلاً: نظام الدعم قد يتضمن بعض الخروج عن نظام السوق الحر، ومع ذلك نُصرُّ على ضرورة المحافظة على الدعم لأسباب اجتماعية وسياسية وإنسانية!. هي الخصوصية أذن.
إلا أن المحكمة العليا الباكستانية كان لها رأى آخر في التطبيق الاقتصادي يستجلب مفهوم البركة، وينزلها بالتقوى إلى أرض الواقع في مجتمع مسلم، حيث أصدرت المحكمة حكمها بمخالفة نظام البنوك للشريعة وبوجوب تغيير النظام وآليات عمله، وأشار الحكم إلى وجود تحايل وتلاعب في الألفاظ والأسماء بالمعاملات البنكية؛ حيث يتم استخدام أسماء مثل: المضاربة، والمرابحة، والمشاركة في عمليات البنوك بدلاً من أسماء مثل: الفوائد، والقروض، والائتمان، في حين تظل المسميات تحمل مضمونًا ربويًا لا يتفق مع الشرع.
والمدهش أن المحكمة لم تكتفِ بذلك؛ بل أصدرت مع الحكم دراسة كاملة استعانت فيها بالخبراء الذين عملوا على مدى سنوات عديدة لإعادة هيكلة الاقتصاد الباكستاني والنظام البنكي فيه وفق طبيعة المجتمع وعقيدته الإسلامية. ومؤكدة بذلك على أهمية التقوى كيقين فردي لكل مسلم يلتزم بها في سلوكه وتخطيطه فتمنعه من التحايل على الله حتى في السلوك الاقتصادي، وساعتها يستحق بركته في ماله ومعاشه.
وعلى المستوى الفردي للأشخاص نجد البركة واقعًا ملموسًا في معالجة الفقر والحاجة ما دام الناس يدعون الله فيعطيهم ويبارك لهم في القليل، وهو ما يعكسه الرصد الاجتماعي لذوي الدخل المحدود وهم نسبة تزيد عن 50% من تعداد السكان في العالم العربى، أو من يعيشون تحت مستوى الفقر وهم نسبة تصل إلى 30% من تعداد السكان، ومع ذلك تعيش الأسر بدخل يقل عن أربعين دولارًا شهريًا؛ في حين أن احتياجاتها الاستهلاكية تتجاوز مائة دولار شهريًا!
ووفقا "لنظرية الاستهلاك" فإن هدف المستهلك هو تعظيم الإشباع أو المنفعة، في حين نجد التطبيق الإسلامي للاستهلاك لا يجنح نحو "التعظيم" بل يميل إلى "القصد" ويضع بُعدًا غيبيًّا مثل "البركة" في تطبيق النظرية؛ فيتحقق بذلك قدر من الأمان رغم قلة الموارد، وإلا فلن نفهم كيف يدفعنا الله ورسوله إلى إكرام الضيف وإيثاره؛ حتى وإن ضاقت اليد! لاقتران ذلك بالإيمان ويقول النبي (صلى الله عليه وسلم): "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه.." ويقول أيضًا: "الخير أسرع إلى البيت الذي يؤكل فيه من الشفرة إلى سنام البعير". أي الذي يجرى السكين فيه إلى الجمل فيذبحه إنفاقًا وكرمًا.
"البركة" إذن قد تتعارض مع نظرية الاستهلاك أو لا تتفق مع السلوك الاقتصادي الرشيد وفقا لماكس فيبر، لكنها بالقطع صك اقتصادي فعّال في المجتمع المسلم، جـربـوه أو اقرأوا
سورة نوح!!
|
|
|
|